بعد سنواتٍ من الاضطرابات الجيوسياسية الحادة، بات واضحًا أن الشركات الكُبرى تقف أمام مرحلةٍ جديدة تختلف في طبيعتها وقواعدها عمّا سبقها؛ مرحلةٌ تفرض على الرؤساء التنفيذيين، في مختلف القطاعات، مراجعة استراتيجياتهم الدولية، وإعادة النظر في أساليب إدارة أعمالهم عبر الأسواق العالمية.
وأمام هذا الواقع الجديد، اتجهت العديد من الشركات متعددة الجنسيات خلال عام 2025 إلى اتبّاع نهجٍ دفاعي للتحوّط من المخاطر؛ إذ أرجأت قراراتٍ مهمة، وركّزت على حماية أوضاعها المالية، في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي، وارتفاع الرسوم الجمركية، وفرض قيودٍ جديدة على التصدير، إلى جانب تباين القواعد والإجراءات التنظيمية بين الأسواق. وقد أسهم ذلك في رفع التكاليف، وزيادة تعقيدات الامتثال، وإضعاف قدرة الشركات على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى. ومع ذلك، فإن الضغوط نفسها قد تُتيح فرصًا جديدة أمام الشركات القادرة على قراءتها بدقةٍ والتعامل معها بذكاء.
ورغم تأثير المتغيرات الجيوسياسية في قرارات الشركات، سواء على مستوى مواقع الإنتاج، أو مصادر التوريد، أو الأسواق المستهدفة، فإنها لم تُوقف حركة التجارة العالمية، بل أعادت رسم مساراتها. ومن ثمّ، فإن الرؤساء التنفيذيين الذين يكتفون بالانتظار ترقُّبًا لانحسار الاضطرابات وعودة الاستقرار، قد يجدون شركاتهم متأخرةً في سباق المنافسة، بينما تمضي شركاتٌ أخرى نحو أسواقٍ وممراتٍ تجارية جديدة، وتستفيد منها في بناء مزايا تنافسية أكثر قوة. وفي هذا السياق، يشدد "دوغ بيك"، المدير السابق لوحدة الابتكار الدفاعي التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، وعضو المجلس الاستشاري الجيوسياسي لـماكنزي، على ضرورة أن يجتمع كل رئيسٍ تنفيذيٍ الآن مع فريقه القيادي، لوضع تصورٍ جديد لاستراتيجية الشركة في ظل هذا القدر من الغموض.
وفي هذا الإطار، كشفت مقابلاتٌ حديثةٌ أجرتها ماكنزي مع عددٍ من قادة الشركات العالمية أن بعض المؤسسات بدأت بالفعل إعادة النظر في طريقة تعاملها مع هذا الواقع. فقد أوضح الرئيس التنفيذي لإحدى شركات تصنيع الإلكترونيات في أمريكا الشمالية أن شركته بدأت في مراجعة مصادر النمو والعائد في أعمالها، الأمر الذي منحها فرصةً للتقدم على منافسين ما زالوا أسرى التردد والجمود. وفي المقابل، اتجهت شركاتٌ أخرى إلى توجيه استثماراتها نحو القطاعات التي تحظى بأولويةٍ لدى الحكومات، للاستفادة من الحوافز والدعم الحكومي المتاح، إلى جانب تعديل نماذج تشغيلها لتواكب التغيرات الجارية في حركة التجارة بين المناطق المختلفة. وقد ظهرت نتائج هذا النهج في أكثر من مثال؛ إذ حصلت "TSMC"، الشركة التايوانية المتخصصة في صناعة أشباه الموصلات، على تمويلٍ حكومي يتجاوز 6 مليارات دولار لزيادة التصنيع داخل الولايات المتحدة,1 فيما أعلنت "راينميتال"، الشركة الألمانية العاملة في الصناعات الدفاعية، عن حجم طلبياتٍ قياسي بلغ 63.8 مليار يورو خلال العام الماضي، مع ارتفاع الطلب على منتجاتها نتيجة زيادة الإنفاق الأوروبي على الدفاع والتسليح.2
ولا تقف أهمية هذه التحركات عند حدود الأمثلة السابقة؛ فقد أظهر تقريرٌ تحليليٌ أعدّه "معهد ماكنزي العالمي" حول معدلات النمو المستقبلية للممرات التجارية بين المناطق المختلفة، أن الفارق المتوقع في حجم التجارة وفقًا لأفضل السيناريوهات وأسوأها قد يصل إلى نحو 14 تريليون دولار بحلول 2035، أي ما يعادل 31 في المائة من إجمالي التجارة العالمية المتوقعة بحلول العام نفسه. وهو ما يعني أن الشركات التي تُعيد ترتيب مواقع إنتاجها وطريقة تشغيل أعمالها للاستفادة من الممرات التجارية الأسرع نموًا، ستكون أكثر قدرةً على اغتنام فرص المستقبل. وكما أشار تشارلز داروين، فإن "البقاء لا يكون بالضرورة للأقوى أو الأكثر ذكاءً، بل لمن يمتلك القدرة على التكيف مع التغيير".3 وانطلاقًا من ذلك، سنتناول في هذه المقالة خمسة محاور أساسية تساعد الرؤساء التنفيذيين على فَهم طبيعة التغيرات التي تُعيد تشكيل التجارة العالمية، وتحديد الخطوات الأكثر فاعلية للتعامل معها.
