هل تُعد أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي استثماراً مجدياً؟ وكيف تقيس الشركات قيمتها الحقيقية؟

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

في زمن تتسابق فيه الشركات نحو تبني وكلاء الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن التبني نفسه، وهو: هل يستحق هذا الوكيل الذكي فعلاً ما ننفقه عليه؟ في الواقع، تشهد تقنيات الذكاء الاصطناعي تطوراً متسارعاً جعل استخدامها أقل تكلفة من أي وقت مضى، غير أن الشركات بدأت تكتشف مفارقة محيّرة، فكلما انخفضت أسعار تشغيل النماذج، ارتفعت الفاتورة العامة من استخدام هذه التقنية داخل المؤسسات. وقد شكّل وكلاء الذكاء الاصطناعي، القادرون على تنفيذ مهام متكاملة بدرجة من الاستقلالية، أحد أبرز مصادر هذه المفاجأة المالية لدى قادة الأعمال. وتكشف الأرقام حجم هذه المفارقة بوضوح. فقد أظهر مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2025، الصادر عن معهد "ستانفورد" للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان، أن تكلفة تشغيل نموذج يتمتع بقدرات مماثلة لنموذج "GPT-3.5" انخفضت بحلول نهاية عام 2024 من 20 دولاراً إلى 7 سنتات فقط لكل مليون وحدة نصية.1 والمقصود بهذه الوحدات الأجزاء الصغيرة التي يقسّم إليها النموذج النصوص حتى يتمكن من قراءتها ومعالجتها وإنتاج الإجابات. ورغم هذا الانخفاض الحاد، تضاعف إنفاق المؤسسات على النماذج اللغوية الكبيرة ثلاث مرات خلال اثني عشر شهراً حتى نهاية عام 2025. 2 وهذه النماذج هي أنظمة مدرّبة على كميات هائلة من النصوص، ما يمكّنها من فهم اللغة وإنتاج المحتوى وتنفيذ مهام متعددة. كما أفاد 93 في المئة من المشاركين في استطلاع أجرته ماكنزي بأن مؤسساتهم تجاوزت الميزانيات المخصصة للذكاء الاصطناعي،3 فيما اضطرت مؤسسة من كل خمس مؤسسات شملها استطلاع "حالة الذكاء الاصطناعي" العالمي المرتقب من ماكنزي إلى الحد من استخدام هذه التقنيات نتيجة ارتفاع تكاليف تشغيلها.4

فما الذي يقف وراء هذا الارتفاع؟ تتداخل عدة عوامل في زيادة تكاليف الذكاء الاصطناعي. فقد وسّعت المؤسسات نطاق استخدام هذه التقنيات وأسندت إليها عدداً متزايداً من المهام، في حين انتقل مزودو النماذج اللغوية الكبيرة من الاشتراكات الثابتة إلى نظام تسعير يعتمد على حجم الاستخدام الفعلي. وبموجب هذا النظام، ترتفع التكلفة كلما ازدادت الوحدات النصية التي يعالجها النموذج، ما أوجد حوافز حوافز جديدة دفعت بعض هذه النماذج إلى تطويل إجاباتها بشكل ملحوظ من أجل زيادة استهلاك الرموز اللغوية وبالتالي زيادة العائد. ويضاف إلى ذلك لجوء المؤسسات في كثير من الأحيان إلى نماذج متقدمة ومرتفعة التكلفة لتنفيذ أعمال بسيطة، رغم إمكانية إنجازها بكفاءة باستخدام نماذج أصغر وأقل كلفة.

وقبل الخوض في هذه الأسباب وغيرها بمزيد من التفصيل، ينبغي التوقف عند نقطة جوهرية لا يجوز أن تغيب عن اهتمام الرؤساء التنفيذيين. فاختزال النقاش في كيفية خفض تكلفة الوحدات النصية التي تستهلكها نماذج الذكاء الاصطناعي قد يصرف الأنظار عن الغاية الأساسية من استخدامها. ويعبّر ديفيد تيبر، الرئيس التنفيذي لشركة "Pay-i"، عن هذه الفكرة بقوله إن الوحدات النصية لا تمثل القيمة التي تحققها التقنية، وإنما تشكل جزءاً من فاتورة تشغيلها. ومن ثم، يجب أن ينصب اهتمام الشركات على كيفية توظيف الوكلاء الأذكياء لتحقيق نتائج فعلية تعود بقيمة واضحة على أعمالها.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

ويتطلب تحديد هذه القيمة النظر إلى مجموعة من العوامل المترابطة، تبدأ بمدى صحة النتائج التي يقدمها الوكيل الذكي، وما إذا كانت تحتاج إلى إشراف بشري أو إلى تدخل الموظفين لتصحيحها. ويشمل التقييم أيضاً حجم موارد الحوسبة التي يستهلكها النظام أثناء تحليل المعلومات والوصول إلى النتيجة، أي القدرة التقنية اللازمة لتشغيله، فضلاً عن مقارنة المنفعة التي يحققها العمل المنجز بكامل تكاليف إنتاجه وتشغيله. وفي جوهر الأمر، يتعين على الرؤساء التنفيذيين الإجابة عن سؤال أساسي. هل تستحق القدرات التي تطورها مؤسساتهم لتشغيل الوكلاء الأذكياء ما يُنفق عليها في ضوء العائد الفعلي الذي تحققه؟

