تجارة التجزئة في الشرق الأوسط: كيفية استعادة النمو المربح

تجارة التجزئة في الشرق الأوسط: كيفية استعادة النمو المربح

تطبيق مجموعة من التغيّرات الهيكلية الرئيسية سيرغم تجار التجزئة إلى تحويل أعمالهم من الناحيتين التجارية والتشغيلية

على مدى أكثر من خمسة عشر عاما الماضية استفاد تجّار التجزئة في منطقة الشرق الأوسط من بيئة الاقتصاد الكلي الإيجابية التي مكنتهم من ممارسة أعمالهم بنجاح، لا سيما أولئك العاملين في دول مجلس التعاون الخليجي. إذ حققوا بفضلها أرباحًا وعائداتٍ تتجاوز المعدل العالمي لهذا القطاع في فئات تجارية مختلفة مثل البِقالة والملابس والإلكترونيات. ولكن التغيّرات الهيكلية التي يشهدها العالم كان لها أثر سلبي على إيراداتهم وأرباحهم، إذ كان للانخفاض الأخير في أسعار النفط وعدم الاستقرار الجغرافي والسياسي والتطوّر المتزايد للتكنولوجيا الرقمية تأثير كبير على الحكومات والمستهلكين والشركات في الشرق الأوسط. ولم يسلم تجّار التجزئة بدورهم من أثر هذه التغيّرات؛ ففي كل فئة من فئات تجارة التجزئة، تراجع نمو السوق تراجعًا كبيرًا على الرغم من تقلّص هوامش أرباح تجار التجزئة. 

ولكي يتكيّف تجار التجزئة مع هذه التغيّرات الهيكلية التي أصبحت «الوضع الطبيعي الجديد» في الشرق الأوسط، يجب عليهم أن يتخذوا إجراءات تحولية على الصعيدين التجاري والتشغيلي. ولكن من الناحية الإيجابية، لم ينفذ تجّار التجزئة في دول مجلس التعاون الخليجي حتى الآن عدد كبير من الآليات التي أثبت فعاليتها مع تجّار التجزئة في أجزاء أخرى من العالم. وفي هذه المقالة، سنناقش ثلاث من هذه الآليات التي يُمكنها أن تعزّز الأداء المالي لتجار التجزئة على نحو أسرع. كما يحتمل أن يسهم أثرها عن ارتفاع في المبيعات بقيمة تتراوح ما بين 15% إلى 20%، وزيادة في الأرباح ما بين 5% إلى 10%.

سنوات نمو أعلى من المتوسط

حقّق تجّار التجزئة ما بين عامي 2011 و2015 في دول مجلس التعاون الخليجي معدلات نمو أعلى من المتوسط في الإيرادات والهوامش والعائدات (كما يُوضح الشكل 1). ويرجع أحد أسباب هذا الأداء المالي العالي إلى إمكانية فرض أسعار أعلى على المنتجات، لا سيما أن المستهلكين في المنطقة كانوا مستعدين لإنفاق دخلهم المتاح المتنامي على شراء السلع، والذي كان يتزايد بمعدل ضعفين إلى ثلاثة أضعاف عن المعدل العالمي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن نسبة كبيرة من الأسر الغنية تعيش في بعض دول مجلس التعاون الخليجي. وقد أدت مستويات الإنفاق المرتفعة في قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة إلى إحداث أقوى فترة نمو شهدتها منطقة الشرق الأوسط.

