كيف تستفيد الشركات متعددة الجنسيات من التحولات الجيوسياسية وتحد من خطورتها

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

رغم ما تفرضه التحولات الجيوسياسية المتسارعة من مخاطر على الشركات متعددة الجنسيات، إلا أنها تفتح في الوقت نفسه آفاقًا جديدة للنمو والتوسع. ولهذا باتت القيادات التنفيذية مطالبةً بالتحرك الواعي والسريع، من خلال الموازنة بين اغتنام الفرص التي تبرز في الأسواق الجديدة والممرات التجارية الصاعدة من جانب، وتقدير مستوى التأثر بهذه التحولات وما يصاحبه من مخاطر من جانبٍ آخر. فالشركات التي تُسرع في الاستجابة للمتغيرات تستطيع الاستفادة من إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية العالمية، سواء عبر التوسع في أسواق نامية مثل الهند وفيتنام، أو الاستفادة من الحوافز الصناعية والاستثمارية التي تُقدّر بمليارات الدولارات، أو حتى من خلال تعزيز حصتها السوقية على حساب منافسين أبطأ في قراءة المشهد. أما الشركات التي تتأخر في التكيّف، فقد تجد نفسها أمام ضغوطٍ مباشرة تؤثر في قيمتها ووضعها الاقتصادي، إما نتيجة ارتفاع تكاليف الرسوم الجمركية، أو تعطل سلاسل الإمداد، أو الاضطرابات التشغيلية، أو غيرها من التحديات التي تفرضها البيئة الدولية الجديدة.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

ولفهم أبعاد هذا التحول بصورةٍ أوضح، أجرينا سلسلةً من اللقاءات مع أكثر من 15 رئيسًا تنفيذيًا لشركاتٍ متعددة الجنسيات، وتبيّن لنا أن قادة الأعمال باتوا يواجهون بيئةً جديدة أكثر تعقيدًا واضطرابًا. فقد أشار أحد الرؤساء التنفيذيين في قطاع السيارات إلى أن الأسواق التي كانت تُعد مستقرةً في السابق لم تعد بمنأى عن تأثير الاعتبارات الجيوسياسية، بل أصبح من الضروري أخذ هذه العوامل في الحسبان عند تقييم الأوضاع واتخاذ القرارات. كما أوضح رئيس شركة تكنولوجيا أمريكية أن النقاشات داخل اجتماعات التخطيط الاستراتيجي باتت تدور حول ما إذا كانت هذه التحولات مؤقتة، أم أنها تعبّر عن واقعٍ جديد قد يستمر طويلًا. وتكشف هذه الآراء، في مجملها، أن التقلبات الجيوسياسية لم تعد مجرد أحداثٍ عابرة، وإنما أصبحت جزءًا من واقع العمل الذي يتعين على الشركات التكيّف معه.

وفي ظل هذا الواقع الجديد، تشير أبحاثنا إلى خطوتين أساسيتين يمكن أن تمنحا الرؤساء التنفيذيين أفضليةً على منافسيهم. تتمثل الأولى في تقدير حجم المكاسب أو الخسائر المحتملة التي قد تتعرض لها الشركة نتيجة التطورات الجيوسياسية، بما يساعدها على بناء استراتيجيات النمو وإدارة المخاطر على أسسٍ أكثر دقة. أما الثانية، فتتمثل في تعزيز قدرة الشركة على التكيّف والاستجابة السريعة للمتغيرات، بما يجعلها أكثر جاهزيةً للتعامل مع الفرص والمخاطر فور ظهورها.

قياس أثر التحولات الجيوسياسية على القيمة الاقتصادية

يمكن للتحولات الجيوسياسية أن تؤثر بصورةٍ مباشرة في القيمة الاقتصادية للشركات متعددة الجنسيات، سلبًا أو إيجابًا. ففي بعض الحالات، تفتح هذه التحولات أسواقًا جديدة، أو ترفع الطلب على سلعٍ أو إمداداتٍ أو خدماتٍ تزداد أهميتها بفعل الظرف الجيوسياسي. وهو ما يمنح أفضليةً للشركات القادرة على تعديل أحجام إنتاجها وأسعارها بالسرعة التي تواكب متغيرات السوق. فعلى سبيل المثال، بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، اتجهت أوروبا إلى البحث عن مصادر بديلة للغاز بعيدًا عن روسيا، وهو ما أعاد رسم ملامح سوق الغاز الطبيعي المسال. ونتيجةً لذلك، تمكنت الشركات الأمريكية من الاستفادة من هذا الظرف عبر توجيه إمداداتها إلى السوق الأوروبية لتلبية الطلب المتزايد، مما أسهم في رفع حصة الولايات المتحدة من واردات أوروبا من هذا الغاز من 27 في المائة في عام 2021 إلى 48 في المائة في عام 2023.1 وبالمثل، صعدت شركة "إكوينور" النرويجية إلى صدارة موردي الغاز الطبيعي إلى أوروبا، بعد أن زادت إنتاجها لتلبية الاحتياجات الأوروبية المتزايدة، بما أسهم في رفع إيراداتها بأكثر من 60 في المائة خلال الفترة بين عامَي 2021 و2022.2