ويزداد إلحاح هذا السؤال يوماً بعد آخر أمام الرؤساء التنفيذيين، خصوصاً مع تحول أنظمة الذكاء الاصطناعي من مجرد زملاء عمل رقميين مساعدين إلى وكلاء قادرين على تحليل المشكلات وأداء مهام معقدة بشكل مستقل، إلى جانب تنسيق سير العمل بين الإدارات والأنظمة المختلفة. وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ظل توقعات بأن يستحوذ الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القليلة المقبلة على نحو 25 في المئة من ميزانيات تقنية المعلومات في المؤسسات. ومع ذلك، لا تزال شركات كثيرة عاجزة عن تحديد الأنظمة التي تحقق قيمة فعلية لأعمالها، أو معرفة تكلفتها الحقيقية، أو فهم كيفية تغير هذه التكلفة والعائد عند توسيع استخدامها.

ولفهم سبب ارتفاع تكاليف الذكاء الاصطناعي، يجب النظر إلى عاملين واضحين. الأول هو السعر الذي يفرضه مزودو النماذج مقابل استخدامها، والثاني هو حجم استخدام الشركات لهذه النماذج. فقد ينخفض سعر الاستخدام الواحد، لكن توسع المؤسسة في تشغيل الذكاء الاصطناعي وإسناد آلاف المهام الإضافية إليه سيرفع فاتورتها الإجمالية. وتحتاج المؤسسات إلى متابعة الأسعار وحجم الاستخدام معاً حتى تتمكن من ضبط نفقاتها. وتؤثر طريقة إدارة هذا الإنفاق أيضاً في قدرة الشركات على المنافسة. فقد تخصص شركتان ميزانيتين متقاربتين للذكاء الاصطناعي، ثم تحقق إحداهما نتائج أفضل لأنها تختار النموذج الملائم لكل مهمة، وتخصص النماذج الأعلى تكلفة للأعمال المعقدة التي تحتاج فعلاً إلى قدراتها. وتوضح خبرة ماكنزي في العمل مع الشركات وإدارة برنامجها الخاص أن المهام التي ينفذها الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى أسلوب إداري مختلف. ويشمل ذلك توجيه القدرات المتقدمة إلى المجالات الأعلى عائداً، وتحديد الأعمال التي تُنفذ داخل المؤسسة وتلك التي يمكن إسنادها إلى شركات خارجية. ويمكن الاطلاع على مزيد من التفاصيل في العمود الجانبي بعنوان "ما الذي تعلمته ماكنزي من إدارة تكلفة الذكاء الاصطناعي وقيمته على نطاق واسع؟". ومع ذلك، لم تطور معظم المؤسسات حتى الآن أسلوباً إدارياً واضحاً لاتخاذ هذه القرارات.

لماذا ترتفع نفقات التشغيل؟ ستة عوامل تزيد تكلفة الوكلاء الأذكياء

هناك ستة عوامل تفسر استمرار ارتفاع فاتورة الوكلاء الأذكياء، رغم انخفاض تكلفة معالجة النصوص التي تقرأها النماذج وتنتجها. فطريقة عمل هؤلاء الوكلاء تتطلب معالجة كميات أكبر بكثير من المعلومات عند تنفيذ كل مهمة، ولذلك قد ترتفع التكلفة الإجمالية حتى عندما يصبح سعر الاستخدام الواحد أقل:

