ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
تضع كثير من المؤسسات اليوم الذكاء الاصطناعي في مقدمة أولوياتها التقنية، وتوفر أدواته للموظفين، وتشجعهم على استخدامه في مهامهم المختلفة. ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه الجهود حتى الآن إلى تحسن يوازي تطلعات القادة في أداء المؤسسة ونتائج أعمالها.
قد ينجح الموظفون في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيتهم وإنجاز مهامهم بكفاءةٍ أكبر، من دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على أداء المؤسسة ككل. فزيادة عدد المستخدمين لا تكفي وحدها لإحداث أثرٍ واسعٍ ومستدام؛ إذ يظل أثر هذه الأدوات محصورًا في أداء الأفراد ما لم تطوّر المؤسسة أساليب عملها ونماذجها التشغيلية، وتوظف الذكاء الاصطناعي بطريقةٍ تسهم في تحسين نتائج أعمالها.
ولتوسيع أثر هذه المكاسب الفردية بحيث يشمل المؤسسة بأكملها، تتخذ الشركات الرائدة خطوتين متكاملتين. تبدأ الأولى بتحديد مجالات العمل التي يمكن أن يحقق فيها الذكاء الاصطناعي أكبر أثر، ثم إعادة تصميم آليات العمل بما يتيح الاستفادة من إمكاناته. فهذه الشركات لا تكتفي باستخدام التقنيات الذكية لتنفيذ العمليات الحالية بسرعةٍ أكبر، وإنما تُعيد النظر في كيفية تنظيم تلك العمليات وتطويرها بصورةٍ شاملة. أما الخطوة الثانية، فتتمثل في التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره محركًا لتطوير المؤسسة وجزءًا من تغييرٍ أوسع يهدف إلى تنمية المهارات، وتطوير السلوكيات والممارسات القيادية. ويتطلب ذلك إدارة التغيير بطريقةٍ تساعد الموظفين على تبني أساليب العمل الجديدة وترسيخها، بدلًا من الاكتفاء بإتاحة أدواتٍ جديدة لهم.
ولفهم مدى استعداد الموظفين والمؤسسات للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، أجرينا استطلاعًا عالميًا شمل 750 موظفًا وقائدًا من قطاعاتٍ مختلفة. وقد كشفت نتائجه أن معظم المؤسسات لا تزال في بداية رحلتها مع هذه التقنية، كما أظهرت أن الموظفين أكثر استعدادًا لاستخدامها، في حين لم تتهيأ مؤسساتهم بالقدر نفسه لإجراء التغييرات اللازمة. وتشير هذه الفجوة إلى أن الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي تتطلب أن تكون المؤسسة مستعدةً لتغيير طريقة عملها بالقدر نفسه الذي يستعد فيه موظفوها لاستخدام هذه التقنية.
ولرصد مدى تقدم المؤسسات في هذه الرحلة، صنفناها ضمن ثلاث مراحل متدرجة، استنادًا إلى مدى دمج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي.1 تبدأ المرحلة الأولى بـ"التمكين"، حيث تتيح المؤسسات لموظفيها أدواتٍ ذكيةً متعددة الأغراض تساعدهم في تنفيذ بعض مهامهم الحالية. وتأتي بعدها مرحلة "الأتمتة"، التي تستخدم فيها الشركات هذه التقنيات على نطاقٍ واسع لأتمتة آليات العمل الممتدة عبر إداراتٍ متعددة، وتطويرها بما يرفع كفاءتها. أما المرحلة الثالثة، فهي "إعادة الابتكار"، والتي تُعيد فيها المؤسسات النظر بصورةٍ شاملة في كيفية إنجاز العمل، ثم تقوم بتصميم الأدوار وآليات العمل والنماذج التشغيلية من البداية، للاستفادة الكاملة من إمكانات الذكاء الاصطناعي. يُرجى الاطّلاع على العمود الجانبيّ بعنوان "نبذةٌ حول البحث".
ولا تزال معظم المؤسسات بعيدة عن مرحلة "إعادة الابتكار"؛ إذ يرى 11 في المائة فقط من القادة المشاركين في الاستطلاع أن مؤسساتهم بلغت هذا المستوى من التطور. وفي المقابل، يرى معظم القادة عبر المراحل الثلاث أن استخدام الذكاء الاصطناعي لم ينعكس بعد على أداء مؤسساتهم، سواء من خلال تحسين نتائج الأعمال، أو خفض التكاليف، أو تطوير تجربة الموظفين، أو حتى على مستوى تحقيق نتائج أفضل لعملائهم.2
وترسم نتائج الاستطلاع صورةً واضحةً عن مدى تقدم المؤسسات في رحلتها مع الذكاء الاصطناعي. وفي ظل التطور السريع لقدرات هذه التقنية، من الطبيعي أن تواصل المؤسسات تعلم كيفية تحويل مكاسب الإنتاجية الفردية إلى نتائج ملموسة تنعكس على أداء المؤسسة ككل.
