معهد ماكنزي للصحة

كيف نحقق صحة مثالية للجميع؟ ابدأ من مدينتك

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

نبذة عامة

  • من المتوقع أن يرتفع عدد السكان الذين يعيشون في المدن حول العالم ليصل إلى ما يقرب من 70% بحلول عام 2050. وتدل التفاوتات الملحوظة في مستويات الصحة بين سكان المناطق الحضرية على أن هناك فرصة كبيرة لتحسين الصحة العامة في المدن من خلال تنفيذ عدة استراتيجيات لتحسين الصحة العامة.
  • وفقًا لتقديرات معهد ماكنزي للصحة، إن الاهتمام بتعزيز الصحة العامة في المدن قد يساهم في التمتع بحياة عالية الجودة على المستوى العالمي لمدة تتراوح بين 20 و25 مليار سنة، أي أن متوسط عمر الإنسان في المناطق الحضرية قد يرتفع بمقدار خمس سنوات تقريبًا. وتُشير هذه التقديرات إلى ضرورة تبني نهج متعدد القطاعات، حيث يُعد التعاون بين جميع المؤسسات في مختلف القطاعات عاملاً رئيسيًا في الاستفادة من هذه الفرصة بكفاءة وفعالية.
  • تمثل التدخلات ذات التأثير الفوري والمبنية على قاعدة الأدلة العلمية الحالية نقطة انطلاق مهمة لتعزيز الصحة العامة في المدن. على سبيل المثال، يمكن أن تلعب هذه التدخلات دورًا ملموسًا في رفع متوسط العمر الصحي للأفراد وتعزيز وظائف الدماغ والحد من الآثار السلبية الناجمة عن التغيرات المناخية، وكذلك تعزيز كفاءة العاملين في قطاع الصحة.

خلال العقود الستة الماضية، شهدت معدلات طول العمر ارتفاعًا ملحوظًا على مستوى العالم، حيث زاد متوسط عمر الإنسان بمقدار 20 عامًا.1 لكن هذا التطور لم يواكبه تحسن موازٍ في الفترات التي يعيشها الأفراد بصحة جيدة. فعلى الصعيد العالمي، يُترجم كل عام إضافي في العمر إلى ستة أشهر من التدهور في الحالة الصحية (الشكل 1).

1
كيف نحقق صحة مثالية للجميع؟ ابدأ من مدينتك

ما السبب وراء زيادة المدة التي يعاني فيها الأفراد من تدهور في الصحة؟ ففي ظل تقدم السكان في العمر في جميع أنحاء العالم، تحوّل الاهتمام إلى ثلاثة أنواع رئيسية من الأمراض غير المعدية المرتبطة بالشيخوخة التي لها آثار سلبية كبيرة على الصحة الجسدية والعقلية، وهي أمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان والاضطرابات النفسية، وتعاطي المخدرات والأمراض العصبية. وتشكل جميع هذه الأمراض غير المعدية حاليًا 69% من تأثير الأمراض العالمية، كما هو موضح في (الشكل 2). وتمثل الفئات الثلاث الرئيسية للأمراض المرتبطة بالشيخوخة2 65% من تأثير الأمراض العالمية غير المعدية. ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة، حيث يُتوقع أن يتجاوز عُمر واحد من كل ستة أشخاص في العالم إلى أكثر من 60 بحلول عام 2030 (وواحد من كل ثلاثة أشخاص في بعض الدول)3. ومن المتوقع أن تشهد الإصابات بالأمراض غير المعدية ارتفاعًا هائلاً بحلول عام 2040، وتمثل تلك الأمراض 11 فئة من بين 14 فئة للأمراض التي تشير الدراسات إلى ارتفاع نسبة الإصابة بها، وخاصة الأمراض المرتبطة بالشيخوخة مثل السكري وأمراض الكلى، حيث من المتوقع أن تتجاوز نسبة الإصابة 60% بحلول عام 2040 4.4

