ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
شهدت البشرية خلال القرن الماضي تقدّمًا استثنائيًا غيَّر ملامح الحياة على نحوٍ غير مسبوق. لكن يظلّ السؤال الذي يفرض نفسه بقوّةٍ اليوم: هل يمكن تكرار هذه القفزة مرّةً أخرى، بل والارتقاء بها إلى مستوياتٍ أكثر تميّزًا؟ هذا ما يطرحه الكتاب الجديد الصادر عن معهد ماكنزي العالمي بتاريخ 13 يناير 2026 بعنوان "قرنٌ آخر من الرخاء: قصة تقدُّمٍ تُلهم الأجيال القادمة". ومن هذا المنطلق، يقدّم مؤلِّفو الكتاب تصوّرًا يكسر قيود التشاؤم، ويفتح الباب أمام عالمٍ لا يقف فيه الرخاء عند فئةٍ بعينها، بل يمتدّ ليشمل كلَّ فردٍ على وجه الأرض، بحيث يحظى الجميع بمستوى معيشيّ لا يقلّ عن المعايير الرفيعة التي ينعم بها المواطن السويسري في وقتنا الراهن.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
قد تبدو هذه الفكرة لدى البعض غير قابلةٍ للتصديق؛ غير أنّ مؤلِّفي الكتاب يؤكّدون أنّهم أخضعوها لاختباراتٍ وتحليلاتٍ دقيقة، أثبتت إمكانيّة تحقيقها من الناحية المادية. فالعالم، بحسب طرحهم، يمتلك ما يكفي من الطاقة، والغذاء، والمعادن، والمواد الأولية، كما أنّ قدرتنا على الابتكار تتطوّر بالسرعة المطلوبة، بما يمكّننا من تحقيق الرخاء العالمي بأقلّ ضررٍ بيئيٍّ ممكن، وعلى نحوٍ لا يستنزف موارد الكوكب ولا يدمّر توازنه.
ويؤكِّد المؤلفون أن التاريخ لطالما أنصف المتفائلين وكان دائمًا إلى صفِّهم، وهو ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن المستقبل سيسير على النهج ذاته، شريطة أن نؤمن بأن النموَّ هو المحرِّك الفعلي للارتقاء بجودة الحياة، والضمانة الحقيقية لصون الكرامة الإنسانية وفتح آفاق الفرص للجميع. ومع ذلك، فإن الرخاء المأمول سيظل مجرد فكرةٍ نظرية ما لم يُترجَم إلى أفعالٍ وحراكٍ واقعيٍّ يبني المستقبل للأجيال القادمة.
وفي السطور التالية، نعرض نصًا مُحرّرًا للحوار الذي دار حول الكتاب بين خمسةٍ من مؤلِّفيه، هم: سفين سميت، الشريك الرئيسي في ماكنزي والرئيس السابق لـ "معهد ماكنزي العالمي"؛ واثنان من مديري المعهد الحاليين ومن الشركاء الرئيسيين في ماكنزي أيضًا، وهما كريس برادلي ونيك ليونغ؛ بالإضافة إلى مارك كانال، الزميل الأول في المعهد، وجانيت بوش، المُحرِّرة التنفيذية السابقة لدى المعهد.
سفين سميت: مرحبًا، أنا "سفين سميت"، ويسعدني كثيرًا أن أتحدّث معكم عن كتابنا الجديد بعنوان "قرنٌ آخر من الرخاء: قصةُ تقدُّمٍ تُلهم الأجيال القادمة". كما يسعدني أيضًا أن يرافقني عددٌ من الزملاء الذين شاركوني التأليف، علمًا بأن فريقًا أكبر بكثير أسهم في إنجاز هذا العمل الضخم. ونأمل أن يكون حديثنا عنه ممتعًا وخفيفًا، لا سيّما ونحن نستعيد كواليس تأليف الكتاب ومراحل إعداده. ولإضفاء مزيدٍ من الحيوّية على النقاش، قررنا أن ندير الحوار بأسلوبٍ تفاعلي؛ إذ سنختار مجموعةً من البطاقات بطريقةٍ عشوائية، تحمل كلُّ واحدةٍ منها سؤالًا يفتح باب الحديث، ثم نترك الإجابةٍ تقودنا إلى ما بعدها.
ما الذي دفعكم إلى كتابة هذا الكتاب؟
سفين سميت: سؤالي الأول الذي طرحته على نفسي هو: لماذا قررنا تأليف هذا الكتاب؟
في الواقع، بدأت القصة عندما سألَنا "إيان ديفيس"، الشريك الإداري السابق في ماكنزي، قائلًا: "ماذا تعلّمتم عن القرن الماضي خلال عملكم في "معهد ماكنزي العالمي"؟" وكانت إجابتنا جميعًا: "لقد تعلّمنا الكثير". وهنا أدركنا أن الأمر لا ينبغي أن يقف عند استخلاص الدروس من الماضي، بل يجب أن يمتدّ إلى استشراف المسار الذي قد يسلكه التقدّم البشري، بناءً على تلك الدروس. ومن هنا خلُصنا إلى استنتاجٍ مفاده أنه إذا أُحسِن توجيه منحى التطوّر، فقد يُفضي ذلك إلى قرنٍ جديد من الرخاء. ورأينا أن هذه الفكرة، بما تحمله من أسئلةٍ وإمكانات، تستحقّ أن تُقدَّم في كتاب.
نيك ليونغ: تعود جذور الفكرة إلى اجتماعنا السنوي في لندن، حين طرح مدير مكتبنا آنذاك، "إيان ديفيس"، تساؤلًا جوهريًا علينا: بعد قرنٍ من الزمان، ما الحصيلة المعرفية التي خرجتم بها؟ وفي تلك اللحظة، بدأ الجميع يستحضر نتاج سنواتٍ من البحث والتقصّي في أروقة المعهد، بدءًا من تقاريرنا حول الصورة الشاملة للاقتصاد العالمي، وصولًا إلى ملفات التمكين المجتمعي. ومع ذلك، سرعان ما استقرّ رأيُنا على عدم الاكتفاء بقراءة الماضي، بل علينا استشراف المائة عامٍ المقبلة؛ وبالفعل، وجدنا أنفسنا في نهاية المطاف نكرّس وقتًا لاستقراء المستقبل يفوق بكثير ما أمضيناه في مراجعة الماضي.
كريس برادلي: بالنسبة لي، كان الدافع وراء هذا العمل جليًا؛ فنحن نمرّ بمرحلةٍ من التحوّلات التاريخية الكبرى التي يشعر بها الجميع، بدءًا من التقلبات الجيوسياسية المتسارعة، وصولًا إلى الطفرات المذهلة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتحدّيات الديموغرافية المعقّدة. إنها حالةٌ من المتغيّرات المتلاحقة والمربكة، تفتقر إلى رؤيةٍ واضحةٍ تفسّر طبيعة ما يحدث وإلى أين يقودنا هذا التغيير.