نظام التجارة العالمية الجديد
يرى "روبرت لايتهايزر"، الممثل التجاري الأمريكي السابق وعضو المجلس الاستشاري الجيوسياسي لـماكنزي، أن نظام التجارة الذي استقر عليه العالم لعقودٍ طويلة لم يعُد قائمًا بالصورة نفسها. فقد كانت الاتفاقيات الدولية وقواعد منظمة التجارة العالمية تنظم كثيرًا من جوانب هذا النظام، بدءًا من مفاوضات الرسوم الجمركية وصولًا إلى تسوية النزاعات بين الدول. غير أن هذه القواعد بدأت تتغير وتتراجع في السنوات الأخيرة، مع توجه الحكومات بشكلٍ متزايدٍ نحو تطبيق سياساتٍ مستقلة تستهدف تحقيق النمو الاقتصادي، ودعم التقدم التكنولوجي، وتعزيز أولويات الأمن القومي. فعلى سبيل المثال، تضع استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 ملفات حماية الاقتصاد وسلاسل الإمداد، وتعزيز القدرة الصناعية، إلى جانب الحفاظ على الريادة التكنولوجية، وضمان قدرة أسواق المال على دعم الاستثمار والنمو، على رأس أولوياتها الوطنية.4 كما تركّز أحدث خطةٍ خمسيةٍ للصين على تقليل الاعتماد على الخارج في التكنولوجيا، والحفاظ على استقرار الاقتصاد، وتطوير الصناعات الأساسية، باعتبارها ركائز رئيسية للمرحلة المقبلة.5 وفي ظل هذا الواقع، أصبح يرتبط نمو الشركات وعوائدها بعوامل جديدة، منها الممرات التجارية، وارتفاع الإنفاق على الدفاع، والتوسع في قيود التصدير والسياسات الصناعية، فضلًا عن تغيُّر اتجاه تدفقات الاستثمار الأجنبي.
ممراتٌ تجاريةٌ جديدة تقود النمو العالمي
على الرغم من تصاعد التوترات التجارية وارتفاع التكاليف، واصلت التجارة العالمية نموها خلال 2025؛6 إذ تشير البيانات الأولية الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" إلى نموٍ بلغ 7 في المائة,7وهو مستوى يقترب من معدل نمو الاقتصاد العالمي. غير أن الأهم من ذلك ليس حجم النمو فحسب، بل طبيعة مساراته الجديدة؛ فلم تعُد العلاقات التجارية التقليدية المحرك الرئيسي للتوسع التجاري، بل باتت الممرات التي تربط بين الدول المتقاربة سياسيًا واقتصاديًا تستحوذ على النصيب الأكبر من هذا النمو. وتكشف العلاقة التجارية بين الصين والولايات المتحدة حجم هذا التغير؛ فقد تراجعت التجارة بين البلدين بنحو 30 في المائة خلال الفترة بين عامي 2024 و2025، في حين عوّضت الولايات المتحدة نحو ثلثي هذا الانخفاض عبر توسيع تجارتها مع شركاء أكثر قربًا من الناحية الجيوسياسية، في أوروبا وآسيا على وجه التحديد.8 وفي الاتجاه نفسه، أسهم اتفاقٌ تجاريٌ تم التوصل إليه في وقتٍ سابقٍ من هذا العام بين الاتحاد الأوروبي والهند في توسيع فرص النفاذ إلى الأسواق أمام الجانبين وتعزيز الاستثمارات الصناعية، مما يمنح الشركات الأوروبية خياراتٍ أوسع لتنويع سلاسل الإمداد والاستفادة من الممرات التجارية الأسرع نموًا.
عودة النمو إلى قطاع الصناعات الدفاعية
تُعدّ اعتبارات الأمن القومي سببًا رئيسيًا في زيادة إنفاق الحكومات على بناء قدراتها العسكرية وتطوير أنظمة الدفاع والتسليح لديها، وهو ما أدى إلى نموٍ واضح في هذا القطاع. "يُرجى الاطّلاع على العمود الجانبيّ بعنوان "الإنفاق الدفاعي يعود إلى الواجهة". فعلى سبيل المثال، حقق قطاع الصناعات الدفاعية والفضائية في شركة "هانيويل إنترناشونال"، المتخصصة في التقنيات الصناعية وحلول الطيران والدفاع، نموًا سنويًا بلغ 13 في المائة خلال الربع الثاني من 2025,9 بينما أعلنت مجموعة "MBDA" الأوروبية، المتخصصة في تطوير أنظمة الصواريخ، عن حجم طلبياتٍ بلغ 44.4 مليار يورو في 2025، إلى جانب مضاعفة إنتاج الصواريخ خلال الفترة من 2023 حتى نهاية 2025.10 كما اتّجهت شركاتٌ كوريةٌ إلى التوسع في الصناعات العسكرية داخل أوروبا؛ إذ وقّعت شركة "هيونداي روتم"، المتخصصة في تصنيع المعدات الدفاعية والقطارات، عقدًا بقيمة 6.5 مليار دولار لتوريد دباباتٍ من طراز "K2" ومَركبات دعم إلى بولندا.11
ولا تقتصر آثار هذا التوجه على الصناعات الدفاعية وحدها، بل تمتد أيضًا إلى قطاعاتٍ أخرى قريبةٍ منها. فإحدى الشركات الأوروبية العاملة في مجال المنتجات الطبية تتوقع زيادةً في الطلب الحكومي على مستلزمات الرعاية الصحية، خاصةً مع اتجاه المستشفيات إلى زيادة مخزوناتها ورفع جاهزيتها للتعامل مع الأزمات. ويوضح الرئيس التنفيذي للشركة أن الحكومات تسعى إلى تجهيز المستشفيات الجامعية الرئيسية بإمداداتٍ كافية من هذه المنتجات، حتى تكون قادرةً على مواجهة الأزمات دون أن تعاني نقصًا في الاحتياجات الأساسية.
