ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
تكشف الممارسات اليومية داخل الشركات التي تبنت الذكاء الاصطناعي منذ نشأتها حجم التحول الذي أحدثته هذه التقنيات في أساليب العمل. فالرئيس التنفيذي لإحدى المنصات الناشئة المتخصصة في التجارة بين الشركات ينجز عمليات التكامل مع الأنظمة الإنتاجية عبر رسائل صوتية يسجلها أثناء تنقله في مترو الأنفاق. ومن الأمثلة اللافتة، أن شركة ناشئة في مجال التقنيات الزراعية تضم عشرين موظفًا أوقفت خطط التوظيف بالكامل، بعدما أصبحت نماذج اللغة الكبيرة التجارية تنفذ أكثر من نصف المهام في معظم وظائفها. كما أتاحت إحدى الشركات المتخصصة في تطوير البرمجيات وأمنها وتشغيلها لموظفيها من غير المختصين تقنيًا استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمعالجة الأخطاء البرمجية البسيطة وإعادة تسمية الخصائص والوظائف، من دون الحاجة إلى تدخل فرق الهندسة.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
ولا تستند هذه الملاحظات إلى تجارب فردية أو حالات استثنائية. فعلى مدى الأشهر الماضية، أجرينا لقاءات مع قيادات الأعمال والتقنية في خمس عشرة شركة جعلت الذكاء الاصطناعي محورًا رئيسًا لنموذج عملها. وشملت هذه الشركات أسواقًا وقطاعات متنوعة وتفاوتت في حجمها بين شركات ناشئة لا يتجاوز عدد موظفيها أربعة أشخاص ومنصات عالمية راسخة، بهدف فهم المقومات التي تمكّن الذكاء الاصطناعي من تحقيق أثر فعلي داخل المؤسسات. وكنا نتوقع أن يحمل كل نموذج تجربة مختلفة، فجاءت المفاجأة في التقارب اللافت بين رؤى هذه الشركات، رغم اختلاف بيئاتها وقطاعاتها ومراحل نموها. فقد اتفقت جميعها تقريبًا على مجموعة من المبادئ الأساسية التي تجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا محوريًا من المؤسسة، وهذه القواسم المشتركة هي جوهر هذا المقال.
وفي مطلع هذا العام، نشرنا دليلًا عمليًا تناول كيفية بناء الشركات وفق نهج يقوم على الذكاء الاصطناعي منذ البداية. ويأتي هذا المقال استكمالًا لذلك الطرح، مع التركيز هذه المرة على الممارسات العملية التي تميز المؤسسات الأكثر نجاحًا، بعيدًا عن الأطر النظرية والنماذج المفاهيمية. وتبرز أهمية هذا التوجه في ضوء التحديات التي لا تزال تواجه كثيرًا من المؤسسات. فقد أظهر أحدث استطلاع عالمي أجرته ماكنزي حول الذكاء الاصطناعي أن 88 في المئة من المؤسسات تستخدم هذه التقنية في وظيفة واحدة على الأقل، في حين لا تتجاوز نسبة المؤسسات التي تعد نفسها ناضجة بالكامل في هذا المجال واحدًا في المئة، بينما لم تتمكن نحو ثلثي المؤسسات حتى الآن من توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي إلى ما بعد التجارب المحدودة.
فما الذي تدركه المؤسسات الأكثر نجاحًا ولا يزال غائبًا عن كثير من منافسيها؟ لعل القاسم المشترك بينها يتمثل في نظرتها إلى الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي. فهي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكلاء الذكيين بوصفهما رافعة توسع آفاق الطموح وتعزز قدرة المؤسسة على تحويله إلى نتائج ملموسة، بينما يأتي خفض التكاليف ورفع الإنتاجية بوصفهما ثمرة طبيعية لهذا التوجه، لا هدفه الرئيس. وانطلاقًا من الدروس التي استخلصناها من تجارب هذه القيادات، حددنا سبع حقائق أساسية تشكل، بمجملها، منهجًا تشغيليًا يساعد المؤسسات على تحقيق أقصى قيمة ممكنة من الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة مساعدة، بل هو شريك حقيق في العمل
تنبع القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي من قدرته على توسيع إمكانات الأفراد وتعزيز إنتاجيتهم عبر وكلاء أذكياء يعملون جنبًا إلى جنب مع فرق العمل، وليس من مجرد إنجاز المهام بوتيرة أسرع. فهذه الأنظمة تشارك في تنفيذ الأعمال وتدعم عملية اتخاذ القرار وتسهم في رفع كفاءة الفريق، حتى تغدو أقرب إلى زميل عمل يمكن الاعتماد عليه، أكثر من كونها أداة تقنية تنفذ الأوامر أو تتولى المهام الروتينية.