ومن بين ما توقّفنا عنده في الكتاب نتائجُ استطلاعات الرأي التي تُجريها مؤسسة "إيدلمان للثقة"، والتي كشفت عن معطياتٍ وأرقامٍ مثيرةٍ للقلق؛ ففي دولٍ متقدّمة كألمانيا، لا تتجاوز نسبة الشباب المتفائلين بمستقبل الجيل القادم 10 في المائة. وهذا الإحباط السائد يعكس شعورًا جمعيًّا بأن العالم بات كالسفينة التي تفتقد إلى البوصلة أو دفة التوجيه، مما جعل التوقّعات المستقبلية منحصرةً في أُطُرٍ ضيّقة، مثل الأزمات الدائمة أو التقلبات الحادّة. ومن هذا المنطلق، قرّرنا استعادة زمام المبادرة لتقديم قراءةٍ موضوعيةٍ ترتكز على الحقائق، نوضح من خلالها ما أنجزته البشرية، وما يمكن أن يحمله الغد من فرصٍ واعدة.
وبشيءٍ من التأمّل، سنجد أنفسنا اليوم في منتصف الطريق نحو تحقيق الرخاء وتمكين البشر في العالم أجمع؛ فبعد أن كانت البشرية، قبل قرنٍ من الزمان، تبدأ من نقطةٍ تكاد تلامس الصفر، استطعنا الوصول إلى منتصف الرحلة تقريبًا. ومن هنا يتبادر إلى الذهن سؤالٌ حتميّ يتماشى مع ما يطرحه "النصف الثاني" من الكتاب: كيف ستبدو المرحلة المتبقية من هذه الرحلة؟ وهل يمكننا أصلًا استكمالها في ظلّ شعور الأجيال الجديدة بالإحباط واليأس؟ وأمام هذا التحدّي، قرّرنا خوض محاولةٍ قد تبدو جريئةً نوعًا ما، لإعادة صياغة الفكرة السائدة عن التقدّم، وطرح سردٍ أكثر وضوحًا وإقناعًا عمّا يمكن أن يحقّقه العالم إذا فضّل مواصلة البناء على الاستسلام للتشاؤم؛ أو على الأقل، الاستمرار في المحاولة حتى النهاية.
كيف تعرّفون مفهوم "الرخاء" من منظوركم الشخصي؟
سفين سميت: جانيت، إليكِ البطاقة التالية.
جانيت بوش: ماذا تعني لي كلمة "الرخاء" على المستوى الشخصي؟ في الحقيقة، قد يبدو من السهل على من ينتمي إلى الطبقة المتوسطة ويعيش وضعًا ماديًا مريحًا أن يظنّ أن المال ليس أمرًا جوهريًا، لكنه في الواقع يمثّل كلَّ شيءٍ لمن يواجه الفقر. لقد ركّزنا في الكتاب طويلًا على هذه النقطة، وعلى ضرورة النهوض بالفئات الأكثر احتياجًا، أو المحرومين من ثمار التنمية، ونعتقد أننا قدّمنا ما يثبت إمكانية تحقيق ذلك.
ثمة أمرٌ آخر، وهو أن المال ليس مجرد أرقام، أو دليلٍ على للجشع، بل وسيلةٌ لحياةٍ كريمة؛ فهو يوفّر لك التعليم، والرعاية الصحية، وكل المقومات التي تصنع حياةً أفضل.
كما لا يمكن أن نُعدّ الطبيعة تفصيلًا هامشيًا. فمن منظوري الشخصي، لو عشتُ في عالمٍ ينعم فيه الجميع بالثراء المادي داخل مدنٍ تختفي منها المساحات الخضراء والطيور، لما كان ذلك رخاءً، بل سَحقًا للروح، وعندها سأغرق في حزنٍ عميق. ولهذا تعمّدنا أن نُبرز في الكتاب أهمية الحفاظ على الطبيعة والعيش في وئامٍ مع سائر الكائنات الحيّة، وفي الوقت نفسه أن نمنح الأجيال القادمة ما يدعوها إلى التمسّك بالأمل والمضيّ قدمًا.
نيك ليونغ: من الأشياء التي استوقفتني هنا كلمةُ "على المستوى الشخصي"؛ فمن أهمّ مميّزات الكتاب حرصُنا الشديد على ألا يكون مجرّد سردٍ للأرقام، بل أن يقدّم، بدلًا من ذلك، القصص الشخصية للمؤلِّفين ولفريق العمل بأكمله. إنها روايةٌ إنسانيةٌ توضّح كيف صاغت المائةُ عامٍ الماضية حياةَ كلِّ من شارك في هذا الكتاب، وأثّرت في عائلاتهم؛ فبحثنا في الجذور لنسأل: أين نشأ الأجداد؟ ومن أين أتت أصولهم؟
وهذا الإطار الشخصي هو ما يساعدنا على التفكير فيما هو قادم. لذلك يشير العنوان الفرعي إلى الأجيال القادمة، ويطرح أسئلةً مباشرة: إلى أين نمضي؟ وهل لدينا، كما قلتَ يا كريس، ما يبرّر التفاؤل؟ وإذا كان الماضي قد شهد هذا القدر الهائل من التقدّم، فلماذا لا نكون أكثر ثقةً بأن أبناءنا وأحفادنا سيعيشون واقعًا أفضل؟ لهذا السبب أحببت كثيرًا تناوُل الكتاب لفكرة "البعد الشخصي".
مارك كانال: بالنسبة لي، لا تعني كلمة "الرخاء" مجرّد تحسّنٍ في مستوى المعيشة؛ بل تعني الوفرة من الشيء. فنحن لا نتحدّث عن الرخاء بوصفه نتيجةً فحسب، كأن يعيش الناس حياةً أفضل، بل نتحدّث أيضًا عن الطريق الذي يقود إليه. وهذا الطريق يرتبط، ببساطة، بزيادة القدرة على البناء والإنتاج: بناء المزيد من المساكن، وتطوير المزيد من مصادر الطاقة، وصناعة المزيد مما يحتاجه الناس.
وفي نهاية المطاف، يتعلّق الأمر بمعنى "المزيد" ذاته، وهو مفهوم قد يبدو مُربكًا للبعض حين يتساءلون: هل نحتاج حقًا إلى المزيد؟ لكن إذا كنا نطمح إلى سكنٍ بأسعارٍ معقولة وطاقةٍ بتكلفةٍ أقل، فإن ذلك يعني عمليًا زيادة المعروض منهما؛ أي أن نبني وننتج أكثر. لذلك أرى أن الرخاء ليس مجرّد غايةٍ نصل إليها، بل هو أيضًا الوسيلة والطريق الذي نسلكه لبلوغ ذلك الهدف.
سفين سميت: دعونا نعترف بأن شريحةً واسعةً من سكان العالم لا تزال بعيدةً جدًا عن مفهوم الرخاء الذي نتحدّث عنه. ولهذا استخدمنا سويسرا في الكتاب، على سبيل المزاح، كمقياسٍ تقريبيّ لمستوى المعيشة الذي نطمح أن يصل إليه الجميع.
