من تجارب شركائنا: الدروس المستفادة من رحلة "أمازون ويب سيرفيسز" في إعادة تشكيل الأعمال بالذكاء الاصطناعي الوكيل

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

تمرّ الشركات اليوم بمرحلةٍ مهمة في رحلتها مع الذكاء الاصطناعي؛ فبعد مرحلة تجربة هذه التقنية واستكشاف إمكاناتها، أصبح التحدي الآن يتمثل في تطبيقها فعليًا، ودمج الوكلاء في صميم العمليات الأساسية للأعمال. وفي هذا الحوار، يلتقي غريغ بيرسون، نائب رئيس المبيعات العالمية لدى "أمازون ويب سيرفيسز"، مع ليز هيلتون سيغل، الشريكة الأولى في ماكنزي، ليوضح كيف أعادت الشركة النظر في الأساليب والأنظمة التي تعتمد عليها للوصول إلى عملائها والتعامل معهم، بما يواكب عصر الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء. كما يستعرض أبرز ما اكتسبته الشركة من خبرات في تجربة تطبيقات مختلفة للذكاء الاصطناعي، وتبسيط أساليب العمل والأنظمة، ومساعدة الموظفين على تبنّي طرق العمل الجديدة، وصولًا إلى تحقيق أثر ملموس لهذه التقنيات على العملاء ونتائج الأعمال. ومن خلال هذه التجربة، يقدم الحوار مجموعة من الدروس العملية التي يمكن أن يستفيد منها القادة الذين تخوض مؤسساتهم رحلة مماثلة مع الذكاء الاصطناعي الوكيل..

استمع إلى حوار ليز وغريغ عن تجربة "أمازون ويب سيرفيسز" مع الذكاء الاصطناعي الوكيل

ما نتعلّمه من تجارب شركائنا

في البداية، تجدر الإشارة إلى أن ماكنزي تتعاون مع عدد كبير من أبرز المؤسسات المتخصصة في التكنولوجيا حول العالم، ضمن شبكة مفتوحة من الشراكات، لمساعدة عملائها على تحويل طموحاتهم في المجالين الرقمي والذكاء الاصطناعي إلى قيمة فعلية يمكن قياسها. ولا تقتصر أهمية هذه الشراكات على مجرد الاستفادة من التقنيات والمنصات التي توفرها، وإنما تمتد لتمنح "ماكنزي" وعملائها فرصة الاطلاع عن قرب على تجارب الشركات الرائدة، وكيف تعيد النظر في طريقة إدارة أعمالها وتطويرها.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

وتعد "مجموعة أمازون ماكنزي" إحدى هذه الشراكات، وهي مبادرة تجمع خبرات "ماكنزي" في وضع الاستراتيجيات وتطوير الأعمال مع قدرات "أمازون ويب سيرفيسز" في الحوسبة السحابية والبيانات والذكاء الاصطناعي، لمساعدة الشركات على تجاوز مرحلة تجربة هذه التقنيات وتحقيق أثر ملموس يمتد إلى مختلف أعمالها. ولا يقتصر دور "أمازون ويب سيرفيسز" على مساعدة العملاء في تطوير أعمالهم؛ فهي تخوض بنفسها تجربة طموحة لإعادة تشكيل أعمالها بالذكاء الاصطناعي الوكيل، بما يشمل الأساليب والأنظمة التي تعتمد عليها في الوصول إلى عملائها والتعامل معهم.

ولفهم أهمية هذه التجربة، لا بد من الإشارة إلى مشكلة شائعة، وهي أن معظم المؤسسات لا تزال تتعامل مع الذكاء الاصطناعي على أنه مجرد أداة تقنية جديدة، بدلًا من استغلاله لإعادة التفكير في طريقة أداء العمل من الأساس، وهو ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين تجربة هذه التقنية وتحقيق نتائج فعلية منها. وهنا تحديدًا تكمن أهمية تجربة "أمازون ويب سيرفيسز"؛ فهي تقدّم دليلًا عمليًا على منهج ماكنزي لإعادة تشكيل المؤسسات في عصر التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، الذي يجمع بين التكنولوجيا المناسبة، وتوفير الكفاءات اللازمة للاستفادة منها، وإعادة تنظيم طريقة أداء الأعمال وتوزيع المسؤوليات داخل المؤسسة، وربط تبنّي الذكاء الاصطناعي باحتياجات الأعمال وأهدافها لتحقيق نتائج ملموسة.

وانطلاقًا من ذلك، نستعرض في السطور التالية كيف تستخدم "أمازون ويب سيرفيسز" الذكاء الاصطناعي الوكيل لإعادة تشكيل منظومة مبيعاتها، بما تشمله من تسويق وخدمة للعملاء، والدروس التي يمكن للرؤساء التنفيذيين استخلاصها من التقدم الذي أحرزته والتحديات والقرارات التي رافقت هذه الرحلة.

مفهوم جديد للمبيعات في عصر الذكاء الاصطناعي

يفتح الاستخدام المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي الباب أمام تغييرات جوهرية في طريقة عمل المؤسسات، ويوفر فرصًا واسعة لتحقيق قيمة أكبر؛ إذ تشير التقديرات إلى أن الأتمتة وحدها يمكن أن تحقق قيمة تصل إلى 2.9 تريليون دولار.1 ومع ذلك، لا تزال النتائج الفعلية دون مستوى هذه الإمكانات؛ فعلى الرغم من كثرة التجارب التي تجريها المؤسسات في هذا المجال، أفادت 39 بالمئة فقط منها بأن الذكاء الاصطناعي أسهم في تحقيق مكاسب قابلة للقياس في أرباحها قبل خصم الفوائد والضرائب.2

وبعد استعراض هذه الدروس الخمسة بشكل موجز، تتضح الفكرة الأساسية التي تجمع بينها، فكثير من المؤسسات لا يزال يضيف الذكاء الاصطناعي إلى أساليب العمل اليدوية القائمة كما هي، بدلًا من الاستفادة منه لإعادة النظر في طريقة إنجاز الأعمال من الأساس. أما المؤسسات التي تنجح في تحقيق قيمة فعلية من الذكاء الاصطناعي على مستوى أعمالها ككل، فهي التي تعيد تنظيم طريقة العمل بحيث تتكامل البيانات والتكنولوجيا وأساليب العمل والفرق معًا ضمن منظومة واحدة.

