كيف تُبنى الاستراتيجيات في عصر ساحات المنافسة السوقية الجديدة

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

تغيّرت خريطة المنافسة في عالم الأعمال، وأصبحت الشركات تواجه تحولاً يتجاوز ظهور منافسين جدد إلى تغير القطاعات التي تُصنع فيها الأرباح وتتركز فيها فرص النمو. فبعدما كانت كل شركة تراقب نظيراتها داخل القطاع وتبني خططها على حركة الموردين والعملاء، ظهرت خلال العقدين الماضيين مجالات سريعة النمو امتد تأثيرها إلى قطاعات عديدة وأعادت رسم موازين القوة بينها. ويبحث هذا المقال في طبيعة هذه المجالات، وكيف غيّرت أسس المنافسة، وما الذي ينبغي لقادة الشركات فعله لحماية أعمالهم واقتناص الفرص الناشئة عنها. وتكشف الأرقام حجم هذا التحول، إذ جاءت نحو 85 في المئة من الزيادة التي حققتها الأرباح عالمياً منذ عام 2005 من مجموعة محدودة من المجالات، من بينها الحوسبة السحابية، والتجارة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والمركبات الكهربائية.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

وتطلق ماكنزي على هذه المجالات اسم "ساحات المنافسة"، لأنها تفتح أمام الشركات سباقاً جديداً تحكمه قواعد تختلف عن القطاعات التقليدية، كما يوضح العمود الجانبي بعنوان "تطور ساحات المنافسة". فهي تنمو وتتغير بوتيرة متسارعة، وتجذب أعداداً كبيرة من الشركات الجديدة، فيما قد تنتهي الحصة الكبرى من الإيرادات والأرباح في أيدي عدد محدود من الشركات التي تنجح في التقدم مبكراً. كما أن تأثيرها لا يبقى محصوراً داخل قطاع واحد، إذ يمتد إلى قطاعات أخرى ويغيّر الأدوار التي تؤديها الشركات والطريقة التي تنتقل بها المنتجات والخدمات من المورد إلى العميل. وقد تجد شركة تأمين على السيارات، على سبيل المثال، أن الأسس التي تعتمد عليها في احتساب المخاطر وتسعير وثائق التأمين قد تغيرت بسبب انتشار منصات المركبات ذاتية القيادة، التي تقلل الحوادث وتنقل مسؤولية الضرر من السائق إلى الشركة المصنعة أو مطور نظام القيادة. وهكذا يصل أثر إحدى ساحات المنافسة الجديدة إلى شركة لم تكن ترى نفسها جزءاً منها، ثم يعيد تشكيل نشاطها من جذوره.

وتتضح قوة ساحات المنافسة في قدرتها على تحقيق نمو سريع وتغيير موازين السوق خلال فترة قصيرة، وهو ما يظهر في انتقال الحصص السوقية بين الشركات المتصدرة وصعود منافسين جدد إلى الواجهة. وينشأ هذا التحول عادة عندما تجتمع ثلاثة عوامل مترابطة، تتمثل في ظهور تقنية مبتكرة أو طريقة جديدة لممارسة الأعمال، وسوق واسعة أو آخذة في الاتساع، ومنافسة تمنح الشركات المتقدمة فرصة لمضاعفة تفوقها مع مرور الوقت. فكلما ضخت هذه الشركات استثمارات إضافية، ارتفعت جودة منتجاتها وخدماتها، وتسارعت قدرتها على التعلم من السوق، وانخفضت تكاليف تشغيلها. كما تتوسع شبكة الموردين والشركاء والمطورين المحيطة بها، وتزداد قوة علاقتها بالعملاء. ومع تراكم هذه المكاسب، ترسخ الشركات المتقدمة مكانتها ويصبح اللحاق بها أو انتزاع الصدارة منها أشد صعوبة.

ويمتد أثر ساحات المنافسة إلى قطاعات تبدو بعيدة عنها، لأن الخدمات الجديدة تُغيّر ما ينتظره العملاء من جميع الشركات. فعندما يعتاد المستهلك، على سبيل المثال، سرعة الشراء وسهولة الدفع والتوصيل التي توفرها منصات التجارة الإلكترونية، يبدأ بالمطالبة بالتجربة نفسها عند تعامله مع المصارف وشركات التأمين وغيرها من مقدمي الخدمات. وبهذه الطريقة، تضع المجالات الجديدة معايير مختلفة للجودة والسرعة والسعر، ثم تدفع الشركات في بقية القطاعات إلى تطوير أعمالها حتى تحافظ على عملائها. كما يؤدي توسع هذه المجالات إلى زيادة الطلب على بعض الموارد والخدمات، وقد يرفع تكلفتها أو يقلل توافرها أمام قطاعات أخرى. لذلك يمتد تأثيرها إلى بيئة الأعمال بأكملها من خلال إعادة تشكيل المنافسة والطلب والعرض، وهو ما يوضحه العمود الجانبي بعنوان "كيف تُغيّر ساحات المنافسة المشهد الاقتصادي في مختلف القطاعات".

ويفرض صعود ساحات المنافسة على قادة الأعمال إعادة النظر في الطريقة التي يضعون بها استراتيجيات شركاتهم من زاويتين مترابطتين. تبدأ الأولى بتوسيع نطاق الرؤية إلى ما يتجاوز حدود القطاع التقليدية، إذ لم يعد كافياً أن تدرس الشركة منافسيها ومورديها وعملاءها الحاليين، بعدما أصبحت مجالات سريعة التطور قادرة على نقل فرص النمو والأرباح إلى أنشطة جديدة وتغيير الجهات التي تستحوذ عليها. أما الزاوية الثانية، فتتمثل في تحديد القطاعات التي تحمل خصائص ساحات المنافسة، وفهم ما يمكن أن تفتحه تحركاتها من فرص أمام الشركة، وما قد تفرضه من مخاطر على أعمالها القائمة. وفي هذا المشهد، تتراجع أهمية الموقع الذي تحتله الشركة اليوم داخل قطاعها، بينما تتقدم قدرتها على توجيه الأموال والكفاءات والموارد نحو المجالات الناشئة التي تستطيع أن تبني فيها تفوقها المستقبلي.

وأمام هذا المشهد، يحتاج قادة الشركات إلى تحديد مدى تأثير كل ساحة منافسة في أعمالهم، وما إذا كانت تهدد مصادر دخلهم الحالية أو تفتح أمامهم فرصة جديدة للنمو، ثم تقييم ما يملكونه من خبرات وموارد تساعدهم على التحرك. وعلى ضوء هذه القراءة، يتغير دور الاستراتيجية من حماية الموقع الذي بنته الشركة داخل سوقها التقليدية إلى تحديد الطريقة الأنسب للتعامل مع المجالات الجديدة، سواء بالدخول فيها، أو تطوير النشاط القائم لمواكبتها، أو الاستعداد لتأثيرها من خارجها. وبعد اختيار المسار، توجّه الشركة استثماراتها وكفاءاتها واهتمام إدارتها إلى المجالات التي تستطيع من خلالها بناء موقع قوي والمحافظة عليه.

اختيار الاستراتيجية المناسبة لكل ساحة منافسة

تختلف آثار ساحات المنافسة من شركة إلى أخرى بحسب مدى اقترابها من النشاط الذي تقوم عليه أعمال الشركة وإيراداتها، كما هو موضح في "الشكل 1". فقد تمس الساحة الجديدة صميم النشاط مباشرة، مثلما فعل انتشار المركبات الكهربائية بشركات السيارات التقليدية، إذ فرض عليها استثمارات كبيرة في البطاريات والبرمجيات وخطوط الإنتاج الجديدة، وغيّر طبيعة التكاليف والأنشطة التي تحقق منها أرباحها. وقد يأتي التأثير تدريجياً من مجال قريب، كما حدث في قطاع الإعلام مع انتشار خدمات مشاهدة الأفلام والمسلسلات عبر الإنترنت مقابل اشتراك مباشر. ففي النموذج التقليدي، كانت شركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية تعتمد على دور العرض وشبكات التلفزيون وشركات التوزيع للوصول إلى الجمهور. أما هذه الخدمات، فقد أنشأت قناة مباشرة بينها وبين المشاهد، وأصبحت هي التي تحصل على رسوم الاشتراك، وتجمع البيانات عن عاداته وتفضيلاته، وتقرر ما يظهر أمامه من محتوى. ونتيجة لذلك، انتقل إليها جزء من الإيرادات والنفوذ الذي كان موزعاً بين شركات الإنتاج والقنوات والموزعين. أما الساحات البعيدة عن النشاط الأساسي، فقد يبدو أثرها محدوداً في البداية، ثم يتسع مع نموها حتى يصل إلى قلب أعمال الشركة. وتوضح أدوية علاج السمنة هذا الاحتمال، لأنها تساعد بعض مستخدميها على خفض الشهية وتناول كميات أقل من الطعام. وإذا اتسع استخدامها، فقد يتراجع الطلب على بعض الوجبات والمنتجات الغذائية والمشروبات التي تعتمد مبيعاتها على كثرة الاستهلاك أو تكراره. وعندها قد تضطر شركات الأغذية والمشروبات وبعض شركات السلع الاستهلاكية إلى تعديل أحجام المنتجات، وتطوير خيارات جديدة، وإعادة النظر في توقعاتها للمبيعات. وهكذا يمكن لتطور بدأ في قطاع الأدوية أن يغيّر الطلب والإيرادات في قطاعات لم تكن تعد نفسها جزءاً منه.

الشكل 1

وتجد الشركات نفسها عادة أمام عدة ساحات منافسة في مرحلة واحدة، ولكل ساحة منها تأثير مختلف يتطلب قراراً يتناسب مع طبيعتها ودرجة اقترابها من النشاط الأساسي. فقد تضطر الشركة إلى إعادة بناء جزء من أعمالها عندما يهدده تحول مباشر، بينما تزيد استثماراتها في مجال آخر ترى فيه فرصة واضحة للنمو، وتكتفي بالتجربة والمراقبة في مجال ثالث ما زال مستقبله غير محسوم. وهنا تصبح مهمة القيادة إدارة هذه المسارات مجتمعة وتحديد مقدار ما يحصل عليه كل منها من أموال وكفاءات ووقت إداري. ويختلف هذا الأسلوب عن التخطيط التقليدي الذي كان يتعامل مع كل نشاط على حدة، ويركز على مساعدته في التفوق على الشركات المنافسة داخل القطاع نفسه. أما ساحات المنافسة الجديدة، فتفرض قرارات مترابطة، لأن زيادة الاستثمار في مجال معين تعني تخصيص موارد أقل لمجالات أخرى. كما أن أهمية كل ساحة تتغير بمرور الوقت، فقد ينتقل مجال ناشئ من هامش أعمال الشركة إلى صميمها، أو تفقد فرصة واعدة جاذبيتها بعد تغير التقنية أو تراجع الطلب. لذلك يحتاج القادة إلى مراجعة أولوياتهم باستمرار، ونقل الأموال والكفاءات واهتمام الإدارة إلى المجالات التي تتعاظم قدرتها على التأثير في مستقبل الشركة.

ولتحديد القرار المناسب لكل ساحة منافسة، يمكن للشركة تقييم وضعها من خلال سؤالين أساسيين، كما هو موضح في "الشكل 2". يتعلق السؤال الأول بمدى قرب تأثير الساحة من أعمالها، أي هل تغيّر الطريقة التي تنتج بها الشركة وتقدم خدماتها وتحقق إيراداتها، وهل يمكن أن تعزز موقعها في السوق أو تضعفه. أما السؤال الثاني، فيبحث في قدرة الشركة على النجاح داخل هذه الساحة، من خلال معرفة ما إذا كانت تمتلك، أو تستطيع بناء، الخبرات والتقنيات والموارد المالية والعلاقات والأصول التي تحتاج إليها لمنافسة الشركات المتقدمة. ومن خلال الجمع بين درجة تأثير الساحة وقدرة الشركة على المنافسة فيها، تستطيع الإدارة معرفة ما إذا كان عليها تغيير نشاطها الأساسي، أو زيادة استثماراتها، أو التركيز على مجالات محددة، أو الاكتفاء بالاستكشاف إلى أن تتضح الفرصة.

الشكل 2

بعد تقييم مدى تأثير الساحة الجديدة في أعمال الشركة وقدرتها على المنافسة فيها، يمكن للإدارة اختيار أحد أربعة مسارات رئيسية: تغيير نشاطها الأساسي عندما يصبح نموذجها الحالي مهدداً، أو إعادة تركيز مواردها على المجالات التي تمتلك فيها فرصة أكبر للنجاح، أو بناء طريقة جديدة للوصول إلى العملاء عندما تنتقل الأرباح إلى جهات أخرى، أو استكشاف فرص ناشئة والاستعداد للتوسع فيها عند نضجها. وتوضح تجارب أربع شركات خلال الأعوام الـ15 الماضية كيفية تطبيق هذه الخيارات عملياً. فقد أعادت "أدوبي" بناء نموذج أعمالها بالانتقال من بيع البرامج مرة واحدة إلى تقديمها عبر اشتراكات مستمرة. وأعادت "تكساس إنسترومنتس" توجيه أعمالها بعيداً عن المنافسة في معالجات الهواتف التي تتطلب استثمارات ضخمة، وركزت على شرائح إلكترونية تستخدم للتحكم في وظائف الأجهزة والسيارات والمعدات الصناعية، وهي مجالات تتناسب أكثر مع خبراتها وقدراتها التصنيعية. كما طورت شركة إعلامية عالمية منصة خاصة بها للتواصل المباشر مع المشاهدين بدلاً من الاعتماد الكامل على قنوات وشركات التوزيع. وفي الصين، استثمرت شركات مبكراً في المركبات الكهربائية مستفيدة من خبراتها في البطاريات، ما منحها القدرة على بناء خبرة وموقع قوي مع توسع هذا السوق.

كيف أعادت شركة برمجيات نشاطها من النظام التقليدي إلى نظام الاشتراكات

وجدت شركة "أدوبي" نفسها عند منعطف حاسم، بعدما بدأت الطريقة التي يشتري بها الأفراد والشركات البرمجيات تتغير من دفع مبلغ واحد مقابل استخدام البرنامج لسنوات، إلى دفع اشتراك دوري يضمن استمرار الوصول إليه والحصول على تحديثاته. وكان تبني هذا النموذج يعني تراجع إيرادات "أدوبي" في المدى القريب، لأن المبالغ الكبيرة التي كانت تحصل عليها فور بيع التراخيص ستتحول إلى دفعات أصغر تُحصّل على فترات متتابعة. كما تطلب القرار إعادة تنظيم عمليات الشركة لتطوير البرامج وتحديثها وخدمة مستخدميها بصورة مستمرة، مع احتمال أن تسحب الاشتراكات الجديدة العملاء من منتجاتها التي كانت تحقق أعلى الأرباح. ورغم هذه المخاطر، أدركت الشركة أن الانتقال المبكر سيمنحها موقعاً قوياً في النموذج الذي أصبح لاحقاً الأساس الذي تقوم عليه سوق البرمجيات.

وحسمت شركة "أدوبي" قرارها سريعاً، فنقلت منتجاتها الرئيسية إلى خدمة سحابية تقوم على الاشتراك، وأعادت تنظيم أعمالها وإيراداتها حول هذا النموذج.1 ومضت في التحول رغم تشكك المستثمرين في نجاحه وتراجع إيراداتها خلال المرحلة الأولى، إذ كانت الشركة تستبدل المبالغ الكبيرة التي تحصل عليها عند بيع البرامج بدفعات دورية تتراكم مع مرور الوقت.2 وأثبت القرار جدواه تدريجياً، فقد أصبحت علاقة "أدوبي" بالعميل مستمرة طوال مدة اشتراكه، بدلاً من أن تنتهي بعد شراء نسخة البرنامج. وساعد ذلك الشركة على زيادة الإيرادات التي يحققها كل عميل على مدى سنوات استخدامه لمنتجاتها، كما أتاح لها تطوير الخصائص وإصدار التحديثات بوتيرة أسرع، من دون انتظار طرح نسخة جديدة كاملة في السوق.

وتقود نتائج هذا التحول إلى درس أوسع حول إعادة بناء النشاط الأساسي، فالشركة التي تتحرك وهي ما تزال ناجحة تستطيع أن تحجز لنفسها موقعاً في نموذج ناشئ، قبل أن يتحول هذا النموذج إلى تهديد يضعف أعمالها الحالية. ويناسب هذا المسار الشركات التي تواجه تحولاً يمس مصادر دخلها مباشرة، وتمتلك عناصر تساعدها على المنافسة في الواقع الجديد، مثل قوة العلامة التجارية، وثقة العملاء، والخبرة التقنية. غير أن اتخاذ القرار في هذه المرحلة يظل بالغ الصعوبة، لأن الشركة تكون مطالبة بتخصيص أموال وكفاءات كبيرة لنموذج لم تتضح نتائجه بعد، بينما يواصل نشاطها التقليدي تحقيق الأرباح. ولهذا تتردد الشركات الراسخة في تمويل تحول قد يضعف مصدر دخلها الحالي. إلا أن الانتظار يمنح المنافسين وقتاً لاكتساب الخبرة وجذب العملاء وتثبيت مواقعهم، وعندها تصبح محاولة اللحاق بهم أشد كلفة وصعوبة.

وتزداد خطورة هذا التردد لأن المسار الذي سيقود السوق لا يكون واضحاً في المراحل الأولى من نشوء ساحات المنافسة. ففي العادة، تتسابق تقنيات متعددة وطرق مختلفة لتحقيق الإيرادات وجذب العملاء، وقد تستثمر الشركة مبكراً في خيار لا يحقق عائداً سريعاً أو يفشل تماماً. ومع ذلك، فإن انتظار اتضاح الصورة قد يعرّضها لخطر أكبر، لأن الشركات التي تبدأ الاستثمار والتجربة قبل غيرها تكتسب خبرة متراكمة، وتحسن منتجاتها، وتوسع قاعدة عملائها، فتزداد قوتها مع كل خطوة. ولهذا تكون الشركات التي تختبر نماذج جديدة، ثم توسع ما يثبت نجاحه وتخصص له الموارد مبكراً، أقدر على التأثير في اتجاه السوق وصياغة قواعده. أما الشركات التي تؤجل قرارها، فقد تدخل بعد أن تستقر مواقع المنافسين وترتفع تكلفة اللحاق بهم، فتفقد فرصة المنافسة من أساسها.

ومع تعذر معرفة التقنية أو نموذج الأعمال الذي سيفرض نفسه في النهاية، يجد قادة الشركات أنفسهم أمام قرارات عملية صعبة، من أبرزها ما يلي:

  • مواصلة اختبار طرق جديدة لتقديم المنتجات وتحقيق الإيرادات، حتى عندما تكون نتائجها في المدى القريب أضعف من نتائج النشاط الأساسي للشركة.
  • إعادة توجيه جزء من الاستثمارات من النشاط الأساسي إلى النماذج الناشئة، رغم أن هذا النشاط ما زال يحقق معظم الإيرادات التي تعتمد عليها الشركة في تمويل أعمالها.
  • نقل جزء من الكفاءات والتقنيات والموارد التشغيلية إلى المجالات الجديدة، وتطوير الخبرات التي تحتاج إليها الشركة للمنافسة وفق الأساليب الناشئة.

وتتطلب إعادة بناء النشاط الأساسي توجيه حصة كبيرة من الاستثمارات إلى النموذج الجديد في مرحلة مبكرة، حين يكون النشاط القائم ما زال قوياً وقادراً على تمويل عملية التحول. ووفقاً لخبرة شركة "ماكنزي"، تخصص الشركات التي تنجح في هذا المسار ما بين 50 إلى 70 في المئة من استثماراتها الاستراتيجية لبناء النموذج الناشئ وتوسيعه حتى يصبح نشاطاً قادراً على النمو وتحقيق الإيرادات. أما الجزء المتبقي، فتستخدمه لدعم أعمالها الحالية والمحافظة على قدرتها على تمويل التحول، مع إبقاء بعض الموارد متاحة لاقتناص فرص جديدة قد تظهر لاحقاً.

غير أن حجم الاستثمار وحده لا يضمن نجاح التحول، إذ تقع بعض الشركات في خطأ التعامل مع نموذج العمل الجديد باعتباره إضافة محدودة إلى نشاطها القائم. ويبدو هذا الخيار أقل مخاطرة، لأن النموذج الجديد قد يساعد مؤقتاً على الاحتفاظ بالعملاء، ويمنح المنتجات الحالية قدرة أطول على البقاء، ويؤخر تراجع النشاط الذي تعتمد عليه الشركة في تحقيق إيراداتها. إلا أن هذه الفوائد تتحقق بصورة أفضل عندما تتعامل الإدارة مع النموذج الجديد بوصفه الأساس الذي ستبني عليه تفوقها مستقبلاً، وتمنحه ما يحتاج إليه من موارد وصلاحيات واهتمام. أما الاكتفاء باستثمارات صغيرة ومتدرجة، فيبطئ قدرة الشركة على التعلم من السوق، ويؤخر تطوير منتجاتها، ويمنعها من بناء موقع قوي قبل تقدم المنافسين. وهكذا قد يتحول المسار الذي اختارته الإدارة لتقليل المخاطر إلى خيار أشد خطورة. لذلك يحتاج القادة إلى تقبل احتمال فشل بعض الاستثمارات وتراجع أجزاء من النشاط التقليدي، وإدراك أن حماية الشركة قد تتطلب منها بناء النموذج الجديد الذي سيغير لاحقاً شكل أعمالها الحالية.

كيف أعادت شركة لأشباه الموصلات توجيه أعمالها والمجالات التي تستطيع التفوق فيها

يفرض التحول الذي يصل إلى صميم أعمال الشركة حقيقة صعبة على قيادتها، وهي أن النجاح في جميع المجالات التي اعتادت المنافسة فيها قد لا يعود ممكناً. فمحاولة مجاراة الشركات المتقدمة في كل منتج وكل شريحة من السوق توزع الأموال والكفاءات والتقنيات على نطاق أوسع من قدرة الشركة، فتضعف قوة استثماراتها وتتراجع العوائد التي تحققها منها. وفي مثل هذه الظروف، يكون القرار الأجدى هو تحديد المجالات التي تمتلك فيها الشركة فرصة حقيقية للتفوق، وتوجيه مواردها إليها، مع الانسحاب من الأسواق التي تستهلك قدراتها من دون أن تمنحها موقعاً قوياً أو عائداً مجزياً.

وهذا هو التحدي الذي واجهته شركة "تكساس إنسترومنتس" عندما اتجهت صناعة أشباه الموصلات نحو تطوير رقائق متقدمة تتطلب مصانع باهظة التكلفة واستثمارات متواصلة، ولا سيما المعالجات المستخدمة في الهواتف المحمولة. وكانت المنافسة في هذا المجال تحتاج أيضاً إلى علاقات قوية مع مصنعي الأجهزة ومطوري البرمجيات وشركات الاتصالات، وهي شبكة تركزت حول عدد محدود من الشركات المتقدمة. لذلك أدركت "تكساس إنسترومنتس" أن محاولة مجاراة هذه الشركات ستستهلك موارد ضخمة من دون أن تضمن لها موقعاً قوياً. وبدلاً من مواصلة السباق في معالجات الهواتف، خرجت الشركة من هذا المجال وركزت أعمالها على نوعين آخرين من الرقائق. الأول هو الرقائق التناظرية التي تتعامل مع الإشارات الواقعية، مثل الحرارة والصوت والطاقة، وتحولها إلى بيانات تستطيع الأجهزة معالجتها. أما النوع الثاني فهو الرقائق المدمجة التي تتحكم في وظائف محددة داخل السيارات والآلات والمعدات والأجهزة الإلكترونية. وتتميز هذه الأسواق باستمرار استخدام المنتجات لفترات أطول واستقرار الطلب عليها، كما أنها تتوافق مع قدرات الشركة التصنيعية وعلاقاتها القائمة مع العملاء. وأتاح هذا القرار لشركة "تكساس إنسترومنتس" توجيه أموالها وخبراتها إلى المجالات التي تستطيع فيها خفض التكاليف، وخدمة العملاء بكفاءة، وبناء تفوق يصعب على المنافسين تقليده. ومع مرور الوقت، ساعدها هذا التركيز على تحقيق هوامش ربح أقوى وموقع أقدر على الصمود أمام تقلبات السوق، مقارنة بما كان يمكن أن تحققه لو واصلت توزيع مواردها على مجموعة واسعة من أنواع الرقائق.

وتوضح تجربة شركة "تكساس إنسترومنتس" متى يصبح التركيز على مجالات محددة هو المسار الاستراتيجي الأنسب. فهذا الخيار يناسب الشركة التي لا تمتلك الخبرات أو القدرة الاستثمارية أو شبكة الشركاء التي تؤهلها لمنافسة الشركات المتقدمة وفق القواعد التي فرضتها الساحة الجديدة. وفي هذه الحالة، تؤدي محاولة الاستمرار في جميع الأسواق إلى استنزاف الموارد، بينما يتيح الانسحاب المدروس توجيهها إلى الأنشطة التي تتوافق مع قدرات الشركة وتمنحها فرصة أقوى لبناء موقع يصعب منافسته. وعادة ما تخصص الشركات التي تتبنى هذا المسار ما بين 60 إلى 80 في المئة من استثماراتها الاستراتيجية لتقوية الأنشطة التي قررت الاحتفاظ بها أو إعادة توجيهها نحو مجالات أنسب. أما النسبة المتبقية، فتستخدمها لتمويل خطوات الانتقال، مثل الخروج من الأنشطة التي لم تعد تخدم توجهها، وإعادة تنظيم العمليات، ونقل الموظفين وأصحاب الخبرة إلى المجالات التي ستواصل الاستثمار فيها، مع الاحتفاظ بقدر من المرونة للتعامل مع تغيرات السوق. وعندما تبدأ ساحات المنافسة الجديدة بالتأثير في أعمال الشركة، قد يكون تشتت الموارد بين مجالات كثيرة أشد ضرراً من محدودية حجم الشركة نفسها.

كيف استعادت شركة إعلامية عالمية علاقتها بالمشاهدين؟

تواجه الشركة قراراً استراتيجياً بالغ الصعوبة عندما تظل مبيعاتها وأرباحها جيدة، بينما تبدأ مصادر قوتها بالتراجع من دون أن يظهر ذلك بوضوح في نتائجها المالية. ففي قطاع الإعلام، مثلاً، قد تواصل الشركة إنتاج الأفلام والبرامج وبيع حقوق عرضها، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على الوصول المباشر إلى المشاهد، لأن هذا الوصول أصبح يتم عبر خدمات المشاهدة عبر الإنترنت. وهنا تحصل الخدمة على رسوم الاشتراك، وتجمع بيانات المشاهدين، وتعرف ما يفضلونه، وتحدد المحتوى الذي يظهر أمامهم، بينما تظل شركة الإنتاج مجرد جهة توفر لها الأفلام والبرامج. وقد يحدث التحول نفسه بصور مختلفة في قطاعات أخرى. فقد تنتقل الأرباح من بيع الجهاز إلى البرمجيات والصيانة والاشتراكات المرتبطة باستخدامه. وقد يحصل مورد أحد المكونات النادرة، مثل الرقائق المتقدمة، على قوة تفاوضية تتيح له رفع الأسعار والاستحواذ على حصة أكبر من الأرباح. كما يمكن أن تتغير طريقة استخدام العملاء للمنتج، مثل انتقال المشاهد من انتظار برنامج يعرض في موعد تحدده القناة إلى اختيار ما يريد مشاهدته في أي وقت ومن أي جهاز. وتكمن الخطورة في أن الشركة قد تواصل تحقيق الأرباح طوال هذه المرحلة، فتظن أن موقعها ما زال قوياً. غير أن علاقتها المباشرة بالعميل وبياناته وجزءاً من إيرادات السوق تنتقل تدريجياً إلى جهات أخرى. وعندما يظهر أثر هذا التحول في نتائجها المالية، قد تكون الشركات الجديدة قد ثبتت مواقعها وأصبح استرداد العملاء منها أشد صعوبة وكلفة.

وهذا ما واجهته إحدى شركات الإعلام العالمية، والتي كانت تحقق أرباحاً قوية من إنتاج الأفلام والبرامج وبيع حقوق عرضها إلى القنوات وشركات التوزيع. وفي تلك الأثناء، بدأت المنصات التي تقدم الأفلام والمسلسلات عبر الإنترنت مقابل اشتراك مباشر في السيطرة على العلاقة مع المشاهد. فالمستخدم ينشئ حسابه لديها، ويدفع اشتراكه لها، ويشاهد المحتوى من خلال تطبيقها، بينما تجمع هي بياناته وتتعرف إلى ما يفضله وتقترح عليه ما يشاهده لاحقاً. ونتيجة لذلك، أصبحت هذه المنصات تملك الوصول المباشر إلى الجمهور وتحصل على إيرادات الاشتراكات، في حين بقيت الشركة الإعلامية تعتمد على بيع محتواها إلى جهات أخرى للوصول إلى المشاهدين. ولمعالجة هذا الخطر، سرعت الشركة استثماراتها في منصة رقمية تملكها وتديرها بنفسها، ثم نقلت إليها جانباً مهماً من أفلامها وبرامجها وتجربة المشاهدة التي تقدمها للجمهور. وكان هذا القرار يعني تقليل المحتوى الذي تبيعه إلى المنصات والقنوات الخارجية، ومن ثم خسارة جزء من رسوم الترخيص والتوزيع التي كانت تحصل عليها منها. وقبلت الشركة هذا التراجع المؤقت حتى تحصل مستقبلاً على الاشتراكات مباشرة، وتتعرف إلى جمهورها، وتتحكم في طريقة عرض محتواها، وتبني موقعاً قوياً في الجزء الذي بدأت تتركز فيه الإيرادات والنفوذ داخل قطاع الإعلام.

واتخذت الشركة هذا القرار وهي ما تزال في موقع مالي قوي، فاستثمرت في الوصول المباشر إلى الجمهور قبل أن يصبح هذا المسار أساسياً في أعمالها. وكانت تدرك أن طريقة مشاهدة المحتوى والحصول عليه تتجه نحو المنصات الرقمية، وأن امتلاك منصة خاصة بها قد يحدد قدرتها مستقبلاً على حماية إيراداتها وعلاقتها بالمشاهدين. ويتمثل التحدي الذي تواجهه الشركات الراسخة في مثل هذه المرحلة في أن نجاح النشاط الحالي يقلل شعورها بالحاجة إلى التغيير. فتواصل الإدارة تحسين الأعمال التي تحقق الأرباح، وتكتفي بإطلاق تجارب صغيرة ومتفرقة في المجال الجديد، من دون منحها ما يكفي من الأموال والكفاءات والمحتوى حتى تنمو. غير أن الشركات التي تتحرك مبكراً تبدأ بجمع بيانات المستخدمين، وتحسين خدماتها، وزيادة أعداد المشتركين، وتمويل محتوى جديد يجذب جمهوراً أوسع. ومع تراكم هذه المزايا، تتسع المسافة بينها وبين الشركات المتأخرة. لذلك قد يؤدي انتظار تراجع النشاط التقليدي قبل اتخاذ قرار حاسم إلى وصول الشركة متأخرة جداً، بعدما أصبح اللحاق بالمنافسين مكلفاً أو غير ممكن.

ومن هنا، يتمثل التحدي الاستراتيجي في معرفة المجال الذي تنتقل إليه مصادر القوة والأرباح، مثل امتلاك العلاقة المباشرة مع العميل وبياناته وإيرادات اشتراكه، ثم تخصيص موارد كافية لبناء موقع قوي فيه. ووفقاً لتقديرات المقال، يتطلب ذلك عادة توجيه ما بين 60 إلى 70 في المئة من الأموال المخصصة للاستثمارات الاستراتيجية نحو المجال القريب من نشاط الشركة، حتى تتمكن من تطوير قدراتها وجذب العملاء ومنافسة الجهات التي سبقتها إليه.

الاستعداد المبكر للفرص: كيف طورت الصين صناعة المركبات الكهربائية؟

قد يبدأ التحول الذي سيغيّر صناعة كاملة في مجال يبدو بعيداً عنها ولا يستحق اهتماماً عاجلاً. وهذا ما حدث مع الروبوتات الصناعية، التي ارتبط استخدامها لسنوات بمصانع السيارات بسبب ارتفاع تكلفتها وملاءمتها لخطوط الإنتاج الكبيرة والمتكررة. ثم تغيرت المعادلة عندما انخفضت أسعارها وتطورت قدرتها على تنفيذ مهام متنوعة بدقة، فأصبح استخدامها مجدياً في مصانع الإلكترونيات والسلع الاستهلاكية وغيرها. ومن تبنّى هذه التقنية استطاع إنتاج كميات أكبر في وقت أقصر، مع خفض الأخطاء والتكاليف وتحسين جودة المنتجات. ونتيجة لذلك، لم يعد قرار استخدامها شأناً تقنياً يخص الشركات الراغبة في التجربة، وإنما أصبح عاملاً يؤثر في قدرة المصنع على منافسة الشركات التي تنتج بسرعة أعلى وتكلفة أدنى. وهكذا تعمل ساحات المنافسة التي تنشأ بعيداً عن النشاط الأساسي، إذ يبدو أثرها ضعيفاً في البداية، ثم تبلغ مرحلة تجعل تجاهلها سبباً مباشراً في تراجع الشركة عن منافسيها.

وينطبق المنطق نفسه على المركبات الكهربائية في الصين. ففي المراحل الأولى، كانت تقنيات البطاريات ما تزال تتطور، وتكاليف الإنتاج مرتفعة، وإقبال المستهلكين غير مضمون، كما لم تكن الشركات قد توصلت بعد إلى طريقة واضحة لتحقيق أرباح مستقرة. لذلك بدت المركبات الكهربائية مجالاً جانبياً يمكن لشركات السيارات التقليدية مراقبته من بعيد، من دون أن ترى حاجة عاجلة إلى تغيير أعمالها. غير أن بعض الشركات الصينية كانت تبني قدراتها مبكراً من خارج صناعة السيارات. فقد بدأت شركة "بي واي دي"، على سبيل المثال، في تصنيع البطاريات، ثم استفادت من خبرتها عندما اتسع سوق المركبات الكهربائية وأصبحت البطارية المكون الرئيسي الذي يحدد تكلفة السيارة وأداءها. ومع تحسن التقنية وانخفاض التكلفة وارتفاع إقبال المشترين، انتقلت المركبات الكهربائية خلال فترة قصيرة من مجال محدود إلى محور رئيسي للمنافسة في صناعة السيارات. وهنا تواجه الشركات معادلة دقيقة، إذ تحتاج إلى اكتساب المعرفة وبناء قدرات أولية قبل نضج السوق، مع تجنب ضخ استثمارات ضخمة في مرحلة ما تزال فيها التقنية والطلب واحتمالات النجاح غير محسومة. فالاستعداد المتأخر قد يفوّت الفرصة، بينما قد يؤدي التوسع المبكر جداً إلى استنزاف الموارد قبل أن يصبح السوق جاهزاً.

ويعني تحقيق هذا التوازن أن تتابع الشركة المجالات الناشئة التي لم تؤثر بعد في أعمالها، وأن تبني فهماً عملياً لها من خلال تجارب محدودة أو شراكات صغيرة أو تطوير خبرات أولية. والهدف هو الاحتفاظ بخيارات تتيح لها التحرك سريعاً إذا اتسع تأثير المجال، من دون أن تخصص له منذ البداية استثمارات تفوق حجمه أو درجة نضجه. وتظهر المؤشرات المبكرة عادة عندما تنشأ حاجة جديدة لدى العملاء، أو تصبح تقنية ما قادرة على أداء مهام لم تكن ممكنة سابقاً، أو يبدأ الطلب بالظهور لدى فئة صغيرة من المستخدمين. فقد اقتصر استخدام الطائرات المسيّرة في خدمات التوصيل خلال مراحله الأولى على حالات محددة، مثل نقل المستلزمات الطبية إلى مواقع يصعب الوصول إليها بسرعة. ومع تحسن التقنية وظهور جدواها، اتسع استخدامها ليشمل عمليات توصيل تجارية أخرى. وقد تتجاهل الشركات هذه المؤشرات عندما تظل أعمالها الأساسية قوية ومربحة، لأنها ترى أن الطلب ما زال محدوداً ولا يهدد نشاطها الحالي. غير أن استمرار التجاهل يحرمها من الوقت اللازم لفهم التقنية، وتدريب موظفيها، وبناء الشراكات المناسبة. وعندما يتسارع انتشار المجال الجديد، تجد نفسها مضطرة إلى البدء من الصفر، بينما يكون المنافسون المبكرون قد اكتسبوا الخبرة وثبتوا مواقعهم في السوق.

ولتحويل المتابعة المبكرة إلى قرار عملي، يستطيع قادة الشركة تحديد شروط واضحة مسبقاً لزيادة الاستثمار في المجال الناشئ. فقد تقرر الشركة التوسع عندما تستخدم نسبة معينة من العملاء التقنية الجديدة، أو عندما تنخفض تكلفتها إلى مستوى يسمح بتحقيق الأرباح، أو عندما تصدر تشريعات تدعم استخدامها، أو عندما تتوافر حولها شبكة كافية من الموردين والشركاء والبنية التحتية. وعند تحقق أحد هذه الشروط، تعرف الإدارة أن السوق بدأ الانتقال من مرحلة التجربة إلى مرحلة تستدعي استثماراً أوسع. ويساعد هذا الأسلوب الشركة على التحرك بسرعة عند ظهور مؤشرات حقيقية، من دون استنزاف مواردها قبل نضج السوق. فاختيار التوقيت المناسب للاستثمار لا يقل أهمية عن اختيار المجال نفسه. ولهذا تكون الأموال المخصصة لاستكشاف ساحة ما تزال بعيدة عن النشاط الأساسي محدودة، وتتراوح عادة بين 5 إلى 10 في المئة من الاستثمارات الاستراتيجية. وتستخدمها الشركة لإجراء التجارب، وتطوير معرفة أولية، وبناء علاقات مع الجهات العاملة في المجال. وفي المقابل، تحافظ على قدرتها على زيادة التمويل سريعاً إذا انخفضت التكاليف أو ارتفع الطلب أو تغيرت القواعد المنظمة للسوق. والهدف هو أن تكون مستعدة لبناء موقع قوي عندما يبدأ المجال الجديد بالتأثير مباشرة في أعمالها.

دور القيادات المؤسسية في اختيار ساحات جديدة للمنافسة

تفرض ساحات المنافسة الجديدة على القيادات إعادة النظر في المكان الذي تختار الشركة المنافسة فيه والطريقة التي ستبني بها تفوقها، كما تكشف أوجه القصور في أساليب التخطيط التقليدية. وينجح في هذا المشهد القادة الذين يملكون الجرأة على اختيار مسار واضح وتخصيص الموارد له، مع الاستعداد لتعديله عندما تكشف نتائج السوق أن الافتراضات الأولى لم تكن صحيحة. وتواجه شركات كثيرة صعوبة في تحقيق هذا التوازن. فبعضها يتردد طويلاً حتى يسبقها المنافسون، وبعضها يستثمر في مسار معين ثم يواصل ضخ الأموال فيه رغم ظهور مؤشرات تدعو إلى تغييره أو التخلي عنه. وينبع هذا الخلل من إعداد الاستراتيجيات على افتراض أن حدود القطاعات ستظل ثابتة، وأن الشركة تستطيع توزيع استثماراتها على مراحل بطيئة، وأنها ستتمكن من التراجع عن أي قرار من دون خسائر كبيرة. ولم تعد هذه الافتراضات مناسبة لأسواق تتطور بسرعة، لأن التأخر يمنح المنافسين وقتاً للتعلم وخفض التكاليف وجذب العملاء وبناء شراكات يصعب تعويضها لاحقاً، فتتسع الفجوة مع كل فترة إضافية من الانتظار.

وتتطلب القيادة في عصر ساحات المنافسة التزاماً واضحاً بالاختيارات الاستراتيجية، بدلاً من توزيع الموارد على كل فرصة تظهر في السوق. ويعني ذلك أن تحدد الإدارة المجالات التي تستطيع الشركة بناء تفوق حقيقي فيها، ثم توجه إليها ما يكفي من الأموال والكفاءات ووقت القيادة، حتى لو استدعى الأمر تقليص الاستثمار في مجالات أخرى. كما يتعين على الشركة استخدام الأرباح التي يحققها نشاطها الحالي لتمويل النشاط الذي سيقود نموها مستقبلاً، رغم أن نجاحه قد يؤدي لاحقاً إلى تراجع الطلب على بعض منتجاتها القائمة. فعندما انتقلت شركة "أدوبي" إلى الاشتراكات، على سبيل المثال، كانت تموّل نموذجاً جديداً يمكن أن يقلل مبيعات التراخيص التي اعتمدت عليها لسنوات، لكنه كان ضرورياً لحماية مستقبلها. وبذلك، تُبنى الاستراتيجية من خلال سلسلة مترابطة من القرارات. فاختيار مجال معين يستدعي تخصيص الموارد له، وقد يتطلب نقل الموظفين، أو بناء قدرات جديدة، أو إنهاء أنشطة وشراكات قائمة. ويصعب التراجع عن بعض هذه الخطوات بعد تنفيذها، كما تضطر الإدارة إلى اتخاذها قبل أن تتأكد من النتيجة. وتتمثل مهمة القيادة في اختيار الاتجاه الذي ترى أنه سيصنع قوة الشركة مستقبلاً، ثم الالتزام به بالقدر الكافي، مع متابعة النتائج وتعديل المسار عندما تظهر أدلة تستدعي ذلك.

وتتوقع شركة "ماكنزي" أن تعيد 18 ساحة ناشئة تشكيل المنافسة خلال السنوات المقبلة. ولمساعدة الرؤساء التنفيذيين على الاستعداد لهذه التحولات واتخاذ القرارات المناسبة، يطرح المقال المبادئ الثلاثة التالية:

  • تحديد أولويات النمو أهم من الالتزام بخطة تمتد لخمس سنوات: لم تعد الخطط الاستراتيجية طويلة المدى التي تحدد مسار الشركة لثلاث أو خمس سنوات كافية في بيئة تتغير فيها الأسواق والتقنيات بسرعة. فـ"ساحات المنافسة" الجديدة تتطور بوتيرة متسارعة، وقد تتغير مواقع الشركات خلال فترة قصيرة. لذلك لا يكمن النجاح في التمسك بخطة جامدة، وإنما في تحديد الاتجاه الذي ينبغي للشركة أن تتحرك نحوه، وامتلاك رؤية واضحة تساعدها على توقع التحولات المقبلة واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب. وتتعامل معظم الشركات اليوم مع عدة ساحات منافسة في الوقت نفسه. فبعض هذه المجالات بدأ بالفعل في تغيير طريقة عمل الشركة ومصادر إيراداتها، وبعضها يؤثر في البيئة المحيطة بها من خلال تغيير سلوك العملاء أو أساليب المنافسة، بينما ما زالت مجالات أخرى في بدايتها وقد تصبح أكثر أهمية مستقبلاً ولهذا لا يتمثل التحدي الحقيقي في دخول كل مجال جديد، وإنما في معرفة المجالات التي تستحق التزام الشركة بمواردها. فمحاولة المشاركة في جميع الفرص قد تؤدي إلى تشتيت الاستثمارات وإضعاف القدرة على تحقيق التفوق في أي منها. أما الشركات التي تنجح، فهي التي تختار عدداً محدوداً من المجالات التي ترى فيها فرصة لبناء موقع قوي ومستدام، ثم تركز عليها الأموال والكفاءات والاهتمام الإداري، مع تقليل الاستثمار في المجالات الأخرى أو الخروج منها عندما لا تتوافق مع توجهها المستقبلي.
  • تظهر الاستراتيجية الحقيقية في القرارات التي تحدد أين تضع الشركة أموالها وجهودها: مع انتقال المنافسة إلى مجالات جديدة تعيد تشكيل الأسواق، لم تعد الاستراتيجية مجرد خطة تحدد ما تريد الشركة تحقيقه خلال السنوات المقبلة، وإنما أصبحت مرتبطة بالقرارات التي تتخذها بشأن المجالات التي ستمنحها الأولوية. فالشركات التي تسعى إلى بناء موقع قوي في مجال ناشئ تحتاج إلى توفير التمويل والموارد اللازمة له، لأن الاستثمار المستمر يساعدها على فهم السوق بشكل أسرع، وتطوير قدراتها، وبناء علاقات أقوى مع الشركاء، وتحقيق كفاءة تشغيلية تمنحها ميزة أمام المنافسين. وتواجه بعض الشركات صعوبة في اتخاذ هذه القرارات، إذ تحاول الحفاظ على جميع الخيارات مفتوحة من خلال دعم عدد كبير من المشاريع والمبادرات في وقت واحد. لكن هذا الأسلوب يؤدي غالباً إلى تشتيت الأموال والجهود، لأن بناء موقع قوي في أي مجال جديد يحتاج إلى تركيز حقيقي واستثمارات كافية. كما أن الاعتماد على الميزانيات السنوية التقليدية قد يجعل توزيع الأموال ثابتاً من عام إلى آخر، رغم أن أهمية بعض المجالات تتغير بسرعة وتظهر فرص جديدة تستحق مزيداً من الاهتمام. لذلك، تحتاج القيادة إلى مراجعة أولويات الاستثمار باستمرار، ونقل الأموال والكفاءات إلى المجالات التي يمكن أن تصنع قوة الشركة مستقبلاً. فالنجاح لا يتحقق بمحاولة متابعة كل فرصة جديدة، بل باختيار المجالات التي تمتلك فيها الشركة فرصة حقيقية لبناء تفوق مستدام، ثم منحها الموارد اللازمة للوصول إلى هذا الهدف.
  • التأخر في التحرك حتى تتضح معالم المنافسة قد يفوّت الفرصة: قد يبدو تأجيل القرار حتى تتضح اتجاهات السوق بالكامل خياراً آمناً، لكنه قد يتحول إلى أكبر مخاطرة تواجهها الشركة. فالمجالات الجديدة تتطور وسط منافسة بين تقنيات مختلفة، ونماذج أعمال متعددة، وشبكات من الشركاء تسعى كل منها إلى فرض موقعها. وفي المراحل الأولى، يصعب معرفة النموذج الذي سيصبح المعيار السائد، إلا أن الشركات التي تتحرك مبكراً تستطيع التأثير في مسار السوق وبناء قدرات يصعب على المتأخرين تعويضها. وقد يمنح الانتظار الشركة شعوراً مؤقتاً بأنها تحتفظ بكل الخيارات المتاحة، لكنها قد تخسر الوقت اللازم للتعلم وبناء الخبرة وتكوين العلاقات التي تصنع التفوق على المدى الطويل. ولهذا تحتاج القيادة إلى قراءة التحولات قبل اكتمالها، ومعرفة المجالات التي قد تنتقل إليها فرص النمو، والعوامل التي ستدفع هذا الانتقال، والمؤشرات المبكرة التي تكشف أن التغيير بدأ فعلياً. ولا يعني التحرك المبكر ضخ استثمارات ضخمة من البداية، وإنما بناء خطوات مدروسة تتوسع مع ظهور أدلة تؤكد جدوى المسار. فقد تبدأ الشركة بتجارب محدودة، ثم تزيد استثماراتها عندما تتضح فرص النجاح، أو تغير اتجاهها بسرعة إذا أثبتت النتائج أن افتراضاتها الأولى لم تكن صحيحة. بهذه الطريقة تجمع الشركة بين سرعة التحرك والقدرة على التكيف مع تطورات السوق.

وستصبح هذه المبادئ الثلاثة أكثر أهمية مع ظهور مجالات جديدة قد تغيّر شكل العديد من القطاعات. فالأقمار الصناعية الصغيرة التي تدور حول الأرض قد تفتح فرصاً جديدة في خدمات الاتصال والمراقبة واستخدامات الفضاء. كما يمكن للروبوتات والطائرات المسيّرة والمركبات ذاتية القيادة أن تغير طريقة تنفيذ كثير من الأعمال التي تعتمد اليوم على الجهد البشري. وقد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى ظهور شركات جديدة تعمل بطرق مختلفة، وربما إلى نشوء قطاعات لم تكن موجودة سابقاً.

وفي ظل التحول المستمر في طبيعة المنافسة، تحتاج القيادات التنفيذية إلى تحديد المجالات التي بدأت تؤثر في موقع شركاتها، ومعرفة ما إذا كانت تمتلك القدرات اللازمة للمنافسة فيها أو تستطيع تطويرها قبل أن تصبح هذه المجالات جزءاً رئيسياً من السوق. ويتحدد تفوق الشركة بقدرتها على اختيار المجالات التي توجه إليها مواردها، ومدى سرعة بناء موقع قوي داخلها. ويتطلب ذلك أسلوباً أكثر مرونة في بناء الاستراتيجية، بحيث تراجع الشركات أولوياتها باستمرار، وتنقل استثماراتها إلى المجالات التي تحمل فرص النمو المستقبلية، مع اتخاذ قرارات واضحة بشأن المجالات التي تستحق التركيز وتلك التي تحتاج إلى تقليل الاستثمار فيها أو الخروج منها. وقد تحتاج القيادة إلى التحرك قبل اكتمال المعلومات، لأن انتظار التأكد الكامل قد يمنح المنافسين وقتاً لبناء الخبرة والعلاقات وترسيخ مواقعهم في السوق. وتكمن المخاطرة الأكبر في فقدان الشركة قدرتها على المشاركة في مصادر النمو الجديدة عندما تصبح هذه المجالات محور المنافسة في السوق. فالانتظار لفترة طويلة قد يحرمها من الوقت اللازم لبناء القدرات، وفهم العملاء، وتطوير الحلول التي تمكنها من المنافسة عندما تتغير قواعد القطاع.

Explore a career with us