لكن في المقابل، فإن التحولات الجيوسياسية التي تفتح فرصًا للنمو قد تؤدي في الوقت نفسه إلى إضعاف قيمة الشركات. فعلى سبيل المثال، خفّضت شركة "إنتل" توقعاتها لإيرادات عام 2024، وكان ذلك جزئيًا نتيجة قرار وزارة التجارة الأمريكية سحب ترخيصها لبيع بعض أشباه الموصلات إلى شركة "هواوي".3 وفي مثالٍ أحدث، أعلنت شركة "جاكوار لاند روڤر"، المتخصصة في صناعة السيارات الفاخرة ومتعددة الاستخدامات، أن ارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية إلى 27.5 في المائة، إلى جانب تراجع أسعار الصرف، أدّى إلى انخفاض هامش أرباحها التشغيلية قبل خصم الفوائد والضرائب من 8.9 في المائة إلى 4.0 في المائة خلال ربعٍ واحد فقط.4

ورغم كِبَر حجم القيمة الاقتصادية المعرّضة للتأثر بالتحولات الجيوسياسية، فإن عددًا محدودًا فقط من الشركات متعددة الجنسيات يقيس هذه الآثار بصورةٍ منهجيةٍ ودقيقة. فعلى سبيل المثال، أظهرت دراساتنا أن 62 في المائة من الشركات التي شملها التحليل تنظر إلى التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والرسوم الجمركية، وضوابط التصدير، باعتبارها تهديداتٍ حقيقية لأعمالها، بينما حاولت 29 في المائة منها فقط قياس الأثر المحتمل لهذه التهديدات بصورةٍ فعلية، مام يعني أنها أهدرت على نفسها فرصة تحويل التقلبات الجيوسياسية إلى ميزةٍ تنافسية.

وللوصول إلى هذا القياس بصورةٍ دقيقة، لا بد أولًا من فهم خريطة الدول التي تنشط فيها الشركة، وطبيعة حضورها في كلٍ منها، ومدى تأثر أعمالها بالتغيرات السياسية والدبلوماسية بين هذه الدول. ويمكن الاستناد في ذلك إلى مجموعةٍ من الأدوات، لكننا اعتمدنا في هذه المقالة على "مؤشر المسافة الجيوسياسية"، وهو مقياس طوّره "معهد ماكنزي العالمي" لقياس مدى التقارب أو التباعد الجيوسياسي بين الدول، استنادًا إلى أنماط تصويتها في الأمم المتحدة .5 وبحسب أبحاث المعهد، فإن الدول التي تربطها علاقاتٍ تجاريةٍ واستثمارية أصبحت، في المتوسط، أقرب إلى بعضها سياسيًا ودبلوماسيًا.6في الوقت ذاته، تشير بعض تحليلاتنا الإضافية إلى أن أكثر من 90 في المائة من الشركات متعددة الجنسيات ترتبط بدول تختلف في مواقفها السياسية والدبلوماسية عن مواقف حكوماتها الأم. ففي أوروبا، على سبيل المثال، ارتفعت نسبة الشركات التي تعمل وفق هذا المبدأ إلى 95 في المائة، بعدما كانت 78 في المائة، بينما ارتفعت هذه النسبة في آسيا إلى 90 في المائة بعد أن كانت 85 في المائة.

ويعتمد هذا القياس، في جوهره، على الجمع بين عاملين رئيسيين: مدى ارتباط الشركة بسوقٍ معينة، ومدى قرب هذه السوق أو بعدها السياسي عن الدولة الأم للشركة، كما هو موضح في "الشكل 1". وتبدأ العملية بحساب الإيرادات المرتبطة بكل سوقٍ على حدا، ثم إعطاء كلٍ منها وزنًا يعكس درجة التقارب أو التباعد السياسي بينها وبين بلد الشركة الأصلي. وبعد ذلك، تُعدَّل النتيجة وفق عوامل قد تزيد من شدة الأثر أو تخففه، مثل اتفاقيات التجارة الحرة، أو التسهيلات الجمركية الخاصة، أو مرونة ضوابط التصدير. ومن خلال هذا النهج، يصبح بإمكان الرؤساء التنفيذيين تكوين صورةٍ أوضح عن الأسواق الأكثر عرضةً للتأثر، بما يساعدهم على حماية أصول الشركة وتعزيز قيمتها الاقتصادية عبر التحرك المبكر والاستجابة الاستباقية للمتغيرات. "للمزيد، يُرجى الاطلاع على العمود الجانبيّ بعنوان: "منهجية ماكنزي في تقدير القيمة الاقتصادية المعرضة للتأثر بالتحولات الجيوسياسية".

الشكل 1

من الناحية العملية، يرتفع مستوى المخاطر وتزداد الخسائر المحتملة عند العمل في أسواق تختلف سياسيًا عن الدولة الأم للشركة، خاصةً إذا لم تكن هناك اتفاقياتٌ تجارية أو ترتيباتٌ تنظّم العلاقة وتخفف أثر أي توترٍ أو اضطرابٍ مفاجئ. ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل "ميركوسور" في أمريكا الجنوبية، الذي يضم الأرجنتين، والبرازيل، وأوروغواي، وباراغواي.7 فهذه الشراكة تسهم في الحد من الأثر الواقع على الشركات العاملة في تلك الأسواق، لأنها تستهدف إلغاء 90 في المائة من الرسوم الجمركية على صادرات الاتحاد الأوروبي إلى دول التكتل، إلى جانب تقليص القيود غير الجمركية، بما يخفف من حدة أي اضطراباتٍ مستقبلية قد تؤثر في هذه الاقتصادات.