ولهذا السبب بالتحديد، تُعد تجربة "أمازون ويب سيرفيسز" نموذجًا عمليًا على التغييرات التنظيمية اللازمة لتحقيق أثر واسع للذكاء الاصطناعي في مؤسسة كبيرة؛ فهي شركة عالمية ضخمة تبلغ أعمالها مليارات الدولارات، وتسعى إلى الوصول لشريحة أكبر من العملاء عبر هذه التقنية، لذلك أعادت التفكير في طريقة عمل منظومة مبيعاتها، بما تشمله من تسويق وخدمة للعملاء، بالاعتماد على قدرات الذكاء الاصطناعي الوكيل. وهو ما تطلب منها الموازنة بين منح فرق التطوير الحرية اللازمة للابتكار من جهة، وتوفير بنية موحدة وبيانات متسقة ومعايير واضحة تساعدها على تطبيق هذه الابتكارات على نطاق أوسع من جهة أخرى. وتكشف هذه التجربة عن الفرص والتحديات التي تصاحب عملية الانتقال من استخدام حلول متفرقة وغير مترابطة إلى نموذج تشغيلي أكثر تكاملًا ومرونة، قادر على تلبية الاحتياجات المختلفة بصورة أفضل، بالاستفادة من هذه القدرات.

وإذا نظرنا إلى هذه التجربة من خلال منهج ماكنزي لإعادة تشكيل المؤسسات في عصر التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، الذي يقوم على المواءمة بين استراتيجية المؤسسة وبياناتها وتقنياتها وطريقة تنظيم العمل فيها، إلى جانب توفير الكفاءات والمواهب لتحقيق قيمة فعلية من الذكاء الاصطناعي، نجد أنها تقدم خمسة دروس لأي مؤسسة تسعى إلى تحويل تجاربها مع الذكاء الاصطناعي إلى قيمة مستدامة، وهي نفس الدروس التي استعرضناها في العمود الجانبي أعلاه.

رغم أن رحلة "أمازون ويب سيرفيسز" لم تكن تسير دائمًا في خط مستقيم، إلا أن الشركة بدأت بالفعل في تحويل هذه الدروس إلى نتائج عملية. فقد أصبحت فرق العملاء تستخدم الوكلاء الرقميين في إعداد استراتيجيات خاصة بكل عميل، وتطوير حلول تلائم احتياجاته، والاستفادة من المعلومات المتاحة لاتخاذ خطوات عملية بسرعة أكبر في مختلف مراحل التعامل معه. وظهرت نتائج ذلك في عدد من الحالات؛ إذ تمكّن أحد الوكلاء الذكيين المخصصين لتحليل مسار الفرص التجارية من اكتشاف فرص إضافية تقارب قيمتها 77 مليون دولار في أحد قطاعات الشركة. وفي مثال آخر، علم أحد مديري الحسابات خلال مأدبة عشاء بأن أحد العملاء أصبحت لديه أولوية جديدة، فقام بتغذية الوكيل الذكي بهذه المعلومة في الليلة نفسها، ليضيفها الوكيل إلى بيانات العميل السابقة ويُعِدّ عرضًا تجريبيًا مصممًا خصيصًا بما يتناسب مع أولويته الجديدة. وفي اليوم التالي، كان مدير الحساب مستعدًا لتقديم هذا العرض بثقة خلال مؤتمر العميل.

وبناءً على هذا التقدم، تتجه "أمازون ويب سيرفيسز" الآن إلى نموذج تشغيلي أكثر تكاملًا، يعتمد على بيئة عمل مشتركة يعمل فيها الموظفون جنبًا إلى جنب مع وكلاء ذكاء اصطناعي يمكن تخصيصهم وفق الاحتياج، بحيث يصبح هؤلاء الوكلاء جزءًا من الفريق. وفي هذه البيئة، تستطيع الفرق التي تتعامل مع العملاء، بدءًا من مديري الحسابات ووصولًا إلى مهندسي الحلول، إنشاء وكلاء جدد وإتاحتهم لفِرقٍ أخرى للاستفادة منهم وإعادة استخدامهم عبر مختلف المناطق الجغرافية والمجالات الوظيفية داخل الشركة، بما يساعد على الاستفادة من المعلومات بصورة موحّدة وإنجاز المهام في وقتٍ أقل.

أصبحت اجتماعاتي مع العملاء مختلفة تمامًا الآن؛ فأنا أذهب إليها وقد أعددت بالفعل نموذجًا أوليًا للحل يمكنني عرضه عليهم.

أحد مديري الحسابات في "أمازون ويب سيرفيسز"

وقبل أن نتناول هذه الدروس الخمسة بالتفصيل، من المهم أن نوضح أننا، وإن كنا سنعرض كلًّا منها بشكل منفصل في الأقسام التالية، فإن تطبيقها في تجربة "أمازون ويب سيرفيسز" لم يجرِ بهذه الصورة المنفصلة؛ إذ كانت الشركة تعمل على تطوير استراتيجيتها وبياناتها وتقنياتها بالتوازي مع تشجيع الموظفين على استخدام الحلول الجديدة، وكان ما تحرزه من تقدم في كل جانب يدعم الجوانب الأخرى مع مرور الوقت.

تحديد الهدف: إعادة تصميم استراتيجية المبيعات في عصر الذكاء الاصطناعي الوكيل

مع ارتفاع توقعات العملاء وتسارع إيقاع الأعمال، تلجأ الكثير من المؤسسات إلى إضافة الذكاء الاصطناعي إلى أساليب عملها الحالية بهدف إنجاز الأعمال بصورة أسرع. غير أن المشكلة تكمن في غياب تصور واضح للوجهة النهائية المستهدفة، مما يؤدي غالبا إلى توزيع هذه الجهود على تطبيقات متفرقة وغير مترابطة يصعب تعميمها على بقية الأعمال أو البناء عليها لتحقيق قيمة أكبر. وفي المقابل، نجد أن المؤسسات التي تحقق أكبر أثر من الذكاء الاصطناعي هي التي تركّز جهودها على استخدامه في مجال واحد إلى ثلاثة مجالاتٍ رئيسيةٍ فقط، مع إعادة تصميم جميع العمليات وأساليب العمل من البداية إلى النهاية، وهو ما يحقق زيادةً في الأرباح قبل خصم الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك تبلغ في المتوسط 20 بالمائه.3 الأمر الذي يؤكد أن الانطلاقة الصحيحة تبدأ دائمًا باستراتيجيةٍ واضحة، ووجهةٍ نهائيةٍ محددة سلفًا وبدقة.