2
كيف نحقق صحة مثالية للجميع؟ ابدأ من مدينتك

تشكل التهديدات الخارجية، مثل تغير المناخ ومقاومة مضادات الميكروبات، عوامل مساهمة رئيسية في تفاقم تأثيرات الأمراض العالمية. وستكون التداعيات الناجمة عن تغير المناخ على صحة الإنسان متعددة ووخيمة، حيث تشمل الآثار المباشرة الناجمة عن مخاطر المناخ على الصحة الجسدية والعقلية والآثار السلبية على جودة المياه وانتشار الأمراض المنقولة بواسطة الحشرات والأمن الغذائي وتلوث الهواء. وحتى مع تبني سيناريوهات معتدلة لخفض الانبعاثات، من المتوقع أن يتسبب تغير المناخ في 250 ألف حالة وفاة إضافية سنويًا بحلول عام.5 وتأتي في الصدارة زيادة عبء الأمراض الحساسة للمناخ، ومنها الأمراض التي تؤثر على الصحة العقلية. بالإضافة إلى ذلك، يُتوقع أن يرتفع معدل الوفيات الناتجة عن مقاومة مضادات الميكروبات إلى 10 ملايين حالة وفاة أو أكثر سنويًا، مقارنة بأقل من 1.2 مليون حالة وفاة خلال الفترة ذاتها، مما يفرض مزيدًا من الضغوط على النظم الصحية العالمية.6

من أجل مواجهة تفاقم آثار الأمراض العالمية، من الضروري الأخذ بعين الاعتبار مجموعة من العوامل التي تتخطى حدود الرعاية الصحية التقليدية، ومنها الوقاية من الأمراض وتحسين الصحة في جميع المجالات. وتشير تقديرات معهد ماكنزي للصحة إلى أنه من الممكن أن يتمتع كل فرد بحياة عالية الجودة وأن تطول أعمارهم بمقدار ست سنوات إضافية خلال الأعوام العشرة المقبلة7ما هو مفتاح التمتع بصحة ممتازة؟ كسر قيود نظام الرعاية الصحية"، صادر من معهد ماكنزي للصحة، بتاريخ 20 ديسمبر 2022.، وذلك من خلال تبني نهج صحي أكثر شمولية وأوسع نطاقًا يشمل بذل الجهود المستمرة لتعزيز العوامل المؤثرة في الصحة طوال مراحل الحياة المختلفة. وتقع مسؤولية هائلة على عاتق جميع المؤسسات والأفراد لتحقيق هذا الهدف (يُرجى الاطلاع على العمود الجانبي بعنوان "تُشكل المدن البيئة العملية التي ينكشف فيها النقاب عن العوامل المؤثرة على الصحة العامة").

توفر المدن فرصًا هائلة لتحسين مستوى الصحة العامة، إذ تُعد بمثابة البيئات التي تبرز فيها العديد من العوامل طويلة الأمد المؤثرة على الصحة العامة بهدف التصدي لتحديات وتداعيات الأمراض. وتتميز المدن بقدرة فريدة من نوعها على تنسيق جهود الأطراف المعنية من مختلف القطاعات بكفاءة وفاعلية من أجل خلق بيئة داعمة والتركيز على التدخلات قصيرة المدى ذات التأثير الفوري. وفيما يلي، سوف نستعرض ثلاثة أسباب رئيسية تبرهن على الدور الجوهري الذي تلعبه المدن في تعزيز الصحة العامة لسكانها.

تعزيز الصحة العامة في المدن: دور المدن الحيوي كمحور أساسي للتطور الصحي

لقد دعت العديد من المنظمات، مثل منظمة الصحة العالمية، إلى استغلال الإمكانيات المتعلقة بالصحة التي توفرها المدن لسنوات عديدة8. وقد أثبتت البرامج التي تنفذها المدن والمبادرات المحلية لتحسين مستوى الصحة في المناطق الحضرية، سواء كانت بقيادة الحكومات أو المنظمات غير الربحية أو القطاع الخاص، فعاليتها ونجاحها المبهر. على سبيل المثال، تتعاون شبكة المدن الأربعين القيادية للتغير المناخي، التي تضم عُمد المدن الرائدة في العالم، لإطلاق مبادرات تهدف إلى التصدي لتغير المناخ وتحسين الصحة، مثل الحد من تلوث الهواء9. وهناك العديد من المبادرات العالمية مثل "الشراكة من أجل مدن صحية" وشبكة المدن الصحية الأوروبية التابعة لمنظمة الصحة العالمية و"الجمعية الدولية للصحة الحضرية" ومبادرة مدن المسار السريع، وكذلك عدد من مؤسسات القطاع الخاص مثل شركة "نوفو نورديسك" وشركة "نوفارتس"، التي تعتبر نماذج على التعاون الفعّال الذي يستهدف تحسين مستويات الصحة في المدن.

