الربع سنوية لماكنزي

كيف تتحول قدرات الذكاء الاصطناعي إلى مزايا تنافسية مستدامة

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

شهد تبني الذكاء الاصطناعي نمواً متسارعاً خلال السنوات الأخيرة ، إذ باتت نحو تسع من كل عشر شركات توظف الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل. إلا أن هذا الانتشار الواسع أوجد تحدياً جديداً. فمع اعتماد معظم الشركات على نماذج اللغة الكبيرة نفسها لتحسين الإنتاجية، بدأت الفروق بين المنافسين تتقلص. وهنا تبرز الفكرة التي يلخصها اقتباس شهير من فيلم "الخارقون": "إذا أصبح الجميع مميزين، فلن يبقى أحد مميزاً". وعندما تصبح الأدوات نفسها متاحة للجميع، فإن قيمتها لا تكمن في امتلاكها، بل في كيفية توظيفها لبناء مزايا يصعب على الآخرين تقليدها.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

وليس الذكاء الاصطناعي أول تقنية تُراهن عليها الشركات بوصفها طريقًا سريعًا إلى التفوق. فقد شهدت موجة التحول الرقمي اندفاعًا واسعًا نحو إطلاق المواقع الإلكترونية والتطبيقات، انطلاقًا من اعتقاد مفاده أن توسيع الحضور الرقمي كفيل بتعزيز المكانة التنافسية. غير أن التجربة أثبتت أن التكنولوجيا لا تتحول تلقائيًا إلى مصدر تفوق مستدام، مهما بلغت درجة تطورها، ما لم تُوظف ضمن نموذج تشغيلي متكامل يصعب على المنافسين محاكاته. ويقدم القطاع المصرفي مثالًا واضحًا على ذلك. فعلى الرغم من النمو الكبير في استخدام التطبيقات المصرفية بين عامي 2018 و2022، لم يكن التفوق من نصيب المؤسسات التي وسعت قنواتها الرقمية فحسب، وإنما من نصيب تلك التي أعادت تصميم تجربة العميل من البداية إلى النهاية، ودمجت التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في مختلف نقاط التفاعل والخدمة. وقد أسهم هذا النهج في تقليص التعقيدات التشغيلية، وتحسين تجربة العملاء، ورفع كفاءة الأداء، وهو ما انعكس في نمو المبيعات الرقمية وتعزيز النتائج السوقية والعوائد طويلة الأجل.1

وأثبتت التجارب أن التطبيقات والأدوات التقنية سرعان ما تتحول إلى قدرات متاحة على نطاق واسع، ما يجعل تقليدها ممكنًا خلال فترة وجيزة. وبالنسبة لمصدر التفوق الأكثر استدامة فينشأ عندما تنجح المؤسسات في بناء مزايا يصعب على المنافسين محاكاتها أو استنساخها، سواء عبر البيانات أو العمليات أو العلاقات أو الخبرات المتراكمة. وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة اليوم مع تسابق مجالس الإدارات والقيادات التنفيذية للاستفادة من الفرص الاقتصادية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي التوليدي. فالفارق لن يصنعه مجرد استخدام التقنية، وإنما القدرة على دمجها في صميم نماذج العمل والعمليات المؤسسية، وتحويلها إلى جزء من منظومة متكاملة تولّد قيمة متراكمة لا يسهل على المنافسين اللحاق بها.

ولتوضيح ملامح هذا التحول بصورة أدق، يناقش هذا المقال ستة مسارات استراتيجية وثلاث قدرات مؤسسية تمثل أبرز مصادر التفوق في عصر الذكاء الاصطناعي. ورغم أن هذه المرتكزات معروفة منذ زمن في عالم الأعمال، فإن الذكاء الاصطناعي أعاد تشكيلها ووسّع نطاق تأثيرها، ما أدى إلى تغيير قواعد المنافسة في العديد من القطاعات. وتبرز أهمية هذه المرتكزات في قدرتها على مساعدة المؤسسات على بناء مزايا يصعب استنساخها، والانتقال من استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة متاحة للجميع إلى توظيفه بوصفه مصدرًا لقيمة مستدامة تتراكم آثارها مع مرور الوقت.

مقومات التفوق الاستراتيجي

ولا تتحول الميزة إلى مصدر تفوق مستدام لمجرد صعوبة تقليدها، بل عندما تستند إلى نقاط قوة تمتلكها المؤسسة بالفعل. فالمزايا المرتبطة بقدرات راسخة أو أصول متميزة تكون أكثر قابلية للنمو والتراكم من تلك التي تُبنى بعيدًا عن النشاط الأساسي أو المزايا الجوهرية للشركة. ويساعد هذا المنظور الرؤساء التنفيذيين على توجيه الاستثمارات نحو المجالات التي تمتلك فيها المؤسسة أفضلية حقيقية، بدل توزيع الموارد على مبادرات متفرقة قد تستهلك الوقت والجهد من دون أن تترجم إلى تفوق تنافسي مستدام.

التوسع بكفاءة: بنية تحتية تواكب السرعة وحجم العمليات

تتمثل أحد أهم العوائد الاقتصادية للذكاء الاصطناعي في قدرتها على خفض التكلفة الإضافية لتقديم الخدمة أو إنتاج المخرجات الجديدة، لا سيما في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على الأعمال الذهنية والمعرفية. فالتفاعل مع أحد العملاء، الذي كان قد يتطلب إنفاق نحو 15 دولاراً على العمل البشري، أصبح اليوم يُنجز بجزء بسيط من هذه التكلفة بفضل قدرات الحوسبة، ومن المتوقع أن تستمر هذه التكاليف في التراجع. ونتيجة لذلك، تزداد أفضلية الشركات القادرة على تقليص تكلفة خدمة كل عميل بصورة كبيرة، ما يمنحها ميزة يصعب على المنافسين مجاراتها.

ولا تنبع القيمة القابلة للتوسع من انخفاض تكاليف القدرة الحاسوبية أو التخزين وحدهما، بل من امتلاك منظومة تقنية قادرة على تحويل الاستخدام المحدود للذكاء الاصطناعي إلى قدرة تشغيلية مستدامة. فمصدر التفوق لا يكمن في النموذج نفسه، وإنما في البنية التي تدعمه، بما تشمل من بيانات ونماذج مهيأة لاحتياجات المؤسسة وسير عمل متكامل وأطر حوكمة تضمن كفاءة التشغيل واستمراريته. وعندما تنجح الشركات في بناء هذه المنظومة، يصبح التوسع أقل تكلفة وأكثر سرعة. وتتعزز هذه الأفضلية بمرور الوقت مع تراكم البيانات وتحسن أداء النماذج وتنامي الهوامش الربحية، ما يتيح إعادة استثمار الموارد في تطوير القدرات التقنية وتوسيع الحضور في السوق وتعزيز الموقع التنافسي.

ويبرز هذا التأثير بصورة أوضح في القطاعات الخدمية، حيث بدأ الذكاء الاصطناعي يحل محل جزء من تكاليف العمالة المرتبطة بالمهام التشغيلية المتكررة. فالكثير من الأعمال التي كانت تعتمد على التدخل البشري أصبحت تُنفذ اليوم عبر نماذج ذكية بكفاءة أعلى وتكلفة أقل. وفي الوقت نفسه، ورغم أن سهولة الوصول إلى نماذج اللغة الكبيرة خفّضت عوائق الدخول أمام الشركات الناشئة والمنافسين الأصغر، خصوصًا في ظل غياب التعقيدات المرتبطة بالأنظمة التقنية القديمة، فإن التفوق لا يزال مرتبطًا بالبنية التحتية القادرة على تشغيل هذه التقنيات والتوسع بها بكفاءة. فامتلاك الأدوات وحده لم يعد كافيًا لصناعة ميزة يصعب تقليدها.

وتقدم شركة "ريزولوشن لايف"، المتخصصة في التأمين على الحياة في الولايات المتحدة وأستراليا، مثالاً واضحاً على هذا النوع من المزايا التنافسية. فقد طورت الشركة منصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لأتمتة مجموعة واسعة من المهام المرتبطة بتقييم المخاطر وتسعير منتجات التأمين، إلى جانب الأعمال التسويقية والمالية، ما مكّنها من طرح منتجات تأمين جديدة بتكلفة أقل بكثير مما كان يتطلبه الأمر في السابق. كما أصبحت المنصة قادرة على فرز طلبات التعويض التأميني الواردة وتحديد أولوياتها خلال 15 ثانية فقط، بعدما كانت هذه العملية تستغرق أسابيع، ما أتاح للمتخصصين التركيز على الحالات الأكثر تعقيداً مع استمرار نمو حجم الطلبات.2 وبعد تطوير النماذج اللازمة واستكمال الربط بين الأنظمة المختلفة، أصبحت الشركة قادرة على استخدام البنية التقنية نفسها لدعم المحافظ التأمينية والأعمال الجديدة التي تضيفها من خلال عمليات الاندماج والاستحواذ. وبذلك يمكنها استيعاب حجم أكبر من العمليات والعملاء عبر البنية التحتية القائمة نفسها، بدلاً من بناء أنظمة جديدة أو زيادة التكاليف التشغيلية بالوتيرة ذاتها التي ينمو بها حجم الأعمال.

