الذكاء الاصطناعي ومنعطف القرار: هل مجالس الإدارة جاهزة؟

| مقابلة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

لم يَعُد الذكاء الاصطناعي، بمختلف فروعه من نماذج التعلّم الآلي إلى الوكلاء الذكيين، مجرّد موجة تقنية عابرة؛ بل تحوّل إلى قوة شاملة تمتد إلى كل قطاع ووظيفة ودور داخل المؤسسات، حاملةً معها إمكانات واسعة لإعادة تشكيل أساليب التنافس، وأنماط التشغيل، ومسارات النمو. ومع دخول تريليونات الدولارات المحتملة ضمن دائرة التأثير، وما يرافق ذلك من تداعيات قد تؤثر في استمرارية الشركات وقدرتها على الصمود، بات الذكاء الاصطناعي أقرب إلى منعطف مفصلي منه إلى ظاهرة قصيرة المدى، وهو ما يفسّر تحوّله إلى أولوية على مستوى مجالس الإدارة.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

ورغم أن أكثر من 88% من المؤسسات حول العالم باتت تستخدم الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل1، فإن الإشراف المؤسسي لم يواكب بعد هذا التوسع. فمع أن الاهتمام العالمي بلغ ذروته بعد انتشار "تشات جي بي تي"، لم تعلن سوى 39% من شركات "فورتشن 100" عن وجود أي شكل من أشكال الرقابة على أنشطة الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة الحوكمة لديها؛ سواء عبر لجان متخصصة، أو أعضاء يمتلكون خبرة تقنية، أو من خلال إنشاء مجالس مكرّسة لمراجعة الأبعاد الأخلاقية والتنظيمية لهذا المجال2.

وتكشف التقارير الدولية عن واقع أدقّ: 66% من أعضاء مجالس الإدارة يؤكدون أن مجالسهم تفتقر للمعرفة أو التجربة الكافية في هذا المجال، فيما يشير واحد من كل ثلاثة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يحضر أصلًا على جداول الاجتماعات.3

وقد يبدو بطء المجالس الإدارية في تبنّي الذكاء الاصطناعي مفهومًا عند النظر إلى الاستثمارات الكبيرة التي أنفقتها الشركات مقابل عوائد تشغيلية متواضعة. فحتى الآن، لم تحقق أغلب المؤسسات طفرة ملموسة في الأداء، واقتصرت المكاسب على خفض محدود في التكاليف أو نمو بسيط في الإيرادات4.

لكن التجربة العملية تشير أن معظم الإخفاقات التي ترافق مبادرات الذكاء الاصطناعي — من غياب الاتساق الاستراتيجي إلى نعدام رؤية واضحة للعائد الاقتصادي الذي يفترض أن تحققه— ترتبط مباشرة بالمساحات التي يتعين على مجالس الإدارة سدّها. فالمجلس، هو الجهة الأقدر على تصحيح مسار مبادرات الذكاء الاصطناعي وإعادة توجيهها لضمان تحقيق قيمة حقيقية.

ويستند هذا الدور إلى ضرورة بناء فهم راسخ لتأثيرات الذكاء الاصطناعي على الأعمال، إيجابًا وسلبًا. فالمطلوب ليس الإلمام بالتقنيات ذاتها، بل فهم الذكاء الاصطناعي بوصفه محركًا يعيد تشكيل قواعد المنافسة، وقد يفتح أبوابًا جديدة أمام الشركة أو يهدد خطوط منتجات قائمة لظهور بدائل أذكى. وحين يستوعب مجلس الإدارة كيف يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تعيد تشكيل سلسلة القيمة أو تفتح آفاقًا جديدة للتوسع في أسواق غير مطروقة، يصبح قادرًا على توجيه المؤسسة بثقة وسط هذا التحوّل المتسارع.

وتدعم الدراسات الحديثة هذا الطرح؛ إذ تشير أبحاث معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا "MIT " لعام 2025 إلى أن المؤسسات التي تضم مجالس ذات خبرة رقمية ومعرفة فعّالة بالذكاء الاصطناعي تتفوق على نظيراتها بـ10.9 نقطة مئوية في العائد على حقوق الملكية، بينما تتراجع المؤسسات التي تغيب عنها هذه الخبرات بنسبة 3.8% عن متوسط القطاع.5

ويبقى السؤال الأكبر: كيف يجب أن يتصرف مجلس الإدارة في مواجهة هذا التحول؟ إن حجم الدور المطلوب يتحدد بقدر ما يؤثر الذكاء الاصطناعي في أعمال الشركة وديناميكيات قطاعها، وبحجم المخاطر والفرص التي يخلقها. وهنا، يصبح نهج الشركة في تبنّي الذكاء الاصطناعي ركيزة حاسمة تحدد شكل الحوكمة وعمق الإشراف اللازم من مجلس الإدارة.

ولفهم هذا الدور على نحو أوضح، استندت تحليلاتنا إلى مقابلات مع أعضاء 75 مجلس إدارة عبر قطاعات مختلفة، إلى جانب نتائج "الاستطلاع العالمي لمستوى تبنّي الذكاء الاصطناعي" الصادر عن ماكنزي، الذي عكس آراء آلاف المدراء التنفيذيين حول العالم.6

يكشف التحليل عن أولويتين جوهريتين ينبغي لمجالس الإدارة التركيز عليهما:

  • تتمثل الأولى في تحديد النهج الذي تتبعه الشركة في تبنّي الذكاء الاصطناعي، إذ ما زالت أغلب المؤسسات تفتقر إلى رؤية واضحة حول موقع هذه التقنية ضمن استراتيجياتها وخطط تحولها. ومن دون انسجام بين المجلس والإدارة التنفيذية، يصبح الإشراف إمّا شكليًا لا يضيف قيمة، أو معيقًا لاتخاذ القرارات.
  • أما الأولوية الثانية، فهي مواءمة نماذج الحوكمة مع هذا النهج، بحيث يحدد المجلس مستوى انخراطه، وما ينبغي الإشراف عليه، ورسم إيقاع المتابعة بما يضمن فاعلية الحوكمة واتساقها مع التوجّه الاستراتيجي.

ويستعرض هذا المقال كيفية تعامل المجالس مع هاتين الأولويتين، ويطرح في الوقت نفسه ستة مسارات في الحوكمة ينبغي لكل مجلس إداري أخذها بعين الاعتبار.

تحديد نهج الشركة في الذكاء الاصطناعي

يمثّل نهج الشركة تجاه الذكاء الاصطناعي إطارًا يوضّح كيف تتقاطع هذه التقنية مع طموح المؤسسة وأولوياتها الاستراتيجية. فالشركات لا تتبنّى الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها، ولا يُفترض بها ذلك أصلًا. غير أن وضوح الأثر المحتمل للذكاء الاصطناعي على أعمال الشركة يزوّد المجلس والإدارة بقاعدة أكثر صلابة لاتخاذ قرارات استراتيجية، ورقابية، واستثمارية.

ويُقاس هذا النهج عبر بُعدين استراتيجيين رئيسيين:

  • مصدر القيمة: هل سيساعد الذكاء الاصطناعي الشركة في تجاوز نموذجها التقليدي نحو منتجات وتجارب وإيرادات جديدة؟ أم أن قيمته ستظهر عبر تحسين النموذج التشغيلي الحالي وتعظيم كفاءته الداخلية؟
  • درجة التبنّي: هل سيتم دمج الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسة ككل، أم تطبيقه في حالات استخدام محددة؟

ويتحدد نهج ووضع الشركة في الذكاء الاصطناعي بحسب موقعها على هذين البُعدين"انظر الشكل أدناه". وليس المطلوب من الشركة أن تلتزم بشكل دقيق بقالب ثابت لنمط استراتيجي مُعين، بل يجب عليها الالتزام بالنمط الذي يتناسب مع أهدافها المستقبلية. وفي الغالب، لا تنتمي الشركات إلى نمط واحد بالكامل، بل تجمع بين أكثر من نمط استراتيجي، خصوصًا الشركات الكبيرة التي تختلف فيها توجهات الوحدات والوظائف الداخلية.

ورغم ذلك، يظل الأهم أن تتوافق مجالس الإدارة على رؤية واضحة لطموح الشركة، ولحجم الفرص والمخاطر المرتبطة به، بحيث تُضبط على أساسه ممارسات الحوكمة. ومع تراكم الخبرة الرقمية في المؤسسة، يمكن تعديل هذا النهج بما يواكب التطور.

وتتوزع هذه التوجهات ضمن أربعة أنماط رئيسية، هي:

  • الشركات الرائدة: تضع هذه المؤسسات الذكاء الاصطناعي في قلب استراتيجيتها، وتستخدمه لابتكار عروض جديدة وإعادة تشكيل المشهد التنافسي. فعلى سبيل المثال، قد تنتقل شركة أجهزة طبية من بيع المعدات إلى تقديم أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل صور الأشعة والتوصية بالعلاج، متحوّلة من مصنع إلى مزوّد حلول صحية.
  • شركات التحوّل الداخلي: في هذا النمط، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى العمود الفقري للعمليات، معيدًا تشكيل طريقة عمل المؤسسة من جذورها. فشركة تعدين، على سبيل المثال، قد توظّف الذكاء الاصطناعي لتوجيه أعمال الاستكشاف، وأتمتة الاستخراج، وتحسين عمليات التكرير، بما ينقل نموذجها من كونه كثيف العمالة والأصول إلى نموذج تقوده البيانات. وبالمثل، يمكن لاستوديوهات الإنتاج الإعلامي دمج الذكاء الاصطناعي عبر سلسلة الإنتاج كاملة، ما يتيح إنتاج محتوى أسرع وأقل كلفة وعلى نطاق واسع.
  • شركات التجديد الوظيفي: يركّز هذا التوجّه على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين مسارات عمل محددة ذات عائد مثبت، فعلى سبيل المثال، قد تعتمد مؤسسة صحية حلول الذكاء الاصطناعي في مجالات الجدولة أو التسجيل أو إدارة القوى العاملة، فيما توظّف الشركات اللوجستية قدراته في التنبؤ باحتياجات الصيانة أو تحسين المسارات لخفض التكاليف التشغيلية.
  • الشركات البراغماتية: تعتمد هذه المؤسسات نهجًا حذرًا يقوم على التبنّي المتدرّج، فلا تُدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى أعمالها إلا بعد أن تثبت فعاليتها في السوق. فعلى سبيل المثال، قد تنتظر شركة سلع استهلاكية نضوج أدوات التوصية الجاهزة قبل توظيفها في التوسّع، فيما تتجه شركات الأزياء إلى اعتماد حلول التأجير والتخصيص المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بعد التأكد من جدواها على مستوى القطاع.

والأهم هو أن يتفق مجلس الإدارة على الطموح الاستراتيجي للشركة في ضوء فهم واضح للفرص والمخاطر، بما يمكّنه من مواءمة الحوكمة. ومع اتّساع خبرة الشركة في الذكاء الاصطناعي، يمكن للمجلس تعديل هذا التوجّه عند الحاجة.

تكييف الإشراف بما يتوافق مع نهج الذكاء الاصطناعي

بعد اتضاح نهج الشركة في تبنّي الذكاء الاصطناعي، تنتقل مهمة مجلس الإدارة إلى مواءمة دوره الإشرافي مع الطموح الاستراتيجي للمؤسسة. فاحتياجات الشركات الريادية التي تسعى لفتح أسواق جديدة تختلف عن تلك التي تتبنّى نهجًا أكثر تحفظًا. لذا، لا يُمارَس الإشراف بصيغة واحدة، بل يتكيّف تبعًا لطبيعة التوجّه المتّبع.

الشركات الرائدة

عندما يصبح الذكاء الاصطناعي محرّكًا أساسيًا للنمو، يتمحور دور مجلس الإدارة حول التأكد من أن القيادة التنفيذية تدرك القيمة الكامنة في الذكاء الاصطناعي، وتعرف كيف يمكن تحويلها إلى عوائد فعلية. ويتيح هذا الفهم للمجلس العمل كشريك فكري للإدارة، موجّهًا قرارات الاستثمار الاستراتيجي، ومقيّمًا مدى توفر المقومات اللازمة للنجاح، من قيادة مؤهلة، وقدرات تقنية، ومواهب متخصصة، ورأس مال كافٍ.

وفي هذا السياق، ينصبّ اهتمام أعضاء المجلس على تقييم ما إذا كانت الإدارة تمتلك الخبرة الريادية، والمعرفة التقنية، والقدرة القيادية التحويلية اللازمة لإدارة أعمال تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويبرز في المقابل دور المجلس في فحص استدامة هذه المبادرات، بما يشمل متطلبات المهارات، وتأثيرها في الأعمال التقليدية، وكفاءة استهلاك الطاقة، إلى جانب استيعاب المخاطر المصاحبة، من الخصوصية والأمن السيبراني إلى الأطر التنظيمية العالمية وحقوق الملكية الفكرية.

ويتطلّب هذا المستوى من الدور الإشرافي وجود عدد كافٍ من أعضاء المجلس ممن يمتلكون خبرة عملية في المنتجات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يتيح لهم أداء دور الشريك الفكري والناقد القادر على مساءلة الإدارة وتوجيهها بشكل بنّاء.

مثال تطبيقي: تمكنت شركة لوجستية عالمية من استثمار عقود من بيانات التجارة لتطوير منصة ذكاء اصطناعي تحليلية جديدة، انتقلت من خلالها من كونها مزود خدمات شحن إلى شركة معلومات. وزاد دعم مجلس الإدارة للمبادرة بعدما تأكّد من قوة أصول البيانات، وثبات أداء النماذج في ظل تغيّر البيانات، واستدامة تكاليف الحوسبة على المدى الطويل.

أسئلة يطرحها المجلس في هذه الحالة:

  • ما المزايا التنافسية التي يعززها الذكاء الاصطناعي؟ وما الذي قد يهدده؟
  • هل يملك نموذج الأعمال القائم على الذكاء الاصطناعي القدرة على خلق قيمة كافية لإحداث تحول في السوق؟
  • ما الموارد الأساسية المطلوبة لتحقيق ذلك؟ وهل تتوافر حاليًا؟
  • هل نمتلك الكفاءات القادرة على إدارة المخاطر البيئية والتنظيمية والقانونية وتلك المرتبطة بسمعة الشركة؟
  • كيف ينبغي تطوير منظومة الابتكار لمواكبة التسارع التقني؟

شركات التحول الداخلي

أما الشركات التي تسعى إلى دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف عملياتها، فيتخذ دور مجلس الإدارة طابعًا أكثر تعقيدًا، ويكمن هذا الدور في الإشراف على إعادة تشكيل نموذج التشغيل بصورة شاملة، حيث لا تقتصر التغييرات التشغيلية على مسارات محددة، بل تطال التغييرات التشغيلية بنية العمل بأكملها، وليس مجرد أنماط أو وظائف بعينها، ما يخلق تحديًا فريدًا من حيث التعقيد والتنسيق.

وفي هذا الإطار، يضطلع المجلس بدور محوري في مساءلة الإدارة حول ما إذا كانت المكاسب التشغيلية هيكلية ومستدامة، وليست مؤقتة أو ظرفية، ومدى انعكاسها الحقيقي على إنتاجية المؤسسة. ويتطلب ذلك فهمًا دقيقًا للأنظمة المترابطة والاعتماد المتبادل بينها، والبنية التقنية، ولا سيما البنية التقنية للمؤسسة، بوصفها الممكن الأساسي لتحديث العمليات عبر مختلف الوظائف.

كما يتعين على المجالس التدقيق في مرونة أنظمة الذكاء الاصطناعي وقابليتها للمراقبة وإمكانية فهم قراراتها، للتأكد من استقرار الأنظمة، وتتبعها، وتصحيح مسارها سريعًا عند الحاجة. ويكمن دور المجلس أيضًا في دفع الإدارة إلى تحقيق توازن واقعي بين الطموح وسهولة التبنّي، وضمان وجود برامج فعّالة لإعادة تأهيل المهارات، وحوافز متوائمة مع التغييرات المطلوبة في مواقع التنفيذ.

مثال تطبيقي: تساءل مجلس إدارة شركة تصنيع عالمية عمّا إذا كانت أنظمة التخطيط وسلاسل الإمداد والصيانة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قابلة للتكامل مع الأنظمة الأخرى، وما إذا كانت قد خضعت لاختبارات ضغط كافية، وذلك قبل إقرار استثمارات إضافية. وأسهم هذا النهج في ضمان مرونة المبادرات وقابليتها للتوسّع.

أسئلة يطرحها المجلس في هذه الحالة:

  • هل يعيد الذكاء الاصطناعي فعليًا تشكيل طريقة عمل الشركة، أم يقتصر على أتمتة مهام متفرقة؟
  • ما الأدلة التي تثبت أن التحسينات التشغيلية مستدامة وليست مؤقتة؟
  • إلى أي مدى تستطيع الإدارة تتبع وفهم دور الذكاء الاصطناعي في العمليات المشتركة بين الوظائف المختلفة؟
  • ما التوازن الأنسب بين الشراء والبناء لتعزيز الميزة التنافسية والمرونة الاستراتيجية؟

شركات التجديد الوظيفي

في المؤسسات التي تعتمد الذكاء الاصطناعي لتحسين مسارات عمل محددة، يتركّز دور مجلس الإدارة على تعظيم القيمة المتحققة من التوسّع، وضمان تناغم المبادرات المختلفة، وأن الاعتماد على المورّدين لا يعرّض الشركة للمخاطر. وفي هذا السياق، يبرز دور لجان المجلس المتخصصة، مثل لجان التدقيق والمخاطر والموارد البشرية، بوصفها محركات رئيسية لتحويل مسارات العمل المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ضمن نطاقاتها الوظيفية.

لا يتجه دور مجلس الإدارة إلى متابعة تحديث كل مسار عمل على حدة، بل إلى مساندة الإدارة توجيه الموارد بكفاءة، وضمان ترابط المبادرات المختلفة ضمن إطار حوكمي موحّد، واختيار الاستثمارات التي يمكن تعميم أثرها عبر أكثر من وظيفة داخل المؤسسة. ويستخدم المجلس لوحات متابعة فورية لمراقبة التقدم وقياس النتائج بصورة مستمرة.

وبالنظر إلى الطبيعة المحدودة نسبيًا لهذه المسارات، تميل المؤسسات المصنّفة ضمن هذا النهج إلى شراء حلول الذكاء الاصطناعي الجاهزة بدل تطويرها داخليًا. لكن هذا قد يخلق اعتمادًا كبيرًا على المورّدين. وهنا يجب على مجلس الإدارة التأكد من أن الشركة لا تفقد ميزتها التنافسية، وأنها لا تزال تحتفظ بقدرات داخلية كافية للدعم والتشغيل على المدى الطويل، لأن بعض قرارات التعاقد مع المورّدين قد يكون لها تأثير طويل الأمد، مثل إضعاف القدرات الداخلية للدعم والتشغيل.

مثال تطبيقي: يطلب مجلس إدارة أحد أنظمة الرعاية الصحية الإقليمية من رئيسه التنفيذي تقديم خريطة موحّدة لجميع المبادرات التجريبية في مجال الذكاء الاصطناعي كل ربع سنة، تشمل أدوات الجدولة، والتفريغ النصي، وإدارة القوى العاملة. ويُستخدم هذا العرض لتقييم مدى قابلية هذه المبادرات للتوسّع، وحسم قرار إيقاف المبادرات ضعيفة الأداء في وقت مبكر.

أسئلة يطرحها مجلس الإدارة في هذا السياق:

  • ما مسارات العمل الأعلى قيمة والتي يمكن أن تستفيد بشكل أكبر من الذكاء الاصطناعي؟
  • كيف تحدد الإدارة أطر إدارة المخاطر المرتبطة بتطبيق الذكاء الاصطناعي في مسارات محددة؟
  • ما مزايا ومخاطر الاعتماد على الشراء مقارنة ببناء القدرات الأساسية داخليًا؟
  • ما الآليات المعتمدة لتتبّع المبادرات الواعدة وتوسيع نطاقها؟

الشركات البراغماتية

أما مجالس الإدارة في المؤسسات التي تتبنّى نهجًا براغماتيًا تجاه الذكاء الاصطناعي، فيتركّز دورها على جاهزية المؤسسة استراتيجيًا، ومخاطر التأخر أو عدم التحرّك في الوقت المناسب. ويبرز إسهام أعضاء المجلس من خلال دفع الإدارة إلى مشاركة وتحليل معطيات السوق، بما يشمل تحركات المنافسين، وتحولات السوق، وتطوّر قدرات الذكاء الاصطناعي.

وخلال هذه المراجعات، يتعيّن على المجلس ممارسة دور نقدي بنّاء، لاختبار ما إذا كانت هذه التطورات تشكّل تهديدًا للتنافسية طويلة الأمد، أو تفتح فرصًا لتعزيز عناصر في نموذج العمل القائم. كما يمكن للمجلس وضع مؤشرات واضحة وطريقة محددة لرفع الملاحظات، لمعرفة مدى تقدم المنافسين في استخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إجراء تقييمات دورية للجاهزية، للتأكد من امتلاك المؤسسة الأسس والقدرات التي تمكّنها من التحرّك بسرعة عند بروز فرصة مؤكدة.

مثال تطبيقي: يراجع مجلس إدارة إحدى شركات الطاقة سنويًا تجارب تبنّي الذكاء الاصطناعي في قطاعات قريبة، ويكلف الإدارة بوضع تصور واضح للمتطلبات اللازمة للتحرك السريع، بما في ذلك الشراكات مع المورّدين، والاستثمارات الرأسمالية، وجاهزية الموظفين.

أسئلة يطرحها مجلس الإدارة في هذا السياق:

  • كيف نتابع تطورات الذكاء الاصطناعي داخل القطاع ولدى المنافسين لتحديد الخطوات المناسبة؟
  • هل نمتلك خطة موثوقة للتبنّي السريع عند ثبوت جدوى إحدى القدرات؟
  • ما المخاطر المترتبة على عدم التحوّل في الوقت المناسب عبر مجالات العمل المختلفة؟

ست خطوات عملية أمام مجالس الإدارة

تُظهر نتائج هذا البحث أن على مجالس الإدارة النظر في ست خطوات أساسية، يختلف مستوى تبنّيها وحدّة تطبيقها تبعًا لنهج الشركة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي.

  1. توحيد الموقف الاستراتيجي من الذكاء الاصطناعي ومراجعته دوريًا: الخطوة الأولى والأكثر أهمية هي اتفاق المجلس على النهج الذي ستتبنّاه الشركة تجاه الذكاء الاصطناعي؛ فغياب هذا الوضوح يفرغ بقية الخطوات من مضمونها. ويتعيّن على المجالس إعادة تقييم هذا النهج بصورة منتظمة، على الأقل سنويًا، لمواكبة التحولات التنافسية والتنظيمية والتقنية، بما يضمن أن تعكس قرارات اليوم واقع السوق الحالي لا افتراضات الأمس. ولا تُغني هذه المراجعة الدورية عن النقاش المستمر حول الموضوع على مدار العام. (انظر الإجراء رقم 4).
  2. تحديد المسؤوليات بوضوح داخل المجلس والإدارة: يفشل الإشراف حين تغيب المساءلة الواضحة. لذا ينبغي على المجالس تحديد ما يُناقش على مستوى المجلس كاملًا، مثل الاستثمارات الجوهرية لتوسيع الذكاء الاصطناعي على نطاق المؤسسة، وما يُحال إلى اللجان المتخصصة، كأطر المخاطر ومراجعة المورّدين الرئيسيين، وما يُترك للإدارة التنفيذية ضمن القرارات التشغيلية اليومية. فغياب هذا التحديد يخلق ضبابية تُهدر الوقت وتُضعف المحاسبة.
  3. إرساء إطار حوكمي منظّم للذكاء الاصطناعي: رغم أن معظم الشركات تكتفي بصياغة مبادئ عامة أو بيانات أخلاقية، فإن أقل من 25% فقط تمتلك سياسات حوكمة منظّمة ومعتمدة من مجالس الإدارة.7 ويتعيّن أن يوضح إطار الحوكمة المعتمد الأسس التالية:
    • قواعد التوسّع: تحديد متى تستحق المبادرات التجريبية الحصول على استثمارات تتيح تعميمها على مستوى المؤسسة.
    • حدود المخاطر: توضيح الحالات التي تستوجب موافقات بشرية، والضوابط الواجب تطبيقها للحد من المخاطر.
    • ضوابط المورّدين والبيانات: بما يشمل حماية الملكية الفكرية، وحقوق التدقيق من أطراف ثالثة، ومتطلبات الأمن، ومعايير تتبّع مصادر البيانات.
    • معايير رفع القضايا: تحديد نوع الحوادث التي يجب إحالتها إلى مجلس الإدارة، والمدة الزمنية اللازمة للتعامل معها.
  4. توسيع دائرة التفاعل مع من يقودون التنفيذ فعليًا: لا ينبغي أن يقتصر تفاعل المجلس على الرئيس التنفيذي أو المدير المالي. ففهم الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي يتطلب احتكاكًا مباشرًا ومنتظمًا مع القيادات التنفيذية المسؤولة عن دمج هذه التقنيات في العمليات، مثل مسؤولي البيانات والتحليلات وقادة الوحدات التشغيلية، بما يتيح قراءة أدق للتقدّم المحقق وتأثيره في التنافسية.
  5. ربط استثمارات الذكاء الاصطناعي بالقيمة الفعلية للأعمال: يتعيّن على مجالس الإدارة دفع الإدارة إلى ما هو أبعد من تحديد الفرص والمخاطر المحتملة المرتبطة بتبنّي الذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى قياسها بأرقام ومؤشرات واضحة. ويساعد هذا النهج المجلس على توجيه المؤسسة عند الموازنة بين العوائد قصيرة الأجل والاستثمارات طويلة الأمد، بما يوازن بين تعظيم الفرص وضبط المخاطر، استنادًا إلى نهج الشركة في التبنّي. غير أن تحقيق هذا الدور يتطلب تقارير راسخة وواضحة، في وقت لا تتلقى فيه سوى نحو 15% من مجالس الإدارة مؤشرات أداء متعلقة بالذكاء الاصطناعي. 8ومن هنا، تبرز أهمية إتاحة مقاييس أثر دقيقة، تشمل العائد على الاستثمار حسب وحدات الأعمال، ونسبة العمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومؤشرات المرونة التشغيلية، ومدى التقدّم في إعادة تأهيل المهارات، ومستوى التوافق التنظيمي، بما يعيد صياغة توجيه الاستراتيجية والإشراف بالمنهجية نفسها المعتمدة في قرارات تخصيص رأس المال وإدارة المخاطر.
  6. تعميق الفهم المؤسسي للذكاء الاصطناعي: لا يُطلب من أعضاء المجالس أن يكونوا خبراء تقنيين، لكنهم بحاجة إلى فهم كافٍ لكيفية عمل الذكاء الاصطناعي ودوره في خلق الفرص والمخاطر. ويتحقق ذلك عبر التعلّم المستمر، والجلسات التعريفية، والاستعانة بخبراء خارجيين، إلى جانب الاستخدام العملي للتقنيات في التحضير للاجتماعات وتحليل المعلومات، ضمن الأطر القانونية المعتمدة.

قد تجد مجالس الإدارة فائدة في استلهام بعض ممارسات شركات رأس المال الجريء والاستثمار الخاص، التي تمتاز بوضوح أعلى في استهداف القيمة، وسرعة أكبر في اتخاذ القرار، ومستوى أشد من المساءلة، لا سيما في ما يتعلق بقرارات التمويل.


خلاصة القول: مع تسارع تطوّر الذكاء الاصطناعي، لم تعد القواعد والممارسات التقليدية كافية. ويُنتظر من مجالس الإدارة أن تطوّر أدوارها بالوتيرة نفسها، محافظة في الوقت ذاته على جوهر مسؤوليتها: توجيه الاستراتيجية، ومساءلة الإدارة، وتحقيق القيمة، والحد من المخاطر.

Explore a career with us