الذكاء الاصطناعي السيادي.. الطريق لتعزيز المرونة الاستراتيجية والنمو المستدام

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

تنبيه: تُعد هذه المقالة دراسةً تحليلية، لا تتضمن أي توجيهاتٍ سياسية أو تنظيمية أو أمنية، كما أنها لا تطرح وصفاتٍ جاهزة أو استراتيجياتٍ وطنيةٍ بعينها. والأمثلة الواردة فيها هي فقط لتوضيح الأنماط المختلفة التي يمكن أن تظهر بها هذه المنظومات.

لم يعد "الذكاء الاصطناعي السيادي" قضيةً تُطرح في الأوساط السياسية، بل تحول إلى أولويةٍ تفرضها الضرورات الاقتصادية والاستراتيجية معًا. ومع تنامي هذا التوجه، يزداد اقتناع صُنّاع القرار في الحكومات والشركات والجهات الاستثمارية بأن امتلاك القدرات المتقدمة في الذكاء الاصطناعي أصبح أساسًا لا غنى عنه لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات، ومواجهة التحديات الاستراتيجية بكفاءة، وترسيخ الثقة داخل المجتمعات.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

وعلى الرغم من أهميته المتزايدة، لا تزال كثيرٌ من المبادرات التي تستهدف تبنّي "الذكاء الاصطناعي السيادي" تتعثر في التنفيذ، وتخفق في بلوغ النتائج المأمولة منها. لذلك، تتناول هذه المقالة تحليلًا لسُبُل بناء هذه المبادرات بصورةٍ عملية، والعوامل التي تجعل بعض المنظومات السيادية أكثر قدرةً على تحويل التوجهات والطموحات إلى مسارٍ تنفيذيٍّ مستدام، وذلك بالاستناد إلى نتائج استطلاعٍ عالميٍ شمل أطراف المنظومة، ممثَّلين في مجموعةٍ من الشركات، ومزوّدي الخدمات التكنولوجية، والحكومات، والمستثمرين. 1 كما تستعرض المقالة الأدوار المنتظرة من مختلف الأطراف، والتحديات التي تعترضهم، وتسلّط الضوء على بعض نماذج الشراكات التي أثبتت فاعليةً أكبر، فضلًا عن تقديم خريطة طريقٍ عملية يمكن الاسترشاد بها في بناء قدراتٍ سياديةٍ ذكية تزداد قيمتها مع مرور الوقت.

لا يُقتصر مفهوم "الذكاء الاصطناعي السيادي" على امتلاك أدواتٍ أو تقنياتٍ متقدمة، بل يقوم في جوهره على قدرة الدولة أو المؤسسة على تطوير مقوماتها الذاتية في هذا المجال، والتحكم في مسارات تشغيلها وتوجيهها بما يحفظ استقلال قرارها الاستراتيجي، ويضمن اتساقها مع القيم المحلية والتشريعات المنظمة في كل دولةٍ أو مؤسسةٍ منها. ومع ذلك، فإن هذا المفهوم لا يقف عند تعريفٍ واحد، بل يتشكل من أربعة أبعادٍ رئيسية تتمثل في:

  • البُعد الإقليمي: الذي يتعلق بموقع البيانات والبنية الحاسوبية.
  • البُعد التشغيلي: الذي يحدد الجهة المسؤولة عن إدارة البيانات والموارد وتأمينها.
  • البُعد التقني: المرتبط بملكية البنية الأساسية والتقنيات والحقوق الفكرية.
  • البُعد القانوني: الذي يحدد المرجعية القانونية المنظمة للوصول والامتثال.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى "الذكاء الاصطناعي السيادي" باعتباره نموذجًا موحدًا، بل باعتباره طيفًا واسعًا من الحلول التي تختلف وفق مستوى السيادة المطلوب، وطبيعة الجهات المعنية، والاعتبارات المحلية المحيطة بكل حالة "الشكل 1".

ومن هنا، تبرز أهمية هذا المجال من كونه أحد أكثر المسارات الواعدة في قطاع الذكاء الاصطناعي. فوفقًا لتقديرات "ماكنزي"، يُتوقع أن يتم توجيه ما يتراوح بين 30 إلى 40 في المائة من إجمالي الإنفاق على الذكاء الاصطناعي نحو تلبية متطلبات السيادة، وتطوير حلولٍ تمنح الدول والمؤسسات قدرةً أكبر على التحكم في بياناتها وتقنياتها، وهو ما يفتح المجال أمام سوقٍ عالمية قد تتراوح قيمتها بين 500 إلى 600 مليار دولارٍ بحلول عام 2030. اطلع على "الشكل 2".

غير أن بلوغ هذه الإمكانات وتحويلها إلى نتائج ملموسة لا يتحقق بخطوةٍ منفردة، مهما بلغت أهميتها، بل يتطلب بناء منظومةٍ متكاملة تربط بين مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل البنية التحتية، والقدرات الحاسوبية، والبيانات، والنماذج، والمنصات السحابية، والتطبيقات، لتعمل جميعها في إطارٍ واحدٍ متماسك، رغم تعدد جهات الملكية، واختلاف أساليب التشغيل، وتنوّع المسؤوليات. كما يقتضي هذا المسار، منذ مراحله الأولى، تحديد الجوانب التي ينبغي أن تظل واقعةً ضمن نطاق السيادة، واتخاذ قراراتٍ واضحة ومدروسة بشأنها.