وتبحث هذه المقالة كيف يمكن للمؤسسات أن تحقق أفضل استفادةٍ من الذكاء الاصطناعي في كل مرحلةٍ من المراحل الثلاث: "التمكين"، و"الأتمتة"، و"إعادة الابتكار". كما تستعرض العوامل البشرية والثقافية الأكثر تأثيرًا في كل مرحلة، وما يمكن للقادة القيام به لتحويل التجارب الحالية إلى أداءٍ مؤسسيٍ مستدام.
هل تستعد المؤسسات للذكاء الاصطناعي بقدر استعداد موظفيها؟
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
تُظهر نتائج الاستطلاع أن تحقيق الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على استعداد الموظفين وحدهم، وإنما يتطلب أيضًا جاهزية المؤسسة لإجراء التغييرات اللازمة في طريقة عملها. ولقياس مدى استعداد الطرفين، طلبنا من جميع المشاركين في الاستطلاع، وعددهم 750 شخصًا، تقييم مدى استعدادهم الشخصي لاستخدام هذه التقنية. كما طلبنا من مجموعةٍ تضم 608 من التنفيذيين وكبار القادة ومديري الإدارة المتوسطة تقييم مدى استعداد مؤسساتهم لإجراء التغييرات المطلوبة.3 كما تناول التقييم مستوى استعداد الموظفين ومستوى جاهزية المؤسسات كلًّا على حدة:
- استعداد الموظفين: يعكس مدى شعور الموظفين بحصولهم على الدعم اللازم، وثقتهم بأن مؤسساتهم ستساندهم في التكيف مع المتغيرات التي تطرأ على بيئة العمل. ويشمل أيضًا امتلاكهم الأدوات والمهارات اللازمة لأداء أدوارهم الوظيفية بكفاءة، وفهم كيفية استخدام هذه الأدوات، والاستعداد لتبنّي أساليب عمل جديدة يعتمد فيها إنجاز المهام بصورةٍ أساسية على الذكاء الاصطناعي.
- جاهزية المؤسسات: تتمثل في قدرة المؤسسات على إجراء التغييرات اللازمة في أساليب العمل، والمهارات، والثقافة المؤسسية، بما يهيئ بيئة العمل للتحوّل نحو الذكاء الاصطناعي الوكيل، والاعتماد على وكلائه كشريكٍ رئيسي في تنفيذ الأعمال واتخاذ القرارات. ويتطلب ذلك إعادة تصميم آليات العمل، وتعميق فهم القادة لهذه التقنية، وتطوير مهارات العاملين على نطاقٍ واسع، إلى جانب تخصيص الموارد اللازمة لتطبيق أساليب العمل الجديدة، بما يشمل التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة. كما يتطلب ترسيخ السلوكيات والثقافة المؤسسية التي تساعد على استمرار هذه التغييرات بمرور الوقت. اطّلع على "الشكل 1" أدناه.
وقد كشفت نتائج الاستطلاع عن فجوةٍ واسعة بين استعداد كلٍّ من الموظفين والمؤسسات؛ إذ أكد 70 في المائة من المشاركين جاهزيتهم الشخصية لتبنّي الذكاء الاصطناعي واستخدامه على نطاقٍ واسع، بينما رأى 27 في المائة فقط من القادة أن مؤسساتهم مهيأةٌ لإجراء التغييرات اللازمة للاعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي، كما هو موضح في "الشكل 2". وهو ما يعني أن الموظفين يتكيفون مع هذه التقنيات بسرعةٍ أكبر من المؤسسات التي يعملون فيها، بما يتفق مع نتائج أبحاثٍ سابقة لـماكنزي. 4 وبذلك، لا يكمن التحدي في استعداد الموظفين لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في قدرة القادة على إحداث التغييرات المؤسسية اللازمة لتحويل هذا الاستخدام إلى أثرٍ فعلي.
لماذا يُعد استعداد المؤسسات وجاهزيتها لاستخدام الذكاء الاصطناعي العامل الأكثر أهمية؟
تكشف نتائج الاستطلاع أن انعكاس الذكاء الاصطناعي على أداء المؤسسة يرتبط بدرجةٍ أكبر بمدى جاهزيتها لتغيير طريقة عملها، مقارنةً باستعداد الموظفين لاستخدام هذه التقنية. فقد أشار بعض القادة إلى أن مؤسساتهم بدأت تلمس أثرًا واضحًا من مبادرات الذكاء الاصطناعي، بينما أفاد آخرون بأن هذه المبادرات لم تنعكس بصورةٍ تُذكر على أداء مؤسساتهم. وعند تحليل أسباب هذا التفاوت، تبيّن أن قدرة المؤسسة على تطوير أساليب عملها كانت العامل الأكثر تأثيرًا على النتائج؛ إذ أسهمت في تفسير 48 في المائة من التباين بين المجموعتين، مقابل 25 في المائة لاستعداد الموظفين.
ويعني ذلك أن قدرة المؤسسة على تطوير آليات عملها ونموذجها التشغيلي وثقافتها وممارسات قادتها تكاد تعادل ضعف أهمية استعداد الموظفين، عندما يتعلق الأمر بتحقيق نتائج ملموسة للأعمال.
ولا يقلل ذلك من أهمية استعداد الموظفين؛ فهُم مطالبون بتعلّم طرقٍ جديدة للعمل، بينما يتعين على مؤسساتهم تهيئة البيئة والأنظمة والممارسات التي تسمح بتطبيقها والاستمرار فيها.