وبتطبيق هذا المبدأ على نفسها، اختارت "أمازون ويب سيرفيسز" منظومة المبيعات لتكون أحد المجالات التي تعيد النظر في طريقة عملها بصورة شاملة، كما هو موضح في "الشكل". وكحال كثير من الشركات، بدأت فرق العمل لديها بتطوير وكلاء ذكاء اصطناعي لتلبية احتياجات محددة في أقسام مختلفة، لكن من دون تصور موحد يجمع هذه الاستخدامات. ومع زيادة الاعتماد على هؤلاء الوكلاء، بدأت تظهر فوائد هذا النهج وحدوده؛ فقد نجحت التطبيقات المتفرقة في معالجة مشكلات داخل أقسام بعينها، لكنها لم تكن كافية لتحقيق النتائج المتكاملة التي تطمح إليها الشركة على مستوى أعمالها ككل. ولذلك، بدلًا من التوسع في هذه الجهود المنفصلة، وضعت الشركة تصورًا واضحًا لكيفية عمل فرق العملاء والأنظمة والوكلاء الذكيين معًا في المستقبل، واتخذت منه أساسًا لتوجيه خطوات التطوير اللاحقة.

Lessons from our alliances: What AWS’s agentic journey can teach CEOs about rewiring for AI

ولفهم أسباب هذا التشتت، لا بد من العودة إلى نقطة البداية؛ فقد نمت "أمازون ويب سيرفيسز" بسرعة على مدى عقدين، ومنحت فرق العمل لديها مساحةً واسعةً للابتكار والاستثمار بما يدعم هذا النمو. لكن مع الوقت، أدى ذلك إلى نتيجةٍ غير مقصودةٍ تمثلت في تعدد الأدوات وأساليب العمل، وتشتت البيانات بين أنظمةٍ ومصادر مختلفة. فمع سعي الفرق إلى مواكبة احتياجات العملاء والأعمال المتغيرة، طورت الشركة أكثر من 200 أداةٍ داخليةٍ تعتمد على مصادر متعددة للبيانات، ما جعل من الصعب تكوين صورةٍ موحدةٍ عن العملاء. كما كانت إدارة الفرصة التجارية، منذ ظهورها وحتى تحولها إلى إيرادات، تمر عبر أكثر من 40 نظامًا، ما صعّب التنسيق بين الفرق، وزاد المخاطر المرتبطة بالبيانات، وجعل إنجاز العمل أكثر تعقيدًا.

ولم تقتصر آثار هذا التعقيد على الشركة، وإنما امتدت إلى العملاء أيضًا. ففي إحدى الحالات، أشارت مؤسسة مالية إلى أن منافسًا أصغر حجمًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي تمكّن من إعداد حلٍّ يلبي احتياجات الأعمال والمتطلبات التقنية خلال ساعتين فقط، بينما كان إعداد حلٍّ مماثل لدى "أمازون ويب سيرفيسز" يتطلب انتقال العمل بين عدة خبراء للوصول إلى النتيجة نفسها.

وأمام هذا الواقع، أدركت الشركة أن إضافة المزيد من الأدوات ستزيد الأمر تعقيدًا. لذلك، طبقت مبدأها "العميل أولًا" على الفرق التي تتعامل مباشرةً مع العملاء والشركاء، باعتبارهم عميلًا لديها تسعى إلى فهم احتياجاته لتطوير الأدوات وأساليب العمل التي تساعده على أداء مهامه. ومن هنا، بدأت جهودًا امتدت لعدة سنوات لتبسيط وتوحيد نموذج مبيعاتها، والحد من تشتت البيانات والأدوات وطرق العمل. وبحلول مطلع عام 2025، ومع بدء فرق العمل في تجربة الذكاء الاصطناعي الوكيل في مختلف أنحاء الشركة، أدركت "أمازون ويب سيرفيسز" أن انتشار وكلاء منفصلين قد يعيد المشكلة نفسها التي أمضت سنوات في معالجتها. لذلك، جمعت الشركة الفرق المعنية بالجوانب التجارية وتطوير المنتجات والتطوير التقني حول تصورٍ واحدٍ يحدد كيفية عمل فرق العملاء والأنظمة التي تعتمد عليها ووكلاء الذكاء الاصطناعي معًا

مع تزايد أعمالنا واتساع نطاقها، كان الحفاظ على السرعة والمرونة يتطلب منا اتباع نهجٍ مختلفٍ في إدارة الأعمال، وكان السبيل الوحيد لذلك هو بناء منظومة مبيعات متماسكة تستند إلى أساسٍ قويٍّ.

بيتر كراي، نائب رئيس شؤون الاستراتيجيات والعمليات بقسم المبيعات والتسويق والخدمات العالمية لدى "أمازون ويب سيرفيسز"

وانطلاقًا من هذا التوجه، أعادت الشركة النظر في كيفية تطبيق أحد مبادئها التشغيلية الأساسية، وهو: "وجود حلّين أفضل من لا شيء، لكن واحدًا هو الأفضل"، في إشارةٍ إلى أن تعدد الحلول قد يكون مفيدًا في مرحلة التجربة، لكن توحيدها يظل الخيار الأفضل على المدى الطويل. وقد ظهر ذلك بوضوح في تجربتها؛ إذ أسهم اختبار حلول متعددة في البداية في تسريع وتيرة الابتكار، لكنه في المقابل أدى إلى ازدواجية الجهود وتشتتها. ومع الوقت، اتجهت الشركة إلى نموذج عمل يربط بين جهود الفرق ويوفر لها أسسًا مشتركة تمكّنها من العمل بصورةٍ أكثر اتساقًا على نطاقٍ أوسع. وقد ساعدت آليات محددة، مثل المنتديات التي تجمع مختلف التخصصات، إلى جانب جلسات "الذكاء الاصطناعي في أمازون ويب سيرفيسز" الأسبوعية، على تنسيق الأولويات وضمان إمكانية الاستفادة في مختلف أنحاء الشركة من القدرات التي تُطوَّر في أي جزءٍ منها. وبذلك، حافظت الفرق على حرية التجربة والابتكار، ضمن معايير موحدة وقدرات قابلة لإعادة الاستخدام وطرق عمل مشتركة يمكن تطبيقها على مستوى الشركة بأكملها.

وبذلك، أصبحت الوجهة النهائية واضحة: الانتقال من الجهود المتفرقة وغير المترابطة إلى منظومةٍ موحدةٍ للمبيعات، تعمل فيها فرق العملاء والأنظمة ووكلاء الذكاء الاصطناعي انطلاقًا من السياق نفسه، بما يساعدها على التعامل بصورةٍ أسرع مع احتياجات العميل في مختلف مراحل رحلته.