منظومة "الذكاء الاصطناعي السيادي": من امتلاك المقومات إلى تحقيق النتائج

لم يعد يُقاس نضج قادة الأعمال وصنّاع القرار اليوم بحجم ما تملكه الدولة أو المؤسسة من موارد وأدوات، مثل وحدات معالجة الرسوم، ومراكز البيانات، والمناطق السحابية، أو حتى النماذج الوطنية؛ فهذه العناصر، على أهميتها، لا تمثل سوى أدواتٍ تمكينية، وليست غايةً في ذاتها. أما القيمة الحقيقية، فتكمن في القدرة على توظيفها بما يعزز الاستقلال الاستراتيجي، ويدعم اتخاذ القرار، ويُفضي إلى عوائد اقتصادية واجتماعية واضحة ومستدامة.

فالمنظومة السيادية الناجحة ليست تلك التي تُغلق على نفسها أو تصنع كل شيءٍ داخل حدودها، بل هي التي تمتلك القدرة على تصميم وإدارة مفاصلها ونقاط تحكمها الأساسية بما يضمن السيادة الكاملة عليها، مع إفساح المجال للتكامل مع الشركاء والأطراف الخارجية في الجوانب الأخرى. وقد أظهرت نتائج تحليلنا أن النماذج الأكثر نجاحًا هي التي تتعامل مع السيادة بقدرٍ كافٍ ومدروس، فتبدأ بتحديد ما يستلزم سيطرةً مباشرة، وما يمكن التعامل معه بقدرٍ أقل من القيود. وعلى هذا الأساس، تُصنَّف الاستخدامات المختلفة وفق مستوى حساسيتها وحجم انكشافها على الأطراف الخارجية، مع فرض ضوابط دقيقة على موقع البيانات، ومفاتيح التشفير، وصلاحيات الوصول.

ومع ذلك، لا تسلك الدول أو المؤسسات جميعها مسارًا موحدًا في هذا المجال، بل تتباين الخيارات تبعًا لاختلاف الأولويات، والقدرات، والظروف المحلية. وحتى الجهات التي تمتلك إمكاناتٍ متقدمة لا تستطيع، في كثيرٍ من الأحيان، توفير جميع مكونات المنظومة بصورةٍ مستقلة، مما يجعلها بحاجةٍ إلى الاستعانة بمزوّدي الخدمات الخارجيين في بعض الجوانب، خاصةً فيما يتعلق بالأجهزة والقدرات الحاسوبية المتقدمة. ومن أبرز هذه المسارات ما يلي:

  • مراكزٌ متكاملةٌ تقود منظومات الذكاء الاصطناعي المتقدم: يقوم هذا التوجه على إنشاء مشغلي مراكز البيانات من القطاع الخاص بنيةً متكاملةً مجهزة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يجذب الشركات السحابية الكبرى ومختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة، ويوفّر بيئاتٍ أوسع لتدريب النماذج وتشغيل التطبيقات والاستدلال المتقدم.
  • نموذجٌ تقوده الدولة ويُنفَّذ عبر البنية السحابية ومراكز البيانات: تتولى الدولة في هذا النموذج توجيه المنظومة لضمان بقاء القدرات الحاسوبية، والبيانات، والحقوق الفكرية للنماذج تحت السيطرة الوطنية، خصوصًا في الاستخدامات الاستراتيجية واحتياجات القطاع العام. وفي المقابل، يتولى مزوّدو الخدمات السحابية المحليون ومشغلو مراكز البيانات تنفيذ هذه التوجهات والتوسع فيها وفقًا للمتطلبات التي تحددها الدولة.
  • تطوير النماذج اعتمادًا على البحث العلمي والسياسات العامة: حيث تتولّى المؤسسات البحثية والجهات المعنية بصياغة السياسات جهود تطوير النماذج محليًا، إلى جانب تنظيم الوصول إلى البيانات بما يتوافق مع الضوابط التنظيمية المعتمدة، بينما توفّر منظومات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات بيئةً موثوقةً لتشغيل هذه النماذج وتطبيقها على المستوى المحلي.
  • نهجٌ تقوده الصناعة وتدعمه البنية الحاسوبية: يرتكز هذا النموذج على تكوين شراكاتٍ بين مشغلي مراكز البيانات، وشركات الحوسبة السحابية، والمؤسسات المحلية، إلى جانب الجهات الفاعلة في منظومة الشرائح الإلكترونية وأشباه الموصّلات، بهدف إنشاء منصاتٍ إقليميةٍ قادرة على التعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي واستيعابها.
  • مراكزٌ إقليميةٌ تدعمها السياسات ويعززها الطلب الإقليمي والمحلي: يستند هذا النموذج بدرجةٍ كبيرة إلى سياساتٍ داعمةٍ للنمو تختصر إجراءات التراخيص، وتضمن توفير الطاقة اللازمة لتشغيل البنية التحتية، وتوفر حوافز جاذبةً للاستثمار. وفي هذا السياق، يعمل مشغلو مراكز البيانات على إنشاء وتطوير بنيةٍ تحتيةٍ تدعم الذكاء الاصطناعي، بما يلبّي احتياجات القطاعين الحكومي والخاص في المنطقة، ويساعد في الوقت نفسه على استقطاب مؤسساتٍ كبرى توفّر طلبًا مستقرًا يدعم نمو هذه المنظومة.