وإذا سألنا ماذا تعني هذه الخطوة للمؤسسات: فبالنسبة إلى المؤسسات التي تشكل الأعمال المعرفية جزءًا كبيرًا من هيكل تكاليفها، يرتبط النجاح بقدرتها على بناء منظومة تشغيلية تستفيد من الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. فالقيمة الأكبر لا تنتج من النموذج التقني وحده، وإنما من البنية التي تدعم تشغيله وتتيح توسيع استخدامه بكفاءة. وقد يتطلب ذلك إعادة تجميع العمليات وأحجام الأعمال عبر الوحدات المختلفة أو الأسواق المتعددة لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة من المنصات المشتركة. كما يمكن أن تؤدي عمليات الاندماج والاستحواذ دورًا مهمًا في زيادة حجم الأنشطة التي تعتمد على البنية التقنية نفسها، بما يرفع كفاءة الاستفادة من القدرات القائمة من دون زيادة مماثلة في التكاليف.

تنشأ الميزة الاستراتيجية الحقيقية عندما تنجح المؤسسات في تحويل الأعمال المعرفية إلى منظومة تشغيلية قابلة للتوسع، ترتكز على تدفقات البيانات والنماذج المهيأة لاحتياجاتها والعمليات المتكاملة، إلى جانب أطر الحوكمة والرقابة. وعندما تتكامل هذه العناصر ضمن بنية واحدة، يصبح التوسع أقل تكلفة وأكثر كفاءة، حتى مع نمو حجم الأعمال وتزايد تعقيدها.

وعلى صعيد آخر، هناك أسئلة استراتيجية أمام الرؤساء التنفيذيين: تفرض هذه التحولات مجموعة من الأسئلة الجوهرية على صناع القرار. فما أنواع التكاليف التشغيلية ومصادر التعقيد التي يمكن للذكاء الاصطناعي تقليصها داخل القطاع؟ وكيف سينعكس ذلك على هيكل التكاليف وقواعد المنافسة في السوق؟ ويبرز إلى جانب ذلك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تتجه القطاعات المختلفة إلى سباق متسارع لبناء نطاق تشغيلي أوسع اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين تقف المؤسسة في هذا السباق؟ وما مدى قدرتها على التوسع قبل أن يعيد السوق رسم موازين القوة بين المنافسين؟

الاستفادة من البيانات وتحويلها إلى أصل استراتيجي ومصدر للقيمة يساهم في تعزيز الميزة التنافسية

تتحول البيانات الحصرية إلى ميزة تنافسية مستدامة عندما تُستخدم لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على تقديم خدمات ومنتجات يصعب على المنافسين مجاراتها، سواء من خلال توصيات أكثر دقة، أو تقييمات أفضل للمخاطر، أو قرارات أكثر فاعلية. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك هذه البيانات بحد ذاته، وإنما في القدرة على توظيفها لتعزيز جودة القرارات وتحسين النتائج بشكل مستمر. ومع تطور هذه المنظومات، يتحول كل تفاعل جديد إلى مصدر إضافي للمعلومات والرؤى، ما يتيح للنماذج التعلم والتحسن بصورة متواصلة مع مرور الوقت. وتزداد أهمية هذه الميزة عندما تستند إلى معلومات تراكمية يصعب على الآخرين الوصول إليها أو إعادة بنائها، مثل السجلات التاريخية للمعاملات أو البيانات التشغيلية الناتجة عن الأنظمة والأجهزة المتصلة، إذ تمنح المؤسسات فهماً أعمق لأعمالها وعملائها، وهو فهم يصعب على المنافسين تكراره أو اللحاق به.

وتقدم أمازون مثالًا بارزًا على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها البيانات الحصرية إلى ميزة تنافسية يصعب على المنافسين تكرارها عندما تتولد داخل منظومة أعمال مترابطة. فمن خلال أنشطتها في التجارة الإلكترونية والأسواق الرقمية، تجمع الشركة حجمًا ضخمًا من البيانات المرتبطة بعمليات البحث وتصفح المنتجات والشراء والتوصيل والتفاعل مع الإعلانات، ما يمنحها فهمًا متعمقًا لأنماط العملاء وتفضيلاتهم عبر شرائح واسعة ومتنوعة. وتنعكس قيمة هذه البيانات في مجموعة واسعة من القدرات التشغيلية والتجارية، بدءًا من تحسين جودة التوصيات وتوقعات الطلب، وصولًا إلى رفع دقة الاستهداف الإعلاني وتعزيز كفاءة إدارة السوق الرقمية نفسها. وتكتسب هذه القدرات أهميتها لأنها تستند إلى بيانات سلوكية وتشغيلية تراكمت على مدى سنوات ويصعب على المنافسين جمعها أو إعادة بنائها بالحجم والعمق نفسيهما. وقد انعكس ذلك بوضوح على نشاط أمازون الإعلاني، الذي حقق إيرادات قاربت 68 مليار دولار خلال عام 2025، في دلالة على قدرة البيانات التجارية الحصرية على التحول إلى أصل استراتيجي متنامي القيمة تزداد أهميته كلما اتسع نطاق الاستخدام وتراكمت الخبرات المرتبطة به.3

مُجدداً، ما الذي يعنيه ذلك للمؤسسات: أصبحت البيانات اليوم من أهم الأصول الاستراتيجية التي تمتلكها المؤسسات، بعدما تجاوز دورها حدود دعم العمليات اليومية إلى الإسهام المباشر في صنع القيمة وتعزيز القدرة التنافسية. ومن هنا تبرز أهمية إدارتها بعقلية استثمارية طويلة الأمد، تبدأ بتحديد البيانات الأكثر ارتباطاً بمصادر التميز داخل المؤسسة، ثم تطوير الأنظمة والقدرات اللازمة لجمعها وتنظيمها وتحديثها والاستفادة منها على نطاق واسع. ومع تنامي دور البيانات في تشغيل الأعمال وتغذية أنظمة الذكاء الاصطناعي، تزداد الحاجة إلى وضع أطر واضحة لحوكمتها وحمايتها بما يضمن موثوقيتها وجودتها، ويساعد المؤسسات على مواكبة المتطلبات التنظيمية والتشريعية المتنامية. وعندما تنجح المؤسسة في إدارة بياناتها بهذه المنهجية، تتحول هذه المعلومات إلى أصل يولد قيمة متراكمة تتعزز بمرور الوقت، وتوفر ميزة تنافسية يصعب على المنافسين تقليدها أو تعويضها.

وفي هذا الإطار، الإسئلة الاستراتيجية التي أمام الرؤساء التنفيذيين: يقتضي ذلك من المؤسسات أن تحدد بدقة أنواع البيانات الفريدة التي تستطيع جمعها أو تنظيمها أو توليدها، بما يشمل البيانات غير المهيكلة التي لم يكن من الممكن استثمارها بفاعلية في السابق. وقد تمتد هذه البيانات إلى المعلومات الناتجة عن استخدام العملاء للمنتجات والخدمات، أو الأنماط السلوكية والتفاعلية التي تتراكم مع مرور الوقت وتكشف مؤشرات يصعب اكتشافها بالأساليب التقليدية. وتكمن القضية الأكثر أهمية في قدرة هذه البيانات على الارتقاء بأداء النماذج وتحسينه باستمرار، بما يمكّن المؤسسة من توليد قيمة بوتيرة أسرع من قدرة المنافسين على تطوير بدائل مماثلة أو الوصول إلى المستوى نفسه من الأداء.

وتتمثل الأسئلة في: ما البيانات الحصرية التي يمكن أن يراكمها أحد المنافسين بحيث تتحول إلى مصدر تفوق يمنحه أفضلية مستدامة في السوق؟ وكيف يمكن للمؤسسة الاستعداد لمواجهة هذا السيناريو أو الحد من آثاره؟

بناء ميزة يصعب الاستغناء عنها أو استبدالها

تزداد أهمية حلول الذكاء الاصطناعي كلما أصبحت جزءاً من العمليات التي تعتمد عليها المؤسسة في إدارة أعمالها وتقديم خدماتها. فمع مرور الوقت، لا يقتصر دور هذه الحلول على تحسين الكفاءة، وإنما تصبح عنصراً مؤثراً في جودة المنتج أو الخدمة وتكلفتها وسرعة تقديمها. ويبرز ذلك في المؤسسات التي تعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي لإدارة سلاسل الإمداد، أو تشغيل عمليات البيع وخدمة العملاء، أو إعداد السجلات والتقارير الطبية ضمن الأنظمة الصحية الرقمية. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الانتقال إلى نظام بديل مجرد استبدال تقنية بأخرى، بل يتطلب جهداً واسع النطاق يشمل إعادة بناء التكامل بين الأنظمة، وتحديث الإجراءات التشغيلية، وتدريب الموظفين، مع احتمال فقدان جزء من المعرفة المؤسسية والمكاسب التشغيلية التي حققتها المؤسسة عبر سنوات من استخدام هذه الأنظمة وتطويرها.

وتستند هذه الميزة التنافسية إلى ثلاثة عوامل تعزز ارتباط المؤسسة بالحلول المستخدمة وتزيد صعوبة الاستغناء عنها كلما طال استخدامها:

  1. دمج القدرات الذكية مباشرة في الأنظمة المحورية للمؤسسة، مثل أنظمة إدارة علاقات العملاء، وتخطيط موارد المؤسسة، وتطبيقات الإنتاجية والمنصات المتخصصة، بحيث تصبح هذه القدرات جزءًا من سير العمل اليومي، ويغدو استبدالها أو الانتقال إلى بدائل أخرى قرارًا مكلفًا من الناحيتين التشغيلية والتنظيمية.
  2. تستفيد هذه الأنظمة من البيانات الخاصة بالمؤسسة ومن نتائج استخدامها المستمرة لتحسين أدائها بشكل متواصل. ومع كل تفاعل جديد، تكتسب فهماً أعمق وتصبح أكثر قدرة على تقديم نتائج دقيقة وفعالة، ما يزيد من قيمتها مع مرور الوقت.
  3. ومع مرور الوقت، يعتاد الموظفون على هذه الحلول ويجعلونها جزءاً من أسلوب عملهم اليومي. لذلك فإن استبدالها لا يخلو من التحديات، إذ قد يؤدي إلى تراجع مؤقت في الإنتاجية، وظهور صعوبات في التأقلم مع أساليب العمل الجديدة، فضلاً عن مقاومة داخلية للتغيير.