في الوقت ذاته، لا تزال هناك فرصة هائلة لتعزيز الجهود وتحقيق نتائج صحية أفضل وأكثر إنصافًا في المدن. كما يمكن إيلاء المزيد من الاهتمام لتحسين مستوى الصحة في المدن. على سبيل المثال، بينما تُعين جميع الدول مسؤولين رفيعي المستوى في مجال الصحة على الصعيد المحلي10، فإن 37% فقط من أكبر مدن العالم11 تضم مسؤولين رفيعي المستوى يكرسون جهودهم لقطاع الصحة على وجه التحديد، اطلع على على (الشكل 3). ويجسد إنشاء مناصب قيادية معنية بالصحة ضمن الهيكل التنظيمي للمدن التزام هذه المدن بإعطاء الأولوية للصحة وتسهيل توجيه جهود القيادات المحلية في المدن نحو التصدي للتحديات الصحية.12

3
كيف نحقق صحة مثالية للجميع؟ ابدأ من مدينتك

تتوافر العديد من الفرص لتعزيز الصحة على جميع مستويات التنمية الاقتصادية: بغض النظر عن متوسط دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، يتباين متوسط العمر المتوقع في الأقاليم الصغرى حول العالم عبر الزمن، اطلع على (الشكل 4). وفي حين أن 53% من التفاوت في متوسط العمر المتوقع يمكن أن يُعزى إلى دخل الفرد، فإن النسبة المتبقية البالغة 47% ترجع إلى عوامل أخرى تشمل التدخلات والابتكارات الصحية13. وتدل هذه البيانات على أنه يمكن تحسين النتائج الصحية بعدة طرق أخرى بعيدًا عن زيادة الدخل أو تحفيز النمو الاقتصادي.

4
كيف نحقق صحة مثالية للجميع؟ ابدأ من مدينتك

استنادًا إلى آخر التحديثات للتحليل الأولي الذي أجراه معهد ماكنزي للصحة، توصل المعهد إلى استنتاج مفاده أنه يمكن لكل فرد في المناطق الحضرية عيش ما يقرب من خمس سنوات إضافية بصحة ممتازة وفي كنف بيئة داعمة، ما يعادل إجماليًا 20 إلى 25 مليار سنة إضافية على مستوى العالم14. ويُمكن أن يصل هذا الرقم إلى ما بين 10 ملايين و190 مليون سنة من التمتع بصحة ممتازة وحياة عالية الجودة لسكان المدن الكبرى حول العالم، كما هو موضح في (الشكل 5)15. وتوجد ثلاثة أسباب رئيسية لتوفر هذه الفرصة في المدن، كما هو موضح في (الشكل 6).

5
كيف نحقق صحة مثالية للجميع؟ ابدأ من مدينتك
6
كيف نحقق صحة مثالية للجميع؟ ابدأ من مدينتك

يقطن حاليًا أكثر من نصف سكان العالم في المدن، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد ليصل إلى حوالي 70% بحلول عام 2050، بينما قد ترتفع هذه النسبة في الدول ذات الدخل المرتفع إلى 87% خلال ذلك الوقت16. ويُفضّل السكان الأكبر سنًا الإقامة في المناطق الحضرية، حيث يمكنهم الاستفادة في الوقت ذاته من التحسينات التي تطرأ على قطاع الصحة العامة17. وشهدت المناطق الحضرية في جميع أنحاء العالم زيادة قدرها 68% في عدد الأفراد الذين تجاوزت أعمارهم 60 عامًا خلال الفترة ما بين عامي 2000 و2015، حيث واجه الكثيرون تحديات تتعلق بالمشاكل الصحية أو العزلة الاجتماعية.18