Retailing in the Middle East

يرجع السبب الثاني لفترة الازدهار التي شهدها تجّار التجزئة في المنطقة إلى محدودية المنافسة نظرًا للقوانين والأنظمة الإيجابية التي تشجع الشركات المحلية وتمنع المنافسين الأجانب من دخول السوق، كالرسوم الجمركية المفروضة على الاستيراد وقوانين الملكية المحلية. بالإضافة لذلك، فإن مدخلات القطاع الزهيدة، بما فيها العمالة الوافدة منخفضة التكلفة وخدمات المرافق العامة المدعومة لحد كبير، تُقلّل من التكاليف على تجّار التجزئة في المنطقة. إذ يشكل العمّال الأجانب، الذين تقل أجورهم عادةً عن أجور العمّال المحليين بنسبة 50%، أكثر من نصف القوى العاملة في المملكة العربية السعودية وأكثر من 70% في قطر والإمارات العربية المتحدة. ومن ناحية أخرى، انخفضت أسعار الكهرباء والبترول الثابتة في المنطقة عن بقية دول العالم بنسبة تصل إلى 95%. كما دعمت الحكومة تجّار المنطقة بأشكال أخرى، مثل الإعفاء من الضرائب أو فرض نسبة منخفضة منها على الشركات، ورسوم الجمارك، وضرائب القيمة المضافة، ومناطق التجارة الحرة التي تُقدم حوافز ضريبية للشركات واستثناءات على رسوم الاستيراد.

وخلال هذه الفترة، قدم تجّار التجزئة في دول الخليج العربي حلولًا تسوّقية مبتكرة بافتتاحهم مراكز تجارية ضخمة غدت وجهات تسوق يُفضلها المستهلكون، حيث أطلقوا مفاهيم جديدة لتجارة التجزئة (ومن أمثلتها متجر الأطفال الفاخر "ليفل كيدز" الذي يجمع بين أفخر العلامات التجارية العالمية مع خدمات مخصّصة مثل نادٍ صحي وخدمة الاستقبال، وكافيه بتيل، وهو متجر ومطعم للذواقة). وأسس تجار التجزئة في المنطقة أيضًا سلسلة متاجر تمتاز بإدارة فعّالة لمجموعة من العلامات التجارية العالمية الشهيرة في المنطقة، في حين استثمر بعضهم في قدرات أخرى مثل تطوير القيادة (التي تُركّز على المواهب).

كيف تغيّرت الأحوال؟

يجد تجّار التجزئة أنفسهم اليوم في بيئة أعمال مختلفة تمامًا خصوصًا مع انخفاض أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها منذ 13 عامًا وتفاقم المخاطر الجيوسياسية المحيطة بهم. لجأت الحكومات، التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الإيرادات النفطية في المنطقة، إلى تنفيذ سياسات التقشف وإجراء تغييرات كبيرة على سياستها المالية، مثل فرض ضريبة القيمة المضاعفة بنسبة 5% وضرائب جديدة على المنتجات المضرّة (بنسبة 100% على منتجات التبغ ومشروبات الطاقة، و50% على المرطبات والمشروبات غير الكحولية)، بما يُقلّل من الدعم الحكومي للطاقة والمرافق العامة، وبالتالي رفع الأسعار بما يزيد عن 20% في شتى دول الشرق الأوسط، وصولًا إلى تخفيض النفقات الرأسمالية. فعلى سبيل المثال، خفضت المملكة العربية السعودية ميزانيتها بقيمة 65 مليار دولار أمريكي من خلال إلغاء أو تقليل أو تأجيل مشاريع كانت قد خططت لتنفيذها.

وفي نفس الوقت، تشهد تكاليف تجّار التجزئة ارتفاعًا يعزى جزئيًا إلى القوانين الجديدة حول توطين الوظائف، وتكاليف خدمات المرافق العامة المُسعّرة حسب السوق، والتدابير الضريبية المقترحة. فرضت المملكة العربية السعودية أيضًا رسومًا أعلى على تأشيرات دخول الوافدين وأصدرت قوانين جديدة تفرض على تجّار التجزئة تعيين مواطنين سعوديين في حوالي 1.5 مليون وظيفة في هذا القطاع. وبناءً على ذلك، من المتوقع أن ترتفع أسعار العمالة لنسبة قد تصل إلى 15%، وأن ينخفض الدعم الحكومي على الخدمات العامة مثل الطاقة والكهرباء والوقود والمياه بنسبة تتراوح ما بين 15% إلى 20%.

ومن ناحية أخرى، شهد حجم إنفاق المستهلكين انخفاضًا ملموسًا وزيادة مساعيهم للادخار نظرًا لركود دخلهم الحقيقي المتاح (كما يُوضح الشكل 2). إذ يُشير استبيان ثقة المستهلك الذي أجرته شركة ماكنزي مؤخرًا أن ثلاثة من كل أربعة مستهلكين في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة يشعرون بالقلق إزاء احتمالية خسارتهم لوظائفهم، حيث أفصح نصف المستهلكين تقريبًا أنهم يؤخرون مشترياتهم، وقال أكثر من ثلثهم أنهم يعيشون على الراتب دون إمكانية ادخار أي شيء منه.