ورغم أن تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يغير مستقبلاً العوامل التي تجعل المؤسسات مرتبطة بأنظمة معينة، كأن تتولى هذه الوكلاء تنفيذ المهام عبر واجهات أكثر بساطة وطبيعية بدلاً من الواجهات التقليدية المعروفة اليوم، فإن ذلك لا يعني تراجع هذا النوع من المزايا التنافسية. فمع ازدياد اعتماد المؤسسات على هذه القدرات الجديدة، ستنشأ أشكال أخرى من الارتباط بالمنظومة تجعل الاستغناء عنها أو استبدالها أكثر صعوبة.

ويُعد "مايكروسوفت دراغون كوبايلوت"، المعروف سابقاً باسم "نيوانس داكس كوبايلوت"، مثالاً واضحاً على هذا النوع من الحلول. والأداة عبارة عن مساعد ذكي مخصص للقطاع الصحي يساعد الأطباء على توثيق الزيارات الطبية وإعداد السجلات والملاحظات السريرية بصورة آلية، ما يحد من الوقت الذي يقضونه في الأعمال الإدارية. ولا يقتصر دور النظام على الاستماع إلى الحوار الذي يدور بين الطبيب والمريض أثناء الزيارة وتحويله تلقائياً إلى ملاحظات وسجلات طبية داخل الملف الصحي الإلكتروني، بل يرتبط أيضاً بصورة عميقة بالأنظمة والإجراءات التشغيلية المعتمدة في المؤسسات الصحية. ويُقصد بالملف الصحي الإلكتروني السجل الرقمي الذي تُحفظ فيه المعلومات الطبية للمريض وتُدار من خلاله بياناته ووثائقه الصحية. وتظهر نتائج هذا التكامل بوضوح في أكثر من 150 مستشفى تستخدم نظام "إيبيك" للسجلات الصحية الإلكترونية، حيث ساعدت الأداة على خفض الوقت المخصص لإعداد وتوثيق السجلات الطبية بنحو 50%، إلى جانب تقليل الضغوط الإدارية التي يتحملها الأطباء والعاملون في الرعاية الصحية.4 كما أفادت بعض الجهات الصحية بأن الأطباء أصبحوا قادرين على استقبال عدد إضافي من المرضى يومياً بعد اعتماد النظام، بفضل الوقت الذي وفره في أعمال التوثيق والإدخال اليدوي للبيانات.

تتحول حلول الذكاء الاصطناعي من أدوات لتحسين الكفاءة إلى مكونات أساسية في منظومة العمل عندما تترسخ داخل العمليات التشغيلية وتصبح جزءًا من الممارسات اليومية للمؤسسة، بما يتيح تقديم منتجات وخدمات ذات جودة أعلى وتكلفة أكثر تنافسية.

ومرة أخرى، ماذا يعني ذلك بالنسبة للمؤسسات: بالنسبة إلى مزودي الحلول، تزداد أهمية فهم المراحل التي تصبح فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً من العمليات اليومية للمؤسسات، والعمل على بناء آليات تتيح لهذه الأنظمة التعلم والتحسن مع الاستخدام المستمر، بما يرفع قيمتها بمرور الوقت. أما المؤسسات المستخدمة لهذه الحلول، فعليها النظر إلى الأمر كشراكة طويلة الأمد مع الجهة المزودة، لا كعملية شراء تقنية فحسب. فكل مهمة أو عملية تُسند إلى نظام ذكاء اصطناعي مدمج في سير العمل ترتبط بخطط تطوير المنتج مستقبلاً، وسياسات التسعير، واستمرارية المزود نفسه. ولهذا من الضروري الاتفاق منذ البداية على حقوق البيانات وإمكانية نقلها إلى أنظمة أخرى عند الحاجة، وضمان الاحتفاظ بالمعرفة والرؤى الناتجة عن تشغيل هذه الأنظمة بصورة تتيح الاستفادة منها مستقبلاً، مع الالتزام بمعايير صارمة لحماية البيانات وأمنها.

وهنا تبرز مجدداً مجموعة من الأسئلة أمام الرؤساء التنفيذيين: كيف يمكن تصميم المنتجات والخدمات بطريقة تجعلها جزءاً من أسلوب عمل العملاء وعملياتهم اليومية، بما يعزز قيمتها ويقلل دوافع البحث عن بدائل أخرى؟ وفي المقابل، تحتاج المؤسسات أيضاً إلى تقييم مدى اعتمادها على مزودين قد تصبح حلولهم أكثر ارتباطاً بعملياتها مع مرور الوقت، وما إذا كان ذلك قد يحد من قدرتها على تغيير الأنظمة أو تعديل توجهاتها التقنية والتشغيلية مستقبلاً. فكلما ازداد اعتماد المؤسسة على منظومة معينة، ارتفعت تكلفة استبدالها أو الانتقال إلى بديل آخر. ولهذا لا تقتصر الأولوية على بناء مزايا تدفع العملاء إلى الاستمرار، وإنما تشمل أيضاً الحفاظ على مستوى مناسب من المرونة يتيح للمؤسسة اتخاذ قراراتها بحرية والتكيف مع المتغيرات المستقبلية دون قيود غير ضرورية.

الذكاء الاصطناعي وبناء شبكات أعمال تصبح أكثر قيمة مع نموها

تُعد المنظومات التي تجمع المستخدمين والعملاء أو الشركاء ومزودي الخدمات ضمن منصة واحدة من أكثر مصادر التفوق التنافسي استدامة، إذ تزداد قيمتها كلما انضم إليها مشاركون جدد أو ارتفع مستوى التفاعل داخلها. فكل مستخدم أو شريك جديد لا يضيف قيمة لنفسه فحسب، وإنما يزيد أيضاً من الفائدة التي يحصل عليها بقية المشاركين في المنظومة. ويمنح الذكاء الاصطناعي هذا النوع من المنصات دفعة إضافية، من خلال تسهيل بناء هذه المجتمعات الرقمية وإدارتها وتعزيز قدرتها على خلق قيمة أكبر كلما توسعت. ونتيجة لذلك، تزداد قدرة المؤسسات على تنمية هذه المنظومات وتوسيع نطاقها بوتيرة أسرع، مستفيدة من الفوائد التي تنشأ مع ازدياد عدد المشاركين وتكثف التفاعلات فيما بينهم.

أولًا، يساعد الذكاء الاصطناعي على تجاوز إحدى أبرز العقبات التي تواجه المنصات الجديدة، والمتمثلة في صعوبة جذب عدد كافٍ من المستخدمين والمحتوى في المراحل الأولى. فبإمكانه توفير عناصر أساسية تساعد على إطلاق المنصة وتنشيطها منذ البداية، سواء من خلال إنشاء قوائم المنتجات، أو إعداد المحتوى، أو كتابة الأوصاف والمعلومات التفصيلية. كما يسرّع وصول المستخدمين إلى الفائدة المتوقعة من المنصة، عبر تقديم توصيات وتجارب أكثر ملاءمة منذ التفاعل الأول. وتسهم أدوات إنشاء المحتوى والتفاعل المؤتمتة كذلك في تشجيع المشاركة وإثراء المحتوى وزيادة الاستفادة منه، ما يعزز النشاط داخل المنصة ويدعم نموها واستقطاب مزيد من المستخدمين والشركاء.

ثانيًا، يعزز الذكاء الاصطناعي قيمة المنصات التي تجمع العملاء والشركاء ومزودي الخدمات ضمن منظومة واحدة من خلال تحسين طريقة التفاعل بينهم والاستفادة من البيانات الناتجة عن نشاطهم. فكلما ازداد عدد المشاركين واتسع حجم التفاعلات، أصبحت الأنظمة الذكية أكثر قدرة على تنظيم المحتوى، وتقديم توصيات أكثر دقة، والتحقق من جودة المعلومات، وإبراز الخيارات الأكثر ملاءمة لكل مستخدم. ويساعد ذلك على ربط الأشخاص أو الجهات الأكثر استفادة من بعضهم بعضاً، ما يجعل التفاعلات أكثر فائدة وقيمة لجميع الأطراف المشاركة. وتُعد منظومات بطاقات الدفع، مثل "فيزا" و"ماستركارد"، مثالاً واضحاً على ذلك. فهذه المنظومات تربط البنوك والتجار وحاملي البطاقات ضمن بيئة واحدة، وتستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوجيه العروض والخدمات إلى العملاء الأكثر احتمالاً للاستفادة منها، مع قياس النتائج بدقة أكبر. ويسهم ذلك في زيادة فاعلية التفاعل بين مختلف الأطراف، وتعزيز القيمة التي تحققها المنظومة، ما يشجع مزيداً من الشركاء على الانضمام إليها. وبهذا لا تنمو هذه المنظومات نتيجة زيادة عدد المشاركين فيها فحسب، وإنما لأن قدرتها على تقديم قيمة أكبر لكل طرف تتحسن باستمرار كلما ازدادت التفاعلات واتسع نطاقها.