  • أولاً، المراجعة والتحسين تستحوذان على الجزء الأكبر من التكلفة: لا تحتفظ النماذج اللغوية الكبيرة بذاكرة دائمة لكل ما أنجزته في المراحل السابقة. لذلك، يحتاج الوكيل الذكي مع تقدمه في تنفيذ المهمة إلى إرسال التعليمات والمعلومات والنتائج السابقة إلى النموذج من جديد، حتى يعرف ما تم إنجازه وما ينبغي فعله بعد ذلك. ويتكرر احتساب تكلفة معالجة هذه المعلومات في كل مرة تُرسل فيها، ما يؤدي إلى تراكم النفقات تدريجياً. ولهذا السبب، قد تستهلك المهمة المتكاملة التي ينفذها الوكيل الذكي نصوصاً تزيد بنحو 1000 مرة على ما تستهلكه مسألة برمجية تُحل في خطوة واحدة ومن دون استخدام أدوات إضافية، أو محادثة تتناول مشكلة برمجية عبر عدة رسائل.5 وهكذا تصبح المعلومات المتراكمة خلال تنفيذ المهمة جزءاً أساسياً من عملية التشغيل وعنصراً مؤثراً في تكلفتها. وإذا لم تُنظم هذه المعلومات جيداً ويُرسل منها ما يحتاج إليه النموذج فقط، ستتحول كل خطوة جديدة إلى تكلفة متكررة لمعالجة البيانات نفسها.
  • ثانياً، ارتفاع تكلفة مراجعة النتائج وتحسينها: يرتبط العامل الثاني بما يحدث بعد أن يقدم الوكيل الذكي إجابته الأولى. فقد يكون إنتاج هذه الإجابة سريعاً وقليل التكلفة، لكن التأكد من صحتها قد يتطلب فحصها، وتصحيح الأخطاء الواردة فيها، ثم مراجعتها مرة أخرى قبل اعتمادها. وتستحوذ هذه الخطوات وحدها على نحو 60 في المئة من إجمالي تكلفة المهمة التي ينفذها الوكيل.6 لذلك، يجب على قادة المؤسسات احتساب تكلفة مراقبة الجودة، ومعالجة الحالات التي لا يستطيع النظام التعامل معها، وإعادة تنفيذ العمل عند اكتشاف الأخطاء. فالتكلفة الحقيقية لا تشمل إنتاج الإجابة وحده، وإنما تمتد إلى جميع الخطوات اللازمة للوصول إلى نتيجة دقيقة وموثوقة.
  • ثالثاً، تفاوت التكلفة بسبب اختلاف طريقة عمل الوكلاء الأذكياء: ينشأ العامل الثالث من قدرة الوكيل الذكي على اختيار الطريقة التي ينفذ بها المهمة. فقد يسلك مساراً قصيراً ومباشراً في إحدى المرات، ثم يستخدم أدوات إضافية أو يعيد المحاولة مرات عدة عند تنفيذ المهمة نفسها مرة أخرى. ولهذا، قد تختلف التكلفة بصورة كبيرة رغم ثبات العمل المطلوب. ويظهر هذا التفاوت بوضوح في البرمجة، إذ قد تبلغ تكلفة تنفيذ المهمة نفسها في إحدى المرات 30 ضعف تكلفتها في مرة أخرى، تبعاً للخطوات التي يختارها الوكيل للوصول إلى النتيجة.7 وهذا يعني أن المؤسسة لا تستطيع التعامل مع كل مهمة باعتبار أن لها سعراً ثابتاً، كما أن إعداد الميزانية استناداً إلى متوسط التكلفة وحده لن يكون كافياً. فبعض المهام قد تُنجز بتكلفة محدودة، بينما ترتفع تكلفة مهام أخرى كثيراً نتيجة تعدد المحاولات والأدوات المستخدمة.
  • رابعاً، استخدام نماذج مرتفعة التكلفة لإنجاز مهام بسيطة: يتمثل العامل الرابع في الاعتماد على نماذج متقدمة تستهلك وقتاً وموارد أكبر في التفكير والتحليل، حتى عند تنفيذ أعمال بسيطة لا تحتاج إلى هذه القدرات. ويكون هذا المستوى المتقدم من التحليل مجدياً في المسائل المعقدة، لأنه يساعد على الوصول إلى نتائج أدق، لكنه يتحول إلى تكلفة إضافية غير ضرورية عندما يُستخدم في مهام سهلة. لذلك، تحتاج المؤسسات إلى توزيع المهام بين النماذج وفق درجة تعقيدها. فتُخصص النماذج المتقدمة ومرتفعة التكلفة للأعمال التي يمكن لقدراتها أن تُحدث فرقاً حقيقياً في النتيجة، بينما تُسند المهام البسيطة إلى نماذج أقل تكلفة وقادرة على إنجازها بالكفاءة المطلوبة.
  • خامساً، كثرة الخطوات بين الوكلاء والأدوات: يرتبط العامل الخامس بالطريقة التي ينفذ بها الوكيل الذكي المهمة. وتتحدد التكلفة وفق الأداة التي يختارها، وعدد مرات استخدامها، وتسلسل الخطوات، وكيفية انتقال العمل بين الوكلاء والنماذج المختلفة. فقد ينجز وكيل واحد المهمة عبر خطوات قليلة ومباشرة، وقد تُوزع المهمة نفسها على عدة وكلاء وأدوات ونماذج، بحيث ينفذ كل منها جزءاً صغيراً ثم ينقل العمل إلى الآخر. وقد تحقق الطريقتان النتيجة ذاتها، إلا أن الطريقة الثانية تحتاج إلى عمليات إضافية وترفع حجم الاستهلاك. لذلك، يساعد تقليل الخطوات غير الضرورية وتنظيم انتقال العمل بين الأنظمة على خفض التكلفة من دون التأثير في جودة النتيجة.
  • سادساً، طريقة تنظيم المعلومات تؤثر في التكلفة: يتصل العامل السادس بكيفية إعداد المعلومات التي يستقبلها النموذج أو ينتجها. فصياغة التعليمات، وطول المعلومات السابقة المرفقة بالمهمة، واللغة المستخدمة، وطريقة تنسيق المحتوى وتنظيم البيانات، جميعها عوامل تحدد كمية النصوص التي يحتاج النموذج إلى معالجتها، ومن ثم تكلفة تشغيله. ويظهر أثر اللغة بوضوح في هذا الجانب. إذ تقسّم النماذج بعض النصوص المكتوبة بلغات غير الإنجليزية إلى عدد أكبر من الأجزاء الصغيرة حتى تتمكن من معالجتها. ونتيجة لذلك، قد تحتاج المحادثة التي تحمل المعنى نفسه إلى حجم معالجة أكبر في لغة مقارنة بأخرى، ما يجعل تكلفتها أعلى. ومن هنا، يساعد تقديم المعلومات بصورة مختصرة ومنظمة على تقليل الاستهلاك، مع الحفاظ على وضوح المطلوب وجودة النتيجة.

وتوضح هذه العوامل الستة أن اختيار نماذج أقل سعراً لا يؤدي تلقائياً إلى خفض فاتورة الذكاء الاصطناعي. فالتكلفة النهائية تتأثر أيضاً بعدد مرات استخدام النموذج، وحجم المعلومات التي يعالجها، وتكرار المحاولات، ومراحل المراجعة، وعدد الوكلاء والأدوات المشاركين في تنفيذ المهمة. ويمكن الاطلاع على شرح أوسع لهذه القضية في مقال "كيف يدير كبار مسؤولي تقنية المعلومات الطلب على الذكاء الاصطناعي؟".

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي قواعد المنافسة بين الشركات؟

في الوقت الذي يفرض فيه الذكاء الاصطناعي تعقيدات إضافية على صعيد إدارة الكلفة، فإنه يدفع في المقابل نحو إعادة ضبط جوهرية في موازين المنافسة بين الشركات. ومع سعي الرؤساء التنفيذيين إلى تحديد المجالات التي يخلق فيها الذكاء الاصطناعي قيمة حقيقية، وكيفية بناء مصادر التفوق الاستراتيجي لأعمالهم، يتوجب عليهم الانتباه إلى أربع تداعيات رئيسية على وجه الخصوص.

يتمثل التأثير الأول في أن الشركات أصبحت تجد صعوبة أكبر في الحفاظ على تفوقها القائم على جودة تنفيذ الأعمال. فعلى مدى عقود، كانت الشركة تستطيع التقدم على منافسيها عندما تنجح في تطوير عمليات أسرع وأدق، مثل تحسين تقييم المخاطر وتسعير وثائق التأمين، أو تسريع معالجة المطالبات، أو رفع كفاءة التشغيل ومستوى خدمة العملاء. وكان تطوير هذه الأساليب يحتاج إلى سنوات من العمل، ما يمنح الشركة المتقدمة أفضلية تستمر فترة طويلة. أما اليوم، فتتيح أنظمة الوكلاء الأذكياء تطبيق القدرات نفسها عبر آلاف العمليات خلال وقت قصير، ما يساعد المنافسين على الوصول إلى مستويات متقاربة خلال أشهر أو أسابيع. وهكذا، أصبح التفوق الذي يستند إلى طريقة تنفيذ العمل أسهل في التقليد وأصعب في الاحتفاظ به.

أما التأثير الثاني، فيتمثل في أن بيانات الشركة ومعرفتها المتراكمة ستصبح أهم من النموذج الذي تستخدمه. فمع تقارب قدرات النماذج الأساسية التي تُبنى عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لن يكون استخدام نموذج متقدم كافياً وحده لصنع التفوق، لأن النموذج نفسه قد يكون متاحاً لجميع المنافسين. وستنتقل الأفضلية إلى المعلومات الخاصة التي تمتلكها كل مؤسسة ولا تتوافر لغيرها. ولهذا، قد تستخدم شركتان الوكيل الذكي التجاري نفسه وتحصلان على نتائج مختلفة تماماً. فدقة أدائه تعتمد على ما يتلقاه من معلومات حول احتياجات العملاء وسلوكهم، وبيانات العمليات اليومية، وسجل القرارات السابقة، والخطوات المتبعة لإنجاز العمل. وكلما كانت هذه المعلومات أوسع وأفضل تنظيماً، أصبح الوكيل أقدر على فهم طبيعة المؤسسة وتقديم نتائج تخدم أعمالها بصورة أدق. وفي عالم يتوسع فيه الاعتماد على الوكلاء الأذكياء، ستكتسب البيانات التي تجمعها المؤسسة بصورة منتظمة قيمة استراتيجية متزايدة. ويشمل ذلك تسجيلات مكالمات العملاء، والقرارات السابقة التي يمكن الرجوع إليها عند التعامل مع حالات مشابهة، والبيانات التي ترصد سير العمليات ومدتها والأخطاء التي تواجهها. فهذه المعرفة المتراكمة هي التي ستمنح المؤسسة تفوقاً يصعب على المنافسين تقليده، حتى لو استخدموا النموذج نفسه.

