ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
لكن يبقى السؤال الأهم: هل تدرك فعلاً أين تكمن ميزتك التنافسية؟ والأهم من ذلك، هل أنت واثق من أنك تفهمها بدقة؟
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
تُعدّ الميزة التنافسية من أهم مفاهيم الاستراتيجية في عالم الأعمال، لكنها في الوقت نفسه من أكثرها عرضة لسوء الفهم. فالكثير يظن أنها تعني مجرد امتلاك الشركة نقاط قوة، بينما المقصود بها في الواقع هو السبب الذي يجعل العملاء يختارون منتجات شركة معيّنة بدلاً من منتجات منافسيها، أو السبب الذي يمكّنها من تحقيق عوائد أعلى مقارنة بغيرها. وقد يتحقق ذلك من خلال استخدام رأس المال بكفاءة أكبر، أو القدرة على بيع المنتجات بأسعار أعلى، أو العمل بتكاليف أقل من المنافسين. ومن هنا، لا تقوم الميزة التنافسية على عامل واحد فقط، بل تنشأ غالباً من طريقة عمل الشركة نفسها ومن الأصول التي يصعب على الآخرين تقليدها. فقد تمتلك الشركة نموذج تشغيل مميز، أو حقوق ملكية فكرية خاصة بها، أو قدرة قوية على الوصول إلى العملاء وبناء علاقات معهم. وهذه العناصر مجتمعة تساعدها على خلق قيمة أكبر والحفاظ على تفوقها مع مرور الوقت.
غير أن هذا الأساس لم يعد بالقدر نفسه من الثبات لدى كثير من الشركات اليوم. فبحسب تحليل أجريناه، يتضح أن الميزة التنافسية أصبحت أكثر عرضة للتغير والتآكل مع مرور الوقت. ولتتبّع هذه التحولات بشكل أدق، اعتمدنا مقياسًا أطلقنا عليه "معدل تغيّر المراكز التنافسية للشركات في السوق"، وهو مؤشر يوضح سرعة تبدّل ترتيب الشركات داخل القطاع الواحد، أي مدى انتقالها بين مواقع الصدارة والتراجع مقارنة بمنافسيها.1 وقد أظهرت النتائج أن هذا المعدل تسارع في أكثر من 60% من القطاعات خلال العقد الماضي، مع ارتفاع متوسطه بنحو 11%. وتشير هذه الأرقام إلى أن المشهد التنافسي بات أكثر تقلبًا؛ فالعوامل التي كانت تمنح الشركات تفوقها في السوق لم تعد مستقرة كما في السابق، كما أن الفجوة بين الشركات بدأت تضيق تدريجيًا. ونتيجة لذلك، أصبحت مواقع الشركات في السوق تتغير بوتيرة أسرع، وهو ما قد يعكس تغير طبيعة الميزة التنافسية نفسها، أو تراجع الفوارق بين المنافسين، أو اجتماع العاملين معًا.
وتقود هذه التحولات في نهاية المطاف إلى نتيجتين متباينتين داخل الأسواق. فمن جهة، تتعرض الميزة التنافسية لدى بعض الشركات للتآكل تدريجيًا، بينما تبرز في الجهة الأخرى فرص حقيقية أمام شركات أخرى لتعزيز حضورها وزيادة حصتها في السوق. فعلى سبيل المثال، قد تجد الشركات العاملة في قطاعات يتباطأ فيها "معدل تغيّر المراكز التنافسية للشركات في السوق" نفسها عالقة في مواقع متأخرة، وذلك مع استمرار الشركات المتصدّرة في ترسيخ تفوقها وتعزيز الحواجز التي تحمي موقعها القيادي. في الوقت نفسه، قد تتيح القطاعات التي يشهد فيها هذا المعدل تسارعًا فرصًا أكبر للشركات الطموحة، إذ يصبح بإمكانها جذب عملاء كانوا في السابق مرتبطين بمنافسين يصعب مزاحمتهم.
ومع ذلك، وعلى الرغم من أهمية الانتباه إلى هذه التحولات في السوق، تُظهر أبحاث حديثة2 أن معظم الشركات لا تراقب بشكل فعلي كيف تتغير مواقعها داخل القطاع أو كيف تتبدل مصادر ميزتها التنافسية مع مرور الوقت. وفي هذا السياق، يعبّر كثير من المديرين عن ثقة كبيرة في أنهم يفهمون جيدًا الأسباب التي تدفع العملاء والمستثمرين إلى تفضيل شركة على أخرى. لكن هذه الثقة قد لا تعكس الواقع بدقة، خصوصًا في ظل تسارع التغيرات في الأسواق. ومن هنا تظهر مفارقة واضحة: فبينما تدرك غالبية الشركات أن ميزتها التنافسية قد لا تستمر إلى الأبد، فإنها لا تتابع المؤشرات التي يمكن أن تنبّهها إلى تغيّر موازين المنافسة في السوق. وهذا يعني أن كثيرًا من المؤسسات قد تتفاجأ بتراجع موقعها في السوق لأنها لم ترصد التحولات التي كانت تحدث حولها في الوقت المناسب.
وتوضح التحولات التي تشهدها بعض القطاعات كيف يمكن أن تتآكل الميزة التنافسية لدى الشركات القائمة، ولماذا يتسارع "معدل تغيّر المراكز التنافسية للشركات في السوق". ففي قطاع الترفيه، على سبيل المثال، وصلت خدمات البث الرقمي إلى مرحلة أكثر نضجًا وانتشارًا، في حين تراجعت مشاهدة الأفلام في دور السينما بشكل قد يكون دائمًا.3 في حين بدأ المحتوى الذي يقدمه صناع المحتوى عبر منصات الفيديو الرقمية ينافس بشكل مباشر شركات الإعلام التقليدية. وقد رافق هذا التحول موجة من صفقات الاندماج والاستحواذ، من أبرزها إعلان "نتفليكس" نيتها الاستحواذ على "وارنر براذرز ديسكفري" بقيمة تصل إلى 83 مليار دولار، إلى جانب اندماج "باراماونت" مع شركة "سكاي دانس". ولا يختلف الحال كثيرًا في قطاع الأحذية، الذي شهد بدوره تغيّرات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. فقد تمكنت علامات تجارية ناشئة من انتزاع حصة متزايدة من السوق على حساب الشركات التقليدية، في الوقت الذي تحولت فيه قنوات التوزيع تدريجيًا من الاعتماد على البيع بالجملة إلى نموذج البيع المباشر للمستهلك. وقد فرض هذا التحول إعادة تنظيم واسعة في سلاسل التوريد، كما غيّر طبيعة المزايا التنافسية التي تحتاجها الشركات للفوز في السوق.
ولا يقتصر الأمر على فهم مدى استقرار الميزة التنافسية للشركة، بل يمتد كذلك إلى ضرورة وجود رؤية مشتركة داخل المؤسسة حول ماهية هذه الميزة أساسًا. فعندما تختلف تصورات القادة التنفيذيين بشأن مصدر تفوق الشركة، يصبح من الصعب الاتفاق على أولويات الاستثمار أو تحديد الأسواق التي ينبغي التركيز عليها. وتزداد المسألة تعقيدًا لأن الميزة التنافسية ليست مفهومًا ثابتًا أو عامًا، بل ترتبط بسياق كل قطاع وظروفه، ما يجعل تحديدها وتقييمها بدقة مهمة ليست سهلة دائمًا. كما أن ميزة أي شركة لا تتحدد بمعزل عن منافسيها، بل تعتمد بدرجة كبيرة على قدراتهم واستراتيجياتهم. ومع تغيّر المنافسين باستمرار، سواء من حيث دخول لاعبين جدد إلى السوق أو تغيّر أساليب المنافسة، يصبح الحفاظ على التفوق التنافسي تحديًا متجددًا يتطلب متابعة دائمة للمشهد التنافسي.
وليس من المستغرب، في هذا السياق، أن تحقق الشركات التي تتابع ميزتها التنافسية في كل سوق تعمل فيه أداءً أفضل من غيرها. فهذه الشركات لا تكتفي بفهم مصدر تفوقها، بل توظف هذا الفهم عمليًا في توجيه استراتيجيات النمو وتحديد أولويات الاستثمار. وتؤكد نتائج الاستطلاع هذه الصورة بوضوح.4 فقد أظهرت البيانات أن الشركات المصنفة ضمن أعلى 20% في قطاعاتها من حيث النمو السنوي والأرباح التشغيلية كانت أكثر اتفاقًا داخليًا بشأن مصادر ميزتها التنافسية. كما كانت احتمالية تأكيد هذا الاتفاق فيها أعلى بأكثر من 2.5 مقارنة ببقية الشركات. كذلك، تبين أن هذه الشركات أكثر حرصًا على متابعة ميزتها التنافسية على مستوى كل سوق تعمل فيه، إذ ارتفعت احتمالية قيامها بذلك بنحو الثلثين مقارنة بغيرها.
خمس قواعد لتعزيز موقعك التنافسي في السوق
في ظل الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها الميزة التنافسية، بات على قادة الأعمال العمل بصورة أكثر فاعلية للحفاظ على تفوقهم أمام المنافسين. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الالتزام بخمس قواعد أساسية تساعد الشركات على حماية موقعها التنافسي وتعزيزه:
- حدّد عناصر ميزتك التنافسية بدقة.
- تحديد الميزة التنافسية بما يتناسب مع كل سوق.
- تجنّب الإفراط في الاستثمار في مجالات لا تعزّز الموقع التنافسي.
- ربط الميزة التنافسية مباشرة بقرارات الشركة الاستراتيجية لتعزيز العائد منها.
- متابعة مؤشرات تساعد على اكتشاف أحدث المستجدات والتحولات في المشهد التنافسي للأسواق.
حدّد عناصر ميزتك التنافسية بدقة
غالبًا ما تواجه الشركات التي تعمل عبر خطوط أعمال متعددة وفي أسواق مختلفة صعوبة في تحديد مصدر ميزتها التنافسية بدقة، إذ قد تختلف هذه الميزة باختلاف مستوى النشاط داخل الشركة. فقد تظهر الميزة التنافسية على مستوى المؤسسة ككل، أو على مستوى المنتج، أو حتى على مستوى السوق الذي تعمل فيه الشركة. فعلى سبيل المثال، قد تشكّل الموارد المالية القوية، أو السمعة المؤسسية للعلامة التجارية، أو بعض الشراكات الاستراتيجية مزايا تنافسية على مستوى الشركة بالكامل. في المقابل، قد ترتبط مزايا أخرى بمجالات أكثر تحديدًا، مثل قدرات البحث والتطوير أو قوة العلاقات مع العملاء، وهي عوامل قد تكون مرتبطة بفئات منتجات معينة أو بأسواق محددة دون غيرها.
وعند تحليل المزايا التنافسية5 لدى أكبر 5,000 شركة في العالم من حيث الإيرادات،6 تبيّن وجود تباين كبير في طبيعة العوامل التي تشكّل مصدر تفوقها، حتى بين الشركات التي تعمل ضمن القطاع نفسه. فقد تراوحت هذه العوامل بين عناصر عامة، مثل الحضور العالمي القوي، وعناصر أكثر تحديدًا، مثل امتلاك حقوق استغلال موارد معدنية في دولة بعينها. ولتوضيح هذه الصورة بشكل منهجي، صنّفنا هذه العوامل ضمن سبع فئات رئيسية تشمل: قوة العلامة التجارية والسمعة الخارجية، والحجم أو القوة المالية، والملكية الفكرية أو العروض الابتكارية، وقدرات الوصول إلى السوق، والشراكات أو القدرة على الوصول إلى موارد نادرة، والتميز التشغيلي، إضافة إلى الكفاءات البشرية أو الثقافة المؤسسية. وأظهرت النتائج أن الميزة التنافسية لدى معظم الشركات لا تعتمد على عنصر واحد فقط، بل تنشأ غالبًا من مزيج معقد ومحدد بدقة من عدة عوامل تعمل معًا لتشكّل مصدر تفوقها في السوق.
ولكي تتمكن أي مؤسسة من إدارة مصادر ميزتها التنافسية بفاعلية، فإنها تحتاج إلى فهم دقيق ومفصل لكيفية تفاعل العوامل التي تشكّل هذه الميزة معًا لتمنحها قدرة على التميز في السوق. فالعبرة لا تكمن في امتلاك عنصر معين بحد ذاته، بل في الطريقة التي تتكامل بها هذه العناصر لتخلق تفوقًا حقيقيًا أمام المنافسين. خذ عامل الحجم على سبيل المثال. فالحجم بحد ذاته لا يُعد دائمًا ميزة تنافسية، وهو ما توضحه ظاهرة ما يُعرف بخصم التكتلات، حيث قد تتراجع قيمة الشركات التي تجمع أنشطة متنوعة تحت مظلة واحدة. ومع ذلك، يمكن للحجم أن يتحول إلى مصدر قوة في حالات معينة. فعلى سبيل المثال، مكّن حجم البيانات واتساع نطاق المنصات الرقمية شركات مثل "تينسنت" من دخول قطاعات متعددة بنجاح. وينطبق الأمر نفسه على الإنفاق الكبير في البحث والتطوير. فقد يشكّل هذا الحجم ميزة تنافسية عندما يدعم عدة وحدات أعمال داخل الشركة، لكنه يفقد كثيرًا من تأثيره إذا كان محصورًا في مجال واحد فقط. فعلى سبيل المثال، في قطاع الأدوية، كثيرًا ما تبقى الابتكارات الخاصة بعلاج السرطان محصورة في مجال الأورام، ولا تنتقل بسهولة إلى بقية خطوط الأدوية، وهو ما يعني أن فائدتها التنافسية تظل محدودة داخل قطاع الأورام فقط. وربما يفسر ذلك سبب توجه العديد من شركات الأدوية في السنوات الأخيرة إلى تبسيط محافظ منتجاتها والتركيز على مجالات محددة.
وفي ضوء هذا الفهم الدقيق، تدرك الشركات الرائدة العوامل التي تؤثر في قرارات العملاء عند اختيار المنتجات أو الخدمات، ولذلك توجه استثماراتها نحو تعزيز هذه العوامل وتطويرها. كما تعمل على ترسيخها في الأسواق الأكثر أهمية لأعمالها، وتسعى في ذات الوقت إلى جعلها قابلة للتطبيق على نطاق أوسع حتى تتمكن من الاستفادة منها عبر مختلف أنشطتها. وغالبًا ما تتمثل هذه المزايا في أصول أو قدرات قد تظهر في مستويات متعددة داخل المؤسسة، وتكون في كثير من الأحيان نتيجة مزيج من عوامل يصعب على المنافسين تقليدها. كما قد تحتاج الشركات التي تعمل في أسواق متعددة إلى الاعتماد على مصادر مختلفة للتفوق التنافسي من سوق إلى آخر، بحيث يتناسب ذلك مع طبيعة كل سوق وظروف المنافسة فيه.
غير أن غياب فهم دقيق ومفصل لمصادر الميزة التنافسية كثيرًا ما يؤدي إلى تباين في وجهات النظر بين فرق الإدارة العُليا ومجالس الإدارة حول كيفية المنافسة وأي الأسواق ينبغي للشركة أن تركز عليها. ويؤدي هذا الغموض في كثير من الأحيان إلى صعوبة الاتفاق على الأولويات الاستراتيجية ومسارات الاستثمار. ومن هنا تبرز أهمية بناء رؤية مشتركة داخل المؤسسة بشأن مصادر تفوقها التنافسي، إذ يوفّر ذلك أساسًا واضحًا تستند إليه القرارات، ويساعد في توجيه الاستثمارات بطريقة أكثر فاعلية بما يحقق أفضل عائد ممكن منها.
تحديد الميزة التنافسية بما يتناسب مع كل سوق.
بعد أن يكوّن قادة الأعمال فهمًا دقيقًا لمصدر الميزة التنافسية في مؤسساتهم، يصبح من الضروري توظيف هذا الفهم في كيفية طرح منتجاتهم وخدماتهم داخل كل سوق. فالواقع أن الميزة التنافسية تتشكل عند نقطة التقاء ثلاثة عناصر أساسية، وهي: طبيعة العرض الذي تقدمه الشركة، والموقع الجغرافي الذي تعمل فيه، ونوعية العملاء الذين تستهدفهم. وبعبارة أخرى، ما الذي تبيعه الشركة، وأين تبيعه، ولمن تقدمه. كما أن تراجع الحواجز التقليدية بين القطاعات جعل المنافسة أكثر اتساعًا وتعقيدًا. فكثيرًا ما تأتي المنافسة اليوم من خارج القطاع نفسه، حيث قد تظهر شركات من صناعات مختلفة وتفرض معايير جديدة لما يمكن اعتباره ميزة تنافسية حقيقية. وتؤكد نتائج استطلاعنا هذه التحولات؛ إذ أشار أكثر من 40% من المشاركين إلى أن الاتجاهات التكنولوجية المزعزعة للنماذج التقليدية ودخول لاعبين جُدد من خارج القطاع تمثل التهديد الأكبر لميزتهم التنافسية. وليس هذا التحول جديدًا تمامًا، فقد شهدت الأسواق أمثلة عديدة عبر السنوات، من بينها الهواتف الذكية التي استحوذت تدريجيًا على أسواق كانت تقليديًا من نصيب شركات الكاميرات وأفلام التصوير، وصولًا إلى شركات البرمجيات التي أعادت تشكيل نماذج الأعمال في قطاعات متعددة مثل الضيافة والنقل وصناعة الموسيقى.
وتزداد هذه المسألة تعقيدًا لدى الشركات الكبرى التي تعمل عبر أسواق جغرافية متعددة، إذ تختلف العوامل التي تحدد النجاح من سوق إلى آخر بشكل كبير. فالعناصر التي تمنح الشركة تفوقًا في سوق معينة قد لا تكون بالقدر نفسه من الأهمية في سوق أخرى. ولتوضيح ذلك يمكن النظر إلى التحولات التي شهدها قطاع الوجبات السريعة. ففي كندا والولايات المتحدة غيّرت تطبيقات توصيل الطعام طبيعة المنافسة داخل قطاع المطاعم السريعة والمطاعم غير الرسمية، كما أعادت توزيع مصادر الإيرادات في هذا القطاع. ومع انتشار الوجبات الجاهزة مسبقًا وصناديق إعداد الطعام المنزلية، تعرضت الشركات التقليدية لضغط إضافي أدى إلى تراجع جزء من حصتها في السوق. لكن هذه الابتكارات لم تحقق الانتشار نفسه في أسواق أخرى مثل أمريكا اللاتينية والصين وغيرها، وهو ما يعكس اختلاف طبيعة المنافسة وتفضيلات المستهلكين من سوق إلى آخر.
ومع تزايد الاختلاف في العوامل التي تؤثر في قرارات العملاء، تتغير بدورها العناصر التي تمنح الشركات ميزة تنافسية في السوق. فالمزايا التي كانت حاسمة في جذب العملاء في السابق قد تفقد جزءًا كبيرًا من أهميتها مع تطور الأسواق وتبدّل سلوك المستهلكين. لهذا يصبح من الضروري أن يظل قادة الأعمال يقظين تجاه هذه التحولات، وأن يتأكدوا باستمرار من أن المزايا التي اعتمدت عليها شركاتهم لسنوات طويلة ما زالت قادرة على الحفاظ على قيمتها في ظل تغيرات السوق. ولتوضيح ذلك يمكن النظر إلى قطاع الخدمات المصرفية للأفراد. فقد كان انتشار فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي في الماضي يشكل ميزة تنافسية مهمة، إذ كان يلعب دورًا كبيرًا في تحديد البنك الذي يختاره العملاء. غير أن انتشار الخدمات المصرفية عبر الإنترنت قلّل بشكل كبير من أهمية هذه الأصول المادية، وأعاد تشكيل طبيعة المنافسة في هذا القطاع.
تجنّب الإفراط في الاستثمار في مجالات لا تعزّز الموقع التنافسي.
يبقى العملاء هم الحكم الحقيقي على ما إذا كانت الشركة تمتلك ميزة تنافسية أم لا، ويشمل ذلك أيضًا الأشخاص الذين كان يمكن أن يكونوا عملاء لها لكنهم اختاروا الشراء من المنافسين. فالسوق هو الذي يحدد فعليًا قيمة ما تقدمه الشركات. غير أن بعض المؤسسات تقع أحيانًا في خطأ شائع، إذ تعتقد أن قدراتها أو منتجاتها تتفوق على ما يقدمه المنافسون، في حين أن العملاء لا يرون هذا التفوق أو لا يمنحونه أهمية كبيرة. وتوضح إحدى التجارب هذا الأمر بجلاء؛ فقد طورت شركة لصناعة الأجهزة المنزلية منتجًا مزودًا بخصائص تقنية متقدمة ومعقدة، لكنها اكتشفت لاحقًا أن ما يهم العملاء في المقام الأول هو سهولة الاستخدام، طالما أن وظائف المنتج الأساسية تؤدي الغرض بشكل جيد. ومن هنا يتضح أن التركيز الحقيقي ينبغي أن ينصب على العوامل القليلة التي تؤثر فعليًا في قرار العملاء عند الشراء، وهي نفسها العوامل التي ينظر إليها المستثمرون عند تقييم الشركات، بينما لا يجدي الإفراط في الاستثمار في عناصر لا تضيف فرقًا ملموسًا في نظر العملاء.
وينطبق مبدأ مشابه عند التعامل مع المنافسة في السوق. فكثير من المؤسسات تنشغل بمحاولة تقليد مصدر التفوق لدى منافسيها، وهي محاولات نادرًا ما تنجح في تحقيق النتيجة المرجوة. والأجدى من ذلك أن تسعى الشركات إلى الوصول إلى مستوى مقبول في قدرات منافسيها الأساسية، مع التركيز في الوقت نفسه على تعزيز عناصر القوة التي تميّزها هي في السوق. ويعود ذلك إلى ملاحظة مهمة كشفتها أبحاثنا حول الفرق بين تحقيق الفوز في المنافسة وبين مجرد تجنب الخسارة. فعند دراسة سلوك الشركات المتنافسة في السوق، تبيّن وجود حد أدنى من الأداء تتوقعه السوق من أي شركة، وهو المستوى الأساسي من القيمة الذي ينبغي أن تقدمه المنتجات أو الخدمات. وإذا انخفض أداء الشركة عن هذا الحد بسبب إخفاق جوهري، مثل أزمة تتعلق بالسمعة أو نقص في العمالة يعرقل الإنتاج، فإن ذلك قد يقوّض الفوائد التي كانت تأمل تحقيقها من استثماراتها في تعزيز ميزتها التنافسية. ومن ناحية أخرى، فإن توجيه استثمارات إضافية إلى عناصر لا تخلق فرقًا واضحًا في نظر العملاء لن يؤدي إلى عوائد حقيقية. ولهذا فإن النهج الأكثر فاعلية يتمثل في الحفاظ على مستوى أداء متوازن في معظم الجوانب، مع تركيز الجهود والاستثمارات على عدد محدود من العوامل التي تؤثر فعلًا في قرار العملاء.
وتتضح فكرة الفرق بين تحقيق الفوز في المنافسة وبين مجرد تجنب الخسارة عند النظر إلى عنصر المواهب البشرية داخل المؤسسات. ففي بعض القطاعات، تصبح الكفاءات والخبرات المتخصصة عاملًا حاسمًا في التفوق التنافسي. ويبرز ذلك بوضوح في الصناعات التي تقوم خدماتها أساسًا على الخبرة والمعرفة، مثل قطاعات الخدمات المهنية، وكذلك في المجالات التي تعاني ندرة في المهارات المتخصصة. كما يظهر هذا العامل بشكل جلي في بعض مجالات التكنولوجيا المتقدمة، حيث تحقق الشركات التي تقع ضمن الشريحة الأعلى أداءً نتائج تفوق بكثير بقية المنافسين. وفي مثل هذه الحالات، يصبح امتلاك أفضل الكفاءات البشرية عنصرًا أساسيًا يمنح الشركات قدرة حقيقية على الفوز في السوق، وليس مجرد البقاء ضمن المنافسة.
أما تجنب الخسارة في جانب المواهب البشرية فله معنى مختلف. فليس مطلوبًا من كل شركة أن تستقطب أفضل الكفاءات في السوق إذا كان ذلك لن يحقق لها عائدًا ملموسًا. وفي المقابل، لا يكفي أيضًا إهمال الاستثمار في العنصر البشري. فهناك مساحة واسعة بين هذين الخيارين، حيث يكفي في كثير من الحالات الاستثمار بالقدر الذي يضمن توفر الكفاءات والبيئة المؤسسية القادرة على تلبية الحد الأدنى المتوقع في القطاع، ثم التركيز على التميز في عوامل أخرى مثل سهولة التعامل مع الشركة أو موثوقية خدماتها أو قدرتها على تقديم تكلفة أفضل. ولا يقتصر هذا التمييز بين الفوز في المنافسة وتجنب الخسارة على مسألة المواهب فقط، بل ينطبق أيضًا على العديد من عناصر الميزة التنافسية داخل الشركات، بما في ذلك الابتكار، وكفاءة العمليات التشغيلية، وقوة العلامة التجارية.
ربط الميزة التنافسية مباشرة بقرارات الشركة الاستراتيجية لتعزيز العائد منها.
تتميّز الميزة التنافسية الحقيقية بأنها قادرة على الاستمرار مع مرور الوقت. فقد يخلق حدث مفاجئ أو اتجاه جديد فرصة للنمو في السوق، كما حدث خلال جائحة "كوفيد-19" عندما شهدت تطبيقات الاجتماعات المرئية انتشارًا واسعًا. غير أن الاستفادة من هذه الفرص لا تكفي وحدها للحفاظ على موقع متقدم في السوق، إذ تحتاج الشركات إلى ميزة تنافسية واضحة تمكّنها من الاستمرار في الصدارة مع دخول منافسين جدد وتطور طبيعة المنافسة. ومن هنا تحرص الشركات الناجحة على تجديد مصادر تفوقها التنافسي بمرور الوقت، كما تعمل على توظيف هذه المزايا على نطاق واسع، خصوصًا في الفرص السوقية الأكثر جاذبية. فعلى سبيل المثال، يمكن للاستثمار في أنظمة إدارة علاقات العملاء، التي تساعد على جمع رؤى دقيقة عن احتياجات العملاء ونقلها إلى فرق البحث والتطوير، أن يعزز قدرة المؤسسة على الابتكار. كما أن ترسيخ ثقافة التعاون الداخلي بين الفرق المختلفة داخل الشركة يسهم في توسيع قدراتها ومساعدتها على مواكبة التحولات في بيئة المنافسة.
وتزداد قوة الميزة التنافسية عندما تكون قابلة للتطبيق في أكثر من سوق. فالمزايا التي يمكن نقلها والاستفادة منها عبر أسواق مختلفة تمنح الشركات قدرة إضافية على التوسع وتحقيق قيمة أكبر. فعلى سبيل المثال، يختلف امتلاك خبرة تقنية عميقة في نوع محدد من التصنيع عن امتلاك ثقافة مؤسسية قائمة على التميز في الهندسة والعمليات التشغيلية. فالأولى قد تساعد الشركة على تحقيق تفوق محدود في مجال ضيق، بينما تتيح الثانية إمكانية التوسع إلى أسواق جديدة والاستفادة من فرص النمو فيها. لذلك تميل الشركات الناجحة إلى الاستثمار في المزايا التنافسية التي يمكن تطويرها ونقلها عبر مجالات متعددة، إذ إن هذا النوع من المزايا يحقق عادة أعلى العوائد، وغالبًا ما يكون عاملًا حاسمًا في بناء القيمة طويلة الأجل للمؤسسة.
متابعة مؤشرات تساعد على اكتشاف أحدث المستجدات والتحولات في المشهد التنافسي للأسواق.
تختلف درجة المخاطر والتعقيد وسرعة التغير المرتبطة بالميزة التنافسية من سوق إلى أخرى، وهو ما يجعل من الضروري أن يتابع قادة الأعمال ميزتهم التنافسية على مستوى كل سوق تعمل فيه الشركة. ورغم أن هذه المهمة ليست سهلة، فإن هناك ثلاث إشارات أساسية يمكن أن تساعد المؤسسات على رصد احتمال تآكل ميزتها التنافسية، كما يمكن أن تكشف عن فرص جديدة للتوسع في مجالات وأسواق واعدة.
- متابعة "معدل تغيّر المراكز التنافسية للشركات في السوق " على مستوى كل سوق. فالتغير الملحوظ في هذا المعدل داخل أي قطاع، سواء تمثل في تسارع حركة تبدّل المراكز بين الشركات أو في اتساع الفجوة في الحصص السوقية بين الشركات المتصدّرة والمتأخرة، غالبًا ما يشير إلى احتمال تآكل الميزة التنافسية لدى بعض الشركات. كما قد يكشف هذا التغير عن تحولات في العوامل التي تؤثر في قرارات الشراء لدى العملاء، وهو ما قد يفتح المجال أمام الشركات لدخول مجالات جديدة للنمو.
- تتبّع حركة الاستثمارات في السوق: فالتغيرات في تدفق الاستثمارات نحو الشركات الناشئة، أو في عدد براءات الاختراع المسجلة، أو في اتجاهات التمويل داخل القطاع، تعد مؤشرات مهمة قد تنبه إلى ظهور منافسين جدد، وغالبًا ما يعمل هؤلاء بنماذج تكلفة مختلفة. كما قد تعكس هذه التحولات دخول طاقات إنتاجية جديدة إلى السوق، أو بروز عروض قيمة مختلفة، أو تغير احتياجات العملاء، أو حتى حدوث اختراقات تكنولوجية. وكل هذه التطورات قادرة على إعادة تشكيل طبيعة المنافسة داخل القطاع، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى تقويض المزايا التي كانت تتمتع بها الشركات القائمة.
- مراقبة عمليات الاستحواذ التي تقوم بها شركات من خارج القطاع: فهذه التحركات قد تحمل دلالات مهمة على تغيرات قادمة في السوق. وتظهر نتائج استطلاعنا أن الشركات الأعلى أداءً تميل بنسبة تزيد على 50% مقارنة بغيرها إلى متابعة استحواذات الشركات غير المنافسة على شركات تقدم منتجات أو خدمات تدخل في نطاق المنافسة نفسها. وغالبًا ما تكون مثل هذه الصفقات مؤشرًا مبكرًا على تحولات كبيرة قد تشهدها الصناعة، وقد تعكس بداية تغير أعمق في طبيعة المنافسة داخل القطاع.
إلى جانب متابعة المؤشرات المرتبطة بالسوق، تستطيع المؤسسات أيضًا مراقبة بعض الإشارات الداخلية التي تساعدها على تقييم قوة ميزتها التنافسية. ومن بين هذه الإشارات صفقات الاستحواذ التي لا تحقق النتائج المتوقعة، أو محاولات التوسع في أسواق أو مناطق جديدة لا تنجح كما كان مخططًا لها. كما قد تظهر مؤشرات أخرى تستدعي الانتباه، مثل تراجع مفاجئ في الحصة السوقية أو خسارة عقود كبيرة لصالح شركات لم تكن تُعد سابقًا من المنافسين الرئيسيين. وغالبًا ما تعكس مثل هذه التطورات وجود تغيّر في موازين المنافسة يستدعي إعادة النظر في مصادر التفوق التنافسي للشركة.
ورغم أن هذه المؤشرات لا تغطي جميع العوامل التي قد تؤدي إلى تآكل الميزة التنافسية، فإن متابعتها تمنح قادة الأعمال وسيلة عملية تساعدهم على رصد التغيرات التي قد تكون بدأت بالفعل في السوق. فمراقبة هذه الإشارات تتيح فهم التحولات الجارية بقدر أكبر من الموضوعية والوضوح. كما يمكن للأدوات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أن تدعم هذه العملية، إذ تساعد المديرين على تتبع التحركات داخل مجموعة المنافسين، ورصد المنتجات البديلة المحتملة، وتحديد القطاعات التي تشهد نموًا أو تراجعًا، إضافة إلى اكتشاف مجالات سوقية قد تفتح فرصًا جديدة للنمو. وتكتسب هذه الأدوات أهمية خاصة لأن كثيرًا من الاتجاهات الجديدة تظهر أولًا في بيانات غير منظمة قد لا تتمكن الأساليب التحليلية التقليدية من التقاطها بسهولة.
عندما تركز الشركات على تحقيق النمو في المجالات التي تمتلك فيها بالفعل نقاط قوة واضحة، فإنها تستطيع جذب عدد أكبر من العملاء مقارنة بمنافسيها، وغالبًا ما يتحقق ذلك باستثمارات أقل. ومع تسارع تآكل الميزة التنافسية في كثير من الأسواق، تصبح المؤسسات التي تنجح في تحديد مصادر تفوقها وتعزيزها أكثر قدرة على تحقيق نمو أعلى مع مستوى أقل من المخاطر. ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية من منظور المستثمرين، إذ إن قدرتهم على ربط خطوات التوسع التي تقوم بها الشركة بعناصر القوة التي تمتلكها يعزز ثقتهم في توقعات النمو التي تطرحها. ومع ذلك، حتى في الأسواق التي تبدو مستقرة، قد لا تلاحظ بعض الشركات التراجع التدريجي في موقعها التنافسي إلا بعد فوات الأوان. ولعل ما قاله مايك كامبل، إحدى شخصيات رواية "الشمس تشرق أيضًا" للكاتب إرنست همنغواي، يوضح هذه الفكرة حين سُئل عن كيفية إفلاسه فأجاب: "بطريقتين: تدريجيًا، ثم فجأة".