ويجسد "تيك توك" الكيفية التي يمكن للذكاء الاصطناعي من خلالها تسريع ديناميكيات التفاعل داخل الشبكات الرقمية. فمحرك التوصيات الذي تعتمد عليه المنصة يتيح للمستخدمين الوصول إلى محتوى يتلاءم مع اهتماماتهم منذ المراحل الأولى للاستخدام، الأمر الذي يرفع مستويات التفاعل ويطيل المدة التي يقضيها المستخدمون داخل المنصة.

مع تنامي دور الوكلاء الذكيين في الأسواق الرقمية، وتوليهم مهام البحث والمقارنة وإتمام المعاملات نيابة عن المستخدمين، بدأت آليات الاكتشاف واتخاذ القرار تنتقل تدريجيًا من التصفح البشري المباشر إلى التوصيات والاختيارات التي توجهها الخوارزميات. وتتجسد ملامح هذا التحول في مجال التجارة المعتمدة على الوكلاء الذكيين، الذي تشير التقديرات إلى أنه قد يدير معاملات تجزئة في الولايات المتحدة تصل قيمتها إلى تريليون دولار بحلول عام 2030.5 وفي ظل هذا التحول، يُرجح أن تنتقل الأفضلية التنافسية إلى المنصات الأكثر قدرة على التكيف مع أنماط التفاعل الجديدة، سواء عبر امتلاك طبقة الوكلاء الذكيين نفسها، أو عبر تعزيز فرص ظهورها وتفضيلها عند تنفيذ عمليات البحث والمقارنة والشراء.

وهنا نطرح مرة أخرى السؤال الأهم، ما الذي يعنيه ذلك للمؤسسات: تدفع هذه التطورات المؤسسات إلى إعادة النظر في فرص بناء المنصات والمنظومات التي تزداد قيمتها كلما ازداد عدد المشاركين فيها، خاصة تلك التي كان يُعتقد سابقاً أن تطويرها يتطلب استثمارات كبيرة أو ينطوي على مخاطر مرتفعة. فقد أسهم الذكاء الاصطناعي في إزالة كثير من العوائق التي كانت تحد من قدرة المؤسسات على إطلاق هذه المنظومات وتوسيع نطاقها. أما المؤسسات التي تدير منصات قائمة بالفعل، فتحتاج إلى توظيف نماذج الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة التوصيات، وتسهيل وصول المستخدمين إلى الخيارات الأكثر ملاءمة، والحد من المحتوى أو التفاعلات غير المفيدة، بما يعزز الثقة ويزيد القيمة التي يحصل عليها المشاركون مع كل تفاعل أو معاملة جديدة. ومع تزايد اعتماد المستخدمين على الوكلاء الذكيين في البحث والمقارنة واتخاذ القرارات، يبرز سؤال استراتيجي مهم: من يملك هذا الوكيل الذكي فعلياً، ومن يجني القيمة الناتجة عن القرارات والمعاملات التي ينفذها؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تحدد مستقبلاً كيفية توزيع القيمة والنفوذ داخل المنصات والأسواق الرقمية.

أما الأسئلة الاستراتيجية التي يجب أن يواجهها الرؤساء التنفيذيين: أين تكمن أكبر فرص النمو التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفتحها أمام المؤسسة، سواء من خلال إنشاء منصات ومنظومات جديدة تجمع المستخدمين والشركاء، أو من خلال رفع القيمة التي تقدمها المنظومات القائمة اليوم؟ وكيف يمكن للمؤسسة الحفاظ على قدرتها التنافسية في أسواق يتزايد فيها اعتماد العملاء على الوكلاء الذكيين للبحث والمقارنة واختيار المنتجات والخدمات واتخاذ قرارات الشراء؟

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم نماذج الأعمال: من يتحكم بعلاقة العميل وكيف تُحتسب القيمة؟

تتحول إعادة تشكيل نماذج الأعمال إلى مصدر تفوق يصعب تقليده عندما تواجه الشركات القائمة قيودًا تحد من قدرتها على الاستجابة بالسرعة المطلوبة، سواء بسبب تضارب المصالح بين قنواتها الحالية أو اعتبارات اقتصادية مرتبطة بنموذجها القائم أو عوائق تنظيمية وتشغيلية تعرقل التغيير. ويعزز الذكاء الاصطناعي هذه الديناميكية عبر مسارين رئيسيين يوسّعان فرص إعادة تصميم نماذج الأعمال وإعادة توزيع مصادر القيمة داخل الأسواق:

  • العلاقة مع العميل: مع اتساع استخدام الوكلاء الذكيين في الأنشطة التجارية، تتجه الأسواق نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها أهمية الوسطاء التقليديين، مع انتقال جزء متزايد من العلاقة مع العملاء إلى الأنظمة الذكية. ويبرز هذا التحول بصورة خاصة في القطاعات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الوسطاء، مثل التأمين التجاري، حيث تتم أكثر من 85% من المبيعات عبر موزعين أو وسطاء خارجيين، والتأمين على الحياة الذي تتجاوز فيه هذه النسبة 50%.6 كما يظهر الأمر بوضوح في قطاع التمويل العقاري في أستراليا، حيث تبدأ نحو 75% من عمليات التمويل عبر الوسطاء. وتزداد أهمية هذا التحول مع قدرة الوكلاء الذكيين على تنفيذ العديد من المهام التي كان يؤديها الوسطاء في السابق، بما في ذلك مقارنة الخيارات، وتحليل العروض، وتوجيه العملاء، وإتمام عمليات البيع. ومع تطور هذه القدرات، قد تنتقل العلاقة المباشرة مع العميل تدريجياً إلى الجهات المالكة لهذه الوكلاء أو المسيطرة على نقاط التفاعل الرئيسية معه، ما قد يعيد توزيع النفوذ والقيمة داخل العديد من القطاعات والأسواق.

    وتقدم شركة "نكست انشورانس" نموذجًا عمليًا لهذا التحول. فقد طورت منصة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تتيح لأصحاب المشروعات الصغيرة، مثل أصحاب المقاهي أو العاملين في المهن الحرفية، الحصول على عرض تأميني وإتمام عملية الشراء وتنزيل وثيقة التأمين خلال نحو عشر دقائق فقط، من دون الحاجة إلى وسيط بشري. ويعكس حجم التبني المتزايد للخدمة قوة هذا التوجه، إذ يستخدمها اليوم أكثر من 600 ألف رائد أعمال. كما أظهرت إحدى الدراسات التي شملت 1500 من أصحاب الشركات الصغيرة أن نحو 60 في المئة منهم باتوا يشترون منتجات التأمين بالكامل عبر القنوات الرقمية من دون الاستعانة بوكيل أو وسيط.7

    ويمتد هذا التراجع في دور الوسطاء التقليديين إلى نماذج أخرى أيضًا، مع توسع منصات مثل "شات جي بي تي" و"كلود" في دمج التطبيقات والخدمات الخارجية داخل بيئاتها. فعندما يُنجز المستخدم حجز خدمة أو تنفيذ معاملة عبر واجهة الوكيل الذكي، تصبح العلاقة المباشرة والبيانات المتولدة عنها من نصيب المنصة التي تدير هذا التفاعل، بينما يتراجع دور مقدم الخدمة إلى طرف يمكن استبداله بخيارات أخرى متى توفرت بدائل مناسبة. ولا تتوقف القيمة عند حدود المعاملة نفسها، إذ تواصل هذه الأنظمة جمع البيانات السلوكية عبر مجموعة واسعة من التطبيقات والخدمات، ما يتيح لها تكوين فهم أشمل لتفضيلات المستخدمين وأنماط استخدامهم. ومع تراكم هذه الرؤى واتساع نطاقها، تتشكل عادات استخدام جديدة تزداد رسوخًا مع الوقت، وهو ما يرفع كلفة الانتقال إلى بدائل أخرى ويعزز قدرة هذه المنصات على توجيه الطلب والتأثير في تدفقات القيمة داخل المنظومة الرقمية بأكملها.

  • التسعير القائم على النتائج: ورغم أن ربط الأسعار بالنتائج ليس فكرة جديدة، فإن الذكاء الاصطناعي أزال كثيرًا من العوائق التي كانت تحد من تطبيق هذا النموذج على نطاق واسع. فإمكانات القياس والمتابعة المستمرة تتيح تحسين التنبؤات وتقدير القيمة بدرجة أعلى من الدقة، ما يمهد لتصميم نماذج تسعير تعكس الأثر الفعلي الذي يحققه العميل بدل الاعتماد على مؤشرات أو مدخلات تقليدية.

    وتقدم شركة "ميشلان" مثالاً واضحاً على هذا التوجه من خلال خدمة "EFFIFUEL"، التي تضمن لعملائها تحقيق وفورات محددة في استهلاك الوقود ضمن عقود تمتد لعدة سنوات. وتعتمد الخدمة على تحليل البيانات التشغيلية الفعلية وبيانات التتبع الذكي للمركبات لمراقبة استهلاك الوقود وقياسه بصورة مستمرة مقارنة بأهداف التوفير المتفق عليها تعاقدياً.8 ولا تقتصر أهمية هذا النموذج على خفض استهلاك الوقود، إذ يربط العلاقة بين الشركة والعميل بنتائج قابلة للقياس على مدى سنوات، ما يعزز استمرارية هذه العلاقة ويجعل الانتقال إلى مزود آخر أكثر تعقيداً. كما تسهم البيانات التي تُجمع بشكل مستمر والتكامل العميق بين الخدمة وعمليات العميل اليومية في زيادة اعتماد العميل على المنظومة، وهو ما يمنح الشركة ميزة تنافسية يصعب على المنافسين انتزاعها.