اتساع نطاق التقنيات ذات الاستخدام المزدوج
تعمل دولٌ كثيرة، وفي مقدمتها الصين والولايات المتحدة، على توسيع قائمة المنتجات والتقنيات التي يمكن استخدامها في الأغراض المدنية والعسكرية معًا، ومن ثم إخضاعها لقيودٍ إضافيةٍ على التصدير. ويعكس ذلك توجهًا حكوميًا مبكرًا للتعامل مع تقنياتٍ ناشئة في مجالات التصنيع المتقدم، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، وغيرها من المجالات التي قد تكتسب أهميةً للأمن القومي أو القدرات العسكرية مستقبلًا، حتى إن لم تكن استخداماتها واضحةً بالكامل في الوقت الراهن. وقد حدث أمرٌ مشابه سابقًا مع تقنية الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية، والتي أصبحت اليوم عنصرًا رئيسيًا في صناعة أشباه الموصلات وأنظمة التسليح. فعلى سبيل المثال، وسّع "مكتب الصناعة والأمن" الأمريكي، في يناير 2025، نطاق القيود المفروضة على تصدير بعض نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.12 وفي أبريل من العام نفسه، فرضت "وزارة العدل الأمريكية" ضوابط على بعض المعاملات التي تنطوي على نقل بياناتٍ شخصيةٍ أو حكوميةٍ حساسة، أو إتاحة الوصول إليها.13 في أوروبا، فقد أضاف "قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي" التزاماتٍ جديدة تتعلق بالشفافية، وإدارة المخاطر، والأمن السيبراني، على نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تمتد مخاطرها إلى أنظمةٍ أو مجالاتٍ كاملة.14 ويعني ذلك أن الجهات التنظيمية باتت تتعامل مع منتجات الذكاء الاصطناعي باعتبارها منظومةً مترابطةً تشمل قوة الحوسبة، والبيانات، والبنية التحتية، ومتطلبات الأمن.
سياساتٌ حكوميةٌ لدعم الصناعات الاستراتيجية
مع تشديد القواعد المنظِّمة للتقنيات المتقدمة، اتجهت الحكومات بصورةٍ أكبر إلى وضع سياساتٍ خاصة لدعم الصناعات الاستراتيجية. فخلال الفترة من 2017 حتى 2023، ارتفع عدد الإجراءات المرتبطة بهذه السياسات على مستوى العالم، مثل الدعم المالي والحوافز الضريبية، بنسبةٍ تقارب 390 في المائة. واللافت أن 96 في المائة من إجمالي قيمة الدعم العالمي خلال عامي 2023 و2024 قد تركزت في 13 فئةٍ فقط من المنتجات، من أبرزها المعدات المتقدمة، والصناعات الدفاعية، وأشباه الموصلات.15
تغيُّر بوصلة الاستثمار الأجنبي
شهدت خريطة الاستثمارات الأجنبية المباشرة العابرة للحدود تغيرًا لافتًا منذ 2022؛ إذ اتجه 75 في المائة منها نحو صناعاتٍ استراتيجية، مثل التصنيع المتقدم والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.16 ويُعد ذلك مؤشرًا مهمًا على نمو الأسواق والمناطق التي تتشكل فيها بيئاتٍ مناسبة للتصنيع، من حيث توافر الشركاء والموردين، والقدرات الإنتاجية، والكفاءات المؤهلة لتشغيل المصانع وإدارة الخدمات اللوجستية. وقد دفع هذا الواقع العديد من الشركات إلى إعادة ترتيب مواقعها التصنيعية للاستفادة من هذه المتغيرات. فبحسب تحليل ماكنزي، تُعد قطاعات الإلكترونيات والآلات وأشباه الموصلات الأكثر تأثرًا بضغوط إعادة توزيع الإنتاج.17 ولا يقتصر هذا التحرك على تقليل المخاطر، بل يمكن أن يخفف أيضًا جانبًا كبيرًا من الأعباء المالية الناتجة عن اضطرابات الإمداد؛ فبحسب دراسة حالةٍ لإحدى شركات الصناعات المتقدمة، قد ترفع اضطرابات سلاسل الإمداد تكاليف الإنتاج لديها بما يصل إلى 20 في المائة، في حين يمكن أن تخفف إعادة تنظيم شبكة التوريد ما يصل إلى 15 في المائة من هذه الزيادة18.18
خمس ركائز للنجاح في عصر التجارة الجديد
ومع تصاعد تأثير الجغرافيا السياسية في بيئة الأعمال، ستكون الشركات الأقدر على النجاح هي تلك التي تفهم طبيعة هذه المتغيرات، وتُعيد النظر في مواقع إنتاجها، واستثماراتها، ونماذج أعمالها بما يتناسب مع الواقع الجديد. يُرجى الاطّلاع على العمود الجانبيّ بعنوان "أدوات ماكنزي لفَهم المخاطر الجيوسياسية". ورغم اختلاف طريقة التحرك من شركةٍ إلى أخرى بحسب طبيعة أعمالها وأولوياتها، إلا أن هناك خمس خطواتٍ عملية يمكن أن تساعد الشركات على تعزيز قدرتها التنافسية والاستفادة من الفرص التي تتيحها هذه المرحلة.