وتؤكد الفروق الشاسعة في المؤشرات الصحية بين سكان المناطق الحضرية على أهمية التركيز على السياسات الصحية في المدن لتحقيق تحسينات ملموسة وفعالة. مثال على ذلك، تشير إحدى الدراسات إلى أنه يوجد فارق يصل إلى 14 عامًا في متوسط العمر المتوقع بين السكان الذين يعيشون بالقرب من محطة "برينس ريجنت" في لندن والسكان الذين يقيمون بجوار محطة "تشارينغ كروس"19 برغم فارق المسافة الذي لا يتجاوز ثمانية أميال. وفي مدينة "شيكاغو"، يبلغ متوسط العمر المتوقع في حي ستريترفيل 90 عامًا مقارنة بـ 60 عامًا في حي إنجليوود الذي يقع على بُعد تسعة أميال فقط، أي أنه توجد فجوة قدرها 30 عامًا في متوسط العمر بين هذين الحيين20. والجدير بالذكر أن التوسع الحضري السريع في جميع أنحاء العالم غالبًا ما يؤدي إلى ظهور الفقر الحضري، حيث تفوق الزيادة السكانية البنية التحتية وخدمات الدعم المتاحة. علاوة على ذلك، يعيش ربع سكان المناطق الحضرية في مناطق عشوائية أو أحياء فقيرة21 بحلول عام 2020، ما يعني أن أكثر من مليار شخص حول العالم يواجهون عدة صعوبات مثل قلة فرص الحصول على الغذاء الصحي22 والخدمات الأساسية23. وتسهم التدخلات التي تستهدف المدن في تعزيز الصحة العامة لسكانها بشكل ملحوظ.

يضطلع العديد من الأطراف المعنية بدور حيوي في التأثير على صحة سكان المدن. إلى جانب الجهات الفاعلة في قطاع الرعاية الصحية التقليدية، تشمل الأطراف المعنية كلاً من القطاع الخاص والحكومات والجهات المانحة وأرباب العمل ومنظمات المجتمع المدني. وتوفر المدن بيئة مثالية لتنسيق جهود جميع هذه الجهات من أجل تحسين الصحة العامة. وفي كثير من الأحيان، توجد مجموعة محدودة من الجهات الفاعلة في كل مدينة يكون لها تأثير كبير على العوامل المؤثرة في الصحة. مثال على ذلك، يعمل أكثر من 20% من القوى العاملة في القطاع العام في باريس، وتمثل عشرة مستشفيات 65% من الطاقة الاستيعابية للمستشفيات24. أما في لندن، تُسيطر أربع سلاسل رئيسية فقط على 86% من المتاجر الكبرى25. والوضع مشابه في كل من نيروبي26 وسنغافورة، حيث تهيمن خمس سلاسل على 90% و70% من المتاجر الكبرى على التوالي27. إلى جانب ذلك، يبلغ إجمالي الإيرادات السنوية التي تحققها أكبر خمسة شركات في كل من الـ 12 مدينة المشار إليها في (الشكل 5) 600 مليار دولار28. ويدل ذلك على الدور الجوهري الذي تلعبه الجهات الفاعلة الرئيسية في المدن الكبرى وأن استغلال هذه القوة يُمثل فرصة كبيرة لتعزيز صحة الإنسان.

تنفيذ استراتيجيات موجهة نحو استهداف المناطق المهمشة والتدخلات الفورية

يُعد تعزيز الإجراءات التي تتخذها المدن حاليًا لتحسين مستوى الصحة العامة باستخدام الموارد المتاحة لديها خطوة ذات أهمية كبرى كلما كان ذلك ممكنًا. كما يعتبر الاستثمار المدروس لإحداث تغيير ملموس نقطة انطلاق مهمة، حيث إنه يُبرز التدخلات ذات التأثير الفوري باعتبارها استراتيجية فعالة ومفيدة للبدء في تحسين مستوى الصحة، خاصةً للأطراف المعنية التي تسعى إلى تعزيز دورها في القطاع الصحي. وعلى عكس الاستثمارات الهائلة في البنية التحتية التي قد تستغرق وقتًا طويلًا، تحقق التدخلات ذات التأثير الفوري نتائج مباشرة خلال فترة قصيرة نسبيًا ويمكن أن تحظى بدعم من مختلف الأطراف المعنية. وفي هذا السياق، يمكن لأي شركة أو هيئة حكومية أو منظمة مجتمع مدني أن تساهم في تحقيق هذا الهدف.