وهنا يظهر الفارق بين اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي على المستوى الفردي وتطوير طريقة عمل المؤسسة بأكملها. فقد يستعين الموظفون بهذه الأدوات في صياغة رسائل البريد الإلكتروني، وتلخيص الاجتماعات، وتحليل البيانات، وإعداد العروض التقديمية، والتحضير للتواصل مع القادة أو العملاء، بما يساعدهم على إنجاز مهامهم بسرعةٍ أكبر. لكن إذا استمرت المؤسسة في اتخاذ القرارات وتنظيم الفِرق وإدارة العمليات بالأساليب نفسها، فستظل الفائدة محصورةً في أداء الأفراد.
ولكي تمتد هذه الفائدة إلى المؤسسة ككل، لا بد من إعادة النظر في كيفية إنجاز العمل، وتوزيع الأدوار، وتنظيم الفِرق، واتخاذ القرارات. غير أن الكثير من المؤسسات تركّز على توسيع استخدام الموظفين للذكاء الاصطناعي، من دون أن تمنح تطوير أساليب عملها القدر نفسه من الاهتمام. لذلك، تُعد تهيئة هذه البيئة للتغيير أكبر فرصةً لتحويل مكاسب الموظفين إلى نتائج ملموسة على نطاقٍ أوسع.
دور القادة في تهيئة المؤسسة للتغيير
لا يتحقق النجاح في استخدام الذكاء الاصطناعي بمجرد وضع أدواته بين أيدي الموظفين وتشجيعهم على استخدام التقنية. وإنما يتمثل التحدي الأكبر أمام القادة في تهيئة المؤسسة لتغيير نموذجها التشغيلي وسلوكياتها وأساليب عملها؛ إذ تكمن المهمة الأساسية في قيادة تغييرٍ حقيقي في السلوكيات وأساليب العمل على مستوى المؤسسة بأكملها.
وتوضح تجارب المؤسسات الأكثر نجاحًا أن تحويل إمكانات الذكاء الاصطناعي إلى أثرٍ فعلي في أداء المؤسسة يتطلب تغييراتٍ تمتد إلى مختلف جوانب العمل. وتشمل هذه التغييرات تطوير القواعد والإجراءات، وتوضيح صلاحيات اتخاذ القرار، وإعادة توزيع الأدوار والموارد، ومراجعة الهياكل التنظيمية ومعايير الأداء. وإلى جانب هذه التغييرات، تظل الثقة عاملًا أساسيًا؛ إذ يحتاج الموظفون إلى الاطمئنان إلى استخدام التقنية، وإلى قدرة المؤسسة وقادتها على توجيههم ودعمهم خلال مراحل التغيير وما يصاحبها من تحديات.
ولقيادة هذه المرحلة، يحتاج القادة إلى الإجابة عن أربعة أسئلةٍ أساسية:
- ما المجالات التي يمكن أن يحقق فيها الذكاء الاصطناعي أكبر أثر على أداء المؤسسة؟
- كيف ينبغي تطوير طريقة العمل للاستفادة من إمكاناته في هذه المجالات؟
- ما المهارات التي نحتاج إلى تطويرها؟
- كيف يمكن إدارة بيئة عملٍ يتكامل فيها دور الموظفين مع وكلاء الذكاء الاصطناعي؟
ولا يمكن التوصل إلى إجاباتٍ واضحة عن هذه الأسئلة بالاعتماد على التجارب المتفرقة التي تبدأ داخل الإدارات وفِرق العمل وحدها. لذلك، يحتاج القادة إلى فهمٍ واضح لإمكانات الذكاء الاصطناعي وتأثيراته، بما يمكنهم من وضع تصورٍ طموحٍ يحدد كيفية تطوير المؤسسة والاستفادة من هذه التقنية.
الطريق إلى "إعادة الابتكار" لا يزال طويلًا
مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، لا يزال دوره في أغلب الحالات يقتصر على مساعدة الموظفين في تنفيذ مهامهم الحالية وأتمتة بعض العمليات القائمة، من دون إحداث تغييرٍ شامل في طريقة العمل. وتؤكد إجابات القادة ذلك؛ إذ لم تتجاوز حوالي 90 في المائة من المؤسسات مرحلتي التمكين والأتمتة، في حين أفاد 11 في المائة فقط بأن مؤسساتهم بلغت بالفعل مرحلة إعادة الابتكار. كما هو موضح في "الشكل 3" أدناه.
وعلى الرغم من أن عدد المؤسسات التي بلغت المرحلة الثالثة لا يزال محدودًا، فإن نسبة القادة الذين أفادوا بتحقيق استفادةٍ ملموسة من الذكاء الاصطناعي كانت الأعلى في هذه المرحلة؛ إذ بلغت 48 في المائة، مقارنةً بـ24 في المائة في مرحلة "الأتمتة"، و13 في المائة في مرحلة "التمكين". وتشير هذه النتائج إلى أن المؤسسات التي تنجح في إعادة تصميم آليات عملها وطريقة اتخاذ قراراتها تكون أكثر قدرةً على الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي وتحويلها إلى أثرٍ فعلي في أدائها.