عندما بدأنا هذه الدراسة في أواخر العام الماضي، كان معظم القادة الذين التقيناهم يتحدثون عن أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها أدوات داعمة للإنتاجية الفردية ويختصرون الوقت اللازم لإنجاز المهام. ثم ما لبثت الصورة أن تغيرت خلال أشهر قليلة. فقد أصبح الحديث يدور حول وكلاء ذكيين يؤدون دور زملاء عمل حقيقيين داخل المؤسسة، لكل منهم اسم خاص وحساب على منصة "سلاك" ولوحات مشتركة لإدارة المهام، فضلًا عن قدرتهم على تنفيذ الأعمال بصورة مستقلة وعلى مدار الساعة دون توقف. ويقدم مدير العمليات في إحدى شركات التكنولوجيا المالية، التي وصلت إلى جولة التمويل الرابعة من فئة "Series D"، مثالًا واضحًا على هذا التحول. فالشركة تعتمد على منظومة تضم مجموعة من الوكلاء الذكيين لتقييم الأفكار الجديدة قبل تحويلها إلى منتجات فعلية. ويستطيع أي موظف طرح فكرة أولية لا تتجاوز جملة واحدة عبر منصة "سلاك". وبعد مراجعتها مبدئيًا من مدير المنتج، يبدأ عشرة وكلاء متخصصين العمل عليها في الوقت نفسه، بحيث يتولى كل منهم جانبًا مختلفًا من الدراسة، بدءًا من تحديد مفهوم المنتج وقياس جدوى تنفيذه من الناحية التقنية مرورًا بآليات احتساب الإيرادات وانتهاءً بمتطلبات الامتثال القانوني. وخلال ساعات قليلة، تُنجز هذه المنظومة وثيقة متكاملة تتضمن جميع متطلبات المنتج، لتصبح الفكرة الأولية مشروعًا واضح المعالم وجاهزًا للانتقال إلى مراحل التطوير التالية.
ويقدم الرئيس التنفيذي لإحدى الشركات الناشئة، التي وصلت إلى جولة التمويل الأولى من فئة "Series A" وتدير منصة تجمع بين الشركات، نموذجًا آخر لهذا التحول. فقد استقطب فريقًا متكاملًا من الوكلاء الذكيين يعملون كمساعدين شخصيين، يتولى كل منهم مسؤوليات محددة. فهناك وكيل يؤدي مهام المساعد التنفيذي، يتولى الرد على رسائل البريد الإلكتروني وتنظيم جدول المواعيد ووكيل آخر يقوم بدور مدير المكتب التنفيذي ويسجل الاجتماعات ويستخلص ما ينتهي إليه النقاش، ثم يُعد قائمة بالخطوات التالية ويوزعها تلقائيًا على المعنيين. كما يعتمد على وكيل متخصص في التحليل يوفر رؤى ومؤشرات لحظية مستمدة من لوحات متابعة أداء الشركة. ويؤكد الرئيس التنفيذي أن هذا الفريق الافتراضي ضاعف قدرته على الإنجاز ورفع فاعليته إلى نحو خمسة أضعاف. ولم تكن هذه التجربة استثناءً، فقد تكررت روايات مشابهة على لسان عدد من القادة الذين أجرينا معهم هذه اللقاءات.
وما يجمع هذه النماذج جميعها أن تأثير الذكاء الاصطناعي تجاوز تغيير طريقة تنفيذ المهام، ليعيد تعريف طبيعة الوظائف نفسها. وأصبحت كثير من الأعمال تُنجز من خلال شراكة متكاملة بين الإنسان والوكلاء الذكيين، مع إعادة توزيع المهام على نحو يوسع قدرات الفِرق ويمنحها القدرة على خوض أعمال لم تكن لتفكر في تنفيذها سابقًا. ونتيجة لذلك، بات المهندسون يخصصون وقتًا أكبر لتصميم المنتجات وفهم احتياجات العملاء، في حين أصبح الموظفون غير المتخصصين تقنيًا قادرين على اقتراح تعديلات برمجية وإطلاق تجارب داخلية من دون الاعتماد الكامل على فرق الهندسة. وتنعكس آثار هذا التحول بوضوح في نماذج الأعمال. فإحدى الشركات الناشئة، التي لا يتجاوز عدد أفراد فريقها أربعة موظفين وتعمل في مجال الاستدامة، أصبحت قادرة على خدمة عشرين عميلًا من الشركات الكبرى، مع إعداد تقارير الامتثال خلال دقائق، بعدما كانت مكاتب المحاماة تحتاج إلى أسابيع لإنجازها. ويظهر المثال نفسه في منصة ناشئة وصلت إلى جولة التمويل الأولى من فئة "Series A"، إذ ارتفعت قدرتها من إدارة خمسين صفقة لكل مستشار إلى الإشراف على ثلاثة آلاف صفقة في الوقت نفسه. وجاء هذا التحول بفضل تطوير وكلاء أذكياء متخصصين في التحليل تولوا المهام ذات الحجم الكبير، من دون الحاجة إلى مضاعفة أعداد الموظفين عشرات المرات. وأتاح ذلك للكوادر البشرية التفرغ للمناقشات الأكثر تعقيدًا وبناء علاقات الثقة مع العملاء واتخاذ القرارات التي تصنع القيمة الحقيقية للمؤسسة. ولا يمكن النظر إلى هذه التحولات باعتبارها مجرد مكاسب في الكفاءة أو تحسينات في الإنتاجية، لأنها تعكس انتقالًا إلى نماذج أعمال مختلفة جذريًا. فقد أتاح الذكاء الاصطناعي للفرق أن تتجاوز الحدود التقليدية لقدراتها وأن تتعامل بثقة مع مستويات من الطموح والأعمال كانت تبدو بعيدة المنال في السابق.