Retailing in the Middle East

علاوةً على ذلك، تتزايد حدة المنافسة في المتاجر الفعلية والإلكترونية على حدٍ سواء. إذ ازدادت مساحة التجزئة بالقدم المربع للفرد الواحد وانخفضت إنتاجية القطاع العقاري، وبات أثر المنصات الإلكترونية مثل (أمازون) و(علي بابا) ملموسًا في الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال، استحوذت شركة أمازون مؤخرًا على موقع souq.com،وهي تُعتبر الشركة الرائدة في مجال التجارة الإلكترونية في المنطقة.

يؤثر هذا الوضع الجديد السائد في المنطقة بشكل سلبي على صافي الأرباح والإيرادات الإجمالية لتجّار التجزئة. وبناءً على ذلك، فمن المتوقع أن يستمر تباطؤ نمو السوق خلال عام 2018 كأقل تقدير، لأن تقديرات مبيعات البِقالة، مثلًا، تتراوح ما بين 2% إلى 5% في عام 2018 وهي أدنى بكثير مما حققته في عام 2015 بنسبة تجاوزت 8%. ومن المتوقع أيضًا أن يشهد قطاعا الملابس والإلكترونيات انخفاضًا في النمو في مختلف دول المنطقة. وفيما يتعلق بالربحية، قد يشهد تجّار البِقالة والإلكترونيات انخفاضًا في هوامش الربحية قبل الفوائد والضريبة والاستهلاك وإطفاء الدين بنسبة تتراوح ما بين 3% إلى 5%، بينما يشهد تجّار الملابس هبوطًا يتراوح ما بين 7% إلى 10%.

الخطوة المطلوبة الآن: تحوّل تجاري وتشغيلي

تتطلب هذه التغيّرات الهيكلية من تجار التجزئة اتخاذ إجراءات حاسمة على الصعيدين التجاري والتشغيلي، ومن حسن الحظّ أنه ما يزال هناك الكثير من الإمكانات غير المستغلة في هذا الصدد، فمن الواضح حاليًا أن تجّار التجزئة في دول مجلس التعاون الخليجي لا يواكبون نظرائهم الدوليين من حيث إنتاجية القوى العاملة وتحديث آليات التجارة (كما يُوضح الشكل 3). فعلى سبيل المثال، تبلغ نسبة الفجوة بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، 66% من حيث إنتاجية العمالة في تجارة البيع بالتجزئة والجملة. وعلى الرغم من أن التجارة المعاصرة تُمثّل أكثر من 80% من مبيعات البِقالة في الإمارات العربية المتحدة، إلا أن هذه النسبة تتجاوز قليلا 50% في المملكة العربية السعودية وفي المنطقة ككل.

Retailing in the Middle East

ما يعني أن تجّار التجزئة في الشرق الأوسط يملكون مجالًا أكبر لاتخاذ مجموعة واسعة ومختلفة من آليات التحسين التجارية والتشغيلية. وبحسب خبرتنا، يُمكن للآليات التي تعالج واحدة أو أكثر من أولويات التحوّل المحورية أن تكون مؤثرة للغاية، لا سيما تطوير مقترح قيمة مُميّز والبحث عن أفضلية استراتيجية في مجال وظيفي مُعيّن واستهداف مصادر قيمة فورية.

تطوير مقترح قيمة مُميّز للعملاء

نظرًا لاشتداد حدة المنافسة والتغيّرات في ثقة المستهلكين، يجب على تجّار التجزئة في الشرق الأوسط أن يُطوروا عروضًا تُركز على احتياجات العملاء وتجعلهم يتميزون عن غيرهم. لذلك تُعد معرفة احتياجات العميل بشكل واسع متطلبًا أساسيًا لإيجاد طريقة تصنيف المنتجات تركز على العملاء، ووضع آلية تسعير مستهدفة ودقيقة ونموذج جاذب من العروض الترويجية، وخدمات سلسة متعددة القنوات.