ومع ذلك، لا يعني بلوغ مرحلةٍ متقدمة في هذا المسار أن المؤسسة أصبحت مستعدةً بشكلٍ كامل لاستخدام التقنية. فقد رأى 84 في المائة من القادة في مرحلة "التمكين"، و68 في المائة في مرحلة "الأتمتة"، أن مؤسساتهم لم تتهيأ بعد لبناء بيئةٍ يتكامل فيها عمل الموظفين مع وكلاء الذكاء الاصطناعي. وحتى في المرحلة الثالثة الأكثر تقدمًا، أفاد 44 في المائة من القادة بأن مؤسساتهم لا تزال غير مستعدة لإجراء مثل هذه التغييرات.
وتشير هذه الأرقام إلى أن غالبية المؤسسات لا تزال في مرحلة استكمال المقومات اللازمة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، بما يشمل تنمية المهارات، وتطوير الممارسات القيادية، وبناء ثقافةٍ داعمة، واكتساب الخبرات التي تمكّنها من توظيف هذه التقنيات بما ينعكس على أدائها ونتائج أعمالها. وفي الوقت نفسه، ترسم نتائج الاستطلاع مسارًا يساعد القادة على تحديد الخطوات اللازمة للانتقال بمؤسساتهم تدريجيًا من مرحلةٍ إلى أخرى.
الذكاء الاصطناعي يتيح الإمكانات... والبشر يحولونها إلى نتائج
لا تكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في الإمكانات التي يتيحها وحدها، وإنما في قدرة المؤسسات وفِرق العمل على تحويلها إلى نتائج فعلية. غير أن الوصول إلى مرحلة "إعادة الابتكار" لا يحدث بالسرعة نفسها في جميع المؤسسات؛ إذ تحتاج المؤسسات التي لا تزال في مرحلتي "التمكين" و"الأتمتة" أولًا إلى تحديد المجالات التي يمكن أن يحقق فيها الذكاء الاصطناعي مردودًا واضحًا للأعمال. واستنادًا إلى إجابات القادة المشاركين في الاستطلاع، حدد بحثنا أبرز العوامل المرتبطة باستعداد الموظفين والمؤسسات، والتي تزيد من فرص تحقيق استفادةٍ حقيقية من الذكاء الاصطناعي في كل مرحلةٍ من المراحل.5
ابنِ الثقة... أيًا كانت المرحلة التي تبدأ منها
تبدأ رحلة التغيير الناجحة ببناء الثقة، أيًا كانت المرحلة التي وصلت إليها المؤسسة في استخدام الذكاء الاصطناعي. فقد كشفت نتائج الاستطلاع أن ثقة الموظفين في مؤسساتهم تمثل عامل الاستعداد الأهم في المراحل الثلاث؛ إذ يحتاجون إلى التأكد من أن المؤسسة ستدعمهم خلال هذه التغييرات، بدلًا من أن تتركهم يواجهونها ويتكيفون معها بمفردهم.6 وتكتسب هذه الثقة أهميةً خاصة لأن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر تأثيره على إدخال أدواتٍ وتقنياتٍ جديدة، بل قد يغيّر من طريقة إنجاز العمل، ويُعيد توزيع المسؤوليات، ويؤثر في نظرة الموظفين إلى دورهم وقيمتهم داخل المؤسسة. لذلك، يحتاج الموظفون إلى قادةٍ يتعاملون معهم بوضوحٍ وشفافية، فيشرحون ما الذي سيتغير، وما المتوقع منهم خلال المرحلة المقبلة، ويحرصون على تقديم الدعم اللازم لهم طوال رحلة التغيير. وعندما يشعر الموظفون بأن مؤسساتهم تقف إلى جانبهم، يصبحون أكثر استعدادًا لتقبّل التغيير، والمشاركة فيه، والإسهام في إنجاحه، مهما اختلفت مستوياتهم الوظيفية.
ولا يرجع ذلك إلى أهمية الثقة في حد ذاتها فحسب، بل أيضًا إلى ما قد يصاحب هذه المرحلة من مخاوف غالبًا ما تعتري الموظفين. فقد أفاد المشاركون على اختلاف مستوياتهم الوظيفية والمراحل التي وصلت إليها مؤسساتهم، بشعورهم بدرجاتٍ متفاوتة من القلق تجاه تأثير الذكاء الاصطناعي في أدوارهم وطريقة عملهم، وهو ما يؤكد أهمية الدور الذي يؤديه القادة خلال هذه المرحلة. وقد أظهرت نتائج الاستطلاع أن مديري الإدارات والمشرفين على فِرق العمل كانوا هم الأكثر شعورًا بالقلق؛ إذ عبّر واحدٌ من كل أربعةٍ منهم عن مخاوفه بهذا الشأن، مقارنةً بواحدٍ من كل خمسةٍ من الموظفين الذين لا يشغلون مناصب إدارية. كما كشفت النتائج أن الموظفين الذين لا يثقون في حصولهم على الدعم الكافي من مؤسساتهم خلال هذه المرحلة تزيد مخاوفهم بمرةٍ ونصف، مقارنةً بمن يتمتعون بمستوياتٍ أعلى من الثقة.7
ومع ذلك، فإن التعامل مع مخاوف الموظفين لا يقتصر على محاولة تهدئتها؛ إذ تكشف النقاشات الحالية حول الذكاء الاصطناعي عن فارقٍ واضح بين الحد من القلق وبناء الثقة. فكثيرًا ما يسعى القادة إلى طمأنة الموظفين بأن الذكاء الاصطناعي لن يهدد وظائفهم أو يُحدث تغييراتٍ جذرية في المؤسسة. وقد تساعد هذه التطمينات على تهدئة مخاوفهم مؤقتًا، لكنها لا تكفي لبناء الثقة، خاصةً إذا شعر الموظفون بأن هذه الوعود قد لا تستمر مع مرور الوقت وتطور استخدام التقنية.