التحديات المحتملة
ورغم ذلك، لا يخلو التعامل مع الوكلاء الأذكياء بوصفهم أعضاءً في فريق العمل من تحديات قد تفرض نوعًا جديدًا من الاعتماد الهيكلي على هذه الأنظمة. ويطرح الرئيس التنفيذي لشركة التقنيات الزراعية سؤالًا جوهريًا بقوله: ما التداعيات التي قد تنشأ مع انتقالنا إلى هذا العالم الذي يعتمد على الوكلاء الذكيين، من دون أن ندركها اليوم؟ ومع إسناد مزيد من المهام إلى هذه الأنظمة، ما الأزمات التي قد نكون بصدد تكريسها من حيث لا نشعر؟ وانطلاقًا من هذا الإدراك، صممت الشركة أدوار فرق العمل بعناية، بحيث يُسند إلى العنصر البشري ما يتجاوز حدود قدرات الوكلاء الذكيين فعلًا، مثل إصدار الأحكام العلمية في المسائل غير المسبوقة وبناء العلاقات مع الشركاء وإدارة المواقف التي تتطلب خبرة بشرية مباشرة. وفي الوقت نفسه، وضعت آليات واضحة للتصعيد، بحيث تنتقل المهمة إلى المختصين فور وصول الوكلاء الذكيين إلى حدود ما يستطيعون التعامل معه بكفاءة. ويختصر الرئيس التنفيذي هذه الفلسفة بقوله: "لسنا نسعى إلى استبدال البشر بالذكاء الاصطناعي، فهدفنا توجيه الخبرات البشرية إلى المجالات التي تظل فيها الخبرة الإنسانية هي العنصر الحاسم".
ما الذي ينبغي على القيادات فعله؟
لم يعد من المناسب قياس أثر الذكاء الاصطناعي بعدد ساعات العمل التي وفرها، فالمؤشر الأكثر أهمية يتمثل في حجم الفرص والمبادرات التي أصبحت المؤسسة قادرة على خوضها بفضل هذه التقنيات. وبناءً على ذلك، ينبغي التعامل مع الوكلاء الذكيين بوصفهم جزءًا من منظومة العمل، عبر إسناد مهام ومسؤوليات واضحة لكل منهم وتحديد آليات تصعيد تضمن انتقال المهام إلى العنصر البشري عند الحاجة. وفي الوقت نفسه، يتعين على القيادات إعادة تقييم توزيع الأدوار داخل المؤسسة وفهم الكيفية التي أعاد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل طبيعة الوظائف، ثم إعادة تصميمها بما يحقق أفضل تكامل ممكن بين قدرات الإنسان وإمكانات الوكلاء الذكيين.
حدد ما يستحق التطوير داخل المؤسسة، وما يُفضل شراؤه جاهزًا
لا ينبغي للمؤسسات أن تطور كل شيء بنفسها. فليكن بناء الحلول داخليًا موجهًا إلى القدرات التي تمنح المؤسسة تميزًا حقيقيًا، وتوفر لها قيمة يصعب على المنافسين تقليدها. أما الجوانب الأخرى، فيبقى القرار بشأن تطويرها أو الاعتماد على حلول جاهزة مرتبطًا بمدى قناعة المؤسسة ومستوى المرونة الذي ترغب في الاحتفاظ به وحجم المخاطر التي ترى أنها مستعدة لتحملها.
ويُعد القرار الأول المتعلق بالمفاضلة بين تطوير الحلول داخل المؤسسة أو الاعتماد على حلول جاهزة من أبسط القرارات في نظر الشركات التي تأسست على الذكاء الاصطناعي. فقد أجمعت جميع الشركات التي تحدثنا إليها على اعتماد معيار واحد عند تقييم القدرات التي تمثل جوهر أعمالها، وهو: هل تسهم هذه القدرة في بناء ميزة تنافسية يصعب على الآخرين مجاراتها، استنادًا إلى بيانات المؤسسة أو خبراتها المتخصصة أو ملكيتها الفكرية، بحيث تعجز الحلول الجاهزة عن تقديم القيمة نفسها؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فلا مجال للتردد، إذ ينبغي تطويرها داخل المؤسسة. ويترجم هذا المبدأ إلى ممارسات عملية واضحة. فالشركة العاملة في التقنيات الزراعية تطور داخليًا نماذجها الخاصة باستنباط السلالات والمحاصيل وأنظمة تحليل مشهد الملكية الفكرية، إلى جانب وكلاء ذكيين يطوّرون قدراتهم البحثية باستمرار اعتمادًا على نتائج عملهم. وعلى النهج ذاته، تبني إحدى شركات التقنيات العميقة المتخصصة في اكتشاف المواد الجديدة وكيلها العلمي بالاعتماد على بياناتها الحصرية، باعتبارها الركيزة التي يقوم عليها تميزها. ويلخص نائب رئيس الهندسة في إحدى الشركات المتخصصة في استخبارات المناخ هذه الفلسفة بقوله: "إن القيمة التي نقدمها تنبع من البيانات التي نمتلكها، ومن الرؤية التي نبنيها استنادًا إليها. ويأتي الذكاء الاصطناعي أداةً لتعزيز هذه القيمة، وهي قيمة لا يمكنه أن يحل محلها".