مثال لتحليل متعمق حول آليات التحسين: يُعد تصنيف المنتجات القائمة على العملاء أحد العناصر الرئيسية في أي مقترح قيمة مُميّز مُوجّه للمستهلكين. فكثيرًا ما يقوم تجّار التجزئة باتخاذ قرارات تصنيفية للمنتجات قائمة على المُورّد، أي أنهم يعرضون المنتجات والعلامات التجارية التي تقدمها شركات التوريد المفضلة لديهم أو التي يبيعها الموُرّد بأفضل الأسعار. ينبغي على تجّار التجزئة بدلًا من ذلك أن يفهموا كيف يقرر المستهلك بشأن المنتجات التي يرغب بشرائها، وتحديد المنتجات التي يعتبرها بدائل، وما هي العوامل التي تهمه عند شراء منتجات محددة. ويُمكن استنتاج مثل هذه الرؤى المتعلقة بالمستهلك من خلال إجراء أبحاث السوق، واستخراج البيانات من بطاقات الولاء، واستخدام أدوات التحليلات التنبؤية. إذ ستوفّر هذه الرؤى معلومات تُفيد وتُحسّن طريقة تصنيف المنتجات في كل متجر لضمان تلبية كامل احتياجات المستهلكين المحليين.

يُذكر أن أحد تجّار بيع منتجات البِقالة بالتجزئة نفذَّ عملية تحسين شاملة لتصنيف المنتجات، إذ أزال وحدات التخزين التعريفية للسلع الضعيفة أو المكررة في كل فئة وأضاف وحدات تخزين تعريفية ذات إمكانيات عالية جديدة بما يُلبي احتياجات المستهلكين. كما استخدم التاجر أحد حلول البيانات الضخمة المبتكرة كجزء من إجراءاته الجديدة، مما أثمر عن توفير رؤى دورية حول سلوكيات المستهلك. فكان الأثر الناتج عن هذه الآليات أن ارتفعت المبيعات بنسبة 11% من خلال إعادة تخصيص المساحة وإنشاء قوائم أفضل لوحدة التخزين التعريفي، بالإضافة إلى زيادة هامش الربحية بنسبة 2%.

إنشاء ميزة استراتيجية من خلال التميّز بثلاث وظائف أساسية في المرحلة المقبلة: إدارة المواهب، والقدرات الرقمية والتحليلية، والاستعانة بمصادر استراتيجية

يُمكن استعادة النمو المربح في الشرق الأوسط كذلك من خلال التفوق على المنافسين في مجال وظيفي واحد أو أكثر، وسيعتمد تحديده أو تحديد المجالات المختلفة بشكل كبير على المشهد التنافسي. فمثلًا ما هي الوظائف التي عادةً يُهملها أو لا يستثمر فيها المنافسون كثيرًا؟ ما هي الوظائف التي ستُميّز الشركة عن منافسيها؟ ما هي الوظائف التي تحمل إمكانيات أوسع؟ قد يُقرر تجّار التجزئة في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، اتخاذ خطوات جريئة في توظيف أبرز المواهب البشرية والاحتفاظ بها، أو في بناء القدرات الرقمية والتحليلية، أو الاستعانة بمصادر استراتيجية وإدارة المُورّدين.

مثال لتحليل متعمق حول آليات التحسين: تكمن إحدى آليات التحسين ذات الأثر الكبير ضمن المصادر الاستراتيجية في المفاوضات مع المُورّد التي يمكن أن تخفض تكلفة البضاعة المباعة أو تزيد هامش الربحية بما يصل إلى 3%، ومن ثم إعادة استثمارها في مبادرات الابتكار والنمو. يقوم تجّار التجزئة الذين يطبقون أفضل الممارسات التجارية بإعداد سجّلات شاملة حسب التاجر وفئة المنتج تحتوي على ملفات تفصيلية حول التاجر، وبيانات المبيعات وهامش الربحية، والخصومات، وتحليلات بشأن أداء التاجر، وتتيح لهم بناء مجموعة واسعة من «المطالب» وتشكيل آراء قائمة على الأداء. تُوفّر هذه السجلات أيضًا شفافية حول السعر الترويجي وأداء التسعير وتمويل التاجر صاحب العلاقة. وعليه يستثمر أكبر تجّار التجزئة في بيانات المستهلك والتحليلات المتقدمة حتى يكونوا مستعدين للرد على ادعاءات المُورّدين حول أهمية العلامات التجارية ودورها. كما أنهم يحرصون على بناء القدرات التفاوضية لدى المشترين ومدراء فئات المنتجات من خلال عمليات الاعتماد والتدريب المُكثّف والتوجيه المتخصص المتكرر.