وعلى الرغم من اختلاف المسارات التي تسلكها الدول والمؤسسات لبناء منظومةٍ سياديةٍ ذكية، فإن التجارب الأكثر نجاحًا تشترك في عددٍ من الأسس الرئيسية، أهمها:

  • الانطلاق من الاحتياجات الفعلية، لا من التكنولوجيا وحدها: لا تبدأ المنظومات الناجحة بشراء التقنيات أولًا ثم البحث لاحقًا عن سُبُل توظيفها، بل تنطلق من تحديد الاحتياجات الحقيقية ومجالات الطلب الفعلي، مثل الخدمات الحكومية، والرعاية الصحية، وحماية التعاملات المالية، وتأمين البنية التحتية، ورفع كفاءة الإنتاج الصناعي. ومن ثمّ، توجّه استثماراتها وسياساتها نحو تلبية هذه الاحتياجات بصورةٍ مباشرة. كما لا تكتفي الحكومات في هذا السياق بدور المنظِّم، بل توظّف أيضًا إنفاقها، ومشترياتها، وأدواتها التمويلية لتشجيع استخدام هذه الحلول، فتغدو بذلك طرفًا رئيسيًا في خلق الطلب ودفع السوق إلى التوسع.
  • توافر بنيةٍ تحتيةٍ قوية وقابلةٍ للتشغيل المستدام: تحتاج أي منظومةٍ سياديةٍ ناجحة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى قاعدةٍ تقنيةٍ متينة تضم مراكز البيانات، والقدرات الحاسوبية المتقدمة، والمنصات السحابية، والشبكات السريعة، لأن هذه العناصر هي التي تتيح تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي بكفاءة. غير أن هذه القاعدة لا تكتمل بمجرد توافر المعدات والتقنيات، بل تحتاج أيضًا إلى مقوماتٍ تشغيليةٍ أساسية، مثل إمدادات كهرباء مستقرة وبتكلفةٍ مناسبة، وأراضٍ ملائمة، ومياه، ومصادر طاقةٍ نظيفة يمكن الاعتماد عليها على المدى الطويل.
  • وضع إطارٍ واضحٍ لما ينبغي أن يبقى تحت السيادة: لا تقتصر السيادة في هذا المجال على عنصرٍ واحد، بل تشمل مجموعةً من الجوانب التي ينبغي حسمها بوضوحٍ منذ البداية. لذلك، تحرص المنظومات الناجحة على تحديد ما يجب أن يظل تحت السيطرة المباشرة، ثم تضع له قواعد تشغيلٍ واضحة وضوابط لا يجوز التهاون فيها. ويشمل ذلك تصنيف البيانات وتحديد أوجه استخدامها، وتنظيم التشفير وملكية مفاتيحه، وإدارة الهويات الرقمية وصلاحيات الوصول، وتفعيل أنظمة التسجيل والمتابعة، إلى جانب تقييم المخاطر المرتبطة بالنماذج، والاستعداد للتعامل مع الحوادث، وتحديد الأُطُر القانونية التي تنظم الوصول إلى الأنظمة والبيانات.
  • حوكمةٌ فعالةٌ للبيانات وسياساتٌ تنظيميةٌ واضحة: تؤدي السياسات والقواعد التنظيمية دورًا محوريًا في تسريع بناء المنظومة السيادية الذكية وتوسيع نطاقها. فهي تسهم في تنظيم تخصيص الأراضي، وتأمين مصادر الطاقة، ووضع ضوابط لاستيراد وتصدير القدرات الحاسوبية، إلى جانب توفير حوافز مشجعة للمستثمرين. وقد تبدو هذه الجوانب إداريةً أو تنظيميةً في ظاهرها، لكنها تؤثر بصورةٍ مباشرة في سرعة التنفيذ، وفي مدى جاذبية السوق للاستثمار.
  • منظومة بياناتٍ متماسكة ونهجٌ مرنٌ في اختيار النماذج: لا يكفي الاحتفاظ بالبيانات داخل الدولة أو المؤسسة حتى تصبح قابلةً للاستخدام تلقائيًا. فلكي تؤدي دورها بفاعلية، يجب تنظيمها، وتحسين جودتها، ووضع آلياتٍ آمنة تتيح مشاركتها والاستفادة منها، بما يجعلها مناسبةً لتدريب النماذج وتطويرها. أما بالنسبة إلى النماذج، فإن تطوير نماذج محلية يمنح قدرًا أكبر من الاستقلالية، غير أن الاستفادة من أفضل النماذج العالمية قد يكون الخيار الأمثل في بعض الحالات. لذلك، تتجه دولٌ ومؤسساتٌ كثيرة إلى تبنّي نهجٍ متوازن يجمع بين استخدام النماذج العالمية المتقدمة حين يكون ذلك مناسبًا، والعمل في الوقت نفسه على تطوير النماذج المحلية أو تحسينها في المجالات واللغات التي تتطلب قدرًا أكبر من السيادة.
  • تمويلٌ يناسب طبيعة كل جزءٍ من أجزاء المنظومة: يُعدّ التمويل أحد المحركات الأساسية للتوسع والابتكار، سواء جاء في صورة حوافز حكومية، أو استثماراتٍ من القطاع الخاص، أو تمويلٍ موجّهٍ إلى الشركات الناشئة، أو دعمٍ يساعد المؤسسات على تبنّي الحلول الجديدة. غير أن الاحتياجات التمويلية تختلف من جزءٍ إلى آخر داخل المنظومة؛ فمشروعات الطاقة ومراكز البيانات تحتاج إلى استثماراتٍ طويلة الأجل، بحكم ارتباطها ببنيةٍ تحتيةٍ كبيرة تستغرق وقتًا حتى تُنشأ وتبدأ العمل. أما النماذج والمنصات، فتحتاج إلى تمويلٍ أكثر قدرةً على تحمّل المخاطر ودعم النمو، في حين تتطلب التطبيقات العملية أدواتِ تمويليةٍ أكثر مرونةً تساعدها على التوسع داخل المؤسسات. ولهذا، تحرص المنظومات الناجحة على توجيه كل أداةٍ تمويليةٍ إلى المجال الذي يلائم طبيعتها واحتياجاتها.
  • الاستثمار في الكوادر والكفاءات المحلية: أصبحت الخبرات البشرية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي من الموارد النادرة التي يتزايد الطلب عليها بسرعة. ولذلك، لا يكفي استيراد التكنولوجيا أو بناء مراكز البيانات، بل لا بد أيضًا من إعداد كوادر قادرة على تطوير هذه الأنظمة وتشغيلها وتوظيفها بكفاءة. وهو ما يتطلب استثمارًا مستمرًا في التعليم، والتدريب، وإعادة التأهيل المهني، حتى يتمكن الأفراد من القيام بالأدوار والوظائف الجديدة التي يفرضها هذا المجال المتسارع.