    وتُعد القطاعات الخدمية من أكثر القطاعات تعرضًا لهذا النوع من التحولات، خصوصًا تلك التي تعتمد نماذجها الاقتصادية على احتساب الأتعاب وفق عدد ساعات العمل أو الأيام المخصصة للمشروعات. فهذه المؤسسات قد تجد صعوبة في تبني نماذج تسعير مختلفة، لأن ذلك قد ينعكس مباشرة على مصادر إيراداتها التقليدية ويفرض عليها إعادة النظر في نموذج أعمال اعتمدت عليه لسنوات طويلة. وعلى صعيد الشركات التي بُنيت منذ البداية حول توظيف الذكاء الاصطناعي، فتتمتع بمرونة أكبر في تقديم عروض ترتبط بالنتائج المحققة بدلًا من حجم الجهد أو الوقت المبذول. ويمنحها ذلك قدرة أوسع على طرح شروط أكثر جاذبية للعملاء، خاصة عندما تتمكن من قياس الأثر الذي تولده وإثباته بشكل مستمر وموثوق.

وفي هذا السياق، ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للمؤسسات: تحتاج المؤسسات العاملة في الأسواق التي تعتمد على الوسطاء إلى تحديد المجالات التي يتيح فيها الذكاء الاصطناعي بناء علاقة أكثر مباشرة مع العملاء، مع تقييم ما قد يترتب على ذلك من آثار في قنوات التوزيع والشراكات القائمة. وبالمثل، يتعين على الشركات المعرّضة لخطر تراجع دورها كوسيط بين العميل ومقدم الخدمة أن تعيد تقييم مصادر قوتها الاقتصادية، وأن تبحث عن سبل توظيفها لتعميق علاقتها بالعملاء والحفاظ على مكانتها داخل السوق. وعلى صعيد المؤسسات التي تعتمد إيراداتها على الوقت المستغرق في تنفيذ الأعمال أو حجم المعاملات المنجزة، فقد يكون من المجدي استكشاف مسارات انتقال تدريجية نحو نماذج تسعير ترتبط بالنتائج التي يحققها العميل، بما ينسجم مع ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من إمكانات أكثر تقدمًا في قياس الأداء وإثبات الأثر وتقدير العائد المتحقق.

أما الأسئلة الاستراتيجية التي تقع على عاتق الرؤساء التنفيذيين فهي: أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتيح للمؤسسة بناء علاقة مباشرة مع العملاء وتقوية حضورها في نقاط التفاعل الرئيسة معهم دون الاعتماد على الوسطاء؟ وهل توجد فرص للانتقال من نماذج تسعير تستند إلى الجهد أو المدخلات المستخدمة إلى نماذج ترتبط بالنتائج والأثر الذي يحققه العميل؟ ويطرح ذلك سؤالًا استراتيجيًا آخر: ما نموذج الأعمال الذي قد يطوره منافس جديد يتمتع بتمويل قوي لاستغلال مواطن الضعف في هيكل التكاليف أو آليات تقديم المنتجات والخدمات؟ وإلى أي مدى تمتلك المؤسسة الجاهزية لمواجهة نموذج أكثر كفاءة أو أقل تكلفة يمكنه تغيير قواعد المنافسة وإعادة رسم خريطة القيمة داخل السوق؟

كيف يعزز الذكاء الاصطناعي قيمة الأصول والبنية التحتية التي يصعب تعويضها

ومع استمرار الذكاء الاصطناعي في خفض التكلفة الإضافية المرتبطة بالقدرات الرقمية والمعرفية، يُرجح أن تنتقل المنافسة تدريجيًا نحو الأصول والقدرات المرتبطة بالعالم المادي. فكلما ازدادت الأدوات الذكية توافرًا وسهولة في الوصول، ارتفعت قيمة الموارد التي يصعب التوسع فيها أو إعادة إنتاجها بالسرعة نفسها. وتزداد أفضلية الشركات التي تمتلك القدرة على التحكم في نقاط الاختناق الحيوية وإدارتها بكفاءة داخل العالم الفعلي. وتشمل هذه الأصول المادية واسعة النطاق المناجم والموانئ والمطارات ومحطات توليد الطاقة ومواقع مراكز البيانات وشبكات التوزيع، وهي أصول تفرض بطبيعتها حواجز مرتفعة أمام المنافسة، نظرًا لما تتطلبه من استثمارات ضخمة وفترات زمنية طويلة لتطويرها أو تكرارها.

وعلى صعيد الشركات التي لا ترتكز ميزتها التنافسية على أصول مادية ضخمة، فتتمثل فرصتها في توظيف الذكاء الاصطناعي لتعظيم قيمة الأصول التي تمتلكها بالفعل. فالتفوق هنا لا يرتبط بالأصل المادي وحده، وإنما بقدرته على العمل جنبًا إلى جنب مع إمكانات التحليل والتحسين التي توفرها التقنيات الذكية. ويظهر ذلك بوضوح في المؤسسات التي تدمج الذكاء الاصطناعي داخل أصول تمتلك أصلًا قيمة تنافسية، مثل شبكات الإمداد والخدمات اللوجستية والمعدات الطبية والعمليات الميدانية. ولا تتوقف مكاسب هذه المقاربة على رفع الكفاءة التشغيلية، بل تمتد إلى بناء مجموعات بيانات حصرية تتراكم قيمتها مع الاستخدام وتزداد صعوبة إعادة إنتاجها على نطاق مماثل. كما أن إعادة بناء هذه الميزة لا تتوقف عند تطوير البرمجيات أو النماذج الذكية، وإنما تتطلب استثمارات رأسمالية وخبرات تشغيلية متخصصة وإعادة تصميم للعمليات وقد تستلزم في بعض القطاعات الحصول على موافقات تنظيمية معقدة. ومن ثم، تتحول القدرة على الجمع بين الأصول المادية والذكاء الاصطناعي إلى حاجز تنافسي يصعب تجاوزه أو مجاراته.

وتوفر أمازون مثالًا بارزًا على القيمة التي تنشأ من الجمع بين الأصول المادية والقدرات الرقمية. فمكانة الشركة لا تستند إلى البرمجيات وحدها، وإنما ترتكز أيضًا على شبكة واسعة من المستودعات والبنية اللوجستية المنتشرة في مواقع استراتيجية، والتي يعزز الذكاء الاصطناعي كفاءتها بصورة مستمرة عبر إدارة المخزون وتوجيه الشحنات وتشغيل الأنظمة الروبوتية. ويخلق هذا التكامل بين الأصول المادية والتقنيات الذكية حاجزًا تنافسيًا يصعب مجاراته، لأن بناء نموذج مماثل لا يقتصر على تطوير البرمجيات، بل يتطلب كذلك استثمارات ضخمة في البنية التحتية وخبرات تشغيلية متخصصة وشبكات توزيع واسعة النطاق.

عندما يصبح الذكاء الاصطناعي متاحاً للجميع وبتكلفة منخفضة، لن يكون التفوق قائماً على امتلاك الذكاء الاصطناعي نفسه، بل على امتلاك الأصول والبنية التحتية والموارد المادية التي يصعب على المنافسين توفيرها.

يمتد هذا المنطق إلى بيئات العمل التي يجتمع فيها الذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية ضمن منظومة واحدة. فعدد كبير من الأنشطة، بدءًا من إدارة الثروات ووصولًا إلى التصنيع، لا يزال يعتمد على التقدير المهني والخبرة المتخصصة أو يتطلب حضورًا فعليًا أو يخضع لمتطلبات رقابية وتنظيمية تحد من إمكانية الاعتماد الكامل على الأنظمة الذكية في المرحلة الحالية.

وتوفر شركة "جون دير" مثالًا بارزًا على كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز ميزة تنافسية تستند إلى أصول مادية راسخة. فتعتمد تقنية الرؤية والرش التي طورتها الشركة على الرؤية الحاسوبية وتعلم الآلة لتمييز الأعشاب الضارة أثناء العمل في الحقول، ثم توجيه المبيدات إليها بصورة انتقائية وفي الوقت المناسب، ما يرفع كفاءة الاستخدام ويحد من الهدر. غير أن قوة هذا النموذج لا تنبع من الخوارزميات أو النماذج الذكية وحدها، وإنما من تكاملها مع قاعدة واسعة من المعدات المنتشرة لدى العملاء، والبيانات الزراعية المتراكمة، وشبكة الوكلاء والخدمات، إلى جانب اندماج هذه التقنيات في العمليات الزراعية اليومية. ومن ثم، فإن أي منافس يسعى إلى تطوير قدرات مماثلة لا يواجه تحدي بناء البرمجيات فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى نشر المعدات في الميدان وبناء منظومة خدمات متكاملة وترسيخ علاقات طويلة الأمد مع العملاء واكتساب الخبرات التشغيلية التي تراكمت عبر سنوات من العمل والتطوير.9

وبناء على ما سبق، ما الذي يعنيه ذلك للمؤسسات: فكلما أسهم الذكاء الاصطناعي في تحويل المعرفة والخبرات إلى موارد متاحة على نطاق أوسع، ازدادت أهمية الأصول والأنظمة المادية التي يصعب على المنافسين امتلاكها أو إعادة إنتاجها بالسهولة نفسها. لذلك، ينبغي أن ينصب التركيز على المجالات التي تمتلك فيها المؤسسة سيطرة فعلية على بنية تشغيلية أو شبكة مادية تمنحها أفضلية يصعب تقليدها. ولا يتمثل التحدي في إضافة الذكاء الاصطناعي إلى الأصول القائمة فحسب، بل في بناء منظومات مادية تزداد قيمتها كلما تعززت بالبيانات والقدرات الذكية. فعندما يتكامل الأصل المادي مع المعرفة التشغيلية والذكاء الاصطناعي، تنشأ دورة متراكمة من التحسين والتعلم ترفع كفاءة الأداء وتعمق الفجوة التنافسية بمرور الوقت.