التركيز على مصادر القيمة الفورية. يحرص تجّار التجزئة على إعادة ضبط نموذج أعمالهم للتأقلم مع الوضع الجديد في القطاع

تُعتبر المكاسب السريعة في هذه البيئة التجارية المليئة بالتحديات مهمة جدًا للحفاظ على الروح المعنوية للشركة وبناء زخمها التجاري، ويقصد بالمكاسب السريعة الآليات التي يُمكن أن تحقق فارقًا جوهريًا في صافي أرباح تجّار التجزئة وإيراداتهم الإجمالية خلال فترة لا تزيد عن ثلاثة إلى ستة أشهر. وتتمثل بعض آليات التحسين التشغيلية التي يُمكنها أن تحقق مكاسب سريعة في إدارة رأس المال العامل وتحسين نفقات البيع والتكاليف العامة والإدارية والعمليات الرشيقة للمتاجر.

مثال لتحليل متعمق حول آليات التحسين: وجد بعض تجّار التجزئة أن تحسين كفاءة الإنفاق التسويقي يُشكل مصدر قيمة فوري، فهذه الخطوة لا تُقلّل فقط من نفقات البيع والتكاليف العامة والإدارية، بل تُساعد كذلك في زيادة المبيعات وتوطيد العلاقات مع العملاء. علمًا أن أكبر تجّار التجزئة يقومون بالآتي:

إعادة تخصيص قيمة الإنفاق وتوجيهه للعلامات التجارية والقنوات ذات الأهمية الاستراتيجية. يعمد تجّار التجزئة إلى تخصيص الجزء الأكبر من ميزانيتهم التسويقية للعلامات التجارية الأشهر والأقدم أو القنوات التي لطالما استثمروا فيها بدلًا من الاستثمار في علامات تجارية جديدة وذات نمو مرتفع و قنوات رقمية جديدة. عوضًا عن ذلك، عليهم مراجعة طريقة إنفاقهم بانتظام وإعادة تخصيص ميزانيتهم التسويقية لتتماشى مع الأهمية الاستراتيجية لكل علامة تجارية وقناة رقمية.

التركيز على «الإنفاق التشغيلي». يُشير الإنفاق التشغيلي إلى كلّ الميزانيات التسويقية المُستخدمة لشراء مدة أو مساحة إعلامية، بما فيها الإعلان عبر وسائل الإعلام التقليدية (كالإذاعة والتلفزيون) والإعلان عبر وسائل أخرى (مثل المطبوعات، والأخبار الصحفية، ومحركات البحث، إلخ.)، بينما يشمل الإنفاق غير التشغيلي كافة النفقات التسويقية المُستخدمة لابتكار الإعلان نفسه مثل الرسوم الإبداعية. وتحرص الشركات المتميّزة ألّا يتجاوز إنفاقها غير التشغيلي عن نسبة 20% من إجمالي إنفاقها التسويقي. وانطلاقًا من ذلك، ينبغي على تجّار التجزئة إعادة تقييم التنوع التسويقي وتحويل جزء أكبر من ميزانيتهم نحو الإنفاق التشغيلي الذي يؤثر تأثيرًا مباشرًا على مدى وصول منتجاتهم إلى المستهلكين.

تحسين الإنفاق على المشتريات. أخيرًا، تتابع الشركات الرائدة مشترياتها لخدمات التسويق وتُراجعها، إذ تُعيد التفاوض بشأن عقود الوكالة وتجمع الحسابات المشتتة مع الوكالات التي تُقدم خدمات مماثلة، الأمر الذي يحد من إنفاقها ويُعزّز من قدرتها على المساومة والتفاوض.