إن العمل في مثل هذه الأسواق يفرض على قادة الشركات ألا يكتفوا بالنظر إلى حجم الطلب أو انخفاض التكلفة، بل عليهم أن يضعوا في الحسبان أيضًا مدى استقرار العلاقة السياسية والاقتصادية بين هذه الأسواق والدولة التي تنتمي إليها الشركة. وتتضح أهمية ذلك في كثيرٍ من الأسواق الناشئة في أفريقيا، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، وجنوب شرق آسيا، إذ توفر هذه الأسواق فرصًا واعدةً للنمو بالتزامن مع تزايد حصتها من الطلب العالمي، لكنها قد تختلف سياسيًا عن الدول الغربية. وقد يترتب على ذلك تشدّدٌ أكبر في قواعد التعامل مع البيانات، أو فرض قيودٍ إضافية على سلاسل الإمداد، أو إجراء تغيّراتٍ تنظيمية مفاجئة، أو غير ذلك من التحديات الأخرى.

ولهذا، يحتاج القادة عند تقييم هذه الأسواق إلى النظر في أثر الصدمات المحتملة على مختلف جوانب عمل الشركة، بما في ذلك استقرار العلاقات بين الدول، واحتمال تغيّر قواعد توطين البيانات أو سياسات فحص الاستثمارات. كما ينبغي أن يمتد هذا التقييم إلى الشركة بأكملها، على مستوى كل وظيفةٍ أو نشاطٍ داخلها.

قياس أثر الاختلاف الجيوسياسي على وظائف الشركة

تُلقي التحولات الجيوسياسية بظلالها على مفاصل العمل المؤسسي، غير أن أثرها يختلف من وظيفةٍ إلى أخرى. وقد عبّر الرئيس التنفيذي لإحدى شركات الكيماويات العالمية عن ذلك بقوله: "لم تعُد الجغرافيا السياسية مجرد بندٍ في قائمة المخاطر، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في عددٍ كبير من وظائف الشركة. ولهذا نعمل على نشر الوعي بهذه التحولات داخل مختلف القطاعات، بما في ذلك المبيعات، والحسابات، والامتثال، والتخطيط الاستراتيجي، والتمويل، وتشغيل الأعمال". ويعكس هذا النهج أهمية ترسيخ القدرة على فهم الإشارات السياسية وتحليلها باعتبارها جزءًا أصيلًا من ثقافة العمل، بما يعزّز مرونة المؤسسة في التعامل مع المتغيرات.

ولا يقتصر اختلاف هذا الأثر على الوظائف وحدها، بل يمتد أيضًا إلى المناطق الجغرافية المختلفة. ولتحديد هذا الأثر، قامت ماكنزي بتحليل أداء أكثر من 150 شركةٍ متعددة الجنسيات بثلاث دول من مجموعة "بريكس"، هي: الصين، والهند، وروسيا، والتي لا تتوافق مواقفها السياسية مع مواقف الدول الأم لهذه الشركات. وأظهر التحليل أن الشركات الأوروبية تبدو أكثر تأثرًا واعتمادًا على هذه الدول في عددٍ من وظائفها الأساسية، لا سيما في مجالَي التكنولوجيا والقوى العاملة، مقارنةً بالشركات الأمريكية. وفي المقابل، تُظهر شركات أمريكا الشمالية مستوياتٍ أعلى من التأثر في هذين المجالين، بما يعكس اعتمادها الكبير على البنية الرقمية الخارجية، إلى جانب انتشار قواها العاملة على نطاقٍ واسع، كما هو موضح في "الشكل 2". وفيما يلي قراءةٌ أكثر تفصيلًا لنتائج هذا التحليل، بما يوضح كيف تختلف درجة التأثر بالعوامل الجيوسياسية من منطقةٍ إلى أخرى، ومن وظيفةٍ إلى أخرى داخل الشركة نفسها.