ويتمثل القرار الأكثر تعقيدًا في تحديد ما يقع خارج نطاق القدرات التي تمنح المؤسسة تميزها التنافسي، أي الأدوات والوكلاء الأذكياء الذين يديرون العمليات الداخلية اليومية. وحتى وقت قريب جدًا، كان التوجه السائد واضحًا، ويتمثل في الاعتماد على الحلول الجاهزة بصورة شبه كاملة. فقد كانت الشركات المتخصصة توفر منتجات متقدمة يصعب على الفرق الداخلية الوصول إلى مستواها من حيث الجودة وسهولة الاستخدام، فضلًا عن أن هذه الأدوات كانت تأتي مزودة بإمكانات تكامل جاهزة مع مختلف الأنظمة الحديثة. ولا تزال كثير من الشركات التي التقينا بقياداتها تتبنى هذا النهج، وتحقق من خلاله نتائج مرضية. ففي إحدى الشركات الناشئة العاملة في الذكاء الاصطناعي، والتي لا تزال في مرحلة التمويل التأسيسي، تُسجل جميع المكالمات التي يجريها فريق المبيعات تلقائيًا، ثم تُحول إلى نصوص مكتوبة تُنشر مباشرة في مساحة عمل مشتركة، فيما يُرسل ملخص أسبوعي إلى جميع أعضاء الفريق. ويجري تنفيذ هذه المنظومة بالكامل باستخدام أدوات جاهزة ومتوافرة في السوق، من دون تطوير أي حلول خاصة داخل الشركة. ويتيح هذا التكامل للرئيس التنفيذي أن يوجّه سؤالًا إلى الأنظمة المرتبطة حول آخر المستجدات الخاصة بأي عميل، ليحصل خلال لحظات على صورة محدثة تستند إلى المعلومات التي جمعها مختلف أعضاء الفريق. ويعكس هذا الأسلوب فلسفة شائعة بين الشركات التي نشأت في عصر الذكاء الاصطناعي وتقوم على توجيه جهود التطوير إلى المجالات التي تصنع التميز الحقيقي والاستفادة من الحلول الجاهزة في كل ما عدا ذلك. ويختصر مسؤول التقنية في إحدى شركات التقنيات الصحية سريعة النمو هذه الرؤية بقوله: "نحن لا نشتري ما يصنع تميزنا؛ فاستثماراتنا تتجه إلى ما يفسح لنا المجال لبناء هذا التميز".
في المؤسسات المتقدمة من الناحية التقنية، يُرسم هذا الحد الفاصل بطريقة مختلفة تمامًا. فقد أتاحت أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل "كلود كود" و"كيرسر"، إلى جانب المنصات المتخصصة في بناء الوكلاء الذكيين، للفرق الداخلية تطوير لوحات معلومات وأتمتة سير العمل وتصميم وكلاء يتناسبون مع احتياجاتها خلال ساعات، بعدما كان إنجاز هذه المهام يستغرق أشهرًا. وفي بعض الحالات، أصبح ذلك ممكنًا من دون الحاجة إلى تدخل مهندسي البرمجيات. ويستشهد رئيس الاستراتيجية في الشركة المتخصصة في التقنيات الزراعية بهذا التحول ليؤكد أن تطوير الحلول داخل المؤسسة أصبح الخيار الأول، لا الاستثناء. ويضيف: "من وجهة نظري، انتهى العصر الذي كانت فيه البرمجيات المقدمة كخدمة هي الخيار الطبيعي للمؤسسات. ففي كثير من الأحيان، يستغرق دمج أداة جاهزة مع أنظمتنا وقتًا أطول مما نحتاج إليه لتطوير أداة تلبي احتياجاتنا بأنفسنا".
التحديات المحتملة
ورغم ذلك، لا يخلو التعامل مع الوكلاء الأذكياء بوصفهم أعضاءً في فريق العمل من تحديات قد تفرض نوعًا جديدًا من الاعتماد الهيكلي على هذه الأنظمة. ويطرح الرئيس التنفيذي لشركة التقنيات الزراعية سؤالًا جوهريًا بقوله: ما التداعيات التي قد تنشأ مع انتقالنا إلى هذا العالم الذي يعتمد على الوكلاء الذكيين، من دون أن ندركها اليوم؟ ومع إسناد مزيد من المهام إلى هذه الأنظمة، ما الأزمات التي قد نكون بصدد تكريسها من حيث لا نشعر؟ وانطلاقًا من هذا الإدراك، صممت الشركة أدوار فرق العمل بعناية، بحيث يُسند إلى العنصر البشري ما يتجاوز حدود قدرات الوكلاء الذكيين فعلًا، مثل إصدار الأحكام العلمية في المسائل غير المسبوقة وبناء العلاقات مع الشركاء وإدارة المواقف التي تتطلب خبرة بشرية مباشرة. وفي الوقت نفسه، وضعت آليات واضحة للتصعيد، بحيث تنتقل المهمة إلى المختصين فور وصول الوكلاء الذكيين إلى حدود ما يستطيعون التعامل معه بكفاءة. ويختصر الرئيس التنفيذي هذه الفلسفة بقوله: "لسنا نسعى إلى استبدال البشر بالذكاء الاصطناعي، فهدفنا توجيه الخبرات البشرية إلى المجالات التي تظل فيها الخبرة الإنسانية هي العنصر الحاسم".