الخلاصة من درس الاستراتيجية

وضع الأساس: توحيد قاعدة البيانات

ننتقل الآن إلى الدرس الثاني، المتعلق بالبيانات. فمهما تطورت قدرات الذكاء الاصطناعي الوكيل، تظل فاعليته مرتبطةً بالبيانات التي يعتمد عليها. ولهذا، تتعامل المؤسسات الرائدة مع البيانات باعتبارها موردًا مشتركًا على مستوى المؤسسة، بحيث تُبنى مرةً واحدة، وتُدار مركزيًا لتستفيد منها مختلف التطبيقات الخاصة بالتحليلات وتعلّم الآلة والذكاء الاصطناعي التوليدي.4

وكحال كثيرٍ من المؤسسات، كانت بيانات "أمازون ويب سيرفيسز" موزعةً على أنظمةٍ متعددة، مع اختلاف طريقة تعريفها والجهات المسؤولة عنها من نظامٍ إلى آخر. ورغم أن الشركة نشأت في بيئةٍ رقمية، لم تكن الفِرق تعتمد على رؤيةٍ موحّدةٍ للبيانات، مما اضطرها في كثيرٍ من الأحيان إلى جمع المعلومات من أنظمةٍ مختلفةٍ ومطابقتها يدويًا قبل اتخاذ القرارات. ومع اتساع أعمال الشركة، أصبح هذا التشتت عائقًا أمام قدرتها على التوسع، فبدأت الشركة بالعمل على توحيد بياناتها ومعالجة هذا التشتت ضمن مبادراتٍ تطويريةٍ سابقة، وهو ما هيّأ لها قاعدة البيانات اللازمة لبدء رحلتها مع الذكاء الاصطناعي الوكيل.

ولتحقيق ذلك، دمجت الشركة مئات المجموعات من البيانات في 20 مجموعةٍ أساسيةٍ تجمع البيانات المرتبطة بالمبيعات والشركاء والخدمات والتسويق. وقد أتاح ذلك للذكاء الاصطناعي اكتشاف الأنماط والعلاقات بين مجالاتٍ كانت بياناتها منفصلةً في السابق. كما وحّدت الشركة طريقة تعريف المعلومات الأساسية، مثل التسلسل الهرمي للعملاء والأدوار الوظيفية والإيرادات، بما في ذلك توحيد أكثر من 75 تعريفًا لأدوار الموظفين الميدانيين، مما ساعد على توضيح مسؤولياتهم. وامتدت هذه الجهود أيضًا إلى بيانات العملاء والشركاء، إذ ربطت الشركة الحسابات والكيانات القانونية والعقود في رؤيةٍ واحدةٍ ساعدت الفِرق على تحديد أولويات الحسابات واكتشاف الفرص.

وأدى ذلك إلى إنشاء مصدرٍ موحّدٍ وموثوقٍ للبيانات يخضع لضوابط واضحة. فلم تعد فِرق العملاء بحاجةٍ إلى مطابقة البيانات بين الأنظمة المختلفة، كما لم تعد البيانات تُدار بصورةٍ منفصلةٍ داخل كل قسم، بل أصبحت أصلًا مؤسسيًا مشتركًا يخدم الجميع.

وانطلاقًا من هذه القاعدة الموحدة، بنت "أمازون ويب سيرفيسز" تجربةً تحليليةً متكاملة تشمل مختلف الأقسام ووحدات الأعمال والقطاعات والمناطق الجغرافية، بحيث أصبح بإمكان فِرق العملاء الوصول من مكانٍ واحد إلى المعلومات التي يحتاجها كل مستخدمٍ بحسب دوره، بينما يقدم وكلاء الذكاء الاصطناعي تلقائيًا المعلومات والمؤشرات المهمة التي تساعدهم على اتخاذ القرارات. وتختلف الاستفادة من هذه المعلومات بحسب طبيعة عمل كل فريق؛ إذ يستطيع القادة متابعة الأداء عبر مختلف المناطق ووحدات الأعمال، بينما يمكن لفِرق العملاء متابعة تطور فرص المبيعات والمؤشرات المرتبطة بالعملاء، مع الحفاظ على أمن البيانات وموثوقيتها من خلال ضوابط الوصول المدمجة.

أصبحت أحصل على الصورة الكاملة بشكلٍ فوري، دون أن أضطر إلى قضاء نصف ساعة في جمع المعلومات، مما يمنحني وقتًا أكبر لبناء النماذج الأولية والتركيز على الابتكار بدلًا من البحث عن المعلومات وتجميعها.

مهندس حلول في "أمازون ويب سيرفيسز"

وتجمع هذه التجربة بين البيانات المنظمة، مثل فرص المبيعات والحسابات ومؤشرات الأداء، والبيانات غير المنظمة، مثل تفاعلات العملاء والملاحظات والمستندات، ضمن رؤيةٍ واحدةٍ متسقة، بما يتيح للوكلاء والعملاء الاعتماد على فهمٍ مشترك للمعلومات. كما تتيح الواجهة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للفِرق الاستعلام عن البيانات باستخدام اللغة الطبيعية، مما يقلل الجهد اليدوي اللازم للوصول إلى المعلومات وجمعها وتحليلها. ولا يقتصر أثر ذلك على تحسين التقارير؛ فالمعلومات والرؤى التي كان يستغرق الوصول إليها أيامًا أصبحت متاحةً في وقتٍ شبه فوري، مما يساعد الفِرق على تنسيق استجابتها للعملاء بصورةٍ أفضل. ومن خلال توحيد قاعدة بياناتها، عملت "أمازون ويب سيرفيسز" على إزالة أحد العوائق الرئيسية أمام إنجاز العمل، وتهيئة الأساس اللازم لتوسيع أساليب العمل القائمة على الوكلاء على مستوى المؤسسة.

الخلاصة من درس البيانات

من الأساس إلى التنفيذ: دمج الذكاء الاصطناعي في منظومة عمل الفِرق الميدانية

بعد إرساء قاعدةٍ قوية للبيانات، تأتي الخطوة التالية المتمثلة في إعادة تصميم أساليب العمل. وهنا تحديدًا تقصّر كثيرٌ من المؤسسات، إذ تكتفي بإضافة الذكاء الاصطناعي إلى عملياتها القائمة بدلًا من إعادة تصميمها بالكامل. والدليل على أهمية هذه الخطوة أن المؤسسات الرائدة في تطبيق الذكاء الاصطناعي تتفوق على غيرها بأكثر من ثلاثة أضعاف من حيث إعادة تصميم سير عملها بشكلٍ جذري،5 وهي بالتالي من يحقق أكبر مكاسب في الأرباح التشغيلية من هذه التقنية.

وقد طبّقت "أمازون ويب سيرفيسز" هذا المبدأ من خلال إعادة النظر في طريقة عمل فِرقها الميدانية، وتحديد المهام التي تستدعي فعلًا تدخلًا بشريًا، وتلك التي يمكن أن يتولاها وكلاء الذكاء الاصطناعي. فقد كشفت دراسة "توزيع الوقت الميداني" السنوية التي تجريها الشركة عن فرصةٍ واضحة؛ حيث يمكن لأعضاء فِرق خدمة العملاء قضاء مزيدٍ من الوقت مع عملائهم، إذا تولّى الوكلاء مهام التحضير للاجتماعات والأعمال الإدارية الروتينية بدلًا منهم. ولتحقيق ذلك، حللت الشركة طريقة إنجاز الأعمال، وقسّمت المهام الأساسية لنحو 35 دورًا وظيفيًا موزعةٌ على ما يقرب من 40 ألف موظفٍ ميداني،6 وذلك لتحديد الوظائف الأساسية التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفف فيها العبء اليدوي بشكلٍ ملموس.

ولم تعتمد "أمازون ويب سيرفيسز" في إعادة تصميم أساليب العمل على التوجيه المركزي وحده. فإلى جانب دور الدراسة السنوية التي تجريها الشركة في تحديد الفرص الأعلى قيمة، استفادت الشركة أيضًا من ثقافةٍ داخليةٍ تشجع الموظفين على الابتكار وتجربة الذكاء الاصطناعي في أعمالهم اليومية؛ حيث بدأت فِرق العمل في ابتكار حلولٍ قائمةٍ على وكلاء الذكاء الاصطناعي وتجربتها، لمعالجة التحديات التي تواجهها هذه الفِرق في أعمالها وتحسين طريقتها لخدمة العملاء. وبطبيعة الحال، لم تكن جميع هذه الأفكار قابلةً للتوسع، إلا أن وجود أساسٍ موحدٍ للبيانات وبنيةٍ تقنيةٍ مشتركة أتاح للشركة الاستفادة من هذه الابتكارات التي طورتها الفِرق، وتقييم مدى إمكانية تعميمها ليتم بعد ذلك البناء على أبرز الأفكار الواعدة لتطبيقها على نطاق المؤسسة بأكملها. وهكذا، أصبحت إعادة تصميم أساليب العمل تستند إلى أولويات تحددها الإدارة العليا، إلى جانب أفكار وابتكارات تنبع من فِرق العمل الميدانية.

وبفضل هذا النهج، تمكنت الشركة من تطوير مجموعةٍ من القدرات التي تغطي مختلف مراحل دورة العمل التجاري، مع الحفاظ على إتاحة المعلومات المتعلقة بالعميل عبر أنشطة المبيعات والشركاء والتسويق، بما يضمن استفادة الفِرق منها بصورةٍ متكاملة. وبدلًا من استخدام أدوات منفصلة للذكاء الاصطناعي، أعادت الشركة تصميم أجزاء من العملية التجارية لتقليل البحث اليدوي، وتسهيل عملية التنسيق بين فِرق العمل، والحد من تشتت التركيز بين المهام المختلفة، إلى جانب تسريع تحويل المعلومات المستخلصة عن العملاء إلى إجراءاتٍ عملية.

نحتاج إلى شركاء يفهمون الذكاء الاصطناعي، ويستطيعون العمل بهذه السرعة.

أحد عملاء "أمازون ويب سيرفيسز"، وهو رئيسٌ للاستراتيجية في إحدى شركات الإنشاءات، تعليقًا على عرضٍ توضيحيّ مباشر باستخدام قدرات "أمازون ويب سيرفيسز" لإنشاء المحتوى

ولم يقتصر أثر هذا النهج على طريقة عمل الفِرق، بل امتد إلى مختلف مراحل العملية التجارية، بدءًا من البحث عن العملاء المحتملين. فقد أعادت الشركة بناء هذه العملية، التي كانت تعتمد في السابق على بياناتٍ متفرقة وجمع المعلومات الخاصة بحسابات العملاء يدويًا، لتستند بدلًا من ذلك إلى رؤى تُولَّد بصورةٍ ديناميكية بالاعتماد على مؤشرات اهتمام العملاء، وتفاعلاتهم السابقة، والمعلومات المتاحة عنهم. وبحسب البيانات الواردة من الشركة، فقد أسهمت هذه التغييرات في رفع معدلات فتح رسائل البريد الإلكتروني إلى نحو ضعفي المتوسط،7 كما أظهرت إحدى التجارب الأولية ارتفاع معدل تحوّل العملاء المحتملين إلى عملاء مؤهلين للمتابعة من فِرق المبيعات بنحو 4.5 أضعاف.

ومع اقتراب العملاء المحتملين من عملية الشراء، تبدأ فِرق العملاء في "أمازون ويب سيرفيسز" في وضع خطةٍ أكثر تفصيلًا للتعامل مع كل عميل، وتحديد الحلول المناسبة لاحتياجاته. وفي هذه المرحلة، تستخدم الفِرق الوكلاء لمساعدتها على إنجاز هذه المهام في وقتٍ أقل. فبحسب تقديرات الشركة، اختصر استخدام الوكلاء المدة اللازمة لإعداد استراتيجية التعامل مع كل عميلٍ بنحو سبع ساعات في كل حالة. ولم يكن توفير الوقت الفائدة الوحيدة؛ فقد ساعد استخدام الوكلاء على اكتشاف فرصٍ تجاريةٍ جديدة لم تكن واضحةً في البداية. ففي أثناء مناقشة حساب أحد العملاء، أظهر تحليلٌ مدعومٌ بالذكاء الاصطناعي أن البيانات التي يمتلكها العميل يمكن أن تتيح له مصدرًا جديدًا للعائدات. وأدى هذا الاكتشاف إلى توسيع النقاش معه ليتناول فرصًا استراتيجيةً جديدة لأعماله. ولم يقتصر هذا الأثر على الحالات الفردية؛ فقد أفادت الشركة أيضًا بأن إحدى تجاربها الأولية لقدرات الذكاء الاصطناعي في وضع استراتيجيات المبيعات أسهمت زيادة عدد الفرص التجارية الجديدة بنسبة 30 في المائة، وزيادة الفرص التي انتقلت إلى مرحلة التنفيذ الفعلي بنسبة 44 في المائة.

لقد غيّر الذكاء الاصطناعي طريقة عملي بالكامل. وأصبح بإمكاني تخصيص المزيد من الوقت لبناء العلاقات وحل مشكلات العملاء التي تهمهم بالفعل. والآن أستطيع التركيز على العمل الذي وظفت من أجله.

مدير حسابات في "أمازون ويب سيرفيسز"

وعند النظر إلى هذه الأمثلة مجتمعة، يتضح أن دور الذكاء الاصطناعي في "أمازون ويب سيرفيسز" لم يعد يقتصر على مساعدة الموظفين في إنجاز مهامٍ محددة، بل أصبح يربط بين الأعمال التي تنفذها الفِرق المختلفة طوال مراحل التعامل مع العميل. فوكلاء الذكاء الاصطناعي يستطيعون الاستفادة من المعلومات المتاحة عن العميل، ونقلها بين المراحل المختلفة، والبدء في تنفيذ المهام المطلوبة، والتنسيق بين الفِرق والأنظمة لإتمامها. وبهذه الطريقة، أصبح من الممكن إنجاز أعمالٍ كانت تتطلب في السابق العديد من الخطوات بصورةٍ أكثر سهولةً وتكاملًا وفي وقتٍ أقل، مما يتيح لفِرق العملاء التركيز بصورةٍ أكبر على التواصل مع العملاء وتلبية احتياجاتهم.

الخلاصة من دمج التقنية بنموذج التشغيل؟

متابعة المؤشرات: قياس النتائج ومعدلات استخدام الذكاء الاصطناعي

ومع إطلاق قدراتٍ جديدة للذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية قياس أدائها، ليس فقط لمتابعة مدى استخدامها، بل أيضًا لتحديد القدرات التي تحقق أكبر أثر، وتوجيه الاستثمارات إلى المجالات الأكثر فاعلية. إلا أن هذا النوع من القياس لا يزال محدودًا؛ فأقل من 20 في المائة فقط من المؤسسات تتابع مؤشرات أداءٍ واضحةٍ ومحددة للذكاء الاصطناعي التوليدي، رغم ارتباط هذه المؤشرات بالنتائج المالية للمؤسسة. 8

ولم تكن "أمازون ويب سيرفيسز" استثناءً؛ فمع توسع استخدام قدرات الذكاء الاصطناعي الوكيل، تابعت الفِرق ما تحققه كل أداةٍ على حدة من مكاسبٍ في الإنتاجية وتوفيرٍ للوقت، إلى جانب معدلات تبنّي التقنية. إلا أن عمليات القياس ظلت متفرقة، وغالبًا ما كانت منفصلة عن نتائج الأعمال، مما جعل من الصعب مقارنة أداء المبادرات المختلفة، وتقييم أثرها الإجمالي، وتحديد أولويات الاستثمار بفعالية.

ولمعالجة هذه المشكلة، وضعت الشركة إطارًا موحدًا للقياس يجمع بين عدة عناصر، أهمها بيانات تتبع أساليب العمل، مثل معدلات الاستخدام والوقت المستغرق في كل مهمة، إلى جانب معدلات تبنّي التقنية، واختبارات المقارنة "A/B" لتجربة الأساليب المختلفة، ومؤشرات أداء الأعمال. ويتيح هذا الإطار معرفة كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي عبر مختلف مجالات العمل والأدوار الوظيفية. ورغم هذا التقدم، لا تزال "أمازون ويب سيرفيسز"، شأنها شأن العديد من المؤسسات الأخرى، تواجه تحديًا يتمثل في إثبات أن زيادة التبنّي وتحسن الإنتاجية ينعكسان فعليًا في قيمةٍ ملموسةٍ للأعمال. فمن دون ربطهما بصورةٍ أوضح بنتائج مثل معدلات التحويل، وحجم الصفقات، وتجربة العملاء، والإيرادات، يظل من الصعب تحديد القدرات التي تحقق أكبر أثر، والمجالات التي ينبغي توجيه الاستثمارات المستقبلية إليها.

وإلى جانب القياس، هناك عاملٌ آخر لا يقل أهمية، فالاستفادة الفعلية من الذكاء الاصطناعي تعتمد في النهاية على مدى تبنّيه واستخدامه. وقد واجهت "أمازون ويب سيرفيسز"، كغيرها من المؤسسات، تفاوتًا وصعوباتٍ في هذا الجانب. فقد تطورت قدرات الذكاء الاصطناعي بسرعة، بينما لم تتقدم جهود إدارة التغيير بالسرعة نفسها. وفي بعض الحالات، أُتيحت هذه القدرات لمستخدمين لم تكن مصممةً في الأصل لتلبية احتياجاتهم. فعلى سبيل المثال، تجاوزت نسبة تبنّي إحدى أدوات البحث عن العملاء المحتملين 90 في المائة بين المستخدمين المستهدفين، إلا أن معدل التبنّي الإجمالي بدا وكأنه استقر عند أقل من 50 في المائة بعد إتاحة الأداة لفئةٍ أوسع لا تتناسب أساليب عملها مع ما صُممت الأداة من أجله. ويعود هذا التفاوت إلى عدم توافق الأداة مع احتياجات هؤلاء المستخدمين.

وحتى عندما أُتيحت الأدوات للمستخدمين المناسبين، لم يكن تبنّيها أمرًا تلقائيًا. فكثيرًا ما افتقرت فِرق العملاء ومديروها إلى معرفةٍ واضحةٍ بالوكلاء الذين ينبغي استخدامهم، والوقت المناسب لاستخدامهم، وكيفية دمجهم في مهام العمل اليومية. كما واجه المستخدمون عبئًا إضافيًا في مرحلة الإعداد الأولي، إذ كان عليهم ربط الوكلاء وضبط الصلاحيات واستكمال الإعدادات قبل أن يتمكنوا من الاستفادة منهم، وهو ما وضع مزيدًا من العوائق أمام المستخدمين، وأبطأ من عملية تبنّي هذه القدرات ودمجها في العمل اليومي.

وإذا تأملنا هذه الأنماط مجتمعة، نجدها تعكس تحديًا أوسع تواجهه المؤسسات في هذه المرحلة تحديدًا، وهو التعامل مع التبنّي كخطوةٍ لاحقة، بدلًا من مراعاته عند تصميم أدوات وقدرات الذكاء الاصطناعي من البداية. أما المؤسسات الرائدة، فتجعل التبنّي جزءًا أساسيًا من عملية التصميم، من خلال توفير الإرشادات وأساليب العمل والدعم المناسب لكل دورٍ وظيفي من اللحظة الأولى. كما تستثمر في مبادرات إدارة التغيير بما يصل إلى خمسة أضعاف ما تستثمره المؤسسات الأخرى.

وتعمل "أمازون ويب سيرفيسز" الآن على معالجة هذا التحدي بصورةٍ أكثر مباشرة، من خلال مساعدة الموظفين والقادة على إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في ممارسات العمل اليومية. ويتولى عددٌ من الموظفين الميدانيين دعم زملائهم ومساعدتهم على التعرف على القدرات الجديدة، وفهم كيفية الاستفادة منها في أداء مهامهم. وفي الوقت نفسه، تُعقد جلساتٍ مكثفةً لإعداد القادة لدمج الذكاء الاصطناعي في أساليب العمل، وتشجيع فِرقهم على تبنّيه من خلال استخدامه بأنفسهم وتقديم القدوة لهم. فكلما أدرك القادة قيمة هذه الأدوات، زاد حرصهم على دمجها في الممارسات المعتادة لإدارة الأعمال، مثل إلزام الفِرق باستخدام أدوات إعداد التقارير المدعومة بالذكاء الاصطناعي في مراجعات الأعمال الأسبوعية والشهرية، وتخصيص الوقت للتعريف بالقدرات الجديدة وكيفية الاستفادة منها.

وخلال هذه التجربة، لاحظت "أمازون ويب سيرفيسز" بعض الفوائد غير المتوقعة لاستخدام الذكاء الاصطناعي. فمع تقليص الوقت اللازم لجمع المعلومات ومراجعة التوقعات وإعداد التقارير، أصبح بإمكان بعض المديرين قضاء وقتٍ أقل في مراجعة البيانات، وتخصيص وقتٍ أكبر لتوجيه فِرقهم وتنمية قدرات موظفيهم ومواهبهم. ورغم أن ذلك لم يكن من الأهداف الأساسية للمبادرة، ترى الشركة فيه مؤشرًا مشجعًا على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتيح للقادة مزيدًا من الوقت للتركيز على الجوانب الإدارية التي تتطلب دورًا بشريًا أكبر.

ومع تسارع الابتكار، لن يعتمد استمرار أثر الذكاء الاصطناعي على إضافة المزيد من الوكلاء بقدر ما سيعتمد على دمجهم في طريقة إنجاز العمل. ومن هذا المنطلق، تتجه "أمازون ويب سيرفيسز" إلى ربط هؤلاء الوكلاء بمعلومات المؤسسة والبيانات المرتبطة بسياق العمل والمهارات المتخصصة، حتى يتمكنوا من مساعدة المستخدمين بشكلٍ مباشر أثناء أداء مهامهم. وبهذه الطريقة، يمكن للموظفين الاستفادة من الذكاء الاصطناعي من خلال الأدوات وبيئات العمل التي يستخدمونها بالفعل، دون الحاجة إلى تغيير أساليب عملهم أو تنفيذ خطواتٍ إضافيةٍ تعوق استخدامه. وترى الشركة أن هذا النهج الذي يقوم على تسهيل استخدام الذكاء الاصطناعي ودمجه في بيئة العمل المعتادة يمكن أن يساعد على زيادة تبنّيه وتوسيع نطاق الاستفادة منه داخل المؤسسات.

الخلاصة من درس إعداد الكفاءات وتبنّي الحلول وإدارة التغيير

مستقبل العمل المشترك بين البشر ووكلاء الذكاء الاصطناعي

بعد استعراض الدروس الأربعة السابقة، ننتقل إلى الدرس الخامس والأخير، الذي يستشرف مستقبل العمل مع الذكاء الاصطناعي. فلا تزال كثيرٌ من المؤسسات في المراحل الأولى من تبنّي هذه التقنية، إلا أن النماذج الناشئة القائمة على الوكلاء تشير إلى إمكانية تغير طريقة تنظيم العمل وإنجازه مستقبلًا، مع تعاونٍ أكبر بين البشر والوكلاء في أداء المهام وعمليات اتخاذ القرار.

وترى "أمازون ويب سيرفيسز" أن هذا التوجه أدى إلى ظهور أساليب عملٍ تعتمد بصورةٍ أكبر على الوكلاء، إذ يمكنهم الاستفادة من بيانات المؤسسة وما لديها من معلوماتٍ عن أعمالها وعملائها للمساعدة في إنجاز المهام خلال مختلف مراحل التعامل مع العميل. ومع مرور الوقت، قد يسهم ذلك في زيادة الترابط بين الفِرق وطريقة إنجازها للمهام. ولتحقيق هذه الرؤية، يحتاج الوكلاء إلى فهمٍ مشتركٍ لطبيعة أعمال المؤسسة. لذلك، تعمل الشركة على بناء قاعدةٍ معرفيةٍ تربط مصادر البيانات المنظمة وغير المنظمة، بما يتيح التعامل مع المعلومات بصورةٍ أكثر اتساقًا في مختلف أنحاء المؤسسة.

ومع تزايد عدد وكلاء الذكاء الاصطناعي، يصبح من الصعب إنشاء طريقة اتصالٍ خاصة لكل وكيلٍ منهم مع كل أداةٍ أو مصدر بيانات. لذلك تستخدم "أمازون ويب سيرفيسز" معايير مشتركة، تساعدهم على الوصول إلى المعلومات والتعامل مع الأدوات وتنفيذ الإجراءات عبر أنظمةٍ متعددة بسلاسةٍ أكبر. ومن بين هذه المعايير "بروتوكول سياق النموذج"، الذي تستخدمه الشركة على نطاقٍ واسعٍ لدعم عمل هؤلاء الوكلاء، حيث طوّرت داخليًا نحو 4,000 خادم يعتمد على هذا البروتوكول.

يتطلب هذا العالم الجديد منّا جميعًا أن نعمل بطريقةٍ مختلفةٍ، وأن نكون أسرع الفِرق وأكثرها معرفة، حتى نتمكن من تحقيق أفضل النتائج لعملائنا.

غريغ بيرسون، نائب رئيس المبيعات العالمية في "أمازون ويب سيرفيسز"

ومن خلال توحيد الطريقة التي يتعامل بها الوكلاء مع المعلومات والأنظمة، يصبح من الأسهل إعادة استخدام ما تم بناؤه بدلًا من البدء من الصفر في كل مرة. ولهذا، توفر "أمازون ويب سيرفيسز" سجلًا مشتركًا يتيح لفِرق العملاء العثور على الوكلاء الموجودين بالفعل والاستفادة منهم. كما توفر الشركة بيئاتٍ آمنةٍ ومعزولة وطريقةٍ موحدةٍ لبناء ما تحتاجه الفِرق من وكلاء جدد يمكنهم التعاون مع وكلاء آخرين.

ولا يقتصر هذا التوجه على تسهيل بناء الوكلاء وإعادة استخدامهم، بل يمتد أيضًا إلى الطريقة التي يستفيد بها الموظفون من قدراتهم. فبدلًا من مطالبتهم بالتنقل بين أدوات ووكلاء متعددين، تركز "أمازون ويب سيرفيسز" على تطوير قدراتٍ لا ترتبط بواجهةٍ محددة، وإنما يمكن دمجها في تطبيقاتٍ وأساليب عملٍ وواجهاتٍ مختلفة. فمثلًا، إذا كانت هناك قدرةٌ تساعد في إعداد الموظف لاجتماعٍ مع أحد العملاء، فليس من الضروري أن تكون هذه القدرة محصورةً في تطبيقٍ مستقلٍ يجب على الموظف فتحه. بل يمكن دمج القدرة نفسها داخل البيئة التي يعمل فيها الموظف بالفعل، والاستفادة من بيانات المؤسسة وعملياتها لتقديم المعلومة أو تنفيذ الإجراء المناسب وفقًا للسياق. وتُتاح هذه القدرات بصورةٍ متزايدة من خلال بيئاتٍ مألوفة للموظفين، مثل تطبيق "Quick" للحاسوب المكتبي، الذي يوفر نقطة وصولٍ موحدة إلى الوكلاء والبيانات وأساليب العمل. ومع إضافة قدراتٍ جديدة، يمكن دمجها في الأنظمة القائمة وإتاحتها عبر الواجهات التي اعتاد الموظفون استخدامها، بدلًا من مطالبتهم بالانتقال إلى أدواتٍ جديدة.

أحدث تطبيق "Quick" للحاسوب المكتبي فارقًا كبيرًا في طريقة عملنا؛ فهو يساعدني في الاستعداد للاجتماعات، ويوفر لي ملاحظاتٍ بعد انتهائها. كما يقدّم لي إحاطةً صباحيةً تستند إلى تحليل ما يناقشه عملائي عند إعلان نتائجهم المالية، مما يساعدني على فهم التحديات التي تواجه أعمالهم.

مدير حسابات في "أمازون ويب سيرفيسز"

وترى "أمازون ويب سيرفيسز" أن هذا النهج يمنح المستخدمين مرونةً أكبر في تصميم الوكلاء بما يناسب احتياجاتهم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الأمان وضوابط الوصول وتوحيد طريقة عملهم في مختلف أنحاء المؤسسة. ومع تزايد إنشاء المستخدمين لوكلاء ومهاراتٍ مصممةً وفق احتياجاتهم، تحرص الشركة على أن تعتمد هذه القدرات على بياناتٍ موثوقةٍ من المؤسسة وفهمٍ مشتركٍ لسياق العمل، بما يساعد على زيادة دقة ما يقدمه الوكلاء للمستخدمين، وتوفير تجربةٍ مماثلة عند استخدامهم بين مختلف الفِرق وفي مختلف أساليب العمل. ولا تقتصر آثار هذا التوجه بالنسبة للقادة على الجانب التقني؛ فعندما يصبح الوكلاء جزءًا من فِرق العمل، وليسوا مجرد أدوات، تحتاج المؤسسات أيضًا إلى إعادة النظر في هياكل الفِرق، والمسؤوليات المتعلقة باتخاذ القرارات، وتوقعات الأداء.

وتكشف هذه التجربة أيضًا عن تغييراتٍ أوسع قد يشهدها العمل داخل المؤسسات مع تطور استخدام الوكلاء. فبدلًا من الاعتماد بصورةٍ أساسيةٍ على تطبيقاتٍ منفصلة، قد تعتمد المؤسسات بشكلٍ متزايد على أنظمةٍ مترابطة يعمل فيها الوكلاء معًا للمساعدة في إنجاز المهام، مع وجود ضوابط واضحة تحدد نطاق عملهم وتضمن استمرار الإشراف البشري والتدخل عند الحاجة.

ومع تطور هذه النماذج، من المرجح أن تتغير الأدوار الوظيفية أيضًا. فقد تركز الفِرق التي تتعامل بصورةٍ مباشر مع العملاء على تطوير أفكارٍ جديدة بالتعاون مع العملاء والشركاء، والوصول بها إلى نتائج ملموسة في وقتٍ أقصر، بينما قد تعيد فِرق العمليات تصميم الآليات الأساسية وطرق العمل لتعزيز التعاون بين البشر والوكلاء. ومع هذا التغير في طبيعة العمل، قد يعتمد نجاح هذه النماذج على ما تحققه من نتائج فعلية للمؤسسة.

كيف نستعد للمرحلة القادمة؟

تكشف الدروس المستفادة من تجربة "أمازون ويب سيرفيسز" أن النجاح في توسيع استخدام الوكلاء لا يتوقف على التقنية وحدها، بل يتطلب أيضًا تغيير الطريقة التي تعمل بها المؤسسة. فتحقيق أقصى استفادةٍ من الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على إضافة المزيد من الأدوات، وإنما على إعادة تصميم الطريقة التي تعمل بها البيانات وأساليب العمل والموظفون معًا، بما يساعد على تحويل قدراته إلى إجراءاتٍ فعلية.

وقد تجسد ذلك في تجربة الشركة من خلال تركيز جهودها على أحد مجالات العمل التي يمكن أن تحقق تحسنًا واضحًا في الأداء ونتائج العملاء، إلى جانب بناء قاعدةٍ قويةٍ من البيانات عالية الجودة، ودمج الوكلاء في طريقة إنجاز العمل. وبتكامل هذه العناصر معًا، تطور استخدام الوكلاء من حالاتٍ منفصلة إلى منظومةٍ مترابطةٍ تضم قدراتٍ يمكن إعادة استخدامها وطرق عملٍ متكاملة تساعد على انتقال المعلومات بسلاسةٍ أكبر بين مختلف أنحاء المؤسسة.

ورغم هذا التقدم، تكشف تجربة "أمازون ويب سيرفيسز" أيضًا عن صعوبة إحداث تغييرٍ بهذا الحجم على مستوى المؤسسة. فقد ظلت هناك صعوباتٌ في توسيع استخدام هذه القدرات وقياس أثرها الفعلي، حتى في ظل الدعم القوي من الإدارة العليا، والموارد التقنيّة الكبيرة، والثقافة المؤسسية القائمة على الابتكار.

وتتجاوز دلالات تجربة "أمازون ويب سيرفيسز" حدود الشركة نفسها، لتكشف عن تغير أوسع تشهده المؤسسات في طريقة عملها. فمع تزايد دمج الوكلاء في مختلف جوانب العمل، قد لا يكون الوصول إلى الذكاء الاصطناعي أو عدد الوكلاء الذين تستخدمهم المؤسسات هو ما يميزها، وإنما الطريقة التي توظف بها هذه القدرات لإحداث تغيير جوهري في كيفية إنجاز العمل.

Explore a career with us