  • التكنولوجيا: تلجأ كثيرٌ من الشركات متعددة الجنسيات إلى توزيع أنظمتها وبنيتها الرقمية عبر أكثر من دولة، دعمًا لتوسعها في أسواقٍ جديدة وممراتٍ تجاريةٍ صاعدة. غير أن هذا النهج يفرض عليها تحدياتٍ تشغيليةٍ معقدة، في مقدمتها ضرورة الامتثال لأُطرٍ تنظيميةٍ متباينة تختلف من سوقٍ إلى أخرى، لا سيما فيما يتعلق بتخزين البيانات وحماية الخصوصية. وفي هذا السياق، أشار الرئيس التنفيذي لإحدى شركات التكنولوجيا إلى أن العمل في أسواقٍ متعددةٍ لم يعُد يقتصر على تأسيس كياناتٍ قانونيةٍ مستقلة، بل أصبح يتطلب، في بعض الحالات، بناء منظوماتٍ تقنيةٍ تختلف من سوقٍ إلى أخرى لتلبية المتطلبات التنظيمية المحلية، وهو ما أدى إلى ارتفاعٍ ملحوظ في تكاليف إدارة الأعمال عبر الأسواق المختلفة. ويؤكد هذا المعنى أيضًا ما ذكره أحد المسؤولين في شركةٍ أوروبيةٍ للسلع الاستهلاكية، حين أكد أن اختلاف المعايير التنظيمية بين الأسواق أدى إلى مضاعفة تكلفة التكنولوجيا في شركته بما يتراوح بين مرتين إلى ثلاث مرات. ويظهر هذا التفاوت بوضوحٍ أكبر في نتائج التحليل، التي تكشف أن الشركات التي شملتها الدراسة تنقسم إلى ثلاث مجموعاتٍ رئيسية: الأولى تمثل نحو 40 في المائة، ولا تعتمد تقنيًا على الصين أو الهند أو روسيا. أما الثانية، فتمثل نحو 30 في المائة، وترتبط تقنيًا بكلٍّ من الصين وروسيا. في حين تمثل المجموعة الثالثة 30 في المائة، وتعتمد تقنيًا بصورةٍ أساسية على الهند، بوصفها مركزًا رئيسيًا لخدمات تكنولوجيا المعلومات.
  • القوى العاملة: ومع سعي العديد من الشركات الكبرى إلى استقطاب أفضل الخبرات، باتت تعتمد بدرجةٍ متزايدة على كفاءاتٍ من خارج بلدانها الأصلية. إلا أن هذا التوجه لم يعُد بالسهولة نفسها التي كان عليها من قبل؛ فبينما أسهمت أدوات الذكاء الاصطناعي والتعاون الرقمي في تسهيل الوصول إلى أصحاب المهارات أينما كانوا، فإن تشديد القواعد المنظِّمة لتنقّل الموظفين بين الدول بات يحدّ من مرونة التوظيف ويزيد من تعقيد إدارة هذه الكفاءات. وهو ما أشار إليه الرئيس التنفيذي لإحدى شركات المنتجات الطبية في أمريكا الشمالية بقوله: "لقد أصبح انتقال الكفاءات القيادية بين الدول أكثر صعوبةً من السابق، فقد واجه أحد أعضاء فريقنا القيادي، والذي يحمل الجنسية الصينية، صعوباتٍ في تجديد تأشيرته". ويؤكد ذلك أن القيود المفروضة على تنقّل الموظفين بين الدول أصبحت تقيّد قدرة الشركات على إدارة كوادرها، وتدفعها إلى تنويع أماكن استقطاب الكفاءات. فرغم مكانة الصين كمركزٍ رئيسيٍ لاستقطاب الكفاءات، إلا أنّ نسبة الشركات التي توظف أفرادًا يعملون من داخلها لم تتجاوز 20 في المائة. في المقابل، تعتمد 60 في المائة من هذه الشركات أيضًا على موظفين في الهند، بما يعكس توجهًا واضحًا نحو تنويع مصادر القوى العاملة وتجنّب تركّزها في سوقٍ واحدة.
  • التصنيع: قد يوفّر وجود قاعدةٍ إنتاجيةٍ في الأسواق النامية للشركات ميزةً تنافسيةً مهمة، لما يمنحه لها من مكاسب، في مقدمتها انخفاض تكاليف الإنتاج، ودعم التوسع في تلك الأسواق، وزيادة الحصة السوقية، فضلًا عن تحسين الربحية. ومن هنا، اتجهت العديد من الشركات متعددة الجنسيات إلى إنشاء مصانع في مناطق مثل شمال أفريقيا وشرق أوروبا، لا سيما في ظل اتفاقيات التجارة الإقليمية التي باتت تسهّل حركة الأعمال وتعزّز من جدوى الاستثمار في تلك المناطق. إلا أن هذه الميزة قد تتحول إلى مصدرٍ للمخاطر إذا ما تركّزت نسبةٌ كبيرةٌ من الطاقة الإنتاجية في منطقةٍ واحدةٍ فقط. ففي حال وقوع أزمةٍ سياسية، أو فرض قيودٍ تنظيمية، أو حدوث اضطراباتٍ لوجستية في تلك المنطقة، قد تتعرض الشركة لتأثيراتٍ كبيرة، خاصةً بعدما أظهرت الدراسة التحليلية أن 41 في المائة من الشركات الكبرى يتركّز أكثر من نصف طاقتها الإنتاجية في منطقةٍ واحدة، غالبًا ما تكون آسيا. ولهذا بدأت بعض الشركات في توزيع قدراتها الإنتاجية على نطاقٍ أوسع. وهو ما أشار إليه الرئيس التنفيذي لإحدى شركات المنتجات الطبية بقوله: "أصبحنا نتجه نحو التصنيع الإقليمي، ونتبنى استراتيجيةً إنتاجيةً مخصصةً لكل سوق. فمنذ عام 2023، بدأت شركتنا في التحول لاستهداف السوق الصينية فقط عبر مشروعاتٍ مشتركة، لأننا رأينا في ذلك خطوةً استراتيجيةً مناسبة حتى قبل فرض الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة".
  • سلاسل الإمداد: وينطبق المنطق نفسه على سلاسل الإمداد، إذ لم يعد الأمر يقتصر على كفاءة التشغيل وخفض التكاليف فحسب، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بقدرة الشركات على مواصلة أعمالها بكفاءة، والحفاظ على سرعة استجابتها للمتغيرات، فضلًا عن انفتاحها على شبكاتٍ أوسع من الموردين المرتبطين بالممرات التجارية الصاعدة. وتشير الدراسة إلى أن أكثر من 90 في المائة من الشركات متعددة الجنسيات تنظر إلى اضطرابات سلاسل الإمداد بوصفها تهديدًا حرجًا، بينما أشار نحو نصف هذه الشركات بشكلٍ واضح إلى مخاطر تمركز الموردين في مناطق بعينها.8 ولهذا بدأت العديد من الشركات في الاعتماد على بدائل أكثر مرونة، مثل إيجاد مصادر أخرى للمواد الأساسية، أو إنشاء مصادر موازية احتياطية، أو إعادة توجيه شبكات التوريد الخاصة بها إلى دول ومناطق أخرى. وهو ما أقدمت عليه "أبل" بالفعل عندما نقلت جزءًا من إنتاج هواتف "آيفون" من الصين إلى الهند قبل تطبيق الرسوم الجمركية الأمريكية، لضمان استمرار توافر المنتج في السوق الأمريكية، بل لجأت أيضًا إلى الشحن الجوي السريع لنقل نحو 1.5 مليون جهاز إلى هناك.9