لذلك، لا ينبغي أن ينصب اهتمام القادة على إزالة مخاوف الموظفين بشكلٍ كامل؛ فوجود قدرٍ من القلق يُعد أمرًا طبيعيًا ومفهومًا في ظل تغييراتٍ بهذا الحجم. لكنّ الأهم هو بناء الثقة التي تساعدهم على التعامل مع ما يصاحب هذه المرحلة من غموض، والمضي قدمًا في رحلة التغيير. ولبناء هذه الثقة، يحتاج القادة إلى التواصل مع الموظفين بصدقٍ ووضوح، فيطلعونهم على ما يعرفونه بشأن التغييرات المقبلة، ويعترفون بما لم تتضح معالمه بعد، ويشرحون لهم كيفية اتخاذ القرارات التي ستؤثر في أدوارهم وطريقة عملهم. كما أن الثقة لا تترسخ بالتواصل وحده، وإنما بما يلمسه الموظفون من أفعال القادة وممارساتهم على أرض الواقع، وبمدى التزامهم بما وعدوا به، واستثمارهم في تطوير قدرات الموظفين، وإعادة توجيه الكفاءات منهم نحو الأدوار التي تتناسب مع طبيعة العمل المتغيرة. وقد أثبتت نتائج الاستطلاع أهمية هذه الثقة؛ إذ أظهرت أن المؤسسات التي تنجح في ترسيخها تكون أكثر قدرةً على تحقيق نتائج أفضل من مبادراتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
المرحلة الأولى: التمكين
تعتمد المؤسسات في هذه المرحلة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في المهام اليومية، مثل إعداد العروض التقديمية، وتلخيص الاجتماعات، والتحضير لاجتماعات العملاء. غير أن المؤسسات التي تنجح في تحقيق نتائج ملموسة لا تكتفي باستخدام هذه الأدوات، بل تعيد النظر في طريقة إنجاز العمل، وتدمج الذكاء الاصطناعي ضمن آليات العمل اليومية بمختلف أنحاء المؤسسة.
وتؤكد نتائج الاستطلاع أن المؤسسات التي أعادت تصميم آليات عملها كانت أكثر قدرةً على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي؛ إذ كان القادة فيها أكثر ميلًا بمقدار 5.3 أضعاف إلى الإفادة بتحقيق نتائج أفضل على مستوى المؤسسة. وقد بلغت نسبتهم 32 في المائة، مقارنةً بـ6 في المائة فقط في المؤسسات التي أبقت آليات عملها دون تغيير. غير أن الوصول إلى هذه النتائج لا يعتمد على إعادة تصميم آليات العمل وحدها، وإنما يتطلب أيضًا أن يكيّف الموظفون طريقة إنجاز مهامهم اليومية بما يتوافق مع الأساليب الجديدة. ولهذا، أظهرت نتائج الاستطلاع أن قدرة الموظفين على تعديل ممارساتهم اليومية في العمل تمثل العامل الأهم في استعدادهم للإسهام في تحسين النتائج على مستوى المؤسسة. اطّلع على "الشكل 4" الموضح أدناه.
ولكنّ الانتقال من تعديل آليات العمل إلى تطبيقها بصورةٍ فعلية يفرض على المؤسسات تحديين رئيسيين، أولهما، تشجيع الموظفين على الانتقال من مجرد تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي إلى استخدامها بصورةٍ منتظمة في أعمالهم اليومية. أما الثاني، فيتمثل في إعادة تصميم جوانب العمل التي يمكن إنجازها بطريقةٍ مختلفة، بالتوازي مع ترسيخ سلوكياتٍ جديدة تساعد على تحقيق أقصى استفادة من هذه التغييرات.
وتتضح صعوبة التحدي الأول في أن كثيرًا من تجارب المؤسسات مع الذكاء الاصطناعي لا تؤدي إلى تحسنٍ ملموس في الإنتاجية. فقد تساعد هذه الأدوات الموظفين على إنجاز مهامهم بكفاءةٍ أكبر، لكن الوقت والجهد اللذين توفرهما لا ينعكسان بالضرورة على نتائج الأعمال، بل قد يستغل الموظفون هذا الوقت في مهامٍ أو مشروعاتٍ شخصية لا تخدم أولويات المؤسسة.