أما التأثير الثالث، فهو أن تفوق الشركات لن يعتمد على امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما على مدى قدرتها على إدارتها بكفاءة. فقد تستخدم شركتان النماذج والبنية التقنية نفسيهما وتخصصان لها الميزانية ذاتها، ثم تحقق إحداهما نتائج أفضل لأنها تختار النموذج المناسب لكل مهمة، وتراقب التكلفة، وتقيس جودة المخرجات، وتتدخل عند حدوث الأخطاء. وتبرز أهمية هذه الإدارة لأن تكلفة إنجاز المهمة الواحدة قد تتفاوت بما يصل إلى 30 ضعفاً، وفق المسار الذي يتبعه الوكيل وعدد الأدوات والمحاولات التي يحتاج إليها. كما يختلف حجم العمل المنجز عبر البنية التقنية المتاحة بحسب طريقة توزيع المهام بين النماذج. لذلك، ستتفوق المؤسسات التي تضع قواعد واضحة لاستخدام الأنظمة الذكية، وتقيس أداءها، وتحسن آليات عملها، وتدمجها بصورة مدروسة في عملياتها، لأنها ستحقق عائداً أكبر من ميزانية مماثلة قد يخصصها منافسوها للذكاء الاصطناعي.

ويتمثل التأثير الرابع في إعادة تحديد الأعمال التي ينبغي للمؤسسة الاحتفاظ بها داخلياً، وتلك التي يمكن إسنادها إلى شركات خارجية. فعلى مدى سنوات، كانت هذه القرارات تُتخذ وفق تكلفة الموظفين، والوفر الذي يحققه تنفيذ العمل على نطاق واسع، والنفقات المطلوبة للتنسيق مع المزود الخارجي. ومع انتشار الوكلاء الأذكياء، أصبحت جودة النتائج تعتمد بدرجة كبيرة على وصول هذه الأنظمة إلى بيانات المؤسسة ومعرفتها المتراكمة، مثل سجل القرارات السابقة، وتفاصيل العمليات، ومعلومات العملاء. ومن هذا المنطلق، ينبغي حماية هذه المعلومات بوصفها أصلاً استراتيجياً بالغ القيمة، مع الاحتفاظ داخل المؤسسة بالأعمال التي تعتمد عليها وتمنحها ميزة تنافسية. ويمكن إسناد المهام التي لا تؤثر في مصادر تفوق الشركة إلى مزودين خارجيين. وهكذا، لم يعد القرار قائماً على مقارنة التكاليف وحدها، فقد أصبح مرتبطاً بقيمة البيانات ومدى أهميتها للمنافسة.

أولويات الرؤساء التنفيذيين لبناء نموذج تشغيلي قائم على الوكلاء الأذكياء

تبدأ مهمة الرئيس التنفيذي بوضع إطار واضح يحدد كيفية استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة، والأعمال التي يتولونها، والقواعد التي تحكم تشغيلهم. وينبغي أن يركز هذا الإطار على القيمة التي تحققها الأنظمة للأعمال، عوضاً عن الانشغال بخفض كمية النصوص التي تعالجها النماذج بوصفها مقياساً منفرداً للتكلفة. ويتطلب ذلك إدارة المهام التي تنفذها الأنظمة الذكية وفق أسس محددة، تشمل النتائج المطلوب تحقيقها وطريقة قياسها، ومستوى قدرات الذكاء الاصطناعي الملائم لكل نتيجة، ومقدار الاستقلالية الممنوحة للوكلاء، وبيئة التشغيل المناسبة لكل نوع من الأعمال، سواء عبر خدمات خارجية أو سحابة خاصة أو بنية داخلية. وفيما يلي أبرز المتطلبات التي ينبغي على الرؤساء التنفيذيين فرضها قبل التوسع في تطبيق الأنظمة الوكيلة على نطاق واسع:

  • توجيه قدرات الذكاء الاصطناعي إلى المهام التي تستحقها: تتمثل الأولوية الأولى في اختيار مستوى القدرات المناسب لكل مهمة، بالطريقة التي توزع بها المؤسسة رأس مالها على الاستثمارات المختلفة. ومن أكثر الأخطاء تكلفة افتراض أن كل مشكلة تحتاج إلى أحدث النماذج وأعلاها قدرة وسعراً. ففي الواقع، يمكن تنفيذ كثير من الأعمال بكفاءة باستخدام نماذج أصغر، أو نماذج مفتوحة تتيح للمؤسسة تشغيلها وتخصيصها، أو أنظمة تعتمد على قواعد محددة ومعروفة النتائج، أو حتى برامج تقليدية. ويتعيّن على الرئيس التنفيذي أن يطلب تفسيراً واضحاً لسبب اختيار نموذج وبيئة تشغيل محددين لكل مهمة رئيسية. كما يجب تحديد الظروف التي تستدعي تغيير هذا الاختيار، والجهة المسؤولة عن مراجعته مع تغير الأسعار والمتطلبات التنظيمية وحجم الاستخدام وجودة النماذج. فالغاية هي استخدام القدرات المتقدمة حين تضيف قيمة حقيقية، وتجنب تكلفتها في الأعمال التي تستطيع حلول أبسط إنجازها بالمستوى المطلوب.
  • تحديد استراتيجية المنافسة قبل الاستراتيجية التقنية: تتمثل الأولوية الثانية في أن تحدد الشركة استراتيجيتها التنافسية قبل أن تختار تقنيات الذكاء الاصطناعي التي ستستخدمها. ويبدأ ذلك بالإجابة عن سؤالين واضحين هما "ما النشاط الذي تقوم عليه أعمالنا؟" و"ما القدرات التي تجعل العملاء يختاروننا بدلاً من منافسينا؟". فنادراً ما تحقق استثمارات الذكاء الاصطناعي عوائد مرتفعة عند توزيعها بالتساوي على جميع أقسام المؤسسة. وغالباً ما تتركز القيمة في عدد محدود من الأنشطة التي تؤثر مباشرة في الإيرادات والتكاليف وجودة الخدمات. ففي قطاع التأمين، قد تأتي العوائد الأكبر من تسريع معالجة المطالبات وتحسين تقييم المخاطر وتسعير الوثائق. وفي شركات الأدوية، قد تتحقق من البحث والتطوير وتطوير العلاجات وإجراء الدراسات السريرية. أما شركات البرمجيات، فقد تجد فرصتها الأهم في تطوير المنتجات وكتابة البرمجيات. وتبدأ مهمة الإدارة العُليا بتحديد الأنشطة التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغيّر فيها أداء الشركة بصورة ملموسة، مثل خفض تكلفة العمل أو تسريع إنجازه أو تحسين جودة القرارات وزيادة الإيرادات. وبعد معرفة هذه الأنشطة، تستطيع المؤسسة اختيار التقنيات التي تخدم أولوياتها فعلياً.

    وعند وضع استراتيجية تحقق للشركة تقدماً على منافسيها، يحتاج الرؤساء التنفيذيون إلى رسم مسار تدريجي يجمع بين الطموحات الكبيرة والأهداف المرحلية القابلة للتنفيذ. ويقوم هذا المسار على تحديد محطات واضحة ترتبط بنتائج فعلية، وتقدير الميزانيات المطلوبة وتوزيعها وفق الأولويات، مع منح فرق العمل مساحة كافية لاختيار الوسائل الأنسب لتحقيق الأهداف. وتمثل هذه العناصر الأساس الذي يحوّل الرؤية الطموحة إلى خطة عملية يمكن تنفيذها وقياس تقدمها.

  • وضع نظام مؤسسي لإدارة الوكلاء الأذكياء: أمضت المؤسسات عقوداً في وضع أنظمة واضحة لضبط الإنفاق، وتحسين العمليات، ورفع إنتاجية سلاسل الإمداد، وإدارة المخاطر السيبرانية وتكاليف الخدمات السحابية. وهي تحتاج اليوم إلى نظام مماثل ينظم المهام التي ينفذها الوكلاء الأذكياء ويراقب تكلفتها ونتائجها. ويشمل هذا النظام تحديد الأدوات التي يمكن للوكيل استخدامها، واختيار النموذج الملائم لكل مهمة، وقياس جودة النتائج، وتوضيح القرارات والإجراءات التي يستطيع تنفيذها من دون الرجوع إلى الموظفين. فهذه الجوانب تؤثر مباشرة في أداء المؤسسة وتكاليفها ومخاطرها، ولهذا يجب أن تشارك الإدارة في وضع قواعدها ومتابعتها. كما ينبغي أن يعمل كل وكيل ضمن مهمة وميزانية وحدود واضحة. فعلى سبيل المثال، يجب تحديد عدد المحاولات المسموح بها، والحالات التي تستوجب توقفه، والنقطة التي تنتقل عندها المهمة إلى موظف مختص. ويتطلب تأسيس هذا النظام استثماراً يمتد لعدة سنوات، مع بناء الخبرات اللازمة داخل المؤسسة وعدم إسنادها تلقائياً إلى مزودين خارجيين.
  • تحديد الجهة المسؤولة عن إدارة عمليات الذكاء الاصطناعي: تتمثل الأولوية التالية في تحديد الشخص أو الجهة التي تتحمل المسؤولية الكاملة عن إدارة وكلاء الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة. فهذه المهمة تجمع بين قرارات تقنية وتشغيلية متعددة، تشمل تنظيم المعلومات التي يحتاج إليها الوكيل، واختيار النموذج المناسب لكل عمل، وتقييم جودة النتائج، وتحديد الإجراءات التي يستطيع تنفيذها دون موافقة بشرية، واختيار البيئة التقنية التي تُشغّل فيها كل مهمة. ولا تندرج هذه المسؤوليات بصورة واضحة تحت اختصاص إدارة تقنية المعلومات أو المالية أو العمليات أو الموارد البشرية. وقد يؤدي غياب جهة مسؤولة إلى تكرار الجهود، واتخاذ قرارات متعارضة، وارتفاع النفقات من دون تحقيق فائدة واضحة. ومن هنا، يتعين على الرئيس التنفيذي تحديد من سيقود عمليات الذكاء الاصطناعي ويكون مسؤولاً عن نتائجها، كما يوضح العمود الجانبي بعنوان "ما الذي تعنيه تكاليف عمل الأنظمة الذكية للقيادات العُليا؟".

    وقد تُسند هذه المسؤولية إلى رئيس لعمليات الذكاء الاصطناعي، أو لجنة تشغيلية جديدة، أو أي هيكل إداري آخر. ولا تكمن المسألة الأساسية في المسمى أو الشكل التنظيمي، وإنما في تحديد صاحب القرار والجهة التي تُحاسب على النتائج بوضوح. وينبغي أن تتولى هذه الجهة متابعة مؤشرات رئيسية، مثل تكلفة تحقيق كل نتيجة، وأداء مزودي الخدمات، وسرعة استفادة المؤسسة من التجارب والأخطاء وتطوير الأنظمة على أساسها، ومدى كفاءة تشغيل وكلاء الذكاء الاصطناعي. كما تحتاج إلى متابعة تغيرات السوق والتقنيات والأسعار حتى تستعد لها مبكراً، مع تصميم أسلوب عمل مرن يسمح بتعديل النماذج والأدوات والقواعد كلما دعت الحاجة.

  • قياس نجاح وكلاء الذكاء الاصطناعي بما يحققونه للشركة: يُقاس نجاح الوكيل الذكي وفق العمل الذي أنجزه والنتيجة التي حققها. فإذا تولى مراجعة طلب تعويض في شركة تأمين، تنظر المؤسسة إلى مدى صحة قراره، والوقت الذي استغرقه، والتكلفة الكاملة لإنهاء الطلب. أما عدد النصوص التي عالجها النموذج ومرات تشغيله، فتوضح حجم الاستخدام، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم وهو هل أنجز الوكيل المهمة جيداً وحقق فائدة للشركة؟ والغاية هي تمكين الإدارة من مقارنة الطرق المختلفة لإنجاز العمل. فتحسب مثلاً تكلفة إنهاء طلب واحد عندما يتولاه موظف، ثم تقارنها بتكلفة إنجازه عبر وكيل ذكي، أو من خلال تعاون الموظف والوكيل. وتشمل المقارنة الوقت والمال وجودة النتيجة وحجم التصحيح المطلوب. وبهذا تستطيع المؤسسة معرفة الخيار الذي ينجز المهمة بأفضل جودة وأقل تكلفة.

  • إعادة النظر في حدود الاستعانة بمصادر خارجية: تحتاج المؤسسات إلى مراجعة قراراتها بشأن الاحتفاظ بالأعمال داخلياً أو تكليف مزودين خارجيين بها، بعد أن غيّر الذكاء الاصطناعي طريقة حساب القيمة والتكلفة. فقد تكون بعض الأنشطة ملائمة للإسناد الخارجي في السابق، ثم يصبح تنفيذها داخل المؤسسة أكثر جدوى لأن الأنظمة الذكية تقدم نتائج أفضل عندما ترتبط مباشرة ببيانات الشركة وسجل قراراتها ومعرفتها المتراكمة. وفي اتجاه مقابل، يمكن للخدمات القائمة على وكلاء الذكاء الاصطناعي أن تتولى أعمالاً كانت تحتاج سابقاً إلى فرق داخلية ذات خبرات واسعة، مثل البحوث القانونية والتحليل المالي وإنتاج المحتوى. وقد تتمكن المؤسسة من الحصول على هذه الخدمات مستقبلاً مع قدر محدود من المتابعة الداخلية. وهكذا، يعتمد القرار على أهمية بيانات المؤسسة في إنجاز المهمة، والقيمة التي يحققها الاحتفاظ بالعمل داخلياً، مقارنة بالفائدة المتوقعة من إسناده إلى جهة خارجية.

    وتبدأ هذه المراجعة بدراسة كل نشاط على حدة، لتحديد القيمة التي يحققها ومكان تنفيذه الأنسب، سواء داخل المؤسسة أو لدى مزود خارجي. فلم يعد التوسع في إسناد الأعمال إلى الخارج هو الخيار المفضل في جميع الحالات، خاصة عندما يعتمد النشاط على بيانات داخلية أو معرفة تمنح الشركة تفوقاً على منافسيها. كما تحتاج المؤسسات إلى مراجعة عقودها مع المزودين وإعادة التفاوض على شروطها، بما يحمي الأنشطة المرتبطة بقدرتها التنافسية ويضمن لها حصة أكبر من المنافع التي يحققها الذكاء الاصطناعي مع تغير التكاليف وأساليب العمل. ومن المهم أيضاً بناء الخبرات والموارد التي تمكّن الشركة من استعادة بعض الأعمال وتنفيذها داخلياً عندما يثبت أن هذا الخيار يحقق قيمة أكبر.

  • الموازنة بين شراء حلول الذكاء الاصطناعي وتطويرها داخلياً والاستعانة بالشركاء: لا يُعد اختيار شراء حل جاهز أو تطويره داخل المؤسسة قراراً نهائياً يُتخذ عند بداية المشروع. فقد يكون الحل التجاري هو الخيار الأنسب في مرحلة معينة، ثم يصبح التطوير الداخلي أو التعاون مع شريك أكثر جدوى عندما يرتفع حجم الاستخدام، أو تتغير الأسعار، أو تتحسن قدرات النماذج، أو تظهر متطلبات جديدة لحماية البيانات. وبناءً على هذه المتغيرات، تُدرس كل مهمة بصورة مستقلة، وتُراجع طريقة تشغيلها كلما تغيرت الظروف التي استند إليها الاختيار الأول. ويرتبط الاختيار بعدة عوامل، منها حجم استخدام المهمة، ومدى استقرار الطلب عليها، ومتطلبات حماية بياناتها، ومستوى الجودة المطلوب، وقدرة المؤسسة على تشغيل الحل وإدارته. ومع مرور الوقت، يُرجح أن تشتري الشركات معظم قدرات الذكاء الاصطناعي عبر برامج ونماذج وخدمات تجارية جاهزة. أما التطوير الداخلي، فستتركز جدواه في ثلاثة مجالات رئيسية. يشمل الأول بناء المكونات التي تربط نماذج الذكاء الاصطناعي ببيانات المؤسسة وأنظمتها ومسارات عملها. ويركز الثاني على تطوير وكلاء يقدمون قدرات خاصة تمنح الشركة ميزة يصعب على المنافسين تقليدها. أما الثالث، فيتمثل في مشروعات استراتيجية تساعد فرق العمل على اكتساب الخبرة وفهم التقنية بصورة أعمق، حتى تتمكن الإدارة من اتخاذ قرارات أفضل بشأن استثماراتها المستقبلية.

    ومن المتوقع أن تحتاج البرمجيات التجارية المصممة أساساً للعمل عبر أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى فترة تتراوح بين عامين وأربعة أعوام حتى تنضج وتصبح جاهزة للاستخدام الواسع في كثير من المجالات. وخلال هذه الفترة، تستطيع المؤسسات تطوير بعض الحلول المختارة داخلياً، خاصة في المجالات المهمة لأعمالها. ولا تقتصر فائدة هذا التطوير على الحل الذي تنتجه المؤسسة، إذ يمنح فرقها خبرة عملية في تصميم الوكلاء وتشغيلهم وربطهم بالبيانات والأنظمة. ويمكن الاستفادة من هذه المعرفة لاحقاً في مشروعات أخرى، لتكتسب الشركة قدرات يصعب على المنافسين الذين يعتمدون حصراً على شراء الحلول الجاهزة اكتسابها أو تقليدها.

  • جمع البيانات التي تساعد الوكلاء الأذكياء على فهم أعمال المؤسسة: تتمثل الأولوية التالية في البدء منذ الآن بجمع المعلومات التي تساعد الوكلاء الأذكياء على فهم أعمال المؤسسة بدقة. وتشمل هذه المعلومات تفاصيل العمليات اليومية، وتفاعلات العملاء، والبيانات التي ترصد خطوات تنفيذ العمل ومدته والأخطاء التي تظهر أثناءه. ويجري تنظيم هذه المواد بصورة منتظمة حتى تتحول مع مرور الوقت إلى معرفة يعتمد عليها الوكلاء في اتخاذ قرارات أفضل. وتختلف هذه المعرفة عن قواعد البيانات التقليدية التي تسجل المعاملات والوثائق الرسمية، لأنها توضح أيضاً كيف أُنجز العمل، ولماذا اتُّخذت القرارات، وما الذي نجح أو أخفق في الحالات السابقة. ولهذا تحتاج المؤسسة إلى إدارتها بوصفها مورداً مؤسسياً عالي القيمة. كما تتعامل الإدارة مع الحصول على البيانات باعتباره مجالاً يحتاج إلى ميزانية وقواعد واضحة، تشمل موافقة أصحاب البيانات، وتحديد مدة الاحتفاظ بها، وضوابط استخدامها وحمايتها. وعلى مدى ثلاثة أعوام، يمكن لهذه المعلومات المتراكمة أن تحسن أداء الوكلاء بصورة ملحوظة. فقد تستخدم شركتان البرنامج التجاري ذاته، ثم تحقق الشركة التي زودته بتاريخ أوسع من البيانات والخبرات نتائج أدق وأكثر ملاءمة لأعمالها.

وستأتي الموجة المقبلة من التفوق من قدرة الشركات على إدارة المهام التي تنفذها الأنظمة الذكية بالدقة التي تدير بها عمل الموظفين ورأس المال والمخاطر والعمليات. فالقادة الذين يبنون هذه القدرة اليوم يستطيعون تحويل أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى عنصر أساسي ومنظم في طريقة تشغيل الشركة وإنجاز أعمالها. أما المؤسسات التي تتأخر، فقد تجد نفسها أمام بند جديد من النفقات يتضخم بوتيرة أسرع من قدرتها على ضبطه وتحقيق قيمة فعلية منه.

Explore a career with us