وبعد تقدير حجم التأثير المحتمل في كل وظيفةٍ داخل الشركة نتيجة الاضطرابات والتحولات الجيوسياسية، يصبح بإمكان القادة تحديد مستوى التأثر الذي يمكنهم تحمّله. وعادةً ما يتم ذلك عبر ثلاث خطواتٍ رئيسية:

  • وضع نهجٍ أساسي للحد من تركز الإنتاج في مناطق محددة: يساعد هذا النهج على رسم التوجه العام للمؤسسة، وتحديد المواضع التي يمثّل فيها التأثر بالتحولات الجيوسياسية خطرًا جوهريًا، إلى جانب الكشف عن المجالات التي تستدعي التدخل والمعالجة. وقد أشار الرئيس التنفيذي لإحدى شركات الرعاية الصحية الأوروبية متعددة الجنسيات إلى هذا التوجه بقوله: "أجرينا مراجعةً معمقةً لمحافظ أعمالنا، وناقشنا جميع العناصر من دون استثناء، بما في ذلك المنتجات، والدول، وانتشارنا الجغرافي. كما طرحنا مجموعةً من التساؤلات المباشرة حول جدوى وجودنا في بعض الأسواق، وما إذا كانت تحقق لنا نموًا ملموسًا". ومن خلال هذا النهج، يصبح لدى قادة الأعمال أساسٌ أوضح لتحديد مجالات النمو الممكنة، وآليات الوصول إليها، فضلًا عن تحديد مستوى المخاطر المقبول. ويتضح ذلك في الإجراءات التي اتخذتها "تسلا" مع تصاعد التوترات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، إذ ألزمت جميع مورديها باستبعاد المواد الصينية الصنع من السيارات المخصصة للسوق الأمريكية.10
  • تحديد مواضع الفرص ومكامن الخطر: تتمتع بعض الأنشطة داخل الشركات بقدرٍ أكبر من المرونة مقارنةً بغيرها، مما يجعلها أكثر قدرةً على العمل في أسواق قد يكون النشاط فيها أكثر حساسيةً أو مخاطرة، بسبب اختلاف البيئة السياسية والاستراتيجية بين هذه الأسواق وبلد الشركة الأم. وينطبق ذلك على الخدمات الرقمية أو البرمجيات التي لا تتطلب حضورًا تشغيليًا مباشرًا على الأرض. وبالمثل، قد يكون الدخول إلى بعض الأسواق والخروج منها أكثر سهولةً إذا كانت التكلفة محدودة، أو إذا كان خطر تجمّد رأس المال منخفضًا، كما هو الحال في بعض وظائف الدعم التي يمكن نقلها من بلدٍ إلى آخر بتكلفةٍ محدودة نسبيًا. في المقابل، هناك أنشطةٌ أكثر حساسيةً وأقل مرونة، مثل الأنشطة التي تعتمد على استثماراتٍ كبيرة يصعب نقلها، أو تلك التي تعمل في قطاعاتٍ تخضع لتنظيماتٍ مشددة، أو ترتبط بقضايا تعدّها الدول جزءًا من سيادتها. وفي مثل هذه الحالات، قد لا تكتفي الحكومات بالسماح للشركة الأجنبية بالعمل داخل السوق، بل قد تطلب منها إعادة تنظيم وجودها بطريقةٍ تمنح الدولة قدرًا أكبر من السيطرة أو الإشراف. ومن ثم، يصبح التأثر بالتحولات الجيوسياسية أكثر خطورة، لأن التغيرات المفاجئة في السياسات قد تفرض على الشركة متطلباتٍ جديدة، أو تقيّد حركتها، أو ترفع تكلفة استمرارها. وقد عبّر الرئيس التنفيذي لإحدى منصات التواصل الاجتماعي العالمية عن ذلك بقوله: "كلما كان القطاع أكثر ارتباطًا بسيادة الدولة، ازدادت الضغوط لإنشاء كياناتٍ محليةٍ بهياكل حوكمةٍ محلية". وإلى جانب ذلك، تبقى بعض الأصول أكثر عرضةً للتأثر بهذه التحولات، مثل منشآت التصنيع، والبنية التحتية للبيانات، والكفاءات المتخصصة، نظرًا إلى صعوبة نقلها عبر الحدود بالسرعة اللازمة عند حدوث تغيّراتٍ مفاجئةٍ في السياسات.
  • النظر في الإجراءات التي يمكن أن تخفّف من هذا التأثر: تزداد أهمية هذه الخطوة عندما تكون الخسائر المحتملة كبيرة، أو عندما يصعب احتواؤها والتعافي منها بسهولة، كما في حالة ارتباط أعمال الشركة بأصولٍ يصعب نقلها، مثل المصانع أو البُنى التحتية، أو عندما تواجه الشركة قيودًا تنظيميةً تحدّ من قدرتها على التكيّف، مثل ضوابط التصدير. وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري البحث عن خطواتٍ عمليةٍ لخفض درجة الاعتماد على مصادر الخطر، من دون الإضرار بقدرة الشركة على الاستمرار في الأسواق أو مواصلة النمو. ويظهر ذلك جليًا في قطاع أشباه الموصلات، حيث يتركّز جزءٌ كبيرٌ من تصنيع الرقائق في تايوان، مما يجعل الشركات العاملة في هذا القطاع أكثر عرضةً للتأثر بأي توترٍ سياسي أو تجاري يتعلق بالعلاقات بين تايوان والصين من جهة، أو بين الصين والولايات المتحدة من جهةٍ أخرى. ومن هنا جاءت خطوة الشركة التايوانية "TSMC" المتخصصة في صناعة أشباه الموصلات، التي أعلنت إنشاء مصانع جديدة في اليابان وألمانيا، بالتوازي مع توسيع إنتاجها في الولايات المتحدة.11 وعلى الرغم من ارتفاع تكلفة هذه الخطوات، إلا أنها تسهم في تقليل مخاطر الاعتماد على موقعٍ واحد، مع الحفاظ على قدرة الشركة على اقتحام أسواقٍ جديدة ومواصلة التوسع فيها.

تعزيز قدرة الشركة على التكيّف السريع مع التحولات الجيوسياسية

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية حول العالم، اتسع نطاق مسؤوليات الرئيس التنفيذي ليجمع بين مهمتين أساسيتين في آنٍ واحد: اقتناص فرص النمو التي قد تتيحها هذه التحولات، والحد من المخاطر الناجمة عن العمل في أسواق تشهد اضطراباتٍ حادة أو تختلف سياسيًا عن السوق الأم. ويتطلب تحقيق هذا التوازن أن تمتلك الشركة مرونةً تنظيمية وقدرةً أعلى على التكيّف السريع، بما يتيح لها التحرك في الوقت المناسب عند وقوع الأزمات أو ظهور فرصٍ جديدة. وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي لإحدى شركات الخدمات المالية الكبرى: "يبقى الأهم هو القدرة على التحرك السريع. فعندما تندلع أزمةٌ ما أو تبرز فرصةٌ جديدة، نحتاج إلى قنوات تواصلٍ فعالة مع المقر الرئيسي، وقدراتٍ ميدانيةٍ تمكّننا من تشكيل فريقٍ على الأرض، حتى نتمكن من التحرك بطريقةٍ مدروسة من دون تعطيل سير العمل ".

وانطلاقًا من ذلك، لم تعد الشركات الكبرى تكتفي بالحلول المؤقتة، بل بدأت في إدخال تغييراتٍ أعمق على نماذج أعمالها، مثل إعادة توزيع الإنتاج على أسسٍ إقليمية، وتنويع الموردين، وإعادة التفاوض على العقود، وإعادة ترتيب بنيتها التقنية بما يعزز ارتباطها بالأسواق المحلية. وبذلك، تبني هذه الشركات نموذجًا تشغيليًا أكثر مرونة، يتيح لها الاستجابة للمتغيرات بالسرعة المطلوبة بدلًا من الاعتماد على هيكلٍ جامدٍ يصعب تعديله. وبهذا الصدد، قال الرئيس التنفيذي لإحدى شركات خدمات المعلومات: "أصبحنا نرى في التكتلات الإقليمية فرصةً استراتيجيةً واعدة يمكن البناء عليها. كما أن اتساع حضورنا التصنيعي اليوم يمنحنا مساحةً أكبر لتعزيز وجودنا التشغيلي داخل الأسواق المحلية". وفي مثالٍ آخر، أعادت إحدى الشركات الزراعية العالمية ضبط نموذجها التشغيلي، بحيث تتولى الإدارة المركزية ملفات المخاطر والامتثال عند اشتداد التقلبات، ثم تعيد صلاحيات اتخاذ القرار إلى الوحدات الإقليمية والمحلية مع عودة الأوضاع إلى الاستقرار.

ومع ازدياد حالة عدم اليقين الجيوسياسي، لم يعد تحسين الكفاءة التشغيلية وحده كافيًا للحفاظ على الميزة التنافسية، إذ بات الأمر يتطلب قدرًا أكبر من المرونة، إلى جانب توافر بدائل عملية في مختلف جوانب العمل. ولهذا تتجه الشركات الأكثر قدرةً على التكيّف إلى وضع مؤشراتٍ وآلياتٍ محددة مسبقًا للتعامل مع المخاطر واغتنام الفرص، بما يتيح لها مواصلة العمل في بيئاتٍ جيوسياسيةٍ عالية المخاطر لفترةٍ أطول من منافسيها. ويظهر ذلك في تجربة إحدى شركات المنتجات الاستهلاكية متعددة الجنسيات، التي أعادت توجيه سلسلة إمدادها ثلاث مرات استجابةً للتغيرات المتلاحقة في الرسوم الجمركية، قبل أن تُفاجأ مجددًا بتغيّر السياسات. وفي وصفه لهذا الوضع، قال رئيسها التنفيذي: "لم أعد قادرًا على تحديد الأسواق أو الولايات القضائية التي لا تزال توفر مصادر توريد يمكن الاعتماد عليها من حيث التكلفة. وفي قطاعٍ منخفض الهوامش مثل قطاعنا، يصبح هذا الأمر مسألة بقاء". وفي نهاية المطاف، خلُصت الشركة إلى أن السعي المستمر وراء مواقع "مثالية" منخفضة التكلفة لم يعد مجديًا، وأن الأجدى هو تصميم العمليات بما يعزز القدرة على التكيّف مع التقلبات، عبر تنويع مصادر التوريد، وتأمين موردين بديلين مؤهلين مسبقًا، وإبرام عقودٍ تتيح نقل الطلبيات بسرعة بين المواقع المختلفة.

وتؤكد الدراسة أن هذا النهج لم يعد استثناءً، بل بات توجهًا متناميًا بين الشركات الكبرى التي تسعى إلى تعزيز قدرتها على التكيّف السريع "الشكل 3". فقد أظهر التحليل أن 78 في المائة من هذه الشركات تعمل على تنويع سلاسل الإمداد جغرافيًا، فيما تتجه 41 في المائة منها إلى إنشاء مراكز تصنيعٍ إقليمية، بينما تبني 32 في المائة منها مخزوناتٍ احتياطية وتطبّق خططًا تعتمد على تعدد مصادر التوريد. ويعكس ذلك ما أشار إليه الرئيس التنفيذي لإحدى الشركات الصناعية العالمية قائلًا: "نحن لا نتراجع عن نموذجنا العالمي، بل نعيد رسم بصمتنا التصنيعية المستقبلية بصورةٍ أكثر وعيًا، لتتماشى مع متطلبات عملائنا الرئيسيين ومع نقاط القوة التي تمنح أعمالنا قيمةً حقيقية".

ولتحويل هذه القدرة على التكيّف السريع إلى ممارسةٍ مؤسسيةٍ فعّالة، يمكن للرؤساء التنفيذيين اتباع أربع خطواتٍ محورية تسهم في رفع جاهزية شركاتهم للتعامل مع التحولات الجيوسياسية. وتشمل هذه الخطوات بناء رؤيةٍ أوضح للتطورات الجيوسياسية من خلال أدوات متابعةٍ مخصصة، وتطوير قدرات الرصد والتحليل على المستوى الإقليمي، وإعداد إجراءات استباقية لاغتنام الفرص والحد من المخاطر، إلى جانب تسريع آليات اتخاذ القرار عند ظهور الفرص أو وقوع الأزمات.