ولكي تتحول هذه المكاسب الفردية إلى أثرٍ فعلي على مستوى المؤسسة، لا يكفي استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، حتى في هذه المرحلة المبكرة، وإنما يتطلب ذلك من الموظفين تعديل أساليب عملهم اليومية، ومن المؤسسات إعادة تصميم آليات العمل، وتوضيح ما هو متوقع من الموظفين، وتوجيه ما توفره هذه الأدوات من وقتٍ وجهد نحو أولوياتٍ تحقق قيمةً أكبر للمؤسسة.
وفي ضوء هذه المتطلبات، لا تتمثل الأولوية في هذه المرحلة في تنمية مهارات متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي، بقدر ما تتمثل في تمكين الموظفين من استخدام أدواته وإدارتها بكفاءة، ودمجها في أعمالهم اليومية. كما يتطلب نجاح إعادة تصميم آليات العمل اليومية بناء فهمٍ مشترك بين الموظفين والإدارة حول أهداف هذا التغيير، بما يشجعهم على المشاركة فيه وتبنّي الذكاء الاصطناعي، بدلًا من الشعور بأنهم مستبعدون من هذه الرحلة.
المرحلة الثانية: الأتمتة
في هذه المرحلة، تنتقل المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي في أداء المهام الفردية إلى توظيفه في أتمتة عملياتها التشغيلية التي تمتد عبر مختلف الإدارات، من بدايتها إلى نهايتها. فعلى سبيل المثال، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي استقبال طلبات العملاء، وتوجيهها إلى الجهات المختصة، وإعداد الردود المناسبة، ثم إحالة الحالات الأكثر تعقيدًا إلى الموظفين المعنيين.
ويتطلب نجاح هذه الخطوة أن تُعيد المؤسسة تنظيم طريقة العمل داخلها، بما في ذلك إعادة توزيع الأدوار والمسؤوليات لتتلاءم مع العمليات التي أصبحت تُنجز بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي. وقد كشفت نتائج الاستطلاع أن إجراء هذه التغييرات يُعد من أهم العوامل اللازمة لتحقيق استفادةٍ فعلية من هذه التقنية.
وعلى الرغم من سعي المؤسسات في هذه المرحلة إلى تحسين العمليات المؤتمتة ورفع كفاءتها، فإنها تظل منطلقةً من أساليب العمل الحالية، فتعمل على تطويرها بدلًا من إعادة النظر فيها جذريًا وتصميمها من جديد، وهو ما يفسر بقاء هذه المؤسسات ضمن مرحلة "الأتمتة"، وعدم انتقالها بعد إلى مرحلة "إعادة الابتكار".
وتشير نتائج الاستطلاع إلى أن أبرز العوامل التي تساعد المؤسسات على تحقيق نتائج أفضل في هذه المرحلة تتمثل في وضع رؤيةٍ شاملة لإعادة تنظيم العمل داخل المؤسسة، وإعداد خارطة طريقٍ تنطلق من الأولويات والأهداف الاستراتيجية، وإعادة توزيع الموارد بصورةٍ مستمرة، إلى جانب تطوير الهيكل التنظيمي والأدوار الوظيفية بما يواكب التغييرات التي تطرأ على العمليات. غير أن هذه التغييرات قد تجعل بعض الإدارات أو القيادات تشعر بأنها ستستفيد أكثر من غيرها، بينما قد يرى آخرون أنها ستقلص نفوذهم أو مسؤولياتهم، وهو ما قد يزيد من مقاومة التغيير لدى بعض الموظفين.
ولقيادة هذه التغييرات بفاعلية، تحتاج المؤسسات إلى فِرقٍ قياديةٍ تتمتع بإلمامٍ قوي بالذكاء الاصطناعي. فقد بلغت نسبة القادة الذين أشاروا إلى استفادة مؤسساتهم من مبادرات الذكاء الاصطناعي 35 في المائة عندما تمتعت فِرق القيادة بمستوى مرتفع من الإلمام بهذه التقنية، مقارنةً بـ9 في المائة فقط عند انخفاض هذا المستوى؛ أي إن الاحتمال كان أعلى بمقدار 3.9 أضعاف. ويعني ذلك أن الخبرة في مجال الأعمال لا تكفي وحدها لقيادة هذه المرحلة، وإنما ينبغي أن تقترن بفهمٍ واضح لإمكانات الذكاء الاصطناعي وكيفية توظيفه.
ولا يكتمل هذا الفهم من دون توفير الدعم والتدريب اللازمين للقادة أنفسهم، حتى يتمكنوا من اكتساب مهاراتٍ جديدة تواكب التغير في طبيعة عملهم. فقد بلغت نسبة القادة الذين أشاروا إلى تحقيق نتائج ملموسة على مستوى المؤسسة 30 في المائة بين من حصلوا على الدعم والتدريب اللازمين، مقارنةً بـ9 في المائة فقط بين من لم يحصلوا عليهما؛ أي إن الاحتمال كان أعلى لديهم بمقدار 3.3 أضعاف. وتؤكد هذه النتائج أن النجاح في مرحلة "الأتمتة" يتطلب قيادةً تتمتع بفهمٍ جيد للذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاستثمار المستمر في تطوير المهارات اللازمة لمواكبة التغييرات التي تفرضها هذه التقنيات. كما هو موضح في "الشكل 5".