كانت إحدى شركات الإلكترونيات التي تُقدر ميزانيتها بمليارات الدولارات تُخصص معظم إنفاقها الإعلامي على المنشورات الصحفية والتلفزيون، فشهدت الشركة انخفاضًا في حركتها التجارية على الرغم من تحقيقها نسبة فوق المتوسط في مبيعات الإعلانات. إلا أنها نجحت، بمساعدة نموذج مُحدد من التنوع الإعلامي، في تخفيض إنفاقها التاريخي الضعيف وزادت من إنفاقها الرقمي، خصوصًا على الإعلان المدفوع في محرّكات البحث، مما أثمر عن زيادة عائد الاستثمار الذي تنفقه على الإعلان البحثي المدفوع بنسبة تزيد عن 20% ونمت المبيعات بأكثر من 40 مليون دولار أمريكي على الرغم من تخفيض الشركة لإجمالي ميزانيتها التسويقية بنسبة 15%.

مسار التنفيذ

استنادًا إلى مدى ضرورة التغيير، يُمكن لتجّار التجزئة تبني نماذج تنفيذ مختلفة والعمل بها بسرعات متفاوتة. وقد ينظر تجّار التجزئة الذين يحققون أداءً فوق المتوسط في تنفيذ مجموعة من الإجراءات المستهدفة عبر مراحل متوالية ومحسوبة بعناية، على أن تتراوح مدة كل واحدة منها من ثلاثة إلى ستة أشهر بدءًا من المكاسب السريعة. وعليهم الاستفادة من الهياكل والأنظمة القائمة وتحسينها بدلًا من البدء من نقطة الصفر، كما ينبغي أن يُركزوا على بناء القدرات خلال مرحلة التنفيذ من أجل ضمان تحقيق تغيير مستدام.

أما بخصوص تجّار التجزئة الذين يحققون إيرادات إجمالية ضئيلة، فإن الحاجة لاتخاذ الإجراءات اللازمة تُعد أكثر إلحاحًا لحل هذه المسألة، والتي قد تتطلب تحوّل تنظيمي على نطاق كامل خلال مدة تتراوح ما بين 12 إلى 18 شهرًا يتخللها إجراء آليات تحسين متعددة. كما سيتولى مكتب التحوّل الإشراف على البرنامج وسيكون لكل مبادرة شخص مسؤول عنها.

يجدر الذكر أننا حققنا أثرًا كبيرًا في العديد من المبادرات التجارية والتشغيلية خلال المشاريع التي أشرفنا عليها مؤخرًا في المنطقة، بما في ذلك تحسين تكلفة البضاعة المباعة بنسبة 3% إلى 5% من خلال إجراء مفاوضات قائمة على الأدلة والبراهين مع المُورّدين، وزيادة المبيعات بنسبة 8% إلى 10% من خلال تحسين طريقة ترتيب المنتجات، وتحسين نفقات البيع والتكاليف العامة والإدارية بنسبة 20% إلى 30% في دول متعددة ...


في خضم هذا «الوضع الطبيعي الجديد» الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط حاليًا، لن يُحقق تجّار التجزئة الذي يُمارسون أنشطتهم وفق نهج الأعمال التقليدية سوى نموًا متواضعًا وربحية متدنية، بالتالي يجب على الشركات أن تنفذ تغييرات تجارية وتشغيلية في أعمالها لتفوز في هذه البيئة الصعبة. وبلا شك آن الآون لاتخاذ خطوات ملموسة في هذا المجال.

نبذة عن الكتّاب

عبدالله افتاحي شريك مساعد في مكتب ماكنزي الشرق الأوسط، وجيما دوريا وطارق منصور شريكان في مكتب ماكنزي في الشرق الأوسط، وبيتر بريور شريك رئيسي في ألمانيا.

يشكر المؤلفون لستوتي خيتان ومين كيونغ يون ومحمد مطر على مساهماتهم في هذه المقالة.

حقوق التأليف والنشر لدى شركة ماكنزي آند كومباني 2017. جميع الحقوق محفوظة.