تحديد الممرات التجارية ومناطق النمو الواعدة
مع تغيُّر مشهد التجارة العالمية، لم تعُد فرص الاستثمار تتوزع بالتساوي بين الأسواق؛ إذ بات النمو يتركز في أسواقٍ وممراتٍ تجاريةٍ بعينها. لذلك، تحتاج الشركات إلى قراءة هذا المشهد بدقة، لتحديد مواقع النمو الحقيقي، واختيار الأسواق التي تستحق توجيه الاستثمارات إليها أو التوسع فيها. ولتحويل هذه القراءة إلى قراراتٍ عملية، يمكن للقادة التنفيذيين البدء بالخطوات التالية:
-
تحديد الممرات التجارية الأكثر أهمية: ليست جميع ممرات التجارة حول العالم متساويةً من حيث فرص النمو ومستوى المخاطر. فبعضها يُرجّح أن يواصل النمو بقوةٍ مهما اختلفت الظروف الاقتصادية أو التجارية، مثل الممرات المرتبطة بالهند,19 بينما تتطلب ممراتٌ أخرى قدرًا أكبر من الحذر، خصوصًا تلك التي تربط الأسواق الناشئة بالاقتصادات المتقدمة، مثل الممرات بين رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" والولايات المتحدة، أو بين أوروبا وأمريكا اللاتينية. أما الممرات المرتبطة بدولٍ تشهد توتراتٍ أو يحيط بها قدرٌ كبيرٌ من الغموض، مثل الصين أو روسيا، فتحتاج إلى تقييمٍ أدق قبل الاستثمار فيها.
ولا يكفي أن تنظر الشركات إلى حجم النمو المتوقع في كل ممرٍ تجاري، بل عليها أيضًا أن تفهم طبيعة السلع التي تقود هذا النمو. فعلى سبيل المثال، شكّلت السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو ثلث الزيادة في التجارة العالمية خلال 2025، ومن بينها أشباه الموصلات ومعدات مراكز البيانات التي تُصدّرها مراكز التصنيع الآسيوية إلى الولايات المتحدة. ومع اتّساع الطلب على هذه السلع، بدأت آثاره تمتد إلى مواقع الإنتاج ومصادر التوريد؛ فقد عززت الصين دورها كموردٍ للمواد والمكونات المستخدمة في التصنيع، لا سيما لدول "آسيان"، بينما توسعت هذه الدول في استيراد المعدات والمدخلات الإنتاجية، بالتزامن مع زيادة صادراتها من السلع المُصنّعة.20 كما انعكست هذه التحركات أيضًا على قطاع الخدمات اللوجستية، الذي بدأ يوجّه استثماراته نحو الأسواق المرتبطة بالممرات التجارية الجديدة. ومن هذا المنطلق، أعلنت شركة "DHL" استثمار مليار يورو في الهند بحلول 2030، لتعزيز حضورها في سوقٍ من المتوقع لها تحقيق معدلات نموٍ مرتفعة خلال السنوات المقبلة.21
- الاستفادة من فرص النمو التي تفرضها المتغيرات الجيوسياسية: أصبحت التوترات الجيوسياسية عاملًا رئيسيًا في إعادة رسم خريطة الفرص أمام الشركات. فلم تعُد الفرص مرتبطةً بالأسواق التقليدية وحدها، إذ باتت الحكومات تركّز إنفاقها وبرامج دعمها على قطاعاتٍ تراها ضروريةً لأمنها واقتصادها، مثل التكنولوجيا المتقدمة، والدفاع، والرقائق الإلكترونية، والبيانات، فضلًا عن الأمن السيبراني، والحوسبة السحابية المحلية. ومن هنا، فإن دخول الشركات إلى هذه القطاعات، سواء كموردين أو مستثمرين، يمكن أن يفتح أمامها مجالاتٍ جديدةٍ للنمو. كما تستطيع الشركات التي تقدم خدماتٍ أو منتجاتٍ مرتبطةٍ بهذه القطاعات أن تستفيد من ارتفاع الطلب عليها. وفي هذا السياق، يرى أحد الرؤساء التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا أن الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي يتيح فرصًا عديدة لمساعدة المؤسسات على الالتزام بالقواعد التي تضعها كل دولةٍ لتخزين البيانات واستخدامها