بينما تتمثل الأسئلة الاستراتيجية أمام الرؤساء التنفيذيين في: ما الأصول النادرة التي تمتلكها المؤسسة، سواء كانت مادية أو تشغيلية أو غير ملموسة أو خاضعة لتنظيمات خاصة، والتي يُتوقع أن تزداد قيمتها كلما أصبحت القدرات الرقمية والمعرفية أكثر وفرة وأقل تكلفة بفضل الذكاء الاصطناعي؟ ويستدعي ذلك تساؤلًا آخر لا يقل أهمية: أين يمكن أن يؤدي الجمع بين الذكاء الاصطناعي والأصول التي يصعب على المنافسين تقليدها، مثل البنية التحتية، أو الكوادر الميدانية، أو شبكات الإمداد، أو قاعدة الأصول التشغيلية القائمة، أو التراخيص التنظيمية، إلى بناء أفضلية تنافسية تتجاوز ما يمكن للشركات المعتمدة على البرمجيات وحدها تحقيقه؟

المزايا القائمة على القدرات المؤسسية

تتمثل الميزة القائمة على القدرات المؤسسية في قوة تنظيمية يصعب بناؤها أو تقليدها، لكنها تمكّن المؤسسة من تحويل إمكانات الذكاء الاصطناعي إلى تفوق مستدام بصورة متكررة.

كيف تعيد المؤسسات تنظيم أعمالها لتسريع عملية التعلم والتنفيذ

تزداد قيمة الذكاء الاصطناعي كلما اتسعت فرص التجربة وتراكمت البيانات المتاحة للتعلم والتحسين. ولهذا تتمتع المؤسسات القادرة على التعلم والتطوير بوتيرة أسرع من منافسيها بفرصة أكبر لبناء مزايا يصعب اللحاق بها أو تقليدها. فكل تجربة جديدة وكل تطبيق عملي وكل بيانات إضافية يمكن أن تسهم في تحسين النماذج والقرارات والعمليات. وعندما تمتلك مؤسسة ما القدرة على تحويل هذه الدروس إلى تحسينات قابلة للتنفيذ بسرعة واستمرار، فإنها لا تكتسب ميزة مؤقتة فحسب، بل تؤسس لمسار متواصل من التطور يمنحها أفضلية تراكمية مع مرور الوقت.

وتؤكد الأبحاث أن سرعة التطوير تمثل عاملًا حاسمًا في بناء التفوق التنافسي. فقد أظهرت الدراسات أن الشركات التي تقع ضمن الشريحة الأعلى أداءً في سرعة تطوير البرمجيات تحقق معدلات نمو في الإيرادات تفوق نظيراتها في الشريحة الأدنى بنحو أربعة إلى خمسة أضعاف، كما تسجل عوائد للمساهمين أعلى بنسبة تصل إلى 60 في المئة. ويزداد تأثير هذا العامل مع ظهور الوكلاء الذكيين، الذين بدأت تطبيقاتهم تُظهر قدرة واضحة على تسريع مختلف مراحل التطوير والتنفيذ.10 فبدل دورات العمل التي كانت تمتد لأسبوعين تقريبًا، أصبح من الممكن في بعض الحالات إنجاز دورة تطوير كاملة خلال أربع وعشرين ساعة فقط، وهو تحول قد يعيد تعريف سرعة الابتكار والاستجابة داخل المؤسسات.

لكن بناء ميزة قائمة على سرعة التعلم والتنفيذ يتجاوز مجرد اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي أو تدريب المطورين على استخدامها، إذ يتطلب إعادة تصميم طريقة عمل المؤسسة على نحو أشمل. فالعامل الحاسم لا يكمن في امتلاك التقنية نفسها، وإنما في القدرة على تحويلها إلى نتائج ملموسة بوتيرة أسرع وأكثر استدامة من المنافسين. وترتكز هذه القدرة على منظومة متكاملة من المقومات المؤسسية، تبدأ باستراتيجية واضحة تستهدف تحقيق قيمة تحولية حقيقية، وإعادة تصميم العمليات بصورة شاملة، مرورًا باستقطاب الكفاءات التقنية المتميزة وتبني نموذج تشغيلي قائم على فرق صغيرة متعددة التخصصات تتمتع بالسرعة والمرونة في اتخاذ القرار. وتشمل هذه المنظومة أيضًا توفير منصات تقنية مرنة وقابلة للتوسع، وترسيخ دور البيانات في صميم الأعمال والعمليات اليومية، إلى جانب بناء آليات تسمح بإعادة استخدام الحلول والخبرات الناجحة على نطاق واسع، بما يعزز سرعة التبني ويدعم التوسع بكفاءة أعلى.

وتفيد تحليلات حديثة لماكنزي بأن المؤسسات التي تنجح في إعادة تشكيل طريقة عملها على هذا النحو تحقق تحسنًا في الأرباح التشغيلية قبل احتساب الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء يتراوح بين 10 إلى 30 في المئة، بمتوسط يقارب 20 في المئة. وتبرز أهمية هذه النتائج في أنها تتجاوز المكاسب قصيرة الأجل لتؤسس مسارًا تراكميًا من التعلم والتحسين.11 فكل نجاح جديد يعزز القدرات المؤسسية ويرفع سرعة التنفيذ، ما يهيئ الظروف لتحقيق نتائج أفضل في المراحل اللاحقة. ومع تعزز هذه الديناميكية بمرور الوقت، تتسع الفجوة بين المؤسسات الرائدة وتلك الأقل قدرة على التكيف، إذ تشير التقديرات إلى أن هذا الفارق ازداد بنحو 60 في المئة خلال السنوات الأخيرة.12

ويوفر بنك "DBS" مثالًا بارزًا على الكيفية التي يمكن بها لإعادة تشكيل المؤسسة أن تسرّع وتيرة التعلم والتنفيذ. فعبر العقد الماضي، أعاد البنك تصميم نموذج عمله حول ما يُعرف بإدارة الأعمال من خلال الرحلات المتكاملة للعميل، مع الاعتماد على فرق صغيرة متعددة التخصصات تتمتع بالمرونة والقدرة على التحرك السريع. كما عمل البنك على رفع جودة بياناته وتسهيل الوصول إليها عبر مختلف الوحدات، إلى جانب تطوير منصة للذكاء الاصطناعي تتيح توحيد النماذج وإعادة استخدامها على نطاق أوسع. ولم تُنفذ هذه المبادرات بوصفها مشروعات مستقلة، بل جاءت ضمن برنامج متكامل لإعادة بناء القدرات المؤسسية وتطوير أساليب العمل. وقد أسفر هذا التحول عن تقليص المدة اللازمة لتطوير حلول الذكاء الاصطناعي ونشرها من فترة تراوحت بين 12 إلى 18 شهرًا إلى ما بين شهرين وثلاثة أشهر فقط، في مؤشر واضح على ما يمكن أن تحققه المؤسسات عندما تنجح في رفع سرعة التعلم والتنفيذ بصورة منهجية.13

يعتمد تطور أداء الذكاء الاصطناعي إلى حد كبير على حجم التجارب التي تُجرى والبيانات التي تُجمع من الاستخدام الفعلي. ولهذا فإن المؤسسات التي تنجح في اختبار الأفكار الجديدة والتعلم من نتائجها وتحويل هذا التعلم إلى تطبيقات عملية بسرعة تفوق منافسيها، تكون أكثر قدرة على بناء مزايا تنافسية مستدامة مع مرور الوقت.

والسؤال المعتاد هنا، ما الذي يعنيه ذلك للمؤسسات: يستدعي ذلك التعامل مع سرعة التعلم والتنفيذ بوصفها أحد المحددات الرئيسة للقدرة التنافسية للمؤسسة، لا مجرد مؤشر تشغيلي لقياس الأداء. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري قياس المدة الفاصلة بين نشوء الفكرة وإثبات جدواها وتحويلها إلى تطبيق واسع النطاق، مع إزالة العوائق التي تبطئ هذه الرحلة بصورة منهجية. لكن هذا التحول لا يبدأ بالتقنيات وحدها. فالمؤسسات الساعية إلى إعادة تشكيل طريقة عملها على نحو جذري تحتاج أولًا إلى ترسيخ قناعة مشتركة لدى فريق الإدارة العليا بأهمية التغيير ومكانته ضمن الأولويات الاستراتيجية. كما ينبغي توجيه الجهود نحو المجالات التي تمتلك فيها المؤسسة قدرة حقيقية على توليد قيمة اقتصادية ملموسة، إلى جانب تخصيص الموارد اللازمة وإشراك أفضل الكفاءات لقيادة التحول وضمان استدامة زخمه.

في حين تتمحور الأسئلة الاستراتيجية أمام الرؤساء التنفيذيين حول: ما القرارات أو الإجراءات التي ما زالت تستغرق وقتًا أطول من اللازم داخل المؤسسة؟ وما العوائق التي تؤخر تحويل الأفكار والتجارب الناجحة إلى تطبيقات واسعة النطاق؟ وكيف يمكن إزالة هذه العوائق بما يتيح زيادة وتيرة التجريب والتنفيذ بصورة ملموسة خلال العام الواحد؟ ومن زاوية أخرى، ما الإجراءات القادرة على تقليص الزمن الفاصل بين التعلم والتطبيق؟ وأيها يملك الأثر الأكبر في تسريع دورات التعلم وتحويل نتائجها إلى تحسينات عملية؟ والأهم من ذلك، كيف سيكون موقع المؤسسة إذا ظهر منافس قادر على التعلم والتطوير بوتيرة تفوقها بخمسة أضعاف؟ وكيف يمكن أن ينعكس ذلك على موازين المنافسة خلال السنوات المقبلة؟

التنظيم والامتثال: دمج المتطلبات التنظيمية داخل حلول الذكاء الاصطناعي

ومع التوسع المتواصل في استخدام الذكاء الاصطناعي لمعالجة البيانات الحساسة واتخاذ القرارات بصورة آلية، تتجه البيئات التنظيمية في مختلف الأسواق إلى تشديد متطلبات الرقابة والامتثال. فكلما ازدادت قدرة هذه الأنظمة على التأثير في الأفراد والمؤسسات، ارتفعت توقعات الجهات التنظيمية فيما يتعلق بالشفافية والمساءلة وإدارة المخاطر. ويُعد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي أحد أبرز الأمثلة على هذا التوجه، إذ يتضمن أحكامًا تتعلق بحماية حقوق الملكية الفكرية، ومتطلبات الأمن، والشفافية المرتبطة باستخدام البيانات والمحتوى الذي تنتجه نماذج الذكاء الاصطناعي. ويعبر ذلك عن مسار أوسع نحو إخضاع هذه التقنيات لأطر تنظيمية أكثر وضوحًا ودقة، بالتوازي مع اتساع انتشارها وتعاظم تأثيرها في مختلف القطاعات.

تتبلور الأفضلية التنافسية في هذا المجال عندما تصبح متطلبات الامتثال جزءًا مدمجًا في عملية تطوير الحلول والبنية التقنية الداعمة لها، بدلًا من التعامل معها كمرحلة لاحقة تُضاف بعد اكتمال التطوير. ويشمل ذلك توفير سجلات تدقيق مدمجة، وآليات تفسر كيفية وصول الأنظمة إلى قراراتها، وتتبع مصادر البيانات ومسارات استخدامها، ومراقبة احتمالات التحيز، إلى جانب الحفاظ على دور رقابي للعنصر البشري في القرارات الحساسة. وتتعزز هذه الأفضلية أكثر عندما تمتلك المؤسسة تصاريح تنظيمية أو حقوقًا قانونية يصعب الحصول عليها في مدد زمنية قصيرة. ويبرز ذلك في قطاعات مثل السيارات ذاتية القيادة، حيث تمنح الموافقات التنظيمية بعض الشركات مساحة تقدم مؤقتة، أو في الصناعات الدوائية التي تستفيد من الحماية التي توفرها براءات الاختراع قبل دخول منافسين جدد إلى السوق. كما أن بناء هذه القدرات يتطلب وقتًا واستثمارات متواصلة، نظرًا لاعتماده على خبرات قانونية متخصصة وبنية متكاملة لإدارة المخاطر وأطر حوكمة فعالة وموارد مالية قادرة على استيعاب المتطلبات التنظيمية المرتبطة بالنشاط. وتمتلك المؤسسات الراسخة في القطاعات الخاضعة للتنظيم جانبًا مهمًا من هذه المقومات بالفعل، ما يمنحها موقعًا تنافسيًا أكثر قوة في مواجهة الوافدين الجدد.

ورغم أن الوافدين الجدد قد يستفيدون من نماذج اللغة الكبيرة لفهم المتطلبات التنظيمية والامتثالية والتعامل معها بكفاءة أعلى، أو لاستغلال المجالات التي ما تزال الأطر المنظمة لها غير مكتملة أو قيد التطور، فإن التجارب السابقة تشير إلى أن الجهات الرقابية تميل بمرور الوقت إلى تضييق هذه المساحات وإخضاعها لقواعد أكثر وضوحًا ودقة. ومع ترسخ هذه الأطر التنظيمية، تميل الكفة لصالح المؤسسات التي استثمرت مبكرًا في بناء منظومات امتثال متكاملة وقابلة للتوسع. فهذه المؤسسات تكون أكثر قدرة على التكيف مع المتطلبات الجديدة وأقل عرضة للاضطرابات الناتجة عن تشديد الرقابة، ما يعزز متانة موقعها التنافسي مقارنة بالجهات التي اعتمدت على حلول مؤقتة أو مزايا تنظيمية عابرة.

وفي هذا النطاق، ما الذي يعنيه ذلك للمؤسسات: يستدعي ذلك التعامل مع الامتثال بوصفه جزءًا من البنية الأساسية الداعمة للنمو واستدامة الأعمال، لا مجرد متطلب تنظيمي. ويتطلب هذا التوجه دمج عناصر التدقيق والشفافية والحوكمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي منذ المراحل الأولى للتصميم والتطوير، بحيث تصبح القدرة على الامتثال جزءًا مدمجًا في آلية عمل هذه الأنظمة مع اتساع نطاق استخدامها ونمو الأعمال المرتبطة بها. ومن المهم أيضًا تحديد الجوانب التي تستند فيها القيمة المقدمة للعملاء إلى أنشطة أو تراخيص خاضعة للتنظيم، وفهم المجالات التي قد تواجه فيها المؤسسة منافسة من جهات تستفيد من ثغرات تنظيمية أو من قطاعات ما تزال أطرها الحاكمة في طور التشكل. ويوفر هذا المنظور أساسًا أدق لتقييم المخاطر واتخاذ قرارات أكثر وعيًا بشأن الاستثمار والتوسع وبناء مقومات التفوق طويلة الأجل.

بينما الأسئلة الاستراتيجية التي تواجه الرؤساء التنفيذيين هي: أين يمكن للمساحات التنظيمية غير المستقرة أو القواعد التي ما تزال قيد التشكل أن تتيح فرصًا مؤقتة لمنافسين جدد يسعون إلى إعادة رسم قواعد المنافسة أو التوسع بسرعة في السوق؟ وفي المقابل، كيف يمكن للمؤسسة تحويل الامتثال والقدرة على التدقيق والحوكمة الرشيدة من التزامات تنظيمية إلى مصادر قيمة حقيقية داخل منتجاتها وخدماتها؟ وكيف يمكن توظيف هذه القدرات لتعزيز الثقة وتسريع تبني الحلول الجديدة، بما يدعم مكانة المؤسسة ويمنحها تفوقًا على المنافسين الأقل نضجًا من الناحيتين التنظيمية والمؤسسية؟

الثقة: أساس العلاقة المستدامة مع العملاء

في القطاعات التي تنطوي على قرارات عالية الحساسية، مثل الخدمات المالية والرعاية الصحية وإدارة الهوية، تبرز الثقة بوصفها أحد أهم مصادر التفوق التنافسي، نظرًا لدورها المباشر في تشكيل استعداد العملاء لتبني التقنيات الجديدة والاعتماد عليها. فمهما بلغت قدرات الذكاء الاصطناعي من تطور، يظل استخدامه على نطاق واسع مرهونًا بمستوى الثقة في الجهة التي تقدمه. وتتجلى هذه الحقيقة في القطاع المصرفي، حيث بات أكثر من نصف المستهلكين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ويتوقعون في الوقت ذاته من بنوكهم توفير خدمات مماثلة. كما يشير كثير منهم إلى استعدادهم للانتقال إلى مزود آخر إذا لم تواكب مؤسساتهم المالية هذا التحول التقني بالسرعة المطلوبة. وعليه، لم تعد المنافسة تدور حول امتلاك التكنولوجيا أو تطويرها فحسب، بل حول القدرة على تقديمها بطريقة تعزز الثقة والاعتمادية وتمنح العملاء قدرًا كافيًا من الاطمئنان لتبنيها والاستمرار في استخدامها.14

وفي الواقع، يزداد استعداد العملاء لمشاركة بياناتهم والاعتماد على القرارات المؤتمتة عندما يثقون في أن المؤسسة تتعامل مع معلوماتهم بمسؤولية، وتلتزم بمبادئ العدالة والشفافية والمساءلة. وتمتد آثار هذه الثقة إلى ما هو أبعد من مجرد تقبل التكنولوجيا، إذ تهيئ بيئة تسمح بقيام علاقة أكثر عمقًا وتفاعلًا بين المؤسسة وعملائها. ويُترجم ذلك إلى تدفق أكبر للبيانات، بما يدعم تحسين أداء نماذج الذكاء الاصطناعي ورفع دقتها مع الوقت. وفي المقابل، تصبح الخدمات أكثر تخصيصًا وارتباطًا باحتياجات العملاء الفعلية، الأمر الذي يعزز مستويات الارتباط بالمؤسسة ويقلل احتمالات الانتقال إلى البدائل الأخرى، بما يرسخ المكانة التنافسية للمؤسسات القادرة على بناء هذه الثقة والمحافظة عليها.

ومع ذلك، يواجه الذكاء الاصطناعي تحديًا جوهريًا يتمثل في بناء الثقة. فالدراسات العالمية تشير إلى أن نحو 30 في المئة فقط من الأفراد يتبنون هذه التقنية، في حين يبدي نحو 35 في المئة موقفًا رافضًا لها.15 وتمثل الثقة، في هذا السياق، شرطًا أساسيًا لتوسيع نطاق الاستخدام والاستفادة الكاملة من الإمكانات التي تتيحها هذه التقنيات. وترتكز هذه الثقة على مجموعة من الممارسات الواضحة، تشمل تطوير نماذج يمكن تفسير آلية عملها وفهم الأسس التي تستند إليها في اتخاذ القرارات، والحصول على موافقة صريحة من المستخدمين عند التعامل مع بياناتهم، وإتاحة إمكانات التدقيق والمراجعة، إلى جانب وضع ضوابط تحدد نطاق استخدام الأنظمة الذكية وآليات الإشراف عليها. وتتمتع المؤسسات التي تدمج مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في مراحل التصميم والتطوير والتشغيل والمتابعة بقدرة أكبر على التوسع بوتيرة أسرع وبمستويات أعلى من الموثوقية. وتشير التجارب العملية إلى أن المؤسسات الأكثر نجاحًا في توظيف الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تمتلك آليات رسمية للتحقق من سلامة النماذج وأدائها. كما يرتبط الاستثمار الكافي في ممارسات الذكاء الاصطناعي المسؤول بتحقيق أثر ملموس في الأرباح التشغيلية والأداء المؤسسي.16

ويوفر "جي بي مورغان تشيس" مثالًا بارزًا على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الثقة والحوكمة إلى مصدر تفوق فعلي في عصر الذكاء الاصطناعي. فقد حافظ البنك على صدارة مؤشر إيفيدنت للذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي لأربعة أعوام متتالية.17 ويُعد كذلك من بين المؤسسات المصرفية القليلة التي تفصح علنًا عن العوائد المحققة من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، والتي تقترب من ملياري دولار. وتزداد دلالة هذه النتائج في القطاعات الخاضعة لرقابة تنظيمية مشددة، حيث يسهم الجمع بين الأداء الملموس والشفافية في عرض النتائج في تعزيز الثقة لدى الجهات التنظيمية والمستثمرين. فالمؤسسات القادرة على تحقيق قيمة اقتصادية واضحة من الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مستويات مرتفعة من الحوكمة والإفصاح، تكون في موقع أقوى لترسيخ ثقة أصحاب المصلحة وتعزيز مكانتها التنافسية على المدى الطويل.18

في القطاعات عالية الحساسية مثل الخدمات المالية والرعاية الصحية وإدارة الهوية الرقمية، تمثل الثقة إحدى أهم المزايا التنافسية، لأنها تشكل شرطاً أساسياً لاعتماد الحلول الجديدة واستخدامها على نطاق واسع. فحتى أكثر التقنيات تطوراً لن تحقق انتشاراً حقيقياً ما لم يثق المستخدمون والجهات التنظيمية بسلامتها وموثوقيتها وقدرتها على حماية البيانات والالتزام بالمتطلبات المعمول بها.

والسؤال المطروح أيضاً، ما الذي يعنيه ذلك للمؤسسات: تتعامل المؤسسات المتميزة مع الثقة بوصفها رافعة لتسريع تبني التقنيات الجديدة وتوسيع نطاق الاستفادة منها، لا باعتبارها مجرد متطلب تنظيمي أو اعتباري. وينطلق ذلك من فهم واضح للعوامل التي تشكل أساس ثقة العملاء، سواء كانت مرتبطة بالأمان أو العدالة أو الموثوقية أو الشفافية، ثم دمج هذه العناصر في أنظمة الذكاء الاصطناعي وآليات تشغيلها منذ البداية. ويشمل ذلك بناء ضوابط حوكمة ورقابة مؤتمتة، وتحويل السياسات والمعايير المؤسسية إلى قواعد مدمجة داخل الأنظمة نفسها، بما يضمن تطبيقها بصورة متسقة عبر مختلف الاستخدامات. ومن المهم أيضًا إدماج اعتبارات المخاطر والامتثال منذ المراحل الأولى لتطوير حلول الذكاء الاصطناعي، لأن معالجة هذه الجوانب مبكرًا تهيئ مسارًا أكثر سلاسة للتوسع وتحد من التعقيدات التي قد تظهر في مراحل لاحقة.

أما الأسئلة الاستراتيجية التي تقف أمام الرؤساء التنفيذيين: كيف يمكن لمستويات الأمان والعدالة وحماية الخصوصية التي يمكن إثباتها وقياسها في أنظمة الذكاء الاصطناعي أن تتحول إلى أصل استراتيجي يفتح المجال أمام دمج هذه الأنظمة في أكثر العمليات قيمة وحساسية لدى العملاء أو الشركاء؟ ويطرح ذلك تساؤلًا آخر بالغ الأهمية: في أي نوع من القرارات سيكون العملاء أو الموظفون أو الجهات التنظيمية أو الشركاء أكثر استعدادًا للثقة بمؤسستنا عند استخدام الذكاء الاصطناعي مقارنة بغيرنا؟ وما العوامل التي تجعل هذه الثقة ممكنة من الأساس؟

الخطوات الأولى لبناء مزايا تنافسية قائمة على الذكاء الاصطناعي

لقد أعادت التحولات التي أطلقها الذكاء الاصطناعي رسم مصادر التفوق التنافسي ومواقع تشكله. ولم يعد امتلاك التكنولوجيا وحده كافيًا لتحقيق التميز، بل أصبحت القيمة الحقيقية تتجسد في قدرة المؤسسات على توظيفها لبناء مزايا يصعب على المنافسين تقليدها أو مجاراتها. وبالنسبة إلى مجالس الإدارة والرؤساء التنفيذيين، فإن ذلك يفرض مجموعة واضحة من الأولويات الاستراتيجية:

  • حدد بدقة المجالات التي تستند إليها أفضلية مؤسستك التنافسية، وكن مستعدًا للمفاضلات التي يفرضها التركيز عليها. فالمؤسسات التي تنجح في التقدم على منافسيها لا تسعى عادة إلى بناء جميع مصادر التفوق المتاحة، لكنها نادرًا ما تعتمد على ركيزة واحدة فقط. كما أن كثيرًا من هذه المقومات يعزز بعضها بعضًا، فالبيانات الحصرية قد تفتح المجال أمام ابتكار نماذج أعمال جديدة، فيما تتيح الثقة الوصول إلى بيانات أعمق وأكثر قيمة. ومن ثم، ينبغي تركيز الجهود على عدد محدود من المجالات التي تمتلك فيها المؤسسة أفضلية هيكلية حقيقية، ثم توجيه الاستثمارات والموارد نحو تنميتها وتعزيزها على المدى الطويل. ويتطلب ذلك التزامًا مستمرًا بالاستثمار، إلى جانب الاستعداد لاتخاذ قرارات صعبة تتعلق بتوزيع الموارد وترتيب الأولويات.
  • طوّر البنية المؤسسية التي تدعم مصادر تفوقك التنافسي وتعزز قدرتها على الاستمرار. فامتلاك أفضلية استراتيجية في مجال معين لا يضمن استدامتها ما لم تُدعَم بمنظومة متكاملة من القدرات والعمليات والموارد القادرة على ترسيخها وتنميتها مع الوقت. ويشمل ذلك تحديد كيفية جمع البيانات وإدارتها وآليات تطوير النماذج وتحسينها وسبل توسيع نطاق الحلول، وسرعة المؤسسة في التعلم والتجريب وتحويل الدروس المستفادة إلى تحسينات متتابعة. ويتطلب ذلك أيضًا تحديد العمليات الأكثر تأثيرًا في خلق القيمة وبناء القدرات اللازمة لدعمها عبر مختلف مراحلها. فالتفوق المستدام لا يرتبط بامتلاك التقنيات وحدها، وإنما بقدرة المؤسسة على تشغيلها وتطويرها وتوسيع أثرها على نطاق واسع بفاعلية مستمرة.
  • تعامل مع مصادر تفوقك التنافسي بوصفها أولوية استراتيجية مستمرة، لا سلسلة من المبادرات المتفرقة. فبناء مقومات تفوق مستدامة ليس مشروعًا قصير الأجل، وإنما مسار طويل يتطلب التزامًا متواصلًا من القيادة العليا. ومن هذا المنطلق، ينبغي لمجالس الإدارة والفرق التنفيذية متابعة عدد محدود من المؤشرات الاستباقية المرتبطة مباشرة بالمجالات التي اختارت المؤسسة الاستثمار فيها. وقد تشمل هذه المؤشرات تكلفة تنفيذ المعاملات أو حيوية الشبكات ومستويات التفاعل داخلها أو نسبة تفاعلات العملاء التي تتم عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي المدمجة في العمليات والخدمات. ويسهم هذا التركيز في الحفاظ على وضوح الأولويات، وتوجيه الموارد بكفاءة أكبر وتعزيز المساءلة عن النتائج، بما يضمن تحول هذه المقومات إلى مصادر قيمة متراكمة تدعم النمو على المدى الطويل، بدل أن تبقى تجارب أو مبادرات محدودة الأثر.

في عصر الذكاء الاصطناعي، لن يتحقق التفوق التنافسي لمجرد امتلاك النموذج الأكثر تطورًا أو براعة. فمع اتساع نطاق الوصول إلى النماذج المتقدمة وتزايد قدرتها على الانتشار، تتراجع أهمية التكنولوجيا في حد ذاتها بوصفها مصدرًا للتميّز. وأما الفارق الحقيقي، فسيكون من نصيب المؤسسات القادرة على تحويل النماذج المتاحة للجميع إلى مزايا يصعب على المنافسين تقليدها وبوتيرة أسرع من غيرها. فالقيمة الحقيقية لا ترتبط بالنموذج في حد ذاته، وإنما بالمنظومة التي تُبنى حوله، من عمليات وبيانات وعلاقات وقدرات مؤسسية، وهي العناصر التي تصنع تفوقًا تتعاظم قيمته مع مرور الوقت.

Explore a career with us