ما الذي ينبغي على القيادات فعله؟
لم يعد من المناسب قياس أثر الذكاء الاصطناعي بعدد ساعات العمل التي وفرها، فالمؤشر الأكثر أهمية يتمثل في حجم الفرص والمبادرات التي أصبحت المؤسسة قادرة على خوضها بفضل هذه التقنيات. وبناءً على ذلك، ينبغي التعامل مع الوكلاء الذكيين بوصفهم جزءًا من منظومة العمل، عبر إسناد مهام ومسؤوليات واضحة لكل منهم وتحديد آليات تصعيد تضمن انتقال المهام إلى العنصر البشري عند الحاجة. وفي الوقت نفسه، يتعين على القيادات إعادة تقييم توزيع الأدوار داخل المؤسسة وفهم الكيفية التي أعاد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل طبيعة الوظائف، ثم إعادة تصميمها بما يحقق أفضل تكامل ممكن بين قدرات الإنسان وإمكانات الوكلاء الذكيين.
حدد ما يستحق التطوير داخل المؤسسة، وما يُفضل شراؤه جاهزًا
لا ينبغي للمؤسسات أن تطور كل شيء بنفسها. فليكن بناء الحلول داخليًا موجهًا إلى القدرات التي تمنح المؤسسة تميزًا حقيقيًا، وتوفر لها قيمة يصعب على المنافسين تقليدها. أما الجوانب الأخرى، فيبقى القرار بشأن تطويرها أو الاعتماد على حلول جاهزة مرتبطًا بمدى قناعة المؤسسة ومستوى المرونة الذي ترغب في الاحتفاظ به وحجم المخاطر التي ترى أنها مستعدة لتحملها.
ويُعد القرار الأول المتعلق بالمفاضلة بين تطوير الحلول داخل المؤسسة أو الاعتماد على حلول جاهزة من أبسط القرارات في نظر الشركات التي تأسست على الذكاء الاصطناعي. فقد أجمعت جميع الشركات التي تحدثنا إليها على اعتماد معيار واحد عند تقييم القدرات التي تمثل جوهر أعمالها، وهو: هل تسهم هذه القدرة في بناء ميزة تنافسية يصعب على الآخرين مجاراتها، استنادًا إلى بيانات المؤسسة أو خبراتها المتخصصة أو ملكيتها الفكرية، بحيث تعجز الحلول الجاهزة عن تقديم القيمة نفسها؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فلا مجال للتردد، إذ ينبغي تطويرها داخل المؤسسة. ويترجم هذا المبدأ إلى ممارسات عملية واضحة. فالشركة العاملة في التقنيات الزراعية تطور داخليًا نماذجها الخاصة باستنباط السلالات والمحاصيل وأنظمة تحليل مشهد الملكية الفكرية، إلى جانب وكلاء ذكيين يطوّرون قدراتهم البحثية باستمرار اعتمادًا على نتائج عملهم. وعلى النهج ذاته، تبني إحدى شركات التقنيات العميقة المتخصصة في اكتشاف المواد الجديدة وكيلها العلمي بالاعتماد على بياناتها الحصرية، باعتبارها الركيزة التي يقوم عليها تميزها. ويلخص نائب رئيس الهندسة في إحدى الشركات المتخصصة في استخبارات المناخ هذه الفلسفة بقوله: "إن القيمة التي نقدمها تنبع من البيانات التي نمتلكها، ومن الرؤية التي نبنيها استنادًا إليها. ويأتي الذكاء الاصطناعي أداةً لتعزيز هذه القيمة، وهي قيمة لا يمكنه أن يحل محلها".
ويتمثل القرار الأكثر تعقيدًا في تحديد ما يقع خارج نطاق القدرات التي تمنح المؤسسة تميزها التنافسي، أي الأدوات والوكلاء الأذكياء الذين يديرون العمليات الداخلية اليومية. وحتى وقت قريب جدًا، كان التوجه السائد واضحًا، ويتمثل في الاعتماد على الحلول الجاهزة بصورة شبه كاملة. فقد كانت الشركات المتخصصة توفر منتجات متقدمة يصعب على الفرق الداخلية الوصول إلى مستواها من حيث الجودة وسهولة الاستخدام، فضلًا عن أن هذه الأدوات كانت تأتي مزودة بإمكانات تكامل جاهزة مع مختلف الأنظمة الحديثة. ولا تزال كثير من الشركات التي التقينا بقياداتها تتبنى هذا النهج، وتحقق من خلاله نتائج مرضية. ففي إحدى الشركات الناشئة العاملة في الذكاء الاصطناعي، والتي لا تزال في مرحلة التمويل التأسيسي، تُسجل جميع المكالمات التي يجريها فريق المبيعات تلقائيًا، ثم تُحول إلى نصوص مكتوبة تُنشر مباشرة في مساحة عمل مشتركة، فيما يُرسل ملخص أسبوعي إلى جميع أعضاء الفريق. ويجري تنفيذ هذه المنظومة بالكامل باستخدام أدوات جاهزة ومتوافرة في السوق، من دون تطوير أي حلول خاصة داخل الشركة. ويتيح هذا التكامل للرئيس التنفيذي أن يوجّه سؤالًا إلى الأنظمة المرتبطة حول آخر المستجدات الخاصة بأي عميل، ليحصل خلال لحظات على صورة محدثة تستند إلى المعلومات التي جمعها مختلف أعضاء الفريق. ويعكس هذا الأسلوب فلسفة شائعة بين الشركات التي نشأت في عصر الذكاء الاصطناعي وتقوم على توجيه جهود التطوير إلى المجالات التي تصنع التميز الحقيقي والاستفادة من الحلول الجاهزة في كل ما عدا ذلك. ويختصر مسؤول التقنية في إحدى شركات التقنيات الصحية سريعة النمو هذه الرؤية بقوله: "نحن لا نشتري ما يصنع تميزنا؛ فاستثماراتنا تتجه إلى ما يفسح لنا المجال لبناء هذا التميز".