  • بناء رؤى جيوسياسية واضحة وأدوات متابعة عملية: تعتمد هذه الخطوة على جمع المؤشرات الجيوسياسية وتحويلها إلى أدوات متابعةٍ عملية، مثل لوحات المؤشرات، والسيناريوهات التشغيلية، وحدود التحرك التي تساعد على تفعيل إجراءات الحد من المخاطر بصورةٍ تلقائية. وقد أكد الرئيس التنفيذي لإحدى شركات الطاقة والمرافق أهمية هذه الخطوة بقوله: "إن تدفق الأخبار المستمر قد يشتت الانتباه، بينما نحن في أمسّ الحاجة إلى وضوح الرؤية بشأن التحولات الجيوسياسية التي تنعكس مباشرةً على أعمالنا". ومن أبرز هذه الأدوات "مؤشر الترابط العالمي" الذي أنشأته شركة "DHL" لمتابعة السياسات التجارية، والعقوبات، والاضطرابات العابرة للحدود، وغيرها من التطورات الجيوسياسية12. ولتحقيق أقصى فاعلية من هذه الأدوات، ينبغي للفِرق المعنية أن تتابع بصورةٍ مستمرة أثر السيناريوهات المختلفة في كافة جوانب العمل، من الإيرادات والتصنيع إلى سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والكوادر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تواصلٍ منتظم مع الشركاء المحليين والجهات التنظيمية.
  • تطوير قدرات الرصد والتحليل على المستوى الإقليمي: تنبع أهمية هذه الخطوة من كون القادة الإقليميين، في كثيرٍ من الأحيان، الأقدر على متابعة التطورات الجيوسياسية المحلية وفهم دلالاتها ونقلها إلى الإدارة في الوقت المناسب. وهو ما عبّر عنه الرئيس التنفيذي لإحدى شركات الرعاية الصحية الأوروبية بقوله: "نحتاج إلى وجودٍ فعلي على الأرض لرصد أي مشكلاتٍ قد تظهر في العمليات والإجراءات داخل المستشفيات". ولهذا السبب، تعمل بعض الشركات متعددة الجنسيات على إعداد برامج تدريبية تساعد القيادات التنفيذية على فهم آثار الرسوم الجمركية، والممرات التجارية الجديدة، وغيرها من القضايا الجيوسياسية. وقد أكد الرئيس التنفيذي لإحدى الشركات الزراعية الكبرى ذلك قائلًا: "يجب أن تصبح جميع قيادات الشركة أكثر إلمامًا بالجغرافيا السياسية". وبهذه الطريقة، تظل الإدارة على اطلاعٍ مستمر بالمستجدات الميدانية، بما يساعدها على التكيّف بسرعةٍ أكبر مع المتغيرات.
  • إعداد إجراءاتٍ استباقية لاغتنام الفرص والحد من المخاطر: ولا يقتصر الاستعداد على الرصد وحده، بل يشمل أيضًا إعداد مجموعةٍ من الإجراءات الاستباقية المرتبطة بأحداثٍ أو مؤشراتٍ محددة، بما يمكّن الشركات من التحرك بسرعة لاقتناص الفرص والحد من المخاطر. وقد تشمل هذه الإجراءات تقييم الشركاء المحتملين، والتأهيل المسبق لموردين بديلين، وتعديل المسارات اللوجستية، أو دراسة نقل بعض الوظائف الحساسة إلى مواقع أكثر أمانًا واستقرارًا، أو توطينها داخل الأسواق المحلية. ومن خلال هذه الاستعدادات المسبقة، تستطيع الشركات الاحتفاظ بقدرٍ أكبر من حرية التحرك الاستراتيجي كلما تغيّرت الظروف الجيوسياسية.
  • تسريع اتخاذ القرار عند الأزمات والفرص: حين تفرض الصدمات الخارجية نفسها، تصبح سرعة اتخاذ القرار عنصرًا حاسمًا في تنسيق تدفق المعلومات بين الفِرق المحلية والمقر الرئيسي، وفي تمكين الشركة من التحرك بالسرعة التي تفرضها الظروف. ولهذا تجري بعض الشركات الكبرى تدريباتٍ تحاكي مواقف تتطلب قراراتٍ سريعة، مثل تعديل الأسعار أو تحويل الإنتاج. كما أن تحديد الجهة المخوّلة باتخاذ القرار مسبقًا يضمن سرعة التحرك، لا سيما في موضوعاتٍ حاسمةٍ مثل إعادة توزيع الإنتاج، أو إعادة توجيه التدفقات التجارية، أو تعديل تسعير العروض. ويزداد أثر ذلك عندما تُفوَّض هذه القرارات إلى الفِرق المحلية ضمن ضوابط واضحة وآليات تصعيدٍ محددة.

كلما نجحت الشركات متعددة الجنسيات في فهم طبيعة المخاطر الجيوسياسية في أسواقها، وتقدير حجم الخسائر المحتملة فيها، ازدادت قدرتها على اتخاذ خطواتٍ عملية تعزّز من قدرتها على التكيّف السريع، وترفع مستوى تحمّلها لهذا النوع من المخاطر، كما هو موضح في "الشكل 4". ويتيح لها ذلك تحديد مستوى التحمّل المناسب لكل وظيفةٍ داخل الشركة؛ فالأنشطة التي يسهل نقل عملياتها، مثل المبيعات، تكون عادةً أكثر مرونة، بينما تقل هذه المرونة في الأنشطة التي تعتمد على استثماراتٍ كبيرة، مثل التصنيع. ومن ثم، يمنحها هذا التكيّف ميزةً واضحة، لأنه يتيح لها الاستجابة بسرعةٍ أكبر عند وقوع الصدمات أو ظهور الفرص. ويظهر ذلك في مثال إحدى شركات الأغذية والمشروبات الكبرى، التي خصصت استثماراتٍ كبيرة لتأمين احتياطات وبدائل أخرى داخل سلسلة الإمداد، بما يدعم قدرتها على مواصلة العمل في أسواقٍ تنطوي على مخاطر جيوسياسية. ومن هنا، يصبح الحفاظ على الوجود في هذه الأسواق ضرورةً لحماية الموقع التنافسي، شريطة أن يستند هذا الوجود إلى مرونةٍ تشغيلية تحدّ من أثر المخاطر. وقد لخّص الرئيس التنفيذي للشركة ذلك بقوله: "إذا لم نحافظ على تواجدنا في الأسواق، قد نفقد حصتنا السوقية بشكلٍ سريع".

وقد وضعت التقلبات الجيوسياسية المتصاعدة الشركات الكبرى أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيّف أو التراجع. فالشركات التي تنجح في ترسيخ المرونة داخل بنيتها التنظيمية تكون الأقدر على التفوق على منافسين ما زالوا ينظرون إلى التوترات الجيوسياسية باعتبارها اضطراباتٍ عابرة. وأمام هذا الواقع الجديد، لم تعد الميزة التنافسية تعتمد فقط على التكامل العالمي الذي تديره الوظائف المركزية، بل أصبحت ترتبط بقدرة الشركة على تقدير حجم الخسائر المحتملة في كل وظيفةٍ من وظائفها، وفهم القيمة المعرّضة للتأثر، وتحديد ما إذا كانت التحولات الجيوسياسية ستسهم في دعمها أو تقويضها، إلى جانب امتلاك جاهزيةٍ تشغيلية تتيح لها التحرك السريع كلما تغيّرت الظروف.

Explore a career with us