دائمًا ما أتخيّل مزارعًا في كينيا لا يحتاج سوى مضخّة مياه بسيطة لا تتجاوز تكلفتها 50 دولارًا، كي ينتقل من موسمٍ زراعيٍّ خاسر إلى حصادٍ وفير. وفي المقابل، ننشغل نحن بمحاولة حلّ مشكلاتٍ أكثر تعقيدًا، مثل السيارات الكهربائية ومحركات الاحتراق وغيرها، وهي حلولٌ قد تصل تكلفتها إلى عشرات الآلاف من الدولارات، في حين تحاول الغالبية العظمى من البشر فقط اللحاق بالحد الأدنى من مقوّمات الحياة التي نراها نحن أمرًا بديهيًا. ورغم اختلاف هذه المشكلات وتنوّعها، فإننا نعلم أن بلوغ هذا الهدف ليس مستحيلًا، بل ممكنٌ من الناحية التقنية؛ وكل ما نحتاجه فقط هو التنفيذ.
ولذلك أعتقد أننا كثيرًا ما نغفل حقيقةً مهمّة: فملايين البشر حول العالم لا يملكون ترف الانشغال بالقضايا التي تؤرقنا في الدول الغربية الغنية. فبينما ننشغل نحن بمسائل الرفاهية وتحسين ما هو قائم، لا يزال هؤلاء يخوضون صراعًا يوميًا لتأمين أبسط مقوّمات العيش.
كريس برادلي: كثيرًا ما يتحدّث الناس عن الشريحة الأغنى في العالم وكأنها تقتصر على عددٍ قليلٍ جدًا من البشر. لكننا في هذا الكتاب حاولنا تبسيط الفكرة بمثالٍ واضح، فطرحنا سؤالًا مباشرًا: هل يمكن أن يكون مستوى المعيشة في سويسرا معيارًا تسعى بقية دول العالم إلى الاقتراب منه؟ فمن المعروف أن متوسط دخل الفرد السنوي هناك يبلغ نحو 82 ألف دولار، وهو رقمٌ يضع المواطن السويسري العادي ضمن الشريحة الأعلى دخلًا عالميًا، أو ما يُعرف بفئة الـ "1 في المائة" الأغنى على مستوى الكوكب.
وعادةً ما تُستَخدم هذه الفئة كخطٍّ فاصلٍ أو عنوانًا يميّز بين البشر. لكننا في الكتاب اخترنا أن نرفض هذا المنطق، وطرحنا تصوّرًا مختلفًا؛ تصورٌ لعالمٍ يصبح فيه الجميع، بحلول عام 2100، على مستوى دخلٍ ومعيشةٍ يضعهم ضمن هذه الشريحة. فكيف ستتغيّر ملامح الحياة إذا تحوّل ما نراه اليوم استثناءً إلى واقعٍ متاحٍ للجميع؟ بالنسبة لي، أرى هذا الاحتمال مُلهِمٌ ومحفِّزٌ على المستوى الشخصي.
كيف تردّون على من يرى أن زمن الازدهار البشري قد مضى؟
سفين سميت: سأمرِّر البطاقة الآن إلى مارك.
مارك كانال: حسنًا، السؤال هو: ماذا تقول لشخصٍ يعتقد أن أفضل أيام البشرية قد انتهت وأصبحت من الماضي؟ إنه سؤالٌ مثيرٌ للاهتمام حقًا.
إذا نظرنا إلى التاريخ، سنجد أن من قال في أي وقتٍ خلال المائة عام الماضية إن أفضل أيام البشرية انتهت، كان مخطئًا. فالأشياء كانت تتحسّن باستمرار، رغم الأزمات والتقلبات. ثم إن ما نملكه اليوم من عقولٍ متعلّمة، ومعرفةٍ متراكمة، وتقنياتٍ متقدّمة، يجعل من الصعب أن نصدّق أننا سنعود إلى الوراء. لذلك لا أراهن أبدًا ضد عبقرية الإنسان؛ فهذا رهانٌ خاسر. أنا أؤمن بقدرتنا على الابتكار وحلّ المشكلات، وأعتقد أننا سنواصل التقدّم خطوةً بعد خطوة في طريقنا نحو الرخاء.
سفين سميت: كثيرًا ما أواجه هذا النوع من الإحباط. ففي لقاءاتي مع الطلاب في محافل مختلفة، غالبًا ما أختتم حديثي بالتعبير عن إيماني بأن ابنتي، البالغة 16 عامًا، قد تعيش حتى 120 عامًا. بل إننا، مع قدرٍ من التقدّم الذي قد يتيحه الذكاء الاصطناعي والابتكارات البشرية، ربما نصل إلى معدلاتٍ عمريةٍ تقارب 150 عامًا. وهنا يبادرني بعضهم بسؤالٍ صريح: "ولماذا قد يرغب أحدنا في العيش لـ 150 عامًا، ما دام المستقبل يبدو مظلمًا؟". فأجيبهم بأنني أودّ ذلك لأنني أرغب في رؤية أحفاد أحفادي، ومشاركتهم حياتهم أيًّا كانت الظروف؛ لأكون إلى جوارهم وأساندهم. وأنا، في الحقيقة، أؤمن بأن المستقبل يمكن أن يكون أكثر إشراقًا، وأتوق إلى رؤية الرخاء القادم. لكنهم لا يقتنعون بسهولة، لذلك أفتح النقاش معهم عادةً بسؤالٍ مباشر: "من أين جاءت هذه النظرة المتشائمة؟". عندها يصمتون قليلًا، ثم يبدأون بالحديث عن تغيّر المناخ، والحروب، والأوبئة، ومخاوفهم من أن الذكاء الاصطناعي قد يسلبهم وظائفهم.
كريس برادلي: وأزمة السكن، على سبيل المثال.
جانيت بوش: وكذلك ارتفاع تكاليف المعيشة.
سفين سميت: ثم يواصلون سرد قائمةٍ طويلة من المشكلات التي تؤرقهم، وأنا لا أقلّل أبدًا من شأن مخاوفهم. لكنني أستحضر تجربة والديَّ؛ فقد اشتريا منزلًا، ثم انهار سعره بنسبة 40 في المائة فور الشراء، خلال أزمة النفط، وهو أمرٌ لم نشهد له مثيلًا في الآونة الأخيرة.
ومع ذلك، لا أكتفي بطمأنتهم، بل أنصحهم بقراءة كتابنا والاطّلاع على أبحاث "معهد ماكنزي العالمي"، ليروا أن معظم هذه المعضلات يمكن التعامل معها بطرقٍ واضحةٍ وقابلةٍ للتطبيق، بما في ذلك قضايا المناخ، والفقر، والقدرة على تحمّل تكاليف المعيشة؛ شريطة أن نبدأ العمل على الفور.
ثم أعود لأسألهم: "من أين كوّنتم هذه الصورة؟". وعندما أتتبّع مصادرها، أكتشف أنها غالبًا ما تستند إلى أخبارٍ عامة واسعة الانتشار. ونحن نعلم أن وسائل الإعلام تميل بطبعها إلى تضخيم السلبيات؛ لأن ذلك يجذب الانتباه ويزيد الانتشار والتفاعل.