في المؤسسات المتقدمة من الناحية التقنية، يُرسم هذا الحد الفاصل بطريقة مختلفة تمامًا. فقد أتاحت أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل "كلود كود" و"كيرسر"، إلى جانب المنصات المتخصصة في بناء الوكلاء الذكيين، للفرق الداخلية تطوير لوحات معلومات وأتمتة سير العمل وتصميم وكلاء يتناسبون مع احتياجاتها خلال ساعات، بعدما كان إنجاز هذه المهام يستغرق أشهرًا. وفي بعض الحالات، أصبح ذلك ممكنًا من دون الحاجة إلى تدخل مهندسي البرمجيات. ويستشهد رئيس الاستراتيجية في الشركة المتخصصة في التقنيات الزراعية بهذا التحول ليؤكد أن تطوير الحلول داخل المؤسسة أصبح الخيار الأول، لا الاستثناء. ويضيف: "من وجهة نظري، انتهى العصر الذي كانت فيه البرمجيات المقدمة كخدمة هي الخيار الطبيعي للمؤسسات. ففي كثير من الأحيان، يستغرق دمج أداة جاهزة مع أنظمتنا وقتًا أطول مما نحتاج إليه لتطوير أداة تلبي احتياجاتنا بأنفسنا".
التحديات المحتملة
ويصاحب التوسع في تطوير الوكلاء الرقميين والأدوات الخاصة بالمؤسسة تحديات تستدعي رؤية بعيدة المدى. فتكلفة بناء هذه الحلول أصبحت منخفضة نسبيًا، لكن الحفاظ عليها وتحديثها وتطويرها بصورة مستمرة يظل استثمارًا لا يستهان به. ومن السهل أن تنجذب كل إدارة أو فريق إلى تطوير أدواته الخاصة لتلبية احتياجاته اليومية، مستفيدًا من سهولة البناء وسرعته. لكن هذا التوجه قد يقود، مع مرور الوقت، إلى تراكم أعباء الصيانة والدعم والتحديث، بما يثقل كاهل المؤسسة ويحد من كفاءة إدارة أنظمتها. فسهولة تطوير الحلول اليوم لا تعني بالضرورة أن امتلاكها وإدارتها سيبقيان بالسهولة نفسها غدًا.
ما الذي ينبغي على القيادات فعله؟
يجب تركيز جهود التطوير على القدرات التي تمنح مؤسستك تميزًا حقيقيًا، وجعلها أولوية لا تنافسها مبادرات أخرى. وعلى صعيد منظومة التشغيل الداخلية، يُفضل البدء بالحلول الجاهزة، شريطة أن تكون مصممة للاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي وقادرة على التكامل بسلاسة مع الأنظمة الأخرى، مع إمكانية استبدالها بسهولة متى اقتضت الحاجة، من دون أن ترتبط المؤسسة بمزود واحد أو تواجه تعقيدات تشغيلية تعيق تطورها. وفي الوقت نفسه، ينبغي الحرص على مراجعة هذه المنظومة كل ثلاثة أشهر للتأكد من استمرار كل أداة في تلبية هذه المتطلبات من دون التردد في استبدال أي حل لم يعد قادرًا على مواكبة احتياجات المؤسسة أو دعم توجهاتها المستقبلية. ويبقى تطوير جميع الأدوات داخل المؤسسة خيارًا مناسبًا لفئة محدودة من المؤسسات التي تمتلك مستوى متقدمًا من الخبرات التقنية وتتميز بانضباط عالٍ في إدارة عملياتها. وحتى هذه المؤسسات، يجب أن تتخذ هذا المسار وهي تدرك أن انخفاض تكلفة التطوير في البداية لا يلغي الالتزامات المستمرة المرتبطة بالصيانة والتحديث والتشغيل على المدى الطويل.
قيمة الذكاء الاصطناعي تبدأ من معرفة المؤسسة، لا من قوة النموذج
ينشغل كثير من المؤسسات بالمفاضلة بين نماذج الذكاء الاصطناعي المختلفة، وكأن اختيار النموذج هو العامل الحاسم في تحقيق النتائج. في المقابل، تنظر المؤسسات التي تتقدم بخطى أسرع إلى القضية من زاوية مختلفة. فهي تركز على قدرة الوكلاء الذكيين على الوصول إلى المعرفة المتراكمة داخل المؤسسة والاستفادة منها وتستثمر في بناء طبقة معرفية متكاملة تتيح لهذه الأنظمة الوصول إلى المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب. وهناك، في هذه الطبقة المعرفية، يتشكل الفارق الحقيقي الذي يصنع التميز.