- تقليل الاعتماد على الأسواق المهدّدة بالتراجع: تستطيع الشركات أن تحمي إيراداتها بصورةٍ أفضل عندما تعتمد على أسواقٍ متعددة أو طرقٍ تجاريةٍ أقل تأثرًا بالتوترات الجيوسياسية. لذلك، من المهم أن تتابع الشركات حركة الطلب العالمي، وأن توجه استثماراتها نحو الأسواق التي تبدو فيها فرص النمو أوضح وأكثر استقرارًا. وفي هذا الإطار، تحدث الرئيس التنفيذي لإحدى شركات السلع الاستهلاكية العالمية عن استراتيجية شركته قائلًا: "تعتمد استراتيجيتنا على تحديد المناطق التي ترتفع فيها معدلات الطلب، ثم نقوم بتوجيه استثماراتنا إليها". وهو النهج ذاته الذي تتبعه شركة "ريمي كوانترو"، إذ تخطط لتقليل اعتمادها على السوق الصينية، والتركيز بدلًا من ذلك على أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط والهند.22
- إعداد خططٍ عملية واضحة لدخول الأسواق الجديدة: لا يتحقق النجاح في الأسواق الجديدة بمجرد دخولها، بل يتطلب فهمًا أعمق لطبيعة السوق ومتطلباته. ولذلك تحتاج الشركات إلى رؤيةٍ واضحةٍ تحدد الأسواق التي تستهدفها، والآلية التي ستمكّنها من المنافسة فيها، إلى جانب توفير الموارد اللازمة لدعم هذا التوجه على المدى الطويل. كما ينبغي أن تمتلك فِرق العمل القدرة على التحرك السريع واتخاذ القرارات المناسبة كلما تغيرت ظروف السوق. ومن العوامل المهمة أيضًا مواءمة المنتجات والخدمات مع احتياجات العملاء المحليين، سواء من حيث المواصفات أو الأسعار أو مستوى الخدمة، فضلًا عن تكييف أسلوب العمل وقنوات الوصول إلى العملاء بما يتناسب مع خصوصية كل سوق، وهو ما يزيد من فرص تحقيق نتائج ناجحة ومستدامة.
توظيفٌ ذكيٌ لرأس المال
في السابق، كانت تحرص الشركات على أن تكون مواقع مصانعها قريبةً من الأسواق والموردين لتضمن وصول المنتجات والمواد في الوقت المناسب. أما اليوم، فلم يعُد اختيار موقع التصنيع مرتبطًا بالكفاءة أو التكلفة فحسب، بل أصبح من الضروري أن تختار الشركات مواقع تمنحها قدرةً أكبر على التعامل مع الأزمات، وتتيح لها تغيير مسارات الإنتاج أو التوريد عند الحاجة. كما ينبغي أن تضع في حساباتها برامج الدعم والحوافز التي تقدمها الحكومات للقطاعات الصناعية، لأنها قد تؤثر بصورةٍ كبيرة في جدوى الاستثمار وتكلفته. وتتبنّى الشركات الرائدة عددًا من الخطوات لتحقيق ذلك، أهمها:
- اختيار مواقع تصنيع أكثر استقرارًا ومرونة: في ظل التقلبات التي تشهدها التجارة العالمية، أصبحت قدرة الشركة على التحرك وتغيير مسارات الإنتاج عاملًا لا يقل أهميةً عن تكلفة الإنتاج.23 فالشركات التي تمتلك عددًا محدودًا من المصانع تحتاج إلى اختيار مواقع أقل تعرضًا للتوترات الجيوسياسية، حتى لا تتضرر بشكلٍ كبير. أما الشركات متعددة الجنسيات والتي تنتشر مصانعها في مناطق متعددة حول العالم، فيمكنها تحويل هذا الانتشار إلى ميزةٍ تنافسية، شريطة أن تكون قادرةً على نقل الإنتاج من منطقةٍ إلى أخرى، أو تغيير مصدر المنتجات التي ترسلها إلى كل سوقٍ عند الحاجة. وهو ما أقدمت عليه شركة "ليندت آند شبرونغلي"، التي أعادت توجيه إنتاج الشوكولاتة من مصانعها في الولايات المتحدة إلى أوروبا بعد أن فرضت كندا رسومًا جمركيةً على السلع الأمريكية، مما سمح لها بتلبية احتياجات السوق الكندية من مصادر خارج الولايات المتحدة.24 لذلك، يمكن للشركات تعزيز مرونتها من خلال توزيع الإنتاج على أكثر من منطقة، واختيار المواقع التي ترتبط بممراتٍ تجاريةٍ واعدة. كما ينبغي أن تضمن قدرة شبكات الإمداد لديها على تغيير مسارات التوريد، وزيادة الإنتاج أو خفضه في موقعٍ معين إذا اقتضت الضرورة.
- الاستفادة من حوافز التصنيع المتاحة: تقدم الحكومات دعمًا كبيرًا لقطاعاتٍ استراتيجية مثل الصلب والمَركبات الكهربائية، من خلال الحوافز المالية والإعفاءات الضريبية. إلا أن هذه الفرص لا تقتصر على تلك القطاعات فحسب، بل يمكن لقطاعاتٍ أخرى الاستفادة أيضًا من الإعفاءات والحوافز التي تقدمها الحكومات على المستويات المختلفة. وتكتسب هذه الحوافز أهميةً خاصة في المشروعات الصناعية الكبرى التي تحتاج إلى استثماراتٍ ضخمة، لأن الإعفاءات أو التخفيضات الضريبية يمكن أن تزيد من الجدوى الاقتصادية للمشروع وتقلل من تكلفته.25 فعلى سبيل المثال، أعاد القانون الأمريكي الحديث "One Big Beautiful Bill Act"، بعض المزايا الضريبية للأصول والمنشآت الصناعية المستوفية للشروط، مما جعل الاستثمار في التصنيع أقل تكلفةً وأكثر جاذبيةً للشركات.26
القدرة على مواصلة العمل في ظل المتغيرات
من المؤكد أن الانتشار العالمي يمنح الشركات ميزةً مهمة، إذ يساعدها على التعامل مع الاضطرابات وتعديل خطط التوريد والإنتاج بالسرعة اللازمة. لكنه في الوقت نفسه قد يزيد من تعرضها للمخاطر الجيوسياسية. لذلك، تحتاج الشركات إلى تقوية مرونتها التشغيلية عبر الخطوات العملية التالية:
- فَهم مخاطر التوريد وتنويع الموردين: يرى "مارك سيدويل"، مستشار الأمن القومي البريطاني السابق وعضو المجلس الاستشاري الجيوسياسي لـماكنزي، أن أهم ما يمكن أن يفعله الرؤساء التنفيذيون هو معرفة مورديهم. ومع ذلك، تشير البيانات إلى أن 42 في المائة من مسؤولي سلاسل الإمداد حول العالم هم فقط من لديهم معرفةٌ كافية بطبيعة عمل الموردين غير المباشرين، وهي نسبةٌ أقل مما كانت عليه في 2022.27 ولهذا تحرص الشركات الكبرى على متابعة المخاطر التي تهدد كافة حلقات سلسلة التوريد، وليس فقط الموردين المباشرين، خاصةً فيما يتعلق بالمواد الأساسية ومراحل الإنتاج المهمة. كما تعمل على تنويع مصادر التوريد، مع مراقبة أي تطوراتٍ سياسيةٍ أو تجاريةٍ قد تؤثر في حصولها على المواد الأساسية.28 وهو الأمر الذي دفع شركة "مرسيدس-بنز"، لتوقيع اتفاقيةٍ بقيمة 1.5 مليار يورو مع شركة "روك تك ليثيوم" لتأمين إمدادات الليثيوم اللازم لإنتاج بطاريات السيارات.29
- إعداد القوى العاملة للتعامل مع المتغيرات: قد تفرض التطورات الجيوسياسية نقل الموظفين أو إعادة توزيع أدوارهم بصورةٍ مفاجئة، لذلك تحتاج الشركات إلى إعداد كوادر بديلة للوظائف الحيوية، وتدريب الموظفين على أداء أكثر من مهمة، إلى جانب وضع آلياتٍ واضحة لنقلهم بين المواقع والأدوار المختلفة إذا اقتضت الحاجة. كما تتجه بعض الشركات إلى الاستعانة بخبرات موظفيها الحاليين لتدريب العاملين الجُدد وتعظيم الاستفادة من مهاراتهم داخل المنشآت الجديدة. فعندما وسّعت شركة "TSMC"، المتخصصة في تصنيع أشباه الموصلات، عملياتها التصنيعية في أريزونا، استعانت بموظفين من تايوان لنقل خبراتهم إلى العاملين الجدد في الولايات المتحدة.30
- تطوير البنية التقنية والمعلوماتية بما يتناسب مع كل منطقة: أصبحت القرارات التقنية تؤثر بشكلٍ مباشرٍ في قدرة الشركات على مواصلة العمل في فترات الاضطرابات. لذلك، تتجه بعض الشركات إلى استخدام مكوناتٍ قياسيةٍ يسهل توفيرها من أكثر من مصدر، بدلًا من الاعتماد على مكوناتٍ معقدةٍ أو مرتبطةٍ بموردين محددين. وفي المقابل، تركز هذه الشركات على تطوير البرمجيات، لأنها أسهل في التحديث والتوزيع، وأقل تعرضًا للرسوم الجمركية ومشكلات التوريد. كما تعمل شركاتٍ أخرى على تشغيل أنظمتها التقنية داخل الأسواق التي تعمل بها، حتى يسهُل عليها الالتزام بالقواعد التنظيمية التي تفرضها الدولة بشأن البيانات، وتقلل من احتمالات تأثرها بأي قيودٍ تنظيميةٍ مستقبلية.
تعزيز المرونة المؤسسية والاستعداد للمستقبل
تساعد المرونة المؤسسية على اقتناص فرص النمو وتقليل المخاطر، خاصةً في الأسواق الأكثر تأثرًا بالتوترات الجيوسياسية. وهو ما يتطلب تخطيطًا مسبقًا، ودراسةً للسيناريوهات المحتملة، وآلياتٍ واضحة تساعد الشركات على اتخاذ قراراتٍ أسرع وأكثر دقة. ويمكن للقادة البدء بالخطوات التالية:
- تقييم أثر المخاطر الجيوسياسية على المؤسسات: تحتاج المؤسسات الكُبرى إلى تكوين رؤى واضحة لما قد تعنيه التغيرات الجيوسياسية ومدى تأثيرها على الأعمال اليومية والاستثمارات، بدلًا من التعامل معها كأحداثٍ منفصلة. فهذه التغيرات قد تفرض مخاطر جديدة، لكنها قد تتيح أيضًا فرصًا في أسواق أو مسارات توريدٍ مختلفة. لذلك، من المهم أن تمتلك الشركات مؤشراتٍ تساعدها على التحرك بالسرعة المطلوبة عند حدوث أي اضطراب، سواء عبر تعديل مستويات المخزون أو تغيير مصادر التوريد. ولعل أوضح مثالٍ على ذلك قيام شركة "بلومبرغ" باستخدام مؤشراتٍ خاصة لقياس المخاطر الجيوسياسية وتقييم أثرها في الاستثمارات.31
- تطوير الهياكل القانونية للمؤسسات: قد يساعد إنشاء كياناتٍ محليةٍ مستقلة أو مشروعاتٍ مشتركة مع شركاء محليين على إدارة الأعمال بسهولةٍ أكبر، والالتزام بالقوانين المحلية، وتسهيل حركة الأموال. فعلى سبيل المثال، أنشأت إحدى الشركات الزراعية الكُبرى كياناتٍ منفصلةٍ في أسواقها، بهدف تقليل تكلفة العمليات العابرة للحدود وتعقيداتها، وتمكين الفِرق المحلية من التعامل مع التحديات والفرص بشكلٍ فوري.
- إعادة النظر في دور المقر الرئيسي: تدفع التقلبات الجيوسياسية كثيرًا من المؤسسات إلى مراجعة دور المقر الرئيسي. فبعضها يمنح الإدارات المحلية في كل سوق صلاحياتٍ أوسع، حتى تتمكن من الاستجابة السريعة للتغيرات التي تطرأ في أسواقها، خصوصًا فيما يتعلق بالبيانات والتكنولوجيا. وفي المقابل، تحتفظ مؤسساتٌ أخرى بالمركزية، لكنها تعمل على تبسيط آليات اتخاذ القرار، بينما تطوّر مجموعةٌ أخرى من المؤسسات قدراتٍ متخصصة لإدارة الأزمات على مستوى المؤسسة بالكامل.
- تحديد صلاحيات اتخاذ القرار بوضوح: لا تحتمل الشركات التباطؤ في اتخاذ القرار أو تداخل المسؤوليات، خاصةً في أوقات الاضطراب. لذلك، تحتاج إلى تحديد الجهة أو المسؤول الذي يملك صلاحية اتخاذ القرارات المهمة، مثل تعديل حجم الإنتاج، وتغيير مصادر التوريد، وتحويل مسارات التجارة، بالإضافة إلى مراجعة شروط التعامل مع العملاء، وإعادة توجيه رأس المال. كما تحتاج إلى قواعد مسبقة للتعامل مع الحالات الاستثنائية، حتى لا تتعطل القرارات عند تعارض الأولويات التجارية والمالية مع متطلبات سلاسل الإمداد.
- تدريب القادة على التعامل مع المتغيرات: لم يعد تأثير الجغرافيا السياسية مقتصرًا على القرارات الاستراتيجية الكبرى، بل أصبح حاضرًا في القرارات اليومية للشركات، مثل التسعير، والإنتاج، والتوريد، والتوسع في الأسواق. لذلك، بدأت بعض الشركات في تدريب قادتها عبر مواقف عملية وسيناريوهاتٍ واقعية تساعدهم على اتخاذ قراراتٍ سريعة عند تغيُّر الظروف. كما أطلقت بعض الشركات برامج توعية حول الرسوم الجمركية وتغيُّر ممرات التجارة، إلى جانب تعزيز التواصل المنتظم مع الشركاء والجهات التنظيمية في الأسواق المحلية.
- إنشاء وحداتٍ داخلية لمتابعة التطورات الجيوسياسية: تتجه العديد من الشركات إلى تشكيل وحداتٍ داخليةٍ متخصصة لرصد الأحداث الجيوسياسية وتحليل آثارها المحتملة على قرارات العمل. ومع اتساع أثر هذه التوترات في بيئة الأعمال، انتقلت هذه الوحدات من القطاعات الأكثر تعرضًا للمخاطر، مثل الطاقة والدفاع والطيران، إلى قطاعاتٍ أوسع تشمل التكنولوجيا، والنقل، والسلع الاستهلاكية؛ حيث تتولى هذه الوحدات جمع المعلومات من مختلف إدارات الشركة وتحليلها، وتحويلها إلى رؤى عملية تساعد الإدارة على التعامل مع القضايا العاجلة واتخاذ قراراتٍ سريعة عند الضرورة.
- إعداد خططٍ واضحة للتعامل مع الأزمات: وإلى جانب تحديد المسؤوليات وبناء وحدات المتابعة، تحتاج الشركات إلى خططٍ جاهزة للتعامل مع الأزمات فور وقوعها، مثل تغيُّر الرسوم الجمركية، أو تعديل أسعار الصرف، أو تعطل طرقٍ تجاريةٍ هامة. ولا تكمن قيمة هذه الخطط في الاستعداد للأزمات فحسب، بل في تحديد ما ينبغي فعله منذ اللحظة الأولى لوقوعها؛ فحين تكون الإجراءات واضحةً ومتفقًا عليها مسبقًا، تستطيع الشركة التحرك بسرعةٍ أكبر، سواء عبر تغيير مسارات التوريد، أو تأمين مصادر بديلة، أو تضمين العقود بنودًا تسمح بتعديل الأسعار عند فرض رسومٍ جديدة.
الحفاظ على الربحية في بيئةٍ جيوسياسية متقلبة
قد تجد الشركات نفسها أمام زيادةٍ مفاجئةٍ في التكاليف بسبب فرض رسومٍ جمركيةٍ جديدة، أو ارتفاع تكلفة الشحن، أو تغيُّر أسعار العملات. وإذا لم تتحرك بسرعة، فقد تنخفض أرباحها خلال فترةٍ قصيرة. لذلك، تحتاج الشركات إلى سيولةٍ كافية وخططٍ مرنة تساعدها على التحرك فور حدوث الأزمة، كتغيير الموردين، أو الاحتفاظ بمخزونٍ احتياطي، أو توجيه أموالها إلى مجالاتٍ أكثر استقرارًا. ويمكن أن تساعد الإجراءات التالية على تحقيق هذه الأهداف:
- تقليل أثر الرسوم الجمركية: تستطيع الشركات الحد من أثر الرسوم الجمركية من خلال الجمع بين حلولٍ تشغيليةٍ وقانونيةٍ وتجارية؛ إذ يمكنها تغيير مصادر المواد الخام، أو تعديل مسارات الشحن، أو نقل بعض الأنشطة إلى مواقعٍ أخرى. كما يمكنها الاستفادة من الإعفاءات أو الاتفاقيات التجارية المتاحة، إلى جانب إعادة التفاوض مع الموردين، أو رفع الأسعار، أو تغيير تصميم بعض المنتجات لتقليل التكلفة.
- تعديل الأسعار وفق التكاليف الجديدة: عند تحديد الأسعار، تحتاج الشركات إلى قياس أثر الرسوم الجمركية، وتكاليف الشحن، وتقلبات أسعار العملات على كل منتجٍ وفي كل سوق. وبعد ذلك، يمكنها مقارنة وضعها بالمنافسين لتحديد ما إذا كانت ستتحمل هذه التكاليف، أو تنقل جزءًا منها إلى العملاء. كما يمكنها تضمين العقود بنودًا تتيح تعديل الأسعار عند ارتفاع التكاليف، حفاظًا على هوامش أرباحها.
- • الحد من تأثير تغيُّر أسعار العملات: قد يؤدي تغيُّر أسعار العملات إلى رفع تكلفة الاستيراد أو تقليل قيمة المبيعات في بعض الأسواق. لذلك، لا تكتفي بعض الشركات باعتماد أدوات الحماية المالية التقليدية فقط، بل تتبع أيضًا ما يُعرف بـ"التحوط الطبيعي"،32 أي محاولة موازنة الإيرادات والتكاليف بالعملة نفسها قدر الإمكان، إلى جانب التعامل بأكثر من عملةٍ وتقليل الاعتماد على عملةٍ واحدة. ويتطلب ذلك تكوين فِرقٍ ماليةٍ قادرة على متابعة أسعار الصرف وقرارات البنوك المركزية، خاصةً في الأسواق والممرات التجارية الرئيسية.
وفي الواقع، يدخل قادة الأعمال اليوم مرحلةً لم تعُد فيها التغيرات الجيوسياسية حدثًا طارئًا يمكن تجاوزه بالانتظار، فقد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من المشهد الاقتصادي العالمي. ومن هنا، يدعو "إيفان دوكي ماركيز"، الرئيس السابق لكولومبيا وعضو المجلس الاستشاري الجيوسياسي لـماكنزي، الرؤساء التنفيذيين إلى مراجعة افتراضاتهم وخططهم بشكلٍ مستمر، حتى تظل قراراتهم متصلةً بالواقع، لا محكومةً بقواعد تجاوزها الزمن. فالتجارة العالمية ما زالت في مرحلة النمو، لكنها تتحرك في بيئةٍ متقلبة، وتميل بدرجةٍ أكبر نحو ممراتٍ تجاريةٍ وقطاعاتٍ محددة. ومع هذا الواقع الجديد، لن تتقدم الشركات بمجرد قدرتها على الصمود، بل بقدرتها على إعادة توجيه استثماراتها، ومراجعة سلاسل توريدها، وتطوير هياكلها المالية والقانونية ونماذج أعمالها وتقنياتها، كي تكون أكثر استعدادًا لقيادة المرحلة المقبلة.