لذلك أعتقد أننا نستطيع فتح نقاشٍ أعمق مع الشباب نطرح فيه رؤيتنا، وربما ننجح في تغيير نظرتهم السلبية، رغم اعترافي بأن هذه النظرة متجذّرةٌ لديهم إلى حدٍّ كبير.
جانيت بوش: لو نظرنا إلى المائة عامٍ الماضية وحلّلنا انطباعات الناس خلال عقودها العشرة، لوجدنا أن سبعة أو ثمانية عقودٍ منها غلب عليها الشعور بالخوف والقلق بدلًا من التفاؤل.
ففي عام 1925، كان الناس في غاية التشاؤم، وكان لديهم حقٌّ في ذلك؛ فقد أعقب تلك الفترة كسادٌ عظيم، وحربٌ عالميةٌ كارثية. لكن الحقيقة أننا، في كل جيلٍ، نميل بطبيعتنا إلى التشاؤم. والمشكلة أن هذا الميل قد يُعطّل قدرتنا على الفعل والإنجاز. لذلك، كانت روح هذا الكتاب أن ننظر إلى المستقبل بنظرةٍ أكثر تفاؤلًا؛ لأن التفاؤل يمنحنا الدافع لننجز ونُحدِث تغييرًا.
نيك ليونغ: لا أظن أن الأمر يقتصر على التفاؤل وحده؛ بل يتعلق أيضًا بـ "إعادة صياغة" رؤيتنا للأمور؛ فهذا الكتاب يحاول تقديم منظورٍ مختلفٍ تمامًا. لا أتذكر من منكما صاحب تشبيه المجهر والتليسكوب، لكن المغزى منه عميقٌ جدًا؛ فبينما يجعلنا "المجهر" نغرق في تفاصيل مشكلاتنا اليومية ونراها ضخمةً ومخيفة، يتيح لنا "التليسكوب" النظر إلى الأمور من منظورٍ زمنيٍّ أطول. فعندما ننظر إلى مسار البشرية عبر مائة عام، ستختلف الرؤية تمامًا، أليس كذلك؟
وبالعودة لما ذكره "سفين" عن والديه وأزمة النفط، كانت تلك المخاوف حقيقيةً تمامًا في وقتها، كما أن مشكلات اليوم حقيقيةٌ أيضًا. لكن عندما نرجع خطوةً إلى الوراء وننظر إلى القرن الماضي، سنرى نمطًا متكررًا؛ فقد تجاوزنا هذه الصعاب بفضل ما توصلت إليه البشرية من ابتكاراتٍ وحلولٍ عبقرية. لقد أثبتنا مرةً تلو الأخرى، وعلى امتداد القرون الثلاثة الماضية، أننا قادرون على تسريع وتيرة التقدّم.
كريس برادلي: الحقيقة أنه لم يكن هناك يومًا طريقٌ مُمهّد أو فرصةٌ سهلة؛ فكل عقدٍ من الزمان حمِل أزمةً ما، وكثيرًا ما كنّا نتحرّك وسط ظروفٍ معقّدة. لذلك، حين بدأنا تأليف هذا الكتاب، أدركنا أن حياة الإنسان، في جوهرها، رحلةٌ من الكفاح المستمر؛ لكنها كثيرًا ما تنتهي بتحقيق الانتصار في نهاية المطاف. وهو ما اكتشفناه عندما عاد كلٌّ منا بذاكرته إلى قصص آبائنا وأجدادنا. فجدي، مثلًا، فقد شقيقه بسبب مرض "الالتهاب الرئوي" لأن عائلته لم تكن تملك ثمن الدواء. ثم اضطر لاحقًا إلى خوض حربٍ في شمال أفريقيا لم يتحدث عنها أبدًا. وبعدها استقرّ في مدينة "السويس"، وعمِل مديرًا لمدرسةٍ هناك، في ذروة "أزمة السويس" الشهيرة، قبل أن يُطلب منه الرحيل فورًا، ليغادر بعدها إلى أستراليا.
الغريب في الأمر أننا ننظر إلى أحداث الماضي وكأننا نشاهد فيلمًا سينمائيًا نعرف نهايته مسبقًا، بينما الواقع يقول إن دخل الفرد عالميًا بين عام 1925 وعام 2025 تضاعف ستّ مرات. لكن أجدادنا، حين كانوا يفقدون أحباءهم ويحاربون في الميدان ويُهجّرون بسبب الصراعات السياسية الكبرى، لم يكونوا يعلمون أن المستقبل سيحمل هذا التحسّن الهائل. وهذا هو المدهش حقًا؛ فلم يكن لديهم أدنى فكرة عما ستؤول إليه الأحوال، لكنهم رغم ذلك واصلوا حياتهم، واستمروا في كفاحهم، وفعلوا ما ينبغي عليهم فعله.
سفين سميت: اسمحوا لي أن أكون صريحًا؛ أعتقد أننا نتحدّث من داخل عدسةٍ غربية، حتى لو لم نقصد ذلك. فمعظم أفكارنا عن المستقبل تتشكّل من خبرة البلدان الغنية والمتقدّمة في أوروبا وأمريكا الشمالية. صحيحٌ أنك تعيش في الصين يا نيك وتحمل خبرةً مزدوجة، لكن الإطار العام للنقاش يبقى إطارنا نحن، لا إطار ملايين الناس في أفريقيا والهند ممن تختلف أولوياتهم جذريًا عمّا نناقشه الآن. وأنا ألاحظ ذلك بوضوحٍ كلما سافرت وتحدّثت عن النمو وتحدّيات الغد؛ فالمعاني تتبدّل بحسب البلد. ففي كثير من الدول الغربية، يدور الحديث حول القيود والضغوط وما يرافقهما من قلق. أمّا في أفريقيا، فتصلني رسائل مباشرة وبسيطة: "قولوا لأوروبا إننا نريد الطعام أولًا. فإذا أمّنّا الغذاء، ذهبنا إلى المدارس. وبعد التعليم تأتي الرعاية الصحية. عندها فقط يمكننا أن نفكر في قضايا الرفاهية التي تشغلهم".
لهذا، من المهم أن ندرك أن السعي نحو الرخاء ليس فكرةً نظرية تُكتب على الورق، بل مطلبٌ يوميٌّ ملحّ لدى كثيرٍ من الناس في أفريقيا وإندونيسيا وأمريكا اللاتينية، وفي أماكن كثيرة حول العالم، بما في ذلك فقراء الغرب، حتى لو خالطته قناعةٌ عند بعضهم بأنه بعيد المنال. ومن اللافت أن من عاش موجة التقدّم يخشى اليوم أن يفقد ما حققه من مكتسبات، بينما من لم ينل نصيبه منها بعد يرى المستقبل مساحةً واسعةً من الإمكانات وطريقًا مليئةً بالفرص. وفي تقديري، تقف الصين في منطقةٍ وسطى بين القلق على المكتسبات، والتطلّع إلى الفرص.
كريس برادلي: لافتٌ فعلًا ما تكشفه نتائج أحدث استطلاعٍ لـ "مؤسسة إيدلمان"؛ فالأغلبية في الصين تمتلك قناعةً راسخة بأن الجيل القادم سيعيش حياةً أفضل.
نيك ليونغ: صحيح. فالنسبة هناك تقارب 60 في المائة، والأمر نفسه يكاد ينطبق على الهند. ولعلّ المفارقة هنا أن الشعوب التي شهدت تقدّمًا ملموسًا في السنوات الأخيرة هي الأكثر تفاؤلًا على المدى البعيد، حتى وإن شاركت بقية العالم شيئًا من القلق تجاه الظروف الراهنة.
كريس برادلي: ربما لأن هذه البلدان لا تزال تبني وتُنتج؛ فالناس يرون التغيير بأعينهم، ويلمسون أثره مباشرةً في حياتهم اليومية.
نيك ليونغ: فعلًا، لقد أصبت. هذه هي النقطة الأساسية.
مارك كانال: بالضبط. ولكن على النقيض تمامًا، لا يوجد في الغرب أي اقتصادٍ متقدم تتخطى فيه نسبة المتفائلين بمستقبل الأجيال القادمة 30 في المائة، بما في ذلك الولايات المتحدة وألمانيا. بينما في فرنسا، لم تتجاوز هذه النسبة 9 في المائة.
كريس برادلي: وحتى أستراليا ليست بعيدةً عن هذا التراجع؛ فالنسبة هناك لا تتجاوز 17 في المائة.
لو وُضع هذا الكتاب في كبسولة زمنية، ما الذي تأملون أن يقوله قرّاء عام 2100 عن هذا الكتاب لو عادوا إليه بعد قرن؟
سفين سميت: سأمرّر البطاقة لزميلي نيك، وأترك له مهمة الإجابة عن هذا السؤال.
نيك ليونغ: يا له من سؤالٍ مثير! لقد ناقشنا هذا الأمر كثيرًا أثناء تأليف الكتاب؛ فنحن ندرك أن التوقّعات الدقيقة غالبًا ما تخيب. لذلك لا نقدّم نبوءاتٍ مؤكدة ولا نبيع أوهامًا، بل نحاول أن نوضح ما نراه ممكنًا وقابلًا للتحقّق. وفكرتنا الأساسية هي عرض مسارٍ عام للوصول إلى الرخاء، لا وصفةً واحدة تناسب الجميع. إنّ ما نفعله، ببساطة، هو طرح احتمالٍ واقعي بأن البشرية جمعاء يمكنها بلوغ مستوىً عالٍ من التقدّم. وهنا يعود السؤال: إذا وضع أحدهم هذا الكتاب في "كبسولةٍ زمنية" ليطّلع عليه قرّاء المستقبل، فكيف سيحكمون على تجربتنا؟ وكيف سيقرؤون هذا الطموح بعد عقودٍ طويلة؟
مارك كنال: أعتقد أن من سيقرأ الكتاب بعد 75 عامًا سيقول إننا أصبنا في الاتجاه العام، لكننا أخطأنا في التفاصيل. وهذا طبيعي، لأن ما كتبناه ليس تنبؤًا دقيقًا بالأرقام. فمن غير المنطقي أن تكون الأرقام بعد عشرات السنين مطابقةً لما نتخيله اليوم. ومع ذلك، قد يُفاجأ الناس بأن الفكرة الأساسية كانت أقرب للصواب مما يوحي به تشاؤمنا الحالي.
نيك ليونغ: أتمنى أن ينظروا إليه بالطريقة نفسها التي ننظر بها اليوم إلى الماضي. تمامًا كما لو أن أحدهم كتب في عشرينيات القرن الماضي أن العالم سيبلغ ما بلغه اليوم من تقدّم، لربما بدا ذلك حينها مبالغة. أما اليوم، فنحن نراه واقعًا ملموسًا أمامنا.
كريس برادلي: ما يدهشني دائمًا هو الطريقة التي نتخيل بها المستقبل. لنأخذ على سبيل المثال، أفلامًا صنعت جزءًا كبيرًا من الوعي الجمعي مثل "حرب النجوم"؛ عندما ننظر كيف وضعت هذه الأفلام تصورًا لتقنياتٍ مذهلة كالسفر عبر الفضاء، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، بل وصوّرت أيضًا روبوتاتٍ واعية. ومع ذلك، لم يخطر ببال صانعيها شيءٌ بسيط أصبح اليوم بديهيًا، وهو شاشة اللمس. فما زال عالمهم مليئًا بالكثير من الأزرارٍ التي تبدو مضحكةً بالنسبة لنا.
سفين سميت: بل والأكثر طُرفًا من ذلك أنهم يضغطون تلك الأزرار دائمًا بطريقةٍ خاطئة.
كريس برادلي: في نهاية المطاف، لم يمنحنا الواقع كل ما وعدت به أفلام الخيال العلمي؛ فلا سفرٌ فضائيّ بلا حدود حتى الآن، ولا روبوتاتٌ واعية، لكننا على الأقل تجاوزنا عصر الأزرار. وبعد مائة عام، سيكون من الممتع أن يعود الناس إلى ما كتبناه ليروا ما الذي تحقق، وما الذي بقي مجرد تصور.
ومن هذا المنطلق، خصّصنا في الكتاب مساحةً لملف الطاقة، ورسمنا له سيناريو عمليّ، وطرحنا سؤالًا مباشرًا: هل نستطيع تزويد العالم بطاقةٍ نظيفة، وبوفرةٍ تكفي الجميع؟
وجاءت حساباتنا لتكشف أننا قد نحتاج إلى ما يصل إلى ثلاثة أضعاف الطاقة مقارنةً بما نستهلكه اليوم، وإلى كهرباء تزيد بنحو 12 ضعفًا. ولجعل هذه الصورة قابلةً للتصديق، افترضنا مزيجًا من مصادر الطاقة، 40 في المائة من الطاقة النووية، و40 في المائة من الطاقة المتجددة، و20 في المائة من مصادر أخرى، مع التزامنا بأن يظل السيناريو منسجمًا مع حدود العلم والواقع كما نعرفهما اليوم.
وبالطبع، يمكن أن يأتي المستقبل بما يربك هذه التقديرات؛ فقد تظهر تقنياتٌ لم نحسب حسابها، مثل الاندماج النووي، أو تصبح البطاريات زهيدة التكلفة إلى حدٍّ يقلّل الحاجة إلى المحطات النووية. نحن لا ندّعي معرفة التفاصيل، لكن ما أردنا إظهاره هو أنه، أيًّا كانت الوسيلة، فإن الوصول إلى طاقةٍ نظيفةٍ ووفيرة ليس حلمًا مستحيلًا، بل هو احتمالٌ واقعيٌ يمكن تحقيقه.
سفين سميت: لا أستطيع أن أجزم بما سيقوله الناس بعد عقود، ولا حتى بأي لغةٍ سيتحدثون. لكن أملي الحقيقي أن يكون لهذا الكتاب أثرٌ ملموس. لا يهمّني أن تأتي التفاصيل مطابقةً أو أن تخطئ الحسابات؛ بل إن أكثر ما يهمّني أن ما كتبناه قد ترك بصمةً بالفعل، وأنه ساهم، ولو بقدرٍ صغير، في جمع أفكارٍ كانت منتشرةً في العالم، وتمكّن من صياغتها وبلورتها.
مارك كنال: لعلّ أخطر ما في التقدّم أنه ما إن يتحقق حتى يُؤخذ كأنه أمرٌ مُسلَّمٌ به. لذلك قد نجدهم في عام 2100 يمرّون بالنقاش نفسه عن وجود "أزمة أمل"، لأنهم ينشغلون بتفاصيل المشكلات حين ينظرون إليها عبر المجهر، فيرون الجانب السلبي أكثر مما يرون الصورة الكبرى.
إلى أي مدى أثّر مسار البحث في مواقفكم أو تصوّراتكم؟
سفين سميت: لنعُد إلى البطاقات مرةً أخرى، وهذه المرة نمررها لكريس.
كريس برادلي: السؤال، هل تغيّرت آرائي خلال البحث؟
الحقيقة أنها تغيّرت بالفعل، وهذا كان جزءًا أصيلًا من التجربة. بل إنني أرى أن ما يُميز "معهد ماكنزي العالمي" أنه يجمع وجهات النظر المختلفة، ويضعها تحت مظلةٍ منهجيةٍ صارمة؛ حيث يتكون فريقنا من أشخاصٍ ذوي خلفياتٍ متنوعة، ومن قارات العالم أجمع، لذلك جاء الكتاب أشبه بخلاصة أفكارٍ متعددة صيغت في عملٍ واحد.
أما أكبر ما تغيّر لدي، فكان على مستوى نظرتي لمدى "بديهية" التقدّم. فقد دخلت هذا المشروع وأنا أظن أن مسار التطور واضحٌ للجميع، وأن استمرار التقدّم أمرٌ يكاد لا يحتاج إلى نقاش. لكننا وجدنا أن هناك أسئلةً حقيقية تستحق التوقف: هل النمو مفيدٌ دائمًا؟ وهل يمكن تكرار تجربة التقدّم مرةً أخرى؟ وهل ما زالت آلة التقدّم تعمل كما كانت، أم أن العوائق أمامها باتت كثيرة؟
ومع الوقت، لم تتبدّل قناعاتي بأن التقدّم ممكنٌ، لكنني اكتسبت قدرًا أكبر من التفهّم لمخاوف الناس من فكرة النمو. أدركت أن مسؤوليتنا لا تقتصر على تقديم رؤيةٍ متفائلة، بل تشمل أيضًا مواجهة مصادر القلق التي تجعل البعض يرى النمو عبئًا: فهناك من يرى أن النمو يترك آثارًا جانبية ويُحدث أضرارًا كبيرة، أو يظن أننا لا نملك الموارد الكافية، ولا يفهم كيف يمكن توسيع الإنتاج أو فتح آفاقٍ جديدة، فالكثيرين لا يدركون حجم العالم وإمكاناته. والأهم أن هناك من يشعر أن النمو لا يخدمه شخصيًا، لأن الثروة قد تزيد في المجتمع، لكن المكاسب تذهب لفئاتٍ بعينها، بينما يشعر الشباب أنهم خارج الصورة.
لذلك، لم يكن ما غيّر نظرتي أثناء العمل هو حدّة الطرح أو مجرد التأكيد أن التقدّم ممكنٌ وواقعي؛ فقد قضيت وقتًا كافيًا في المعهد لأفهم اتجاه الأمور. بل كان الأهم أن نتوقّف ونسأل: ما الطريقة الأنسب لطرح هذا السؤال بما يساعدنا على فهم سبب عدم اقتناع الجميع تلقائيًا؟ وكيف نجعل فكرة التقدّم أكثر إقناعًا وعدلًا وقربًا من الناس؟ وما العقد الاجتماعي الجديد الذي قد نحتاجه لتحقيق ذلك؟
جانيت بوش: أما أنا، فكنتُ على عكس كثيرين في البداية. فقد بدأتُ العمل على هذا الكتاب بنبرةٍ متشائمة، وقلقٍ واضح من التغيّر المناخي، واتساع فجوة عدم المساواة، وما قد يُحدِث خللًا في الطبيعة أو يهدد التنوّع الحيوي. ولم أكن مقتنعةً بأن العالم يستطيع أن يواصل النمو دون توقف، وأن آلة التقدّم قادرةٌ على رفع مستويات المعيشة للجميع، من دون أن تتزايد العوائق وتتعقّد الأمور. لكن مع تقدّم العمل، ومع ما قدّمه الفريق من أدلةٍ وأرقام تُثبت أن الفكرة ممكنة، بدأتُ أقتنع أكثر فأكثر، وقلتُ لنفسي: حسنًا، لقد أصبحت الصورة منطقيةً الآن إلى حدٍّ كبير.
ومع ذلك، لا أعتقد أن الأمر سيكون سهلًا. نعم، التقدّم ممكن، لكنه يتطلّب الكثير من القرارات الصائبة والخيارات المسؤولة. علينا أن نوظّف النمو في الاتجاه الصحيح، مثل دعم التحوّل في قطاع الطاقة للوصول إلى مصادر أكثر نظافةً واستدامة. لقد نجحنا في تحقيق الكثير خلال القرن الماضي، لكن المطلوب الآن أن ننجح مرةً أخرى في القرن القادم، وهذه مسؤوليةٌ ثقيلةٌ على الجميع.
سفين سميت: أمّا أنا، فقد كانت لديّ مخاوفٌ مختلفة؛ لأننا عملنا ضمن فريقٍ كبيرٍ جدًا، وخشيت أن تقودنا كثرة الآراء إلى خلافاتٍ لا تنتهي، أو إلى عجزٍ عن صياغة فكرةٍ واحدة يتفق عليها الجميع. وبالفعل، كان بعض أعضاء الفريق متشككين في موضوعاتٍ بعينها، مما دفعهم إلى انتقاد ومراجعة بعض الأجزاء بدقةٍ، بينما كانوا أكثر تفاؤلًا في أجزاءٍ أخرى. لكن مع تقدّم العمل، تغيّرت نظرتي؛ إذ اكتشفت أن فريقًا كبيرًا يمكنه أن يتوافق ويصل إلى أرضيةٍ مشتركة. وهذا ما جعلني على ثقةٍ بأن الكتاب سيترك أثرًا؛ حيث نجحنا في تقريب وجهات نظرٍ كانت متباعدةً جدًا في البداية، وجمعناها في فكرةٍ واحدة مشتركة. كما جعلني ذلك أؤمن بأن الحوار حول التقدّم يجب أن يكون عالميًا ويشمل الجميع؛ الشباب وكبار السن، ودولًا مختلفة من الشرق والغرب، وكأن العالم كله في قاربٍ واحد. في أحد الاجتماعات، مازحني أحدهم ووصفني بأنني أبدو كالعجوز الذي يراقب من الشرفة، وكان خوفي أن أصبح فعلًا هذا الشخص الذي يكتفي بالتعليق من بعيد بدلًا من أن يشارك في النقاش.
كريس برادلي: لا تقلق يا سفين، لقد نجحت في تحقيق ذلك بالفعل.
سفين سميت: صحيح، فنحن لم نقف بعيدًا، بل دخلنا في النقاش حتى نهايته، وتناولنا موضوعاتٍ حسّاسة يتجنبها كثيرون، وهذا تطلّب قدرًا من الشجاعة. فأنا أدرك أن الناس يعيشون داخل "فقاعاتٍ" مختلفة، وفي كل فقاعةٍ قد تتحوّل بعض أفكار التقدّم إلى موضع جدلٍ أكبر مما نتوقع. لذلك كنت أفكر: كيف ستستقبل ابنتاي هذا الكلام؟ وماذا ستقولان؟ ابنتي الكبرى قالت لي أكثر من مرة إنها لا تستطيع أن تناقش هذه الأفكار مع أصدقائها. وكل ما أرجوه أن يمنحها الكتاب مساحةً أو لغةً تساعدها على فتح الحوار. إن حدث ذلك، فهذا يعني أننا أحدثنا بالفعل فرقًا جوهريًا.
نيك ليونغ: أعتقد أن ما وصفه سفين يلخّص ما حاولنا فعله؛ أن نفهم كل وجهات النظر بصدق، وأن نعرض أيضًا الحقائق. لذلك تناولنا في جزءٍ من الكتاب حجج من يشكّكون في التقدّم، وفي الوقت نفسه اعتمدنا على البيانات والأدلة. فالفكرة ليست تعاطفًا فقط، ولا أرقامًا فقط، بل الاثنان معًا. وربما هذا هو الدرس: أن يخرج الناس من فقاعاتهم ليفتحوا حوارًا أوسع قد يغيّر بعض قناعاتهم.
كريس برادلي: على الأقل سيفهمون حينها الكثير من الأمور…
سفين سميت: …ويتحدثون عنها.
كريس برادلي: بالضبط. وإذا تعاملنا مع الأمر باعتباره حوارًا ضروريًا مع العالم، فأنا أيضًا آمل أن يساعد هذا الكتاب على فتح مزيدٍ من النقاشات، أو إلى إشعال الخلافات الصحية إن اقتضى الأمر، بما يدفع الجميع إلى مراجعة أفكارهم بدلًا من تجاهلها.
سفين سميت: جانيت، دوركِ في السؤال.
ما صلة هذا الكتاب بالتحولات الجارية في العالم حاليًا؟
جانيت بوش: كيف يرتبط هذا الكتاب بما يحدث في العالم الآن؟ حسنًا، أرى أن هناك ارتباطًا وثيقًا للغاية؛ فكثيرون يشعرون أن العالم يسير في اتجاهٍ مقلق، فهناك حربٌ في أوروبا، وتعقيداتٌ مستمرة في الشرق الأوسط، وضغوطٌ اقتصادية في دولٍ غربيةٍ عديدة. وفي الوقت نفسه، يتزايد القلق من تغيّر المناخ، إلى جانب المخاوف بشأن مصير الوظائف مع التحولات التقنية السريعة؛ إذ يتساءل كثيرون، هل ستظل فرص العمل موجودةً كما نعرفها، أم ستغيّر التقنيات الجديدة شكل سوق العمل؟ لهذا حاولنا أن نواجه هذه المخاوف وجهًا لوجه، وأن نعيد وضعها في سياقٍ أوسع؛ فالأزمات ليست أمرًا جديدًا، ونحن نعيش اليوم مرحلةً مليئةً بالشكوك والاضطرابات، إلا أن البشرية مرّت بالفعل بأوقاتٍ أصعب وتمكّنت من تجاوزها. ومن هنا جاءت فكرتنا الأساسية، بأن ننظر إلى التاريخ باعتباره دليلًا على قدرتنا على التكيّف وتجاوز الأزمات.
كريس برادلي: الفكرة الأساسية التي يعرضها "معهد ماكنزي العالمي" في سردياته هي أننا دخلنا عصرًا جديدًا، ولهذا نبدو مرتبكين. فما زلنا ننظر إلى العالم بعقلية "عصر الأسواق" الذي اعتدناه، حين كانت القواعد واضحةً نسبيًا، كسقوط جدار برلين، وظهور الإنترنت، وتسارع التكنولوجيا وفق "قاعدة مور"، فضلًا عن صعود العولمة، والنظام الدوليّ أحادي القطب، إلى جانب وفرة الطاقة وعوامل سكانية كانت، في مجملها، داعمةً للنمو. كان التغيير كبيرًا، لكنه كان يسير داخل قواعد ثابتة؛ يتغير كل شيء، ولكن وفق منطقٍ واحدٍ نعرفه. يكفي أن تقارن جهازًا إلكترونيًا في عام 1990 بآخر في عام 2020 لتدرك حجم التحول، لكنه تحولٌ بُني على الأُسس نفسها.
أما اليوم، فالقواعد نفسها تغيّرت، وهو ما يجعل تمسّكنا بطريقة التفكير القديمة يشوّش الصورة بدلًا من أن يوضحها. فقد أصبحنا نعيش في عالمٍ متعدد الأقطاب، يُصاحبه توتراتٍ ورسومًا جمركية، وحديثًا متزايدًا عن الجغرافيا السياسية والأمن الإقليميّ والدوليّ. وحتى في التكنولوجيا، لم نعُد أمام إيقاعٍ مألوف يشبه تضاعف القدرات كل 18 شهرًا بحسب "قاعدة مور"، بل أصبحنا أمام قفزاتٍ في القدرة الحاسوبية تتراوح بين 3.3 إلى 4 أضعاف سنويًا، بما يغيّر طبيعة السباق نفسه، وينقلنا من مجرد سؤالٍ عن "الرقمنة" إلى سؤالٍ أعمق يتعلق بكيفية إعادة تشكيل حياة البشر والعمل والمجتمع ككل.
وفي الوقت ذاته، تغيّرت العوامل السكانية؛ فلم تعُد رافعةً للنمو في كثيرٍ من الدول، بل أصبحت عبئًا كبيرًا. كما بلغت المنافسة على الطاقة مستوى غير مسبوق، ودخل العالم سباقًا واسعًا نحو الكهرباء والتحول الطاقي، في وقتٍ تتحرك فيه دولٌ أخرى بسرعاتٍ مختلفة؛ فالصين، مثلًا، توسّع قدراتها الكهربائية الجديدة بوتيرةٍ تفوق الولايات المتحدة بأضعاف. ومن جهةٍ أخرى، تعوّدنا خلال العقود الماضية على مالٍ رخيص ونموٍّ بدا أسهل مما هو عليه اليوم، خصوصًا بعدما اندمجت الصين بقوةٍ في السوق العالمية وغيّرت موازين العرض والطلب. لكن هذا الزخم لم يعُد موجودًا كما كان؛ إذ أن أقل من 10 في المائة من الدول فقط باتت تحقق نموًا يتجاوز 5 في المائة سنويًا. لهذا، حين نسأل كيف يرتبط ما يجري اليوم بالكتاب، فالجواب أن الكتاب يتناول هذه النقطة تحديدًا؛ حيث حاولنا فهم لحظة التحول التي نعيشها، وإعادة طرح سؤال الرخاء: هل يمكن أن نتصور رخاءً وازدهارًا في عالمٍ جديد لا يشبه العالم المستقر الذي اعتدناه وأحببناه، بل تحكمه قواعد مختلفة تمامًا؟
ما الفكرة الأهم التي تأملون أن يخرج بها القارئ من هذا الكتاب؟
كريس برادلي: دعونا نأخذ سؤالًا سريعًا.
نيك ليونغ: لو خرج القارئ من هذا الكتاب بفكرةٍ واحدة فقط، ماذا ستكون؟
كريس برادلي: أعتقد أنها ستكون عن إمكانية تحقيق النمو.
جانيت بوش: كلُّ شيءٍ ممكنٌ، لكن لا بد أن نعمل ليصبح ممكنًا.
سفين سميت: أرى أنه يقودنا إلى مستقبلٍ من الرخاء
مارك كانال: البداية تكون من تغيير زاوية النظر وطريقة الحديث عن التقدّم.
نيك ليونغ: اسمحوا لي أن أضيف شيئًا قريبًا مما قلتم؛ فالمستقبل ليس شيئًا "يحدث لنا" أو يُفرض علينا، بل هو مشروعٌ نصنعه نحن، ومعنا الأجيال القادمة، لنحوّله إلى واقعٍ يلبّي ما نطمح إليه.
سفين سميت: حين تَطرح رؤيةً أكثر تفاؤلًا من المزاج العام من حولك، قد يراك البعض كأنك ذلك الشخص الذي يجلس في الشرفة ويقول للآخرين: "أنتم لا تفهمون". وقد يردّ المتشائمون بأننا مجرد مجموعة متفائلين نملك حساباتٍ تقنية؛ صحيح أن الإمكانات تبدو ممكنةً على الورق، لكنهم يعتقدون أننا لن نصل إليها لأن طبيعة البشر، أو العوائق الأخرى، ستقف في الطريق.
لكنني أتمسّك بفكرةٍ بسيطة قالها ديفيد إس. لاندِس: المتفائل ليس أفضل لأنه دائمًا على صواب، بل لأنه لا يتوقف عن المحاولة. فالمحاولة قد تقرّبك من الرخاء أكثر بكثيرٍ من الاستسلام. وإذا قررت أن المستقبل لن يكون أفضل، فماذا سيتبقّى لك؟ ستضيق خياراتك إلى حدٍّ كبير. لذلك لا يُثبت المتشائم "صوابَه" إلا إذا ساءت الأمور فعلًا. أما المتفائل، حتى وإن لم تتحقق رؤيته بالكامل، فإن طريق العمل والمحاولة يظل أفضل بالنسبة له من طريق الانسحاب.
وأنا على يقينٍ تام بأن ما أجريناه من تحليلٍ تقنيٍ واقتصادي، وما استندنا إليه من حدود الواقع وإمكاناته، صحيحٌ في جوهره. قد نُخطئ في بعض التفاصيل، كاختيار مواد بعينها أو وسائل محددة، لكن السؤال الجوهري يظل واحدًا: هل سنحاول أم لا؟ فالتفاؤل هنا ليس إحساسًا عابرًا، بل هو قرارٌ بالتحرك والعمل. أما التشاؤم، فقد يتحول إلى عاملٍ يشتّت الجهود ويضعف القدرة على الإنجاز. قد يختصر البعض ما كتبناه في أنه قصةٌ كتبها مجموعةٌ من المتفائلين، لكن تجربة التاريخ تقول إن متشائمي الأمس ثبُت خطؤهم، وأرجو أن يثبت خطأ متشائمي اليوم أيضًا. لذلك لا ينبغي أن نخجل من التفاؤل أو ننكر أنه موقفٌ صحيح.
كريس برادلي: وأنا أتفق تمامًا أن العالم يقف عند لحظةٍ حسّاسة، ولهذا تبدو هذه المرحلة خطِرةً ومهمّة في الوقت نفسه. فالتشاؤم قد يتحوّل بسهولةٍ إلى نبوءةٍ تتحقق بذاتها، فإذا فقد الناس ثقتهم في الغد، قد يترددون في إنجاب الأطفال، وينتهي بنا الحال إلى مستقبلٍ يشيخ بلا أجيالٍ جديدة. وإذا غابت النظرة الإيجابية، حينها يتراجع الاستثمار. وإذا ترسّخ الاعتقاد بأن العالم غير عادل وأن كل شيءٍ محسومٌ سلفًا، فقد يتجه الناس إلى قراراتٍ وسياساتٍ لا تساعد على النمو. لذلك أرى أن التفاؤل ليس مجرد رأي؛ بل هو معركةٌ حقيقية. وأكثر ما يقلقني في موجة التشاؤم أنها قد تصنع الواقع الذي تخشاه، ولهذا السبب يصبح "الطرح الجديد" الذي نقدّمه ضروريًا.
جانيت بوش: ولعلّ ما يميّز الكتاب أنه لا يكتفي بالتفاؤل الساذج، ولا يقدّم كلامًا منمقًا. نعم، فيه تفاؤل، لكنه يواجه مخاوف المتشائمين مباشرةً ويأخذها بجدية. ولو تجاهلنا المشكلات وأسئلة الناس، لفقدنا كثيرًا من المصداقية. لذلك أدرجنا هذه المخاوف في الكتاب وناقشناها بوضوح.
سفين سميت: والأهم أن هذا المستقبل ليس فكرةً افتراضية ولا لعبةً للتسلية؛ إنه واقعٌ يُبنى على الأرض، جسورٌ وطُرق، ومحطاتٌ للطاقة، ومراكز للبيانات، وتقنياتٌ جديدة، وبشرٌ بأدواتٍ أفضل، ونقلٍ أنظف، ومصادر طاقةٍ مختلفة. مشكلتنا أننا لم نعُد نبني بالسرعة المطلوبة، مقارنةً بما شهدته دولٌ أخرى خلال العقود الثلاثة الماضية، مثل الصين، أو بما عرفناه سابقًا في أوروبا. وإذا كنا نؤمن بالرخاء، فهذا هو وقت "البنّائين". لذلك أميل إلى أن يتجه القادة نحو التنفيذ والبناء؛ يرفضون البيروقراطية الطويلة، ويدعمون تصاريح واضحة وسريعة تضمن الجودة، بدلًا من الإجراءات الممتدة التي تقتل الفكرة وتُعطّل كل شيء. لأننا ببساطة حين نبني، يصبح هذا المستقبل ممكنًا.
الخاتمة والخلاصة
سفين سميت: أظن أن الوقت قد حان لاختتام حديثنا عن كتاب "قرنٌ آخر من الرخاء: قصةُ تقدّمٍ تُلهم الأجيال القادمة". نتمنى أن تستمتعوا به، وأن تجدوا فيه ما يساعد على فهم القصة التي أردنا تقديمها.