وتنبع قيمة هذه العناصر السبعة من تكاملها داخل منظومةٍ واحدةٍ مترابطة، لا من حضور كل عنصرٍ منها على حدة. فنجاح المنظومة السيادية الذكية لا يتحقق بمجرد توافر هذه المقومات، وإنما يعتمد على حسن تنسيقها وربطها على نحوٍ يجعل كل عنصرٍ منها داعمًا للآخر ومعززًا لفاعليته.

القوى الفاعلة في المنظومات السيادية الناجحة: الحكومات، مزوّدو الخدمات التكنولوجية، الشركات، والمستثمرون

لا يمكن بناء منظومةٍ سياديةٍ فاعلة في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال طرفٍ واحد، بل يتطلب ذلك تنسيقًا واضحًا بين أربع جهاتٍ رئيسية، لكلٍ منها دورٌ مختلفٌ يتكامل مع أدوار الجهات الأخرى. فالحكومات تضطلع بمهمة بناء الثقة، ووضع الأُطُر المنظمة، وتوجيه الطلب. أما مزوّدو الخدمات التكنولوجية، فيتولّون تطوير التقنيات الأساسية والمنصات التي تقوم عليها المنظومة. وفي المقابل، تعمل المؤسسات والشركات على تحويل هذه البنية إلى قيمةٍ اقتصاديةٍ ملموسة، بينما يوفّر المستثمرون التمويل اللازم والقدرة على تحمّل المخاطر التي تفرضها مراحل التوسع والنمو.

وفي هذا الإطار، تستعرض المقالة دور كل طرفٍ من هذه الأطراف استنادًا إلى نتائج الاستطلاع الذي أجرته "ماكنزي" في هذا الشأن، مع إبراز القيود التي يواجهها كلٌّ منهم، والخطوات المطلوبة للانتقال من مبادراتٍ تجريبيةٍ متفرقة إلى نتائج أوسع نطاقًا وأكثر استدامةً.

الحكومات: القائد، والمنظِّم، والمستثمر

تتمتع الحكومات بقدرةٍ استثنائيةٍ على تحويل الطموحات والمبادرات المتفرقة إلى خططٍ مُحكمةٍ يتم تنفيذها بشكلٍ منظمٍ ومترابط، وهو ما يجعلها طرفًا محوريًا في قيادة منظومات الذكاء الاصطناعي السيادية.

فهي الجهة التي تحدد، في المقام الأول، ما المجالات التي ينبغي أن تبقى تحت مستوى عالٍ من السيطرة الوطنية، مثل تطبيقات الدفاع، والبيانات الحساسة الخاصة بالمواطنين، والبنية التحتية الحيوية، وما الذي يمكن تشغيله ضمن نماذج هجينة تجمع بين أكثر من بيئة، وما الذي يمكن أن يبقى مرتبطًا بالأنظمة والخدمات العالمية بدرجةٍ أكبر. ومن ثمّ، تضع الحكومات ضوابط واضحة لتنفيذ هذه الخيارات، مثل قواعد تصنيف البيانات، وآليات تتبع استخدامها ومراجعتها، وتحديد الجهة التي تملك مفاتيح التشفير. كما تسهم، عبر أنظمة الاعتماد والشهادات، في تحديد المعايير التي تجعل الجهة أو المنصة موثوقة، بما يساعد القطاعات المختلفة على تبنّي هذه الحلول بسرعةٍ أكبر وعلى نطاقٍ أوسع.

ولا يقتصر دور الحكومات على وضع القواعد فحسب، بل يشمل أيضًا تحفيز الطلب على هذه الحلول. فعندما تنظم الحكومات احتياجات القطاع العام ضمن خططٍ تمتد لعدة سنوات، وتعتمد على عددٍ محدودٍ من مزوّدي الخدمات القادرين على العمل على نطاقٍ واسع، يصبح من الأسهل تشجيع الاستثمار المبكر ودعم نمو المنظومة.

وفي الوقت ذاته، تستطيع الحكومات دعم جانب العرض من خلال السياسات المشجعة والاستثمارات الموجّهة. كما يمكنها تعزيز بناء القدرات اللازمة عبر تبسيط إجراءات التراخيص، وتجهيز شبكات الكهرباء لاستيعاب البنية التحتية الكبيرة المطلوبة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يساعد على وضع تصورٍ طويل الأجل لاحتياجات الطاقة في هذا المجال.

مقدمو الخدمات التكنولوجية: تطوير القدرات، وترسيخ الثقة، وبناء الشراكات

يضمّ هذا القطاع مجموعةً متنوعةً من الجهات، من بينها الشركات العالمية الكبرى في مجال الحوسبة السحابية، وموَردو الخدمات السحابية المحليين، والشركات الناشئة التي تركّز على تلبية الاحتياجات المستجدة المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، إلى جانب مشغّلي مراكز البيانات، وشركات الاتصالات، ومطوّري النماذج، فضلًا عن الشركات المتخصصة في تكامل هذه التقنيات داخل المؤسسات. وفي المنظومات الناجحة، لا يقتصر الأمر على المفاضلة بين مزوّد خدماتٍ محلي وآخر عالمي، بل يمتد إلى بناء بيئةٍ تتيح لكل طرفٍ المنافسة في المجال الذي يمتلك فيه ميزةً واضحة.

وقد كشفت نتائج الاستطلاع عن تحدٍّ جوهريٍّ يتعيّن على مزوّدي الخدمات التعامل معه بحذر؛ فمع أن معظم قادة الأعمال يرون "الذكاء الاصطناعي السيادي" ضرورةً استراتيجيةً، إلا أن اعتبارات السيادة وحدها نادرًا ما تكون الدافع الرئيسي وراء قرار تغيير مزوّد الخدمة. إذ لا تزال التكلفة، والأداء، والموثوقية تؤثر بشكلٍ واضح على قرار التغيير. يرجى الاطلاع على "الشكل 3". ولا يعكس ذلك ضعف الطلب على الحلول السيادية، بقدر ما يعكس الطريقة التي تدير بها المؤسسات مخاطرها؛ إذ تبرز أهمية السيادة بصورةٍ أكبر في فئاتٍ محددةٍ من أعباء العمل، ولا سيما تلك التي تنطوي على بياناتٍ حساسة، أو ترتبط بمتطلباتٍ تنظيميةٍ معينة، أو تتصل بتقديم خدماتٍ حيوية.

وتشير التقديرات، في هذا السياق، إلى أن تكلفة الحلول السيادية الذكية قد تزيد بنسبةٍ تتراوح من 10 إلى 30 في المائة مقارنةً بالبدائل العالمية، كما هو موضح في "الشكل 4". ومع ذلك، قد تتمتع هذه الحلول بأفضليةٍ واضحةٍ في بعض الحالات، وهو ما يضع على عاتق مزوّدي الخدمات التكنولوجية مسؤولية توضيح هذه الحالات للعملاء، وشرح الظروف التي تصبح فيها التكلفة الإضافية استثمارًا مبررًا وذا قيمة.

ويعكس ذلك حقيقةً أساسية، وهي أن الطلب على حلول "الذكاء الاصطناعي السيادي" لا يتوزع بالتساوي بين جميع الاستخدامات، بل يبرز في الحالات التي ترتفع فيها مستويات الحساسية أو المخاطر أو المتطلبات التنظيمية. فالقيمة الحقيقية لهذه الحلول لا تنبع من كونها سياديةً في حدّ ذاتها، بل من قدرتها على الحد من المخاطر، وتمكين المؤسسات من الامتثال للضوابط المنظمة، وضمان تشغيل الخدمات الحيوية ضمن بيئاتٍ أكثر إحكامًا. ومن هنا، يتوقف نجاح مزوّدي الخدمات التكنولوجية على قدرتهم على ترجمة متطلبات السيادة المعقدة إلى حلولٍ عمليةٍ واضحة وسهلة التطبيق داخل المؤسسات، بدلًا من ترك العملاء يواجهون هذه التعقيدات بأنفسهم.

الشركات والمؤسسات: خلق الطلب، وتوفير البيانات، وتوسيع الاستخدام على نطاقٍ مؤسسي

تمثل الشركات والمؤسسات القوة الدافعة للطلب على حلول "الذكاء الاصطناعي السيادي" وما يتصل بها من بنى تحتيةٍ وخدمات، إذ تسهم في تحويل هذا المفهوم من التزامٍ تنظيمي إلى فرصةٍ اقتصاديةٍ قابلةٍ للتوسع. وفي البيئات الأكثر تقدمًا، تؤدي المؤسسات الخاضعة للأُطُر التنظيمية والجهات المملوكة للحكومات دورًا أساسيًا في توليد طلبٍ قويٍ وموثوق، بما يمنح الاستثمارات جدوى واضحة على مستوى المنظومة بأكملها.

ورغم تنامي اهتمام المؤسسات بهذه القدرات، وإدراج هذا التوجه ضمن خطط كثيرٍ منها لعام 2026، فإن عددًا محدودًا فقط يمتلك استراتيجيةً تفصيلية، أو خطةَ عملٍ واضحة، أو ميزانياتٍ محددة، أو حتى تصنيفًا دقيقًا لأعباء العمل التي تتطلب مستوياتٍ أعلى من السيادة. اطلع على "الشكل 5" الموضح أدناه.

ويُعدّ هذا القصور في الجاهزية التشغيلية السبب الرئيسي وراء امتداد عمليات الانتقال إلى السحابة السيادية والحلول المرتبطة بها إلى ما بين ثلاث وأربع سنوات. يرجى الاطلاع على "الشكل 6". ولا يعود هذا التأخير، في جوهره، إلى قيودٍ تقنية، بقدر ما يعكس حجم الجهد التنظيمي المطلوب لنقل البيانات وأنظمة العمل الحساسة الخاضعة لقوانين صارمة. لذا، فإن تبنّي "الذكاء الاصطناعي السيادي" ليس مجرد خطوةٍ تقنيةٍ لتغيير مزوّد الخدمة، بل هي مسارَ تحولٍ استراتيجيٍ شاملٍ يمتد لعدة سنوات.

وفي المقابل، لا ينبغي تفسير طول هذه المدة على أنه مؤشرٌ إلى ضعف القدرات التقنية. فقد باتت الجهات التي تقدم خدماتٍ محلية أو حلولًا تراعي متطلبات السيادة أكثر قدرةً على توفير خدماتٍ تنافس ما تتيحه الشركات العالمية، لا سيما في البنية الأساسية الداعمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. اطلع على "الشكل 7" الموضح أدناه.

ولا يعني ذلك أن مسار الانتقال إلى الحلول السيادية الذكية أصبح خاليًا من التحديات، بل لا يزال هناك عائقٌ أساسيٌ يتمثل في صعوبة تحديد المواضع التي تستدعي السيادة فعلًا داخل المؤسسة، ثم مواءمة نماذج التشغيل بما يتناسب مع ذلك. ولهذا، لا يبدو التعامل مع السيادة باعتبارها خيارًا موحدًا يُفرض على جميع الأنظمة هو النهج الأكثر فاعلية، بل من الأفضل التمييز بين أعباء العمل أو العمليات التي تتطلب بيئةً سياديةً كاملة، وتلك التي يمكن تشغيلها ضمن نموذجٍ هجين، وغيرها الأكثر انفتاحًا على الاستفادة من الحلول العالمية؛ حيث يساعد هذا النهج على تجاوز الطرح القائم على تعميم السيادة بالكامل أو استبعادها كليًا، كما يتيح تحقيق نتائج عملية بوتيرةٍ أسرع، مع توسيع نطاق السيادة تدريجيًا حسب الحاجة. ويتطلب نجاح هذا المسار توجيه الاستثمارات نحو العوامل التي تعوق التطبيق والتوسع فعليًا، وفي مقدمتها جاهزية البيانات، وتحديد نموذج التشغيل الأنسب، إلى جانب تطوير نماذج تشغيلٍ مرنة تتيح إدارة البيانات واستخدامها عبر البيئات السيادية وغير السيادية معًا. ويُمكن كذلك تعزيز المنظومة المحيطة بهذه الحلول من خلال الانضمام إلى تجمعاتٍ مهنية وتحالفاتٍ قطاعية، والمبادرة إلى تبنّي هذه الحلول مبكرًا وتقديم نماذج تطبيقية يُحتذى بها، فضلًا عن تحسين أساليب الشراء والتعاقد، والتعاون مع مزوّدي الخدمات والشركات الناشئة في تطوير تطبيقاتٍ ونماذج متخصصة تدعم الابتكار المحلي.

المستثمرون: يتولون توفير التمويل اللازم، وإدارة مخاطر تقلب الأسعار، إلى جانب دفع وتيرة التوسع وتسريع نمو المشاريع.

يحظى "الذكاء الاصطناعي السيادي" بمكانةٍ متقدمةٍ على خريطة الاهتمام الاستثماري عالميًا، ولا سيما لدى صناديق الثروة السيادية وغيرها من الجهات الساعية إلى فرصٍ طويلة الأجل في القطاعات الاستراتيجية، وهو ما يرجّح زيادةً مرتقبةً في الاستثمارات المخصصة لهذا المجال، فضلًا عن اتساع حجم الأصول المرتبطة به.

حيث يمتد الاستثمار فيه عبر طيفٍ واسعٍ من الأصول، يشمل الطاقة، والعقارات، ومراكز البيانات، وشبكات الاتصال، والخدمات السحابية، إلى جانب تطوير النماذج، والبرمجيات التطبيقية، والأمن السيبراني، وخدمات التكامل التقني. وتزداد أهمية دور المستثمرين نظرًا لقدرتهم على مساعدة المؤسسات في تجاوز مرحلة عدم الاستقرار التي تسبق التحقق من الجدوى التشغيلية. كما يتجه معظمهم إلى زيادة استثماراتهم في مختلف مستويات منظومة الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في المجالات الأعلى قيمةً، مثل التطبيقات والخدمات.

وعلى امتداد هذه المجالات، يظهر أثر المستثمرين عبر مسارين أساسيين. الأول، توجيه الاستثمارات نحو المشروعات القائمة على طلبٍ فعلي وأُطُرٍ واضحة، بدلًا من الانسياق وراء الإعلانات الكبيرة أو التوسعات المبنية على رهاناتٍ غير مؤكدة. أما المسار الثاني، فيكمن في دعم الشركات خلال مراحل النمو والتخارج، بما يتيح للابتكار المحلي فرصًا أفضل للتوسع والاستمرار، بدلًا من أن يتباطأ أو يتعثر.

نماذج الشراكات الأكثر قدرةً على تحقيق نتائج فعّالة

لا يعتمد نجاح نقل منظومات "الذكاء الاصطناعي السيادي" في الأسواق المختلفة من نطاق التجارب المحدودة إلى مرحلة التوسع الفعلي على وجود شراكاتٍ بين القطاعين الحكومي والخاص فحسب، بل يرتبط أيضًا بطبيعة نموذج الشراكة ذاته، ومدى قدرته على مواءمة المصالح بين الطرفين، وتذليل العقبات التي تعرقل تبنّي هذه الحلول وتطبيقها على أرض الواقع.

بيئاتٌ سياديةٌ ذكية ذات ضوابط موحدة

تظهر أهمية هذا النموذج في قدرته على جمع عناصر التشغيل الأساسية داخل إطارٍ واحد، بحيث تتكامل الطاقة، والقدرات الحاسوبية، والاتصال الآمن، وضوابط الامتثال ضمن بيئةٍ موحدة، بدلًا من التعامل مع كل عنصرٍ منها بصورةٍ منفصلة. ويتيح هذا الترتيب للمؤسسات الانتقال من نطاق التجارب المحدودة إلى التطبيق الأوسع على أسسٍ منظمة. كما أن توحيد متطلبات الأمن، وموقع استضافة البيانات، وإجراءات التدقيق منذ البداية، يختصر الوقت اللازم لبدء التشغيل، ويمكّن المؤسسات ومزوّدي الخدمات من التعامل مع أعباء العمل بصورةٍ متكررةٍ ومنظمة، بدلًا من التعامل مع كل حالةٍ باعتبارها استثناءً يتطلب إجراءاتٍ خاصة.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك بيئات السحابة السيادية التي توفرها شركات الحوسبة السحابية العملاقة في أوروبا والشرق الأوسط، إلى جانب البيئات الوطنية المخصصة للذكاء الاصطناعي أو الحوسبة السحابية، والتي تجمع بين البنية التحتية المعتمدة والضوابط التنظيمية المتّفق عليها سلفًا.

تنظيم الطلب عبر تجميعه من عدة جهات، مدعومًا بتعهدات شراء مسبقة

يرتكز هذا النموذج على وضع أُطُرٍ زمنيةٍ تمتد لعدة سنوات، بهدف توحيد احتياجات الجهات الحكومية والقطاعات الخاضعة لضوابط تنظيمية صارمة ضمن إطارٍ واحد، بما يوفّر رؤيةً أوضح لحجم الطلب الذي ستحتاج المنظومة إلى تلبيته. وعندما يقترن ذلك بإجراءات شراءٍ سريعة وخطط توسعٍ واضحة، تتحول السياسات من مجرد توجهاتٍ مُعلَنة إلى استخدامٍ فعلي يمكن أن يشكّل أساسًا للاستثمار.

ومن أمثلة ذلك المشروع الأوروبي المشترك للحوسبة عالية الأداء "EuroHPC"، إذ يتيح تجميع احتياجات الجهات الحكومية ضمن منظومةٍ موحدة تمويل وتطوير قدراتٍ تقنيةٍ مشتركة تخدم أكثر من جهةٍ في مجالي الحوسبة الفائقة والذكاء الاصطناعي. ويمتد هذا النهج كذلك إلى الترتيبات التي تعتمدها الحكومات لبدء تشغيل هذه القدرات تدريجيًا في قطاعاتٍ مثل الصحة، والدفاع، والخدمات العامة.

نماذج التشغيل المشترك للبيئات السيادية

يقوم هذا النموذج على توزيعٍ واضحٍ للأدوار بين الجهات المعنية، ضمن هياكل تشغيلية وإدارية مشتركة، تُحدَّد مسؤولية تشغيل البنية التحتية، وآليات التحكم في الوصول والتشفير، وسُبُل التعامل مع الحوادث التقنية، ومتطلبات الامتثال. وبهذا، يوفّر حلًّا هجينًا يجمع بين الإشراف الحكومي المباشر من جهة، والاستفادة من خبرات مزوّدي الخدمات من جهةٍ أخرى.

ومن أمثلة ذلك مشروعات السحابة السيادية المشتركة، مثل مشروع "Bleu" في فرنسا، الذي يجمع بين السيطرة التشغيلية المحلية والتقنيات التي توفرها شركات الحوسبة السحابية العملاقة العالمية، في ظل إطار حوكمةٍ واضح ومحدد.

تطوير نماذج متخصصة عبر التعاون وتبادل البيانات

يعتمد هذا المسار على تعاون عدة جهاتٍ في تجميع البيانات، وتوفير التمويل، وتحديد الاحتياجات الفعلية، بما يسهم في تطوير نماذج متخصصة تلائم لغاتٍ أو قطاعاتٍ بعينها، أو تحسين النماذج القائمة. وعلى هذا الأساس، تتولى الحكومات وضع قواعد الحوكمة ومعايير التقييم، بينما تتنافس جهاتٍ أخرى على تطوير التطبيقات والخدمات التي تُبنى على هذه النماذج.

ويُعدّ نموذج "بلوم" اللغوي الكبير، الذي طورته ورشة "BigScience"، من أبرز الأمثلة في هذا السياق؛ إذ يضم 176 مليار مُعامل، ويدعم 46 لغةً طبيعية و13 لغة برمجة. ويندرج ضمن هذا المسار أيضًا عددٌ من التحالفات الوطنية التي تعمل على تطوير نماذج لغوية أخرى، أو نماذج مصممة لتلبية احتياجات قطاعاتٍ بعينها.

التمويل المشترك خلال المراحل التأسيسية المبكرة

تحتاج الأصول الكبرى، مثل محطات الطاقة، ومراكز البيانات، والمنصات التقنية الأساسية، إلى استثماراتٍ ضخمة ووقتٍ أطول قبل أن تبدأ في تحقيق عوائد مالية. ولهذا، يبرز هذا النموذج بوصفه صيغةً تمويليةً تجمع بين رأس المال الحكومي والاستثمارات الخاصة، بما يتيح تقاسم الأعباء والمخاطر في المراحل الأولى. كما يسهم التمويل الحكومي في تخفيف المخاطر المرتبطة بإنشاء البنية التحتية والمعدات مرتفعة التكلفة، مع إتاحة مسارٍ تدريجيٍ نحو تحقيق الربحية التجارية مع ارتفاع عدد المستخدمين واتساع نطاق الخدمة.

ومن أبرز صور هذا النموذج الاستثمارات الحكومية المشتركة في مراكز الحوسبة الوطنية والمرافق المخصصة لتشغيل التطبيقات الذكية، أو ما يُعرف بـ"مصانع الذكاء الاصطناعي". فاقتران هذا الدعم المالي بالتزاماتٍ حكوميةٍ طويلة الأجل لشراء هذه الخدمات واستخدامها يمنح المستثمرين قدرًا أكبر من الثقة في استمرارية المشروع وقدرته على استرداد تكاليفه.

وبالنظر إلى نماذج الشراكات السابقة، يتضح أن القاسم المشترك في نجاحها يتمثل في وضوح التنسيق بين مختلف الأطراف. فالشراكات تحقق أفضل نتائجها عندما تكون الأدوار والمسؤوليات محددةً بوضوح، بما يضمن توافق المصالح، وتذليل العقبات، وتحويل السيادة من طموحٍ نظري إلى خطواتٍ عمليةٍ واضحة، بدلًا من ترك هذه الجوانب رهينة الافتراضات أو المصادفات.

ثلاث مراحل لبناء منظومةٍ سياديةٍ ذكية

لا يتم بناء منظومة "الذكاء الاصطناعي السيادي" الناجحة دفعةً واحدة، بل عبر مسارٍ تدريجيٍ يمر بثلاث مراحل.

تبدأ المرحلة الأولى بوضع الأساس وتهيئة الطلب الأولي. ففي هذه المرحلة، يحدد القادة العمليات التشغيلية التي تحتاج إلى ضوابط سيادية، ثم يضعون قواعد الحوكمة الأساسية التي تنظّم التعاقد، وتشغيل الخدمات المطلوبة، وشرائها، إلى جانب البنية الداعمة لها. كما يجري إطلاق عددٍ محدودٍ من التطبيقات المرجعية لإثبات أن هذه البيئات السيادية قادرةٌ على العمل بصورةٍ آمنةٍ وموثوقة، وعلى نطاقٍ واسع.

 

أما المرحلة الثانية، فتأتي بعد التأكد من وجود طلبٍ حقيقي، وتركز على التوسع المنظم من خلال زيادة قدرات الحوسبة والطاقة على أسسٍ استثماريةٍ مجدية، وتطوير نماذج تشغيلية أكثر نضجًا، إلى جانب إطلاق حلولٍ موجهة لقطاعاتٍ محددة بما يواكب الطلب الفعلي على هذه الحلول، فضلًا عن تطوير آلياتٍ قانونيةٍ لتبادل البيانات. وفي هذه المرحلة تحديدًا، تتعثر كثيرٌ من المبادرات الهادفة إلى بناء منظوماتٍ سياديةٍ ذكية عندما تندفع إلى التوسع قبل استكمال العناصر الأساسية اللازمة للنجاح، مثل الحوكمة، وآليات التشغيل، وتوافر الكفاءات والمهارات المطلوبة.

ثم تأتي المرحلة الثالثة، لتستهدف التوسع خارج السوق المحلية من خلال تعميق التخصص في مجالاتٍ دقيقة، وتعزيز التنافس المستدام بين مزوّدي الخدمات، بما يفتح مجالًا أوسع لنمو الشركات الناشئة ومقدّمي خدمات التكامل التقني. ومع نضج هذه القدرات، لا تعود مقتصرةً على تلبية الاحتياجات المحلية، بل تتحول إلى ركيزةٍ للتميز الإقليمي والعالمي، بما يمكّن الدولة من تصدير خبراتها وحلولها السيادية إلى الخارج.

ولعل سوء ترتيب الأولويات من أكثر أسباب تعثر منظومات "الذكاء الاصطناعي السيادي" شيوعًا؛ وهو ما يظهر في الاندفاع نحو الاستثمار في البنى التحتية المشتركة قبل وضع أُطُرٍ واضحةٍ لحوكمتها، أو قبل التأكد من وجود احتياجٍ فعليٍ يبرر هذا الإنفاق. كما يتجلى أيضًا في السعي إلى المنافسة العالمية قبل توافر بياناتٍ كافيةٍ وموثوقة تساعد على بناء النماذج وتشغيلها بكفاءة، وقبل أن تدخل هذه الحلول حيّز الاستخدام الفعلي، أو تتوافر آليةٌ واضحةٌ ومستقرة لإدارتها وتشغيلها على المدى الطويل.

وفي النهاية، لا يعني "الذكاء الاصطناعي السيادي" تحقيق استقلالٍ كامل أو بناء كل شيءٍ من الصفر، بل يقوم على إنشاء منظومةٍ متكاملةٍ من الشراكات الواضحة والفعّالة. فالنجاح لا يرتبط بامتلاك الموارد التقنية وحدها، بل بحسن إدارتها وتنسيقها، بحيث تُطبَّق السيادة بشكلٍ مدروس في الجوانب التي تحتاج فعلًا إلى سيطرةٍ واضحة على البيانات والتشغيل، وتلتقي فيها أهداف الحكومات والمؤسسات مع قدرات مزوّدي الخدمات ورؤى المستثمرين. وعندها تتحول البنية التحتية إلى قدراتٍ موثوقة، وتُترجم هذه القدرات إلى نتائج عملية قابلةٍ للنمو والتوسع.

Explore a career with us