فعلى سبيل المثال، إذا عجز إحدى الوكلاء الذكية عن الإجابة عن سؤال ما، فليس معنى ذلك بالضرورة أن نموذج الذكاء الاصطناعي الذي تعتمد عليه يعاني قصورًا في الأداء. فقد يكون السبب ببساطة أن المعلومة لم تُوثق أصلًا، أو أنها محفوظة في مكان لا يستطيع النظام الوصول إليه. لذلك، تحدد جودة إدارة المعرفة داخل المؤسسة ومدى تنظيمها وإتاحتها، الحدود الحقيقية لقدرات الذكاء الاصطناعي، أكثر من مستوى تطور النموذج المستخدم. ويلخص مدير العمليات في إحدى منصات تقنيات الطاقة هذه الفكرة بقوله: "جوهر المشكلة هو إدارة المعرفة، وليس الذكاء الاصطناعي. فالذكاء الاصطناعي يكتفي بكشف هذا الخلل ووضعه أمام الجميع". في الواقع، لا تكمن الفجوة الحقيقية في التكنولوجيا نفسها، بقدر ما تكمن في البنية المعرفية للمؤسسة. فاجتماعات لم تُوثق وبيانات غير منظمة وخبرات تراكمت لدى الأفراد من دون أن تتحول إلى معرفة مؤسسية قابلة للمشاركة، جميعها عوامل تحد من قدرة الوكلاء الذكيين على تقديم أفضل أداء ممكن، مهما بلغت كفاءة النماذج التي تستند إليها.
عند نجاح المؤسسات في بناء هذا الأساس المعرفي على النحو الصحيح، تنعكس نتائجه بصورة مباشرة على سرعة العمل وجودة الأداء. ففي إحدى منصات تقنيات الطاقة، يعتمد الفريق على وكيل معرفي يتولى فهرسة مستودعات الشيفرات البرمجية والصفحات المحفوظة على منصة نوشن، إلى جانب المحادثات المتبادلة عبر منصة "سلاك". ويتيح ذلك للموظفين الجدد الإلمام بطبيعة العمل وفهم تفاصيله خلال أيام قليلة، بعدما كانت هذه العملية تستغرق وقتًا أطول بكثير. ويتكرر المشهد في إحدى الشركات الناشئة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، التي لا تزال في مرحلة التمويل التأسيسي، حيث تُخزن جميع البيانات المرتبطة بمسار المبيعات تلقائيًا داخل طبقة معرفية قابلة للاستعلام والبحث. وبفضل ذلك، يستطيع أي موظف أن يطرح سؤالًا مثل: إلى أين وصلت المفاوضات مع هذا العميل المحتمل؟ ليحصل فورًا على صورة متكاملة تستند إلى أشهر من المحادثات والتفاعلات التي جُمعت وحُللت داخل النظام. ويصف الرئيس التنفيذي للشركة هذه الآلية بقوله: "كلما احتجنا إلى معلومة، نوجه السؤال مباشرة إلى قاعدة المعرفة الداخلية، بدلًا من البحث عنها يدويًا. وبهذه الآلية، تغادر المعرفة حدود الملفات وذاكرة الأفراد لتصبح أصلًا مؤسسيًا متاحًا للجميع، وهو ما يخلق حلقة تفاعل مستمرة بين تطوير المنتجات والعمليات التشغيلية ويمنح المؤسسة ميزة تنافسية يصعب على الآخرين مجاراتها".
ويتبنى الرئيس التنفيذي للشركة المتخصصة في التقنيات الزراعية منظورًا مختلفًا تجاه كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. فهو لا يعتقد أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي تتطلب بالضرورة جمع البيانات أولًا في منصة مركزية موحدة. ويقول: "ينشغل كثيرون بفكرة توحيد البيانات في مكان واحد، لكن ما يمنح البيانات قيمتها الحقيقية هو أنها تُستخدم وتُحدَّث باستمرار ضمن سير العمل اليومي". ويشير إلى أن بيئات العمل بطبيعتها متنوعة؛ فبعض الموظفين يعملون عبر "نوشن"، وآخرون يعتمدون على جداول البيانات، بينما يستخدم غيرهم "سلاك" أو الاجتماعات المرئية. ومن هذا المنطلق، تركز الشركة على تمكين الذكاء الاصطناعي من الوصول إلى البيانات أينما وجدت، بدلًا من فرض أسلوب عمل موحد على الجميع.
التحديات المحتملة
ومع ذلك، لا يكفي بناء طبقة معرفية قوية فحسب، إذ يمكن أن تفقد هذه المعرفة قيمتها بوتيرة أسرع مما تتوقعه المؤسسات إذا لم تواكب التحديثات اليومية. وعندما تصبح البيانات قديمة أو غير محدثة، يبدأ الوكلاء الذكيون في تقديم إجابات تستند إلى معلومات تجاوزها الواقع، وغالبًا ما يفعلون ذلك بثقة كاملة، وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى تراجع ثقة المستخدمين في مخرجاتهم. ويحذر مدير العمليات في إحدى شركات التكنولوجيا المالية، التي وصلت إلى جولة التمويل الرابعة من فئة "Series D"، من هذه الإشكالية بقوله: "الوكيل الذكي لا يستطيع أن يميز تلقائيًا بين أحدث نسخة معتمدة من المعلومة، ووثيقة مضى عليها عام كامل ولم تعد تعكس الواقع". ويؤكد مسؤول التقنية في إحدى شركات التقنيات الصحية أنه أدرك هذه الحقيقة بعد تجربة عملية، ويقول: "لو أتيحت لي فرصة إعادة البداية، لاستثمرت في تنظيم المحتوى منذ المراحل الأولى. فتشتت البيانات يبطئ وتيرة العمل ويخلق قدرًا كبيرًا من الإرباك داخل الفرق". واستجابةً لذلك، تتجه الشركة إلى بناء بنية معرفية تتكامل مع مصادر العمل اليومية، عوضًا عن تحميل الموظفين مسؤولية تحديث المعلومات يدويًا باستمرار. ومع تكامل هذه البنية مع الاجتماعات ومحادثات "سلاك" والوثائق التي يعمل عليها الموظفون باستمرار، تبقى المعرفة محدثة بصورة تلقائية ويستطيع الوكلاء الذكيون الاعتماد على معلومات تعكس الواقع أولًا بأول، من دون الحاجة إلى تدخل يدوي متواصل.
ما الذي ينبغي على القيادات فعله؟
يجب الحرص على توثيق جميع الاجتماعات، وتحويلها تلقائيًا إلى نصوص قابلة للبحث، ثم اضافة مخرجاتها إلى قاعدة المعرفة المشتركة داخل المؤسسة. وجعل منصة المراسلات جزءًا من هذه المنظومة، بحيث يمكن للذكاء الاصطناعي الوصول إلى المحادثات والاستفادة منها بوصفها مصدرًا غنيًا بالمعلومات والسياقات المرتبطة بالعمل. وكذلك الحرص على أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى الموظفين في بيئة عملهم المعتادة، عبر تطوير موصلات تربط الأدوات التي يستخدمونها يوميًا بقاعدة المعرفة، لتتحول الخبرات التي ينتجونها بصورة طبيعية إلى معرفة مؤسسية متاحة للجميع. وفي النهاية، تبقى قدرة الذكاء الاصطناعي مرهونة بقدرته على الوصول إلى المعرفة التي يحتاج إليها، فكلما اتسعت دائرة ما يستطيع العثور عليه، ازدادت جودة ما يستطيع تقديمه.
صمّم منظومتك لتستوعب التغيير، لا لتقيدك بتقنية واحدة
تعتمد البنية التقنية الناجحة على طبقة حوكمة خفيفة تربط بين أفضل المكونات المتخصصة وتنسق عملها ضمن منظومة واحدة، مع إبقاء كل مكون قابلًا للاستبدال متى ظهرت بدائل أكثر كفاءة أو ملاءمة. وتستمد هذه البنية قوتها من مرونتها وقدرتها على التطور المستمر، لا من بناء منظومة مغلقة، بما يمنح المؤسسة حرية مواكبة التغيرات وتحديث مكوناتها التقنية دون الحاجة إلى إعادة تصميم بنيتها بالكامل في كل مرة.
وتتفق الشركات التي جعلت الذكاء الاصطناعي محورًا لنموذج أعمالها على مبدأ معماري مشترك، يقوم على اختيار أفضل الأدوات المتخصصة في كل مجال، وربطها عبر طبقة حوكمة موحدة، مع الاكتفاء ببناء طبقة تكامل خفيفة تتيح الوصول إلى المعلومات بأمان والاستعلام عنها بسهولة. ويبرز هذا النهج بوضوح في إحدى منصات التكنولوجيا العالمية، حيث يستخدم المهندسون وكلاء ذكيين متصلين عبر طبقة ربط موحدة تتيح لهم الوصول إلى مختلف الأنظمة ومصادر البيانات داخل المؤسسة، بما يشمل مصادر المعرفة الداخلية، وأنظمة تطوير البرمجيات، وأدوات متابعة المهام. ويقول المسؤول التقني في المنصة: "أستطيع أن أطرح سؤالًا مثل: ما الخدمات المتأثرة بهذه الميزة؟ فيعرض لي النظام كل شيء على الفور".وتعكس هذه التجربة جوهر الفكرة؛ فما كان يتطلب سابقًا ساعات من البحث اليدوي بين الأنظمة المختلفة، أصبح اليوم يُنجز خلال دقائق عبر حوار طبيعي مع وكيل ذكي.
ويُعد الحفاظ على الحياد تجاه نماذج الذكاء الاصطناعي أحد المبادئ التي لا تقبل المساومة عند تصميم البنية التقنية. فالمؤسسات الرائدة تبني أنظمتها على مبدأ المرونة وقابلية الاستبدال، لتظل قادرة على استبدال النموذج المستخدم أو الانتقال إلى غيره كلما ظهرت خيارات أكثر كفاءة أو ملاءمