ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
في عالم التكنولوجيا، لا يكفي أن يكون الابتكار مبهرًا حتى يصنع النجاح. كما أن الاستفادة الكاملة منه لا تتحقق بشكلٍ تلقائيّ، وإنما تعتمد على قدرة المؤسسة على تكييف طريقة عملها مع الإمكانات التي توفرها التقنية الجديدة.
هذه الحقيقة تزداد أهميةً عندما يتعلق الأمر بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وخاصةً الذكاء الاصطناعي الوكيل، الذي يتطلب من المؤسسات إحداث تغييرٍ جذريٍّ في طريقة تنظيم العمل داخلها، بما يشمل آليات اتخاذ القرار، وطرق إنجاز الأعمال والتنسيق بين مختلف الإدارات، إلى جانب بناء القدرات التي تحتاجها المؤسسة، وتحديد الأنشطة التي تحقق الفائدة المرجوة. ومع انتقال المؤسسات من مرحلة تجريب هذه التقنيات إلى إعادة تنظيم العمل للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، يصبح من المهم الإجابة عن سؤالين: ما التغييرات التي تحتاج المؤسسات إلى إدخالها على طريقة عملها حتى تحقق نتائج أفضل من الذكاء الاصطناعي؟ وما الذي يجب على القادة التركيز عليه لتحقيق أكبر أثرٍ من هذه الاختيارات؟
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
وللإجابة عن هذين السؤالين، استندت ماكنزي إلى نتائج استطلاعٍ عالميٍ كانت قد أجرته في مرحلةٍ سابقة لقياس مدى تقدم المؤسسات في استخدام الذكاء الاصطناعي واستعدادها لإحداث تحولٍ في أعمالها بالاعتماد عليه، ثم بنت على تحليله استطلاعًا جديدًا شمل أكثر من 700 من التنفيذيين وكبار القادة1 في مؤسساتٍ تعمل في قطاعاتٍ ومناطق جغرافيةٍ مختلفة، لمعرفة كيف تؤثر طريقة تنظيم العمل في قدرة المؤسسات على تغيير أساليب عملها بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وانعكاس ذلك على مستوى أدائها.
وقد أظهر البحث الجديد أن المؤسسات التي وصلت إلى مرحلة إعادة التفكير جذريًّا في كيفية إنجاز أعمالها، والتي يطلق عليها البحث "مؤسسات إعادة الابتكار"، أفادت بمستوى أعلى من الفاعلية في تنظيم العمل مقارنةً بالمؤسسات التي لا تزال في مراحل أبكر من استخدام هذه التقنية، يُرجى الاطّلاع على العمود الجانبي بعنوان "نبذة عن البحث".
في هذه المقالة، نستعرض الاختيارات المتعلقة بطريقة تنظيم العمل التي تتخذها المؤسسات في مرحلة "إعادة الابتكار"، ومدى نجاحها في تطبيقها لتحقيق مكاسب ملموسة من استخدام الذكاء الاصطناعي. كما نستخلص من النتائج الخاصة بهذه الفئة خمسة دروسٍ يمكن أن تساعد القادة على تحقيق عائدٍ أكبرَ من استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي.
إلى أي مدى يؤثر مستوى دمج الذكاء الاصطناعي في أعمال المؤسسات على فاعلية تنظيم العمل؟
بحسب الاستطلاع الخاص بتقييم مدى استعداد الأفراد والمؤسسات للذكاء الاصطناعي والبحث الجديد، فإنه يمكن تصنيف المؤسسات ضمن ثلاث مراحل، وفقًا لمدى عمق دمج الذكاء الاصطناعي في أعمالها اليومية. تبدأ المرحلة الأولى بـ"تمكين الموظفين"، حيث يحصل الموظفون على أدواتٍ عامةٍ للذكاء الاصطناعي تساعدهم في أداء بعض جوانب مهامهم اليومية. ثم تأتي مرحلة "أتمتة المهام"، التي تستخدم فيها المؤسسات الذكاء الاصطناعي على نطاقٍ واسعٍ لأتمتة مسارات العمل المشتركة بين الإدارات المختلفة وتحسينها. أما المرحلة الثالثة، وهي "إعادة ابتكار طريقة العمل"، فتذهب فيها المؤسسات إلى أبعد من ذلك، من خلال إعادة تفكيرها في كيفية إنجاز المهام، ووضع تصورٍ جديدٍ للأدوار ومسارات العمل وطريقة تنظيم العمل داخل المؤسسة، لتحقيق أقصى استفادةٍ ممكنةٍ من إمكانات الذكاء الاصطناعي، كما هو موضح أدناه في "الشكل 1".
وعند مقارنة المراحل الثلاث، نجد أن المؤسسات التي بلغت مرحلة "إعادة الابتكار" لا تمثل سوى 13 في المائة من عينة هذا البحث، ورغم ذلك أظهرت الدراسة السابقة حول الجاهزية للذكاء الاصطناعي أنها الأكثر احتمالًا بشكل ملحوظ لتحقيق نتائج ملموسة من استخدام هذه التقنية مقارنةً بالمؤسسات الأخرى في المرحلتين السابقتين. فقد أفاد 48 في المائة من القادة في مرحلة "إعادة الابتكار" بتحقيق هذه النتائج، مقابل 13 في المائة فقط في مرحلة "التمكين" و24 في المائة في مرحلة "الأتمتة".2
غير أن هذا الفارق في الأداء لا يرجع إلى اعتماد مؤسسات إعادة الابتكار على نموذج تشغيلٍ واحدٍ يوصف بأنه "الأفضل"، وإنما إلى الجمع بين مجموعةٍ مختلفةٍ من الاختيارات المتعلقة بكيفية تصميم طريقة العمل، وتنفيذها بدرجةٍ أعلى من الفاعلية والتركيز.
ولفهم ذلك بصورةٍ أوضح، ينبغي النظر إلى طريقة تنظيم العمل باعتبارها منظومةً ديناميكيةً من الاختيارات المترابطة، وهو ما يوضحه بحث "ماكنزي" بعنوان "تنظيم العمل لتحقيق النتائج المستهدفة"،3 الذي يتناول 12 عنصرًا تحدد من خلالها المؤسسات طريقة تنظيم أعمالها، من بينها الهيكل التنظيمي والحوكمة والعمليات والتكنولوجيا والقيادة والقوى العاملة ونظام المكافآت، كما يوضح "الشكل 2". وسواء أدخلت المؤسسة تعديلاتٍ على عددٍ من هذه العناصر أو غيّرتها جميعًا، فإن هذه الاختيارات مجتمعةً تشكّل البصمة الخاصة بكل مؤسسةٍ في تنظيم أعمالها.
ومهما اختلفت الاختيارات من مؤسسةٍ إلى أخرى، تشير النتائج إلى أن المؤسسات في مرحلة "إعادة ابتكار طريقة العمل" تسجل مستوياتٍ أعلى من الفاعلية في العناصر الـ12 جميعها، مقارنةً بالمؤسسات التي لا تزال في مرحلتي "الأتمتة" و"التمكين"، كما هو موضح أدناه في "الشكل 3".
الوضوح والسرعة يصنعان الفارق
بعد أن تعرفنا على الاختيارات التي تشكل طريقة تنظيم العمل، ننتقل إلى أربعة جوانب رئيسية في أداء المؤسسة، ترتبط بمدى نجاح القادة في تنفيذ هذه الاختيارات، وهي الوضوح، والسرعة، والمهارات، والالتزام. ويقصد بالوضوح توجيه موارد المؤسسة وتحديد المسؤوليات بما يتوافق مع الاستراتيجية، أما السرعة فتعني قدرة مسارات العمل المدعومة بالتكنولوجيا على الإنجاز بسرعةٍ وسلاسةٍ. وتشير المهارات إلى قوة عاملةٍ تمتلك القدرات التي تؤهلها للاستعداد للمستقبل وتحقيق أفضل النتائج، أما الالتزام فينبع من ثقافةٍ تركز على الأداء. وفي هذا الصدد، يكشف تحليلنا الجديد أن المؤسسات التي تعيد تنظيم طريقة العمل تسجل نتائج أفضل في هذه الجوانب الأربعة جميعها. في المقابل، يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي في أتمتة مسارات العمل القائمة دون السعي إلى إعادة تنظيم طريقة العمل إلى مستوياتٍ أقل من الوضوح والمهارات مقارنةً بالمؤسسات في مرحلة "التمكين"، كما يوضح "الشكل 4".
ويظهر الفارق بصورةٍ أوضح في السرعة والوضوح؛ فقد كانت نسبة المؤسسات في مرحلة "إعادة الابتكار" التي أفادت بتحقيق سرعة أكبر أعلى بـ20 نقطة مئوية من نظيرتها في مرحلة "التمكين"، وبـ10 نقاط مئوية من نظيرتها في مرحلة "الأتمتة".
وتوضح أبحاث ماكنزي المرتبطة بنهج "Rewired" لإعادة تنظيم المؤسسات لطريقة عملها، للاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أن السرعة تمثل الميزة التنظيمية الفارقة في عصرنا الحالي. فالشركات باتت اليوم تخوض سباقًا للابتكار مع شركات أخرى يمكنها الوصول إلى نفس التقنيات، فلم تعد الأفضلية تقتصر على امتلاك التقنية، وإنما في سرعة توظيفها لحل مشكلات الأعمال على نطاق واسع. لذا تنجح الشركات في هذا السباق عندما تتمكن طريقة تنظيم العمل لديها من إعادة توزيع الموارد بسرعةٍ أكبر نحو الفرص المهمة، ومنح فرق العمل صلاحية التحرك دون الاعتماد المفرط على جهات أخرى، وتقليص الوقت الفاصل بين الوصول إلى المعلومات واتخاذ القرار ثم تنفيذه.
أما الوضوح فلا يقل أهميةً عن السرعة، حيث أفاد قادة المؤسسات التي تعيد تنظيم طريقة العمل بأن الاتجاه الاستراتيجي للمؤسسة بات أكثر وضوحًا، وبأن طريقة العمل اليومية أصبحت أكثر ارتباطًا بأولوياتها، مما يساعد على توجيه فرق العمل والموارد نحو هذه الأولويات، والتكيف بسرعة مع تطور التقنيات والأسواق وتوقعات العملاء.
كيف وأين تركز المؤسسات جهودها؟
إذا كان التفوق لا يأتي من مجرد امتلاك التقنيات الحديثة، أو تحسين عنصرٍ واحدٍ من عناصر نموذج التشغيل، فإنه لا يتحقق أيضًا بمجرد زيادة المؤسسات التي تعيد تنظيم طريقة عملها لاستثماراتها في التكنولوجيا، أو تقليل المستويات الإدارية، أو تركيز صلاحيات اتخاذ القرار. وإنما تنشأ الميزة التي تحققها هذه المؤسسات من تكوين نظامٍ متكاملٍ تتفاعل عناصره وتدعم بعضها بعضًا. وكما في النظام الحيوي السليم، يتشكل الأداء من الطريقة التي تتفاعل بها هذه العناصر معًا. ولتحديد مصادر هذه الميزة، اعتمد البحث على زاويتين مختلفتين: الأولى، الاختيارات التي تتخذها المؤسسات عند تصميم عناصر نموذج التشغيل، والثانية، العناصر التي تحقق فيها مستوًى أعلى من الفاعلية.
الزاوية الأولى: الاختيارات التي تميز مؤسسات إعادة الابتكار عند تصميم عناصر نموذج التشغيل
وتشمل هذه الخيارات مختلف جوانب نموذج التشغيل، إذ يحدد القادة كيفية تنظيم العمل، واتخاذ القرارات، ودمج التكنولوجيا في العمل، وتنمية قدرات الموظفين، ومكافأة الأداء، والجوانب التي تتعاون فيها المؤسسة مع شركاء خارجيين. وتشكّل هذه الخيارات مجتمعةً الملامح المميزة لنموذج التشغيل في كل مؤسسةٍ، يُرجى الاطلاع على العمود الجانبي بعنوان "مؤسسات إعادة الابتكار تصمم نموذج تشغيلها وفق احتياجاتها".
ويظهر هذا الاختلاف بوضوحٍ في طريقة تنظيم فرق العمل والإدارات داخل المؤسسة؛ إذ تميل المؤسسات التي تصل إلى مرحلة "إعادة الابتكار" بدرجةٍ أكبرَ إلى اعتماد نموذج العمل المرن، الذي يقوم على العمل في فِرَقٍ صغيرةٍ تضم تخصصاتٍ مختلفةً، مع منحها قدرًا أكبرَ من الاستقلالية والمسؤولية عن النتائج، الأمر الذي يساعدها على إنجاز الأعمال بسرعةٍ أكبرَ، ومراجعتها وتحسينها بصورةٍ مستمرةٍ. ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن هذا النموذج هو الأنسب لجميع المؤسسات؛ فقد تختار بعضها توزيع المسؤوليات بين إداراتٍ مختلفةٍ، بينما قد تمنح مؤسساتٌ أخرى فرق العمل والوحدات المختلفة صلاحياتٍ أوسعَ في العمل واتخاذ القرارات. ويعتمد الاختيار بين هذه النماذج على طبيعة كل مؤسسةٍ وظروفها.
وتتشابه مؤسسات إعادة الابتكار مع المؤسسات التي لا تزال في مراحل سابقة من اعتماد الذكاء الاصطناعي في بعض عناصر نموذج التشغيل، مثل الأولويات الاستراتيجية للمؤسسة. ويكمن ما يميزها في الاختيارات المدروسة التي تتخذها عند تصميم هذه العناصر، والتي تغيّر طريقة تحقيق النتائج المستهدفة وتوسيع نطاقها.
وللتعرف بصورةٍ أوضح على هذه الاختيارات وتأثيرها، ركزنا في بحثنا على سبعةٍ من عناصر نموذج التشغيل الـ12، وهي: الهيكل التنظيمي، والحوكمة، والعمليات، والقيادة، والقوى العاملة، والتوجه الأساسي الذي يقود طريقة عمل المؤسسة، ونظام المكافآت، كما هو موضح في "الشكل 5".4
الهيكل التنظيمي: تنظيم العمل في فِرقٍ متعددة التخصصات بدلًا من تقسيمه بين الإدارات
مع تقدم قدرات الذكاء الاصطناعي الوكيل، تتجه المؤسسات بصورةٍ أكبر إلى جمع الخبرات والتخصصات المختلفة في فِرقٍ واحدة، بدلًا من توزيع العمل بين الإدارات ووحدات الأعمال؛ بحيث تتولى هذه الفِرق العمل كاملًا من البداية إلى النهاية، سواء كان مرتبطًا بمنتجٍ معين، أو بمراحل تعامل العميل مع المؤسسة، أو بعملٍ يمر بعدة مراحلَ مترابطةٍ من بدايته حتى اكتماله. تعتمد المؤسسات في مرحلة "إعادة الابتكار" على هذا الأسلوب بدرجةٍ أكبرَ؛ إذ تمنح هذه الفِرَق مسؤوليةً كاملةً عن العمل ونتائجه، بما يساعد على إنجازه بسرعةٍ أكبرَ.
وبهذه الطريقة، تصبح صلاحيات اتخاذ القرارات والقدرات اللازمة لإنجاز المهام والمسؤولية عن نتائجها أقرب إلى الفِرَق التي تتولى التنفيذ فعليًا، سواء في التعامل المباشر مع العملاء، أو في مواقع الإنتاج، أو عند المراحل التي تتداخل فيها مهام أكثر من إدارةٍ، مما يساعد هذه الفِرَق على متابعة مسؤولياتها من البداية إلى النهاية، دون الحاجة إلى نقل أجزاءٍ من العمل بين إداراتٍ مختلفةٍ، كما يمكنها من تحسين المنتجات وطرق التنفيذ باستمرار، بدلًا من أن تركز كل إدارةٍ على الجزء الذي تتولاه بصورةٍ منفصلة.
الحوكمة: متابعة النتائج وتعديل الميزانيات والموارد وفق المستجدات
تتبنى المؤسسات في مرحلة "إعادة الابتكار" أسلوبًا أكثر مرونةً في التخطيط، إذ تقلل من اعتمادها على الخطط متوسطة الأجل التي تُحدَّث دوريًا، والتي تمتد عادةً من ثلاث إلى خمس سنوات، مقابل التركيز بصورةٍ أكبر على النتائج المستهدفة ومراجعتها كل ثلاثة أشهر، أو إعادة تقدير التوقعات وفق المستجدات. ورغم اختلاف الأسلوبين، فإنهما يساعدان المؤسسات على مراجعة خططها كلما تغيرت الظروف، بدلًا من الاعتماد على خططٍ طويلة الأجل تمتد لسنوات.
وتكتسب هذه المرونة أهميةً أكبر مع التغير السريع في قدرات الذكاء الاصطناعي وظروف السوق، إذ تحتاج المؤسسات إلى حوكمةٍ تحافظ على توجهها الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه تساعدها على إعادة توجيه مواردها بشكلٍ سريع. فمن خلال مراجعة النتائج كل ثلاثة أشهر، يمكن زيادة نطاق تطبيق مبادرات الذكاء الاصطناعي الناجحة بسرعةٍ أكبر، وإيقاف المبادرات التي لا تحقق النتائج المرجوة. أما إعادة تقدير التوقعات وفق المستجدات، فتساعد على تعديل الميزانيات والخطط كلما ظهرت معلوماتٌ جديدة. وفي كلتا الحالتين، تستطيع المؤسسات إعادة توزيع مواردها باستمرار استجابةً للمتغيرات، من دون الابتعاد عن توجهها الاستراتيجي.
العمليات: أساليب موحدة وقواعد واضحة لإنجاز العمل
تميل المؤسسات في مرحلة "إعادة الابتكار" إلى تنظيم العمل وفق أساليب موحدة، تقوم على مساراتٍ متسقة وقواعد محددة ومقاييس واضحة تساعد على اتخاذ القرارات بسرعة، بدلًا من الاعتماد على العلاقات الشخصية والتوافق غير الرسمي بين الأطراف. وتزداد أهمية هذا التنظيم كلما تولى الذكاء الاصطناعي جزءًا أكبر من العمل، لأن وضوح طريقة العمل يساعد على تحديد الجهة المسؤولة عن اتخاذ كل قرار، والنتائج المطلوب تحقيقها، والحالات التي تستدعي تدخل الإنسان أو إشرافه.
وتتوافق هذه النتائج مع بيانات "مؤشر الصحة التنظيمية" لدى "ماكنزي"، وهو ما تؤكده أيضًا أبحاثها حول الاستعداد للذكاء الاصطناعي، التي أظهرت أن المؤسسات في مرحلة "إعادة الابتكار" تحرص بدرجةٍ أكبر على توثيق طريقة العمل بشكلٍ منظم، ومتابعة الأداء بوضوحٍ وشفافية. ومن خلال الجمع بين هاتين الممارستين، تستطيع المؤسسات الحفاظ على اتساق طريقة العمل واتخاذ قراراتٍ سريعة تستند إلى مقاييس واضحة.
القيادة: اتخاذ قرارات حاسمة ومنح الفِرق مساحة أكبر للتصرف
ومع زيادة سرعة العمل باستخدام الذكاء الاصطناعي، يكون من الصعب على المؤسسات ترك الأمور المهمة معلقةً بسبب طول النقاش حولها. وهنا يأتي دور القادة في اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب، وترتيب الأولويات، وتوضيح ما هو المطلوب من الفِرق حتى تتمكن من تنفيذ العمل دون تأخير.
ولا يعني ذلك أن أسلوبًا قياديًا واحدًا يصلح لكل المواقف، لكن المؤسسات في مرحلة "إعادة الابتكار" تعتمد بدرجةٍ أكبر على القيادة الحاسمة. ويظهر ذلك في اختيار قادة قادرين على اتخاذ القرار دون انتظار التوافق بين الجميع، ومنح الفِرق صلاحياتٍ أكبر للتصرف في مزيدٍ من الأمور بنفسها، دون الحاجة إلى الرجوع في كل مرةٍ إلى المستويات الإدارية الأعلى.
القوى العاملة: توظيف مهارات الموظفين وفق احتياجات العمل
أما على صعيد القوى العاملة، فتميل مؤسسات إعادة الابتكار إلى اختيار الموظفين بناءً على مهاراتٍ محددة، ثم تعمل على تنمية قدراتهم من خلال برامج تدريبٍ منظمة، مع ربط تقدمهم المهني بمدى إتقانهم لها. وقد تتجه إلى نموذجٍ آخر يقوم على الأداء، فتختار الموظفين وفق النتائج التي سبق أن حققوها، وتساعدهم على تحسين أدائهم من خلال التوجيه، بينما يعتمد تقدمهم المهني على ما يحققونه من أثرٍ ملموسٍ في أعمال المؤسسة، وعلى تقييماتٍ تستند إلى البيانات.
ومع تولي الذكاء الاصطناعي مزيدًا من المهام وتغير طرق العمل، تتراجع أهمية الأوصاف الوظيفية الثابتة، ويزداد التركيز على المهارات التي يحتاج إليها كل عمل، بحيث تستطيع المؤسسة الاستعانة بالأشخاص الذين يمتلكون هذه المهارات وتوجيههم إلى المهام والأولويات التي تتطلب خبراتهم. وبذلك تصبح المهارة هي العنصر الأساسي الذي تقوم عليه عملية توزيع الأفراد على الأعمال المختلفة، بدلًا من ارتباط كل موظفٍ بدورٍ ثابت، أو اضطرار المؤسسة إلى إعادة تنظيم المهام كلما تغيرت استراتيجيتها.
الغرض المؤسسي: تحديد ما يقود عمل المؤسسة.. التفوق التنافسي أم نجاح الموظفين ونموهم المهني
تنقسم المؤسسات في رحلتها لإعادة ابتكار طريقة عملها إلى مجموعتين لكلٍ منهما توجهٌ مختلفٌ في تحديد غاية المؤسسة وهدفها. فالأولى تضع التفوق التنافسي والأداء على رأس الأولويات، فتخلق بيئةً ترفع سقف الطموح وتركز على النتائج الملموسة وتحتفي بالنجاحات. أما الثانية فتجعل نجاح الموظفين محورًا أساسيًا، من خلال الاستثمار في قدراتهم، ودعم نموهم المهني، وتمكينهم من تقديم أفضل أداءٍ ممكن.
وبحسب التوجه الذي تختاره المؤسسة، يختلف الدور الذي يؤديه الذكاء الاصطناعي في تحقيق غايتها. فالمؤسسات التي تسعى إلى التفوق التنافسي تستطيع استخدامه لإنجاز العمل بصورةٍ أسرع، ورفع الإنتاجية وكفاءة التنفيذ. أما تلك التي تعطي الأولوية لنجاح موظفيها، فيمكنها استخدامه لمساعدتهم على الاستفادة بصورةٍ أفضل من قدراتهم، والتعلم والتكيف والمساهمة في العمل بطرقٍ جديدةٍ ومبتكرة. ورغم اختلاف التوجهين، فإن كلًا منهما يحدد للمؤسسة مسارًا واضحًا لإعادة تصميم العمل واعتماد الذكاء الاصطناعي على نطاق المؤسسة.
نظام المكافآت: مكافأة الموظفين على أدائهم الفردي وإسهامهم في نجاح الفريق
ويمتد هذا النهج إلى الطريقة التي تكافئ بها المؤسسات موظفيها على نجاحاتهم. فبدلًا من التركيز على الأداء الفردي وحده أو نتائج الفريق وحدها، تميل المؤسسات إلى اعتماد أنظمة مكافآتٍ تجمع بين الاثنين، فتأخذ في الاعتبار مساهمة كل فردٍ في الفريق إلى جانب ما يحققه الفريق من نتائج مشتركة. ويعود ذلك إلى أن النجاح أصبح يعتمد بدرجةٍ أكبر على تعاون أفرادٍ من تخصصاتٍ مختلفة، بدلًا من عمل كلٍ منهم بصورةٍ منفصلة. وبهذه الطريقة، تشجع المكافآت على التعاون من دون أن تقلل من مسؤولية كل فردٍ عن أدائه، إذ يحصل الموظف على التقدير لما يقدمه بنفسه ولإسهامه في نجاح الفريق.
الزاوية الثانية: العناصر التي تحقق فيها مؤسسات إعادة الابتكار مستوى أعلى من الفاعلية
وبعد تحديد العناصر التي يقوم عليها نموذج تشغيل المؤسسة، يبقى السؤال عن مدى فاعليتها عند التطبيق. فحتى عندما تكون اختيارات المؤسسة متناسقةً ويكمل بعضها بعضًا، فإن ذلك وحده لا يضمن نجاح نموذج التشغيل. بل المهم أن يؤدي كل عنصرٍ دوره بفاعلية، من دون اشتراط أن يمثل نقطة قوةٍ استثنائية.
وبناءً على ذلك، سألنا القادة عن مدى فاعلية كل عنصرٍ في أداء دوره، بغض النظر عن الطريقة التي اختارتها المؤسسة لتطبيق هذا العنصر. ويمكن توضيح المقصود بالفاعلية من خلال الهيكل التنظيمي، الذي تُقسَّم من خلاله المؤسسة إلى إداراتٍ وفِرَق عملٍ، وتُوزَّع فيه المسؤوليات والعلاقات بينها؛ فالهيكل الفعّال هو الذي يساعد المؤسسة على تحقيق النتائج المستهدفة، ويضع المسؤوليات في المستويات المناسبة، ويساعدها على التكيف مع المتغيرات. ولا يعني ذلك أن هناك نوعًا واحدًا من الهياكل التنظيمية هو الأفضل لجميع المؤسسات؛ فقد يناسب بعضها الهيكل المصفوفي، الذي يقوم على تقسيم المؤسسة إلى إداراتٍ بحسب التخصص، مع تشكيل فِرَق عملٍ مشتركةٍ تضم موظفين من إداراتٍ مختلفةٍ لإنجاز أعمالٍ أو مشاريعَ محددةٍ، بينما قد يناسب مؤسساتٍ أخرى هيكلٌ أكثر مرونةً يعتمد بدرجةٍ أكبرَ على فِرَقٍ متعددة التخصصات بدلًا من توزيع العمل بين إداراتٍ منفصلةٍ. لذلك، لا تتوقف فاعلية الهيكل على نوعه، وإنما على مدى ملاءمته لطبيعة المؤسسة، ومدى تكامله مع بقية الاختيارات المتعلقة بتصميم نموذج التشغيل.
كما تنطبق الفكرة نفسها على الخيارات التقنية. فمثلًا، عند استخدام وكيل ذكاء اصطناعي لخدمة العملاء، يتعين على الشركة اختيار نموذج اللغة الذي سيعتمد عليه. فقد يكون نموذجًا كبيرا ومتقدمًا، أو نموذجًا أصغر ومتخصصًا، أو نموذجًا مفتوح المصدر. ويمكن لأيٍّ من هذه النماذج أن يكون فعالًا إذا نجح في تلبية ما يتطلبه الاستخدام من دقةٍ وموثوقيةٍ وسرعةٍ وتكلفةٍ مناسبة. لكن اختيار نموذجٍ فعالٍ لا يعني أنه سيكون العامل الأهم في تحقيق النتائج؛ فقد يكون العامل الحاسم في طريقة استخدام الوكيل نفسه، مثل مدى اندماجه في سير العمل، وربطه ببيانات الشركة، واعتماد الموظفين عليه في أداء مهامهم. لذلك، يظل اختيار النموذج مهمًا، لكنه لا يحدد مستوى الأداء بمفرده، إذ يتعين على القادة أيضًا تحديد الأجزاء التي يجب أن تحقق مستوياتٍ أعلى من الكفاءة والفاعلية.
ولمعرفة أين ينبغي للقادة تركيز اهتمامهم، درسنا نقاط القوة التي تتميز بها المؤسسات في كل مرحلةٍ من مراحل استخدام الذكاء الاصطناعي. وقد أظهرت النتائج أن هذه النقاط تتغير مع تقدم المؤسسات في استخدام هذه التقنية. ففي مرحلة "التمكين" المبكرة، التي تتاح فيها للموظفين أدواتٌ عامةٌ للذكاء الاصطناعي، تتركز نقاط القوة عادةً في جوانب إدارية تقليدية، مثل الحوكمة والقوى العاملة. أما المؤسسات الأكثر تقدمًا في استخدام الذكاء الاصطناعي، فتعمل جميع عناصر نموذج التشغيل لديها بفاعليةٍ أكبر، لا سيّما فيما يخص التكنولوجيا والعمليات وإدارة منظومة الشركاء، كما يوضح "الشكل 6" أدناه.
ومن اللافت أن المؤسسات التي لا تزال في مرحلة "الأتمتة" تحقق أيضًا أداءً قويًا في عنصري التقنية ومنظومة الشركاء، وهو ما يعني أن هذين العنصرين لا يرتبطان فقط بالمراحل الأكثر تقدمًا في استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما يمثلان أساسًا تحتاج المؤسسات إلى بنائه منذ المراحل الأولى، حتى تكون لديها القدرات التقنية والشراكات اللازمة للتقدم في استخدام هذه التقنية وتحقيق نتائج أكبر منها.
التكنولوجيا: تحقيق مكاسب فعلية من الذكاء الاصطناعي
ليس مستغربًا أن تكون التكنولوجيا من أبرز نقاط القوة في نموذج التشغيل لدى المؤسسات الرائدة في استخدام الذكاء الاصطناعي. ويرجع ذلك، وفقًا لتأكيدات قادة هذه المؤسسات، إلى امتلاكها مجموعةً من المقومات، من بينها الأدوات الرقمية اللازمة لتنفيذ استراتيجياتها، وبنيةٌ تقنيةٌ مرنة تتكون من وحداتٍ يمكن تعديلها وفق الحاجة، إلى جانب اتباعها نهجًا منضبطًا في قرارات الاستثمار التقني، واعتمادها مسارًا واضحًا لتحقيق نتائج ملموسة من الذكاء الاصطناعي.
وتعكس هذه النتائج في مجملها أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا أساسيًا من نموذج التشغيل، ولم تعد مجرد وسيلةٍ لدعم أعمال المؤسسة. فمن خلالها، تدخل طرق العمل الجديدة في الممارسات اليومية، ويصبح استمرار المؤسسة في تطبيقها بمرور الوقت أكثر سهولةً.
ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك تجربة إحدى شركات بيع الإلكترونيات بالتجزئة. فبدلًا من أن تبدأ الشركة بعشرات الاستخدامات المختلفة للذكاء الاصطناعي، استثمرت أولًا في بناء أسسٍ تقنيةٍ حديثة، تمثلت في تحسين حوكمة البيانات، ووضع معايير هندسية واضحة، وإنشاء وحدةٍ داخليةٍ متخصصة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وبعد بناء هذه الأسس، استخدمت الشركة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التجارة الإلكترونية والتسعير وتنفيذ الطلبات والإقراض الرقمي، مما أسهم في زيادة أرباحها قبل خصم الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بنحو 35 في المائة خلال العام الأول.
العمليات: إعادة تصميم العمل بجميع مراحله
وتظهر قوة هذه المؤسسات أيضًا في طريقة إدارة عملياتها، إذ تعتمد على فِرقٍ تركز على تحقيق نتائج محددة، وتعمل باستمرارٍ على تحسين أساليب العمل، والتنسيق بين مختلف الإدارات والتخصصات، مع تقليل الحاجة إلى نقل المهام من فريقٍ إلى آخر. وبدلًا من استخدام الذكاء الاصطناعي في جوانب محددة، تعيد هذه المؤسسات تصميم طريقة إنجاز المهام لتشمل كل مجالٍ من مجالات العمل بمراحله المختلفة، من البداية إلى النهاية. وتتفق هذه النتائج مع تقريرٍ حديثٍ لماكنزي بعنوان "الذكاء الاصطناعي في عام 2026: الطريق نحو تحقيق عائدٍ على الاستثمار"، والذي أظهر أن قرابة ثلاثة أرباع المؤسسات الأعلى أداءً في استخدام الذكاء الاصطناعي أعادت تصميم مسارات عملها بصورةٍ جوهريةٍ نتيجة استخدام هذه التقنية، بالمقارنة مع ما يقرب من ربع المشاركين في الدراسة.
وتتجسّد فوائد إعادة تصميم مسارات العمل في تجربة إحدى شركات الخدمات المالية العالمية، التي قررت إعادة النظر في مسارات العمل داخل المؤسسة وإعادة بنائها من الأساس، بدلًا من تطبيق الذكاء الاصطناعي في مجموعةٍ من الاستخدامات المتفرقة. وبعد ذلك، اختبرت فِرَق العمل لديها أداء مجموعةٍ من المساعدين الرقميين ضمن مسارات العمل الجديدة، وسرعان ما أسهم ذلك في رفع الإنتاجية، وكشف عن إمكانية أتمتة جزءٍ كبيرٍ من المهام خلال السنوات المقبلة. ومن المتوقع أن تساعد هذه التغييرات أيضًا على خفض الوقت اللازم لإنجاز الأعمال ذات الأولوية بأكثر من النصف، وأن تمنح الموظفين وقتًا أكبرَ للتركيز على أعمالٍ أكثر أهميةً، مثل التحليل واتخاذ القرارات الاستراتيجية، بدلًا من المهام المتكررة المرتبطة بالبيانات.
منظومة الشركاء: الاستفادة من الشراكات الخارجية لتحقيق أهداف المؤسسة
وأخيرًا، تعتمد هذه المؤسسات على شراكاتها الخارجية باعتبارها جزءًا أساسيًا من نموذج التشغيل، وتحدد بعنايةٍ القدرات التي تحتاج إلى توفيرها بإمكاناتها الداخلية، وتلك التي يمكنها الاعتماد فيها على جهاتٍ خارجية. وتتفق هذه النتيجة مع تقرير ماكنزي حول الذكاء الاصطناعي لعام 2026، الذي أظهر أن ما يقرب من نصف المؤسسات الأعلى أداءً في استخدام الذكاء الاصطناعي اختارت الاعتماد على إمكاناتها الداخلية لتوفير منتجٍ برمجيٍ أو ميزةٍ برمجيةٍ واحدةٍ على الأقل، بدلًا من الحصول عليها من الخارج، مقارنةً بـ31 في المائة من المؤسسات الأخرى.
ويساعد هذا الاختيار المدروس المؤسسات على تركيز استثماراتها الداخلية على المجالات التي تمنحها ميزةً تنافسية، والاستفادة في الوقت ذاته من التقنيات والشركاء الخارجيين. وبهذه الطريقة، تستطيع المؤسسات الرائدة ابتكار حلولٍ جديدةٍ بصورةٍ أسرع، وتطبيقها على نطاقٍ أكبر، وتحقيق النتائج المرجوة في وقتٍ أقصر.
دروسٌ مستفادة من مؤسسات إعادة الابتكار
لا تحتاج المؤسسات إلى بلوغ المراحل الأكثر تقدمًا في استخدام الذكاء الاصطناعي حتى تبدأ في تحقيق نتائج أفضل منه. فحتى المؤسسات التي لا تزال في مراحل أقل تقدمًا يمكنها الاستفادة من تجارب من سبقها في هذا المجال، وفيما يلي خمسة دروسٍ رئيسيةٍ يمكن للقادة البناء عليها عند إعادة تصميم نماذج التشغيل في مؤسساتهم:
- إدارة وتنظيم العمل بجميع مراحله لتحقيق أهداف المؤسسة والعملاء. يقوم الدرس الأول على التعامل مع العمل باعتباره عمليةً متكاملة، بدلًا من تقسيمه إلى مهامٍ منفصلةٍ بين الإدارات والتخصصات المختلفة. وقد أكدت أبحاث "ماكنزي" السابقة أهمية هذا المبدأ، الذي لا يزال أحد الأسس الرئيسية لنموذج التشغيل. ويعتمد تطبيقه على جمع أصحاب التخصصات المختلفة في فِرقٍ تعمل لتحقيق أهدافٍ محددة للعملاء والمؤسسة، وتتولى مسؤولية جميع مراحل العمل. وتساعدها على ذلك منصاتٌ تقنيةٌ مرنة وآلياتٌ تسهّل التعاون وتقلل الحاجة إلى نقل المهام من فريقٍ إلى آخر. وينطبق الأمر نفسه على الذكاء الاصطناعي؛ فبدلًا من استخدامه لأداء مهامٍ منفصلة، تعيد المؤسسة تصميم طريقة إنجاز العمل بالكامل، بحيث يتكامل دور الموظفين والتكنولوجيا للوصول إلى نتائج أفضل للعملاء والمؤسسة.
- الاعتماد على الشراكات الخارجية باعتبارها جزءًا من نموذج التشغيل. لا تحتاج المؤسسة إلى بناء جميع قدراتها بنفسها، وإنما عليها أن تحدد ما تحتاج إلى بنائه داخل المؤسسة، وما يمكن أن يوفره لها الشركاء بصورةٍ أفضل. فقد تمنحها الشراكات سرعةً أكبر في التنفيذ، أو تساعدها على العمل على نطاقٍ أكبر، أو توفر لها خبراتٍ متخصصة، بحيث تصبح جزءًا من الطريقة التي تنجز بها المؤسسة أعمالها وتصل إلى أهدافها. ومع تغير الأولويات والتقنيات، تعيد هذه المؤسسات باستمرار تقييم ما تتولاه بنفسها وما تعتمد فيه على الشركاء، بحيث تحتفظ بالمجالات التي تمنحها ميزةً تنافسية، وتلجأ إلى الشركاء عندما يمكنهم توفير سرعةٍ أكبر.
- ثبات الهدف ومرونة توجيه الموارد. تحافظ المؤسسات الرائدة في دمج الذكاء الاصطناعي على أهدافها الاستراتيجية طويلة الأجل، لكنها تستطيع إعادة توزيع مواردها عندما تتغير الظروف أو تظهر معطياتٌ جديدة. ولهذا، يقل اعتمادها على الخطط متوسطة الأجل التي تُحدَّث بصورةٍ دورية، وتميل بدرجةٍ أكبر إلى متابعة النتائج كل ثلاثة أشهرٍ أو إعادة تقدير توقعاتها وفق المستجدات. فالمهم ليس عدد مرات مراجعة الخطط، وإنما الحفاظ على الهدف الاستراتيجي مع تعديل طريقة الوصول إليه عند الحاجة. ويعني ذلك زيادة الاستثمار في مبادرات الذكاء الاصطناعي التي تثبت نجاحها، وإيقاف ما لا يحقق المطلوب، مع مواصلة الاستثمار في المبادرات الطموحة التي تخدم الأهداف طويلة الأجل. ويتطلب ذلك من القادة اتخاذ القرارات بشكلٍ سريع، وتوضيح ما ينبغي للفِرق القيام به. وبهذا تحافظ المؤسسة على أهدافها الاستراتيجية، مع القدرة على تغيير خططها وفق ما يستجد من معطيات.
- ربط المكافآت بنجاحات الفريق أكثر من الإنجازات الفردية. يمكن للمنافسة أن تساعد المؤسسة على تحسين أدائها، لكن ذلك يتوقف على ما يتنافس الموظفون من أجله. فإذا انصب اهتمام كل فردٍ أو إدارةٍ على أدائه فقط، فقد تتحسن النتائج الفردية من دون أن ينعكس ذلك على أداء المؤسسة. لذلك، يقوم نظام المكافآت في المؤسسات الرائدة على تقدير أداء كل موظفٍ، إلى جانب ما يحققه الفريق من نجاحات. ويشجع هذا النهج الموظفين على تحمل مسؤولية مهامهم، والعمل في الوقت نفسه مع زملائهم لتحقيق أهداف المؤسسة، فتصبح المنافسة حافزًا لتحقيق النجاح الجماعي، بدلًا من السعي إلى تحقيق المكاسب الفردية فقط.
- تحديد المهارات وفق احتياجات العمل. مع تولي الذكاء الاصطناعي مزيدًا من المهام وتغير طبيعة الوظائف، يصبح من الصعب ربط كل موظفٍ بوظيفةٍ ومهامٍ محددةٍ لا تتغير. لذلك، تبدأ المؤسسات بتحديد الوظائف الأكثر أهمية، ثم تحدد ما تتطلبه كل وظيفةٍ من قدرات، وعلى هذا الأساس تعمل على تنمية مهارات موظفيها. وبذلك تستطيع المؤسسة اختيار الشخص الأنسب لكل مهمة، وتحديد ما يمكن أن يقوم به هذا الموظف، وما يمكن أن يتولاه الذكاء الاصطناعي، وما يمكن للطرفين إنجازه معًا. ومع تغير هذه المهام بمرور الوقت، تتغير معها القدرات التي تحتاج إليها المؤسسة، وهو ما يستدعي مراجعتها باستمرار وتنمية قدرات الموظفين وتوجيههم وفق الاحتياجات الجديدة، بدلًا من تدريبهم على فتراتٍ متباعدة وفق احتياجات وظائف قد تكون تغيرت بالفعل.
ولعل هذه الدروس في مجملها تؤكد أن نجاح نموذج التشغيل في المؤسسة لا يعتمد على الهيكل التنظيمي وحده، كما أنه لا توجد صيغةٌ واحدة تناسب جميع المؤسسات. ولا يغيّر الذكاء الاصطناعي هذه المبادئ، لكنه يغيّر الأولويات داخل نموذج التشغيل والطريقة التي ترتبط بها عناصره بعضها ببعض. فالمؤسسات الرائدة لا تحقق نتائج أفضل لمجرد اعتمادها على مزيدٍ من التكنولوجيا أو تمتعها بمرونةٍ أكبر، وإنما من خلال تحديد المجالات التي تحتاج فيها إلى المرونة، وتلك التي تتطلب مزيدًا من الانضباط، فضلًا عن استخدام التكنولوجيا، وتنظيم مسارات العمل، والاستفادة من الشراكات الخارجية بما يتناسب مع احتياجات العمل. غير أن تحقيق أفضل النتائج لا يعتمد على كل عنصرٍ من هذه العناصر بصورةٍ منفصلة، وإنما على تكاملها وعملها معًا ضمن نموذج تشغيلٍ واحد. فعندما تعمل آليات اتخاذ القرارات وإنجاز الأعمال، إلى جانب التكنولوجيا والمهارات والموارد والشراكات، في إطارٍ مترابط، تصبح المؤسسة أكثر وضوحًا في توجهاتها، وأسرع في تنفيذ قراراتها، وأقدر على الاستفادة من مهارات موظفيها وتوحيد جهودهم لتنفيذ الاستراتيجية وتحويلها إلى نتائج فعلية.
ومن هنا، أصبح نموذج التشغيل أحد المصادر الرئيسية للتفوق التنافسي في عصر الذكاء الاصطناعي. فإعادة النظر في طريقة اتخاذ القرارات وإنجاز الأعمال وتوظيف القدرات جميعها عواملٌ تساعد المؤسسات على تحقيق نتائج أفضل من استخدام هذه التقنية، وتجعلها أكثر استعدادًا للتكيف مع ما تفرضه من تغيراتٍ مستمرة على طريقة عملها وطبيعة الأعمال داخلها.