في قلب المدن، تكمن الفرصة لتحويل التحدي الصحي العالمي للأمراض غير المعدية إلى انتصارات ملموسة، من خلال تنفيذ أربع استراتيجيات تدخلية متميزة. (هذه الاستراتيجيات تتضمن: أولًا، التدخلات الصحية المعنية بإطالة العمر، تلك التي تستهدف علاج ومنع الأمراض مثل السرطان، أمراض القلب والأوعية الدموية، والسكري). ثانيًا، التدخلات المتعلقة بصحة الدماغ، (التي تشمل مبادرات لمعالجة الأمراض النفسية، وإساءة استخدام المواد المخدرة، والاضطرابات العصبية). ثالثًا، التدخلات الموجهة نحو التصدي للتأثيرات الصحية لتغير المناخ. ورابعًا، تلك الإجراءات الهادفة إلى تعزيز قدرات العاملين في المجال الصحي. تتسم هذه الاستراتيجيات بأهميتها العالمية وتواجه تحديات مثل شح الموارد، ومع ذلك، يمكن للتدخلات الفورية ذات التأثير القوي في كل من هذه الأقسام أن تأخذ أشكالًا متنوعة (اطلع على العمود الجانبي " أمثلة على التدخلات الفورية ذات التأثير القوي في المدن على نطاق واسع عالميًا).

الشيخوخة الصحية وطول العمر. تتعدد التدخلات الهامة التي يمكن أن تسهم بشكل مؤثر في عمر طويل وصحي، من ضمنها إجراءات الفحص والعلاج المكثف لأمراض القلب، والاضطرابات المتعلقة بالتمثيل الغذائي، والسرطان، إلى جانب المبادرات الداعمة لتمكين الأفراد المسنين من اعتماد نظام غذائي صحي والمشاركة الفعالة في المجتمع. كمثال بارز، يشير ارتفاع ضغط الدم إلى مخاطر محتملة تهدد صحة القلب والأوعية الدموية، حيث يمكن للتدخل المبكر أن يعزز بشكل كبير النتائج الصحية. حتى التدخلات ذات الحجم الصغير والتكلفة المنخفضة قد تؤدي إلى تحسينات كبيرة؛ مثلاً، تقديم مقاييس ضغط الدم بأحجام ملائمة للمتخصصين الصحيين يرفع من إمكانية الحصول على قياسات دقيقة لضغط الدم، مما يساهم في تحسين التشخيص والعلاج.

يُمكن أن تمهد الفحوصات الدقيقة والمتابعة الفعّالة، بما في ذلك تشجيع خيارات تغذية صحية عبر التعاون مع المتاجر المحلية، الطريق لعيش سنوات طويلة بجودة حياة أفضل للجميع. ومن الممكن لأصحاب العمل والشركات أن يلعبوا دورًا محوريًا في هذا الجهد، سواء برفع مستوى الوعي حول أهمية الفحوصات الصحية، وتوفير المرافق اللازمة، أو تقديم حوافز للموظفين لتشجيعهم على الخضوع لهذه الفحوصات. كما يوجد فرصة للتعاون مع مختلف أصحاب المصلحة في المدينة لتعزيز صحة وجودة حياة الأفراد الأكبر سنًا بشكل فعّال، وذلك بتمكين مشاركتهم وإسهاماتهم بطرق أكثر فعالية. تتضمن الأمثلة ما يلي: -

الصحة النفسية: تُعدّ زيادة الوصول إلى دعم فعال للصحة العقلية تحديًا كبيرًا. أحد الحلول المقترحة هو تدريب العاملين السريريين وغير السريريين35 على تقديم نسخ مختصرة من العلاجات النفسية الحالية القائمة على الأدلة. (تشمل هذه العلاجات على سبيل المثال العلاج السلوكي المعرفي والعلاج بين الأشخاص وعلاج حل المشكلات) . وقد أظهرت الدراسات أن هذه العلاجات المختصرة فعّالة في علاج مجموعة من الاضطرابات النفسية الشائعة، بما في ذلك أعراض القلق والاكتئاب المنخفضة إلى المتوسطة وتعاطي المخدرات. تُشير البيانات إلى أن "تقاسم المهام" للتدخلات النفسية والاجتماعية يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على نتائج المرضى، وخاصة بالنسبة لأولئك الذين يعانون من القلق وحالات تقلب المزاج.36

يمكن استخدام تقاسم المهام لتعزيز استمرارية رعاية الأزمات المجتمعية ومنع الاعتماد المفرط على المستجيبين الأوائل، مثل (الخدمات الطبية الطارئة)، وأقسام الطوارئ، ومستشفيات الطب النفسي. على سبيل المثال، يمكن نشر العاملين السريريين و/أو غير السريريين المدربين كجزء من نهج تقاسم المهام في بيئات الصحة العقلية المجتمعية لدعم الأفراد الذين عانوا أو يعانون من أزمة الصحة العقلية. لتحقيق الاستدامة طويلة الأجل لنماذج تقاسم المهام، هناك حاجة إلى الاستفادة من التكنولوجيا، وابتكار النظام الصحي، ودعم المجتمع.

من الأمثلة العملية على كيفية تطبيق استراتيجية تقاسم المهام في المجال الصحي، نجد نهج "معالجة العناصر المشتركة" (CETA)، الذي يُعلم المتخصصين في الصحة العقلية، سواء السريريين أو غير السريريين، طرق معالجة مجموعة واسعة من المشكلات الصحية العقلية مثل الصدمات، الاكتئاب، القلق، وتعاطي المخدرات ضمن مسار علاجي موحد. يشتمل نظام الرعاية في نهج "CETA" على تقييمات الصحة العقلية، والفرز، والعلاج، والتدابير الوقائية في حالات الانتحار أو العنف أو الإساءة، والمتابعة والتقييم. هناك نموذج آخر لتقاسم المهام وهو "مقعد الصداقة"، الذي تم تطويره في زيمبابوي لتحسين الصحة العقلية وجودة الحياة من خلال العلاج بحل المشكلات الذي يقدمه العاملون الصحيون غير المتخصصين. بشكل فريد، يتميز هذا النموذج بمشاركة "الجدات"، وهن متطوعات من المجتمع تلقين تدريبات خاصة لكنهم لا يملكون خبرة طبية أو نفسية مسبقة، لتقديم الدعم والمشورة للأشخاص على مقاعد خشبية داخل مجتمعاتهم. تتضمن الاستراتيجيات الأخرى الفعالة لتقاسم المهام التي يتم النظر فيها دليل التدخل "mhGAP"، و"EMPOWER"، ونموذج Shamiri، والعلاج الجماعي بين الأشخاص، كل منها يهدف إلى توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات الصحية العقلية وتحسين نوعية العناية من خلال توزيع المهام بين مختلف العاملين في المجال الصحي.

التحديات الصحية المرتبطة بالمناخ: تواجه المدن تحديات صحية متعددة مرتبطة بالتغيرات المناخية، بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة، وتلوث الهواء، والفيضانات. لمواجهة هذه التحديات، تطور المدن خطط عمل مركزة على المناخ والحرارة، وُضعت لإدارة الأزمات الطارئة بفعالية. تشمل هذه الخطط التعاون مع الحكومات المحلية والشركات التي لديها عمال يعملون في الخارج لحماية الموظفين من الحر الشديد وتوفير ملاذات آمنة للمجتمعات الضعيفة. كما تشجع على تحسين البنية التحتية الخضراء للمدن لتخفيف حدة الحرارة. يتم أيضًا العمل مع الجهات الفاعلة الرئيسية لتحقيق أولوية أكبر للصحة المتعلقة بالمناخ ضمن أجندات الصحة العامة، مع تحسين جمع البيانات، والتكنولوجيا، وأنظمة الرعاية الصحية للتأهب للتحديات المستقبلية. تمثل هذه الإجراءات أمثلة على خطط العمل النشطة للتعامل مع تأثيرات الحرارة.

في عام 2013 37، أطلقت الحكومة في أحمد آباد، بالهند، أول خطة عمل لمواجهة الحرارة في جنوب آسيا، مبتكرة نهجًا ثلاثي الأبعاد لمكافحة التأثيرات الصحية السلبية لموجات الحر. الأساس الأول لهذه الخطة يركز على تعزيز الوعي العام من خلال استخدام اللوحات الإعلانية، والتسويق الإلكتروني، وتشكيل شراكات مع المنظمات المحلية. ويتضمن العنصر الثاني تطوير نظام إنذار مبكر قادر على التنبؤ بموجات الحر لمدة سبعة أيام ووضع خطط لتنسيق الاستجابة بين المستجيبين الأوائل، ووكالات الإعلام، ومجموعات المجتمع المحلي. يشمل الجزء الثالث تحسين التدريب المقدم للعاملين في المجال الصحي ليكونوا قادرين على التعرف بشكل أفضل على الأمراض المرتبطة بالحرارة وعلاجها. هذه الخطة ساهمت بشكل فعال في منع الوفيات خلال موجات الحر، حيث تقدر الأرواح التي تم إنقاذها سنويًا38 بحوالي 1190 شخص. من جهة أخرى، في ميامي، تم تعيين أول كبير مسؤولين عن الحرارة في العالم في عام 2021، حيث أطلق فريق عمل معني بالمناخ والصحة الحرارية بالتعاون مع الأوساط الأكاديمية، والقطاع الخاص، والمجموعات المجتمعية. الهدف من هذه المبادرة هو تشكيل خطة عملية تتعامل مع التحديات الصحية الناجمة عن درجات الحرارة المرتفعة بشكل استثنائي.39