المرحلة الثالثة: إعادة الابتكار
تمثل هذه المرحلة تحولًا جذريًا في طريقة تعامل المؤسسات مع الذكاء الاصطناعي؛ إذ لم يعد دوره مقتصرًا على أتمتة العمليات القائمة بالفعل، بل أصبح أساسًا تعتمد عليه المؤسسات في إعادة تصميم كافة الأمور المتعلقة بالعمل من الصفر. وتقوم هذه المرحلة على ما تحقق في مرحلتي "التمكين" و"الأتمتة"، لذلك تظل المؤسسات مطالبةً بالتعامل مع التحديات المرتبطة بهما. لكن ما يميزها هو أنها لم تعُد تنطلق من أساليب العمل الحالية وتسعى إلى تحسينها، بل تُعيد النظر في طريقة عمل المؤسسة بأكملها، بما في ذلك توزيع الأدوار والمسؤوليات، وآليات إنجاز المهام، وطريقة تنظيم العمل وإدارته.
ولهذا، تُعد مرحلة "إعادة الابتكار" أكثر مراحل التغيير تعقيدًا، لكنها في الوقت نفسه تحمل معها فرصةً لإحداث أثرٍ واسع في أداء المؤسسة. فالاستفادة منها لا تتحقق بمجرد توسيع استخدام التكنولوجيا، وإنما تعتمد بدرجةٍ كبيرة على قدرة القادة على ابتكار طرق وأساليب جديدة لإنجاز العمل يكون فيها الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من البداية.
ولا يقتصر التغيير في هذه المرحلة على تطوير سلوك الموظفين كلٌّ على حدة، كما يحدث في مرحلة "التمكين"، بل يمتد إلى تعديل السلوكيات الجماعية التي تشكل ثقافة المؤسسة وتحدد أسلوب إدارتها وطريقة عملها. وتشير إجابات القادة إلى أن ترسيخ هذه السلوكيات على مستوى المؤسسة يمثل العامل الأهم في قدرتها على تحويل استخدام الذكاء الاصطناعي إلى أثرٍ فعلي في أدائها، إلى جانب ثقة الموظفين في مؤسساتهم، التي ظلت عاملًا حاسمًا في المراحل الثلاث جميعها. اطّلع على "الشكل 6".
ولأن التغيرات السلوكية تلعب دورًا مهمًا في مرحلتي "التمكين" و"إعادة الابتكار"، فقد سعينا إلى تحديد السلوكيات الأكثر تأثيرًا في المرحلة الثالثة على وجه الخصوص، انطلاقًا من أن المؤسسات التي وصلت إليها تمتلك خبراتٍ يمكن أن تستفيد منها المؤسسات التي لا تزال في المراحل الأولى من رحلتها مع الذكاء الاصطناعي.
ولتحقيق ذلك، قمنا بالاستعانة بـ"مؤشر الصحة المؤسسية" التابع لـماكنزي، الذي يستند إلى عقودٍ من الأبحاث حول الممارسات الإدارية الداعمة لاستدامة الأداء المؤسسي. وركّز التحليل على السلوكيات التنظيمية التي لا ترتبط بتقنيات الذكاء الاصطناعي ذاتها،8 وإنما بطريقة إدارة المؤسسة والعمل داخلها، بهدف تحديد ما يميز المؤسسات التي بلغت مرحلة "إعادة الابتكار" عن تلك التي لا تزال في مرحلة "التمكين". وقد أسفر ذلك عن أربعة محاور رئيسية.
يتمثل المحور الأول في ربط الاستثمارات التقنيّة باحتياجات الأعمال والنتائج التي تسعى المؤسسة إلى تحقيقها. فكثيرًا ما تفترض الشركات أن تسهيل مهام الموظفين ورفع إنتاجيتهم على المستوى الفردي سينعكس تلقائيًا على أداء المؤسسة ككل، غير أن أبحاث ماكنزي لا تدعم هذا الافتراض.9 فزيادة إنتاجية الأفراد باستخدام التكنولوجيا لا تُعد، في حد ذاتها، مؤشرًا على قوة الأداء المؤسسي أو استدامته. وإنما تتحقق الفائدة الفعلية عندما يتم توظيف التكنولوجيا بما يخدم أولويات الأعمال، ويسهم في الارتقاء بأداء المؤسسة ونتائجها. ومن هذا المنطلق، تتبنى المؤسسات في المرحلة الثالثة نهجًا شاملًا لتوظيف التكنولوجيا بما يخدم أهدافها ويعزز أداءها العام، بدلًا من حصر استخدامها في تسهيل المهام اليومية للموظفين.
أما المحور الثاني، فيركّز على دور الإدارة العليا في دعم الابتكار، بالتوازي مع تمكين الموظفين، على اختلاف مستوياتهم الوظيفية، من طرح أفكارهم وتطويرها وتطبيقها في مختلف أنحاء المؤسسة. وفي ظل امتلاك المؤسسات المتنافسة الأدوات والتقنيات ذاتها، لا يتحقق التميز بمجرد توافر التكنولوجيا، بل بقدرة المؤسسة على الاستفادة من أفكار موظفيها وخبراتهم وتحويلها إلى مبادراتٍ قابلة للتنفيذ.
فيما يركّز المحور الثالث على تعزيز شفافية الأداء والالتزام بتوثيق العمليات بصورةٍ منتظمة، بما يساعد المؤسسات على متابعة التنفيذ، ورصد أوجه القصور، واتخاذ الإجراءات التصحيحية في الوقت المناسب. ومن خلال هذا الانضباط، تصبح المؤسسات أكثر قدرةً على تحويل طموحاتها إلى نتائج فعلية وبلوغ الأهداف التي تسعى إليها من خلال جهود التغيير.10
أما المحور الرابع، فيتمثل في تعزيز التعاون بين مختلف الإدارات ووحدات الأعمال وفِرق التكنولوجيا، بالتوازي مع ترسيخ ثقافة التعلم المستمر. ويتطلب ذلك تطوير الكفاءات اللازمة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي، مع إعطاء الأولوية للمهارات البشرية التي يصعب على الآلات محاكاتها، مثل التفكير الإبداعي والتحليلي، والقدرة على التكيف، والمرونة في التعامل مع التغييرات.
ولا تظهر القيمة الحقيقية لهذه المحاور إلا عندما تتحول إلى ممارساتٍ يوميةٍ راسخة لدى القادة والموظفين على اختلاف مستوياتهم. وعندها تصبح المؤسسة أكثر قدرةً على توظيف الذكاء الاصطناعي بما ينعكس إيجابًا على أدائها ونتائج أعمالها.
المستقبل لا ينتظر المترددين
في نهاية المطاف، لا تقتصر رحلة الذكاء الاصطناعي على تبنّي تقنياتٍ جديدة، وإنما تمتد إلى إعادة تصميم طريقة عمل المؤسسة بأكملها. فالمؤسسات التي تطمح إلى إحراز تقدمٍ حقيقي لا يكفيها إدخال الأدوات الذكية إلى بيئة العمل، وإنما تحتاج أيضًا إلى مراجعة آليات اتخاذ القرار، وتطوير مهارات فِرق العمل بما يمكّنها من مواكبة الاستخدامات الجديدة للذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى ترسيخ ثقافةٍ مؤسسيةٍ قادرة على التكيف المستمر مع تطور هذه التقنية. ولهذا، لا يعتمد التفوق على امتلاك أفضل الأدوات، وإنما على قدرة المؤسسة على تطوير أساليب عملها والاستجابة للتغيرات بوتيرةٍ أسرع من منافسيها.
ولا يُعد هذا التحدي جديدًا في تاريخ التطور التقني. فعندما بدأت الكهرباء تحلّ محل المحركات البخارية، سارعت مصانعٌ كثيرة إلى استبدال المحركات البخارية بأخرى كهربائية، لكنها أبقت أساليب العمل والهياكل الإدارية كما هي، فلم تحقق سوى مكاسب محدودة في الإنتاجية. ولم تبدأ الفوائد الحقيقية في الظهور إلا عندما أعادت تلك الشركات تصميم مصانعها بما يتناسب مع الإمكانات التي وفرتها الكهرباء، فأعادت تنظيم خطوط الإنتاج، وتوزيع المعدات، وطريقة إنجاز العمل نفسها.
واليوم، يقف الذكاء الاصطناعي عند نقطة تحولٍ مشابهة. فما زالت مؤسساتٌ كثيرةٌ تضيف هذه تقنياته إلى أساليب عملها وهياكلها التنظيمية القائمة، ثم تتوقع أن تحقق نتائج استثنائية. غير أن التجربة أثبتت أن استخدام أدواتٍ جديدةٍ، مهما بلغت قدراتها، لا يكفي وحده لإحداث تغييرٍ جوهري. فالفرصة الحقيقية، والتحدي الأكبر في الوقت ذاته، يكمنان في إعادة التفكير في كيفية إنجاز العمل وتصميمه من جديد، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا فيه منذ البداية.
وقد يبدو هذا المسار معقدًا في ظل التطور المتواصل لقدرات الذكاء الاصطناعي وتغير المهارات المطلوبة للاستفادة منه، إلا أن المراحل الثلاث، "التمكين" و"الأتمتة" و"إعادة الابتكار"، تقدم إطارًا عمليًا يساعد المؤسسات على فهم هذه الرحلة وتحديد أولوياتها في كل مرحلة. فالغاية ليست زيادة استخدام التكنولوجيا، وإنما بناء القدرات، وتطوير أساليب إدارة العمل، وترسيخ ثقافةٍ مؤسسيةٍ تشجع على ابتكار طرقٍ جديدة لإنجازه وتوظيف الذكاء الاصطناعي فيها بفاعلية. ولهذا، لا تنتظر المؤسسات الرائدة حتى تستقر التكنولوجيا أو تتضح جميع الإجابات، بل تبدأ بالتجربة، وتتعلم من نتائجها، وتُعيد تصميم أساليب العمل، وتحرص على تطويرها باستمرار. ومن خلال هذا النهج، تستطيع المؤسسات بناء ميزةٍ تنافسيةٍ يصعب على الآخرين اللحاق بها. وفي المقالة التالية، سنستعرض نماذج عملية لقادةٍ نجحوا في إحداث هذا التغيير داخل مؤسساتهم خلال رحلتها عبر المراحل الثلاث.