خارطة طريق تعزيز الصحة في المدن

كيف يمكن للمدن أن تبدأ بفعالية مسارها نحو التحول إلى مدن صحية؟ هناك نهج منظم مكون من أربع خطوات، يوفر الإمكانية لكافة الأطراف ذات الصلة للتوحد سريعًا حول هدف موحد لتطوير مدينتهم والتقدم بخطى واثقة نحو تحقيقه. (الشكل 7).

7
كيف نحقق صحة مثالية للجميع؟ ابدأ من مدينتك

لتحقيق النجاح باستخدام هذا النهج في التطبيق العملي، يعتبر استيعاب الدروس من التجارب والإنجازات السابقة أمرًا حاسمًا. تلعب الإنجازات المحققة في المراحل الأولية دورًا محوريًا، حيث تسهم في بناء دورة إيجابية مستدامة تربط بين الإجراءات المؤسسية والممارسات الفردية على مستوى المدينة. تُعتبر العناصر التالية ضرورية لضمان استفادة السكان وأصحاب المصلحة بشكل أمثل من قدرات هذا النهج:

  • استيعاب كل ما هو غامض: تحديد الأسباب الجذرية للمشكلات وإيجاد حلول لها وتكييفها مع الاحتياجات المحلية.
  • التركيز على التدخل المحوري الأساسي: اختيار إجراءات محدودة ولكن فعّالة للإسراع من وتيرة تحقيق نتائج ملموسة وذات كفاءة عالية.
  • تحسين محرك التنفيذ: التركيز على تشغيل نظام مُنظم بشكل جيد يمكنه مساعدة الأشخاص بشكل سريع.
  • دمج التقليدي مع الحديث: الاستفادة من الأساليب التقليدية المجربة ودمجها مع الابتكارات والتكنولوجيا الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي.
  • تعزيز جاذبية الاستثمار: العمل على تحديد وجذب الشركاء المناسبين، وهو عامل مهم لضمان الحصول على الموارد الضرورية لتحقيق التقدم.
  • استهداف الأطراف المعنية الأساسية: التركيز أولاً على مجموعة محدودة من القادة البارزين من القطاعات العامة، والخاصة، والاجتماعية الرائدة، الذين يظهرون استعدادًا لقيادة ودعم هذه المبادرة.

كل طرف سيستفيد، والعوائد قد تكون هائلة. ستجني الشركات فوائد من وجود قوى عاملة وزبائن أكثر صحة، وسعادة، وإنتاجية. تعتبر المدن ساحة واعدة وجذابة لاستكشاف الفرص الكبيرة و غير المستغلة في قطاع الوقاية الصحية وتعزيز الصحة للمبدعين في مجال الصحة. ومن المتوقع أن يكتسب السكان، من كبار السن إلى الشباب، سنوات إضافية من الحياة الصحية، حيث يمكن للمدن أن توفر حتى خمس سنوات صحية إضافية لكل فرد، ما يعادل مجموع 25 مليار سنة صحية. لذا، يعد من المهم لجميع الأطراف المعنية في المدينة التفكير في كيفية المشاركة بشكل فعّال، واتخاذ خطوات نحو ذلك الآن.


يقوم معهد ماكنزي للصحة في إطار التزامه بتحسين جودة الحياة عبر تعزيز الصحة العامة بتنفيذ مبادرات استراتيجية لدعم الصحة العامة في المدن من خلال التعاون مع شركاء على المستويات المحلية، والوطنية، والدولية. وكمنظمة غير ربحية، يهدف المعهد إلى إحداث تأثير إيجابي ملموس في مدن مختارة عبر العالم، مع التخطيط لمشاركة التجارب، والابتكارات، والموارد، والمعطيات مع الجمهور. والهدف النهائي هو تمكين المجتمعات الأخرى من استنساخ المناهج الفعّالة والمبتكرة التي تم التوصل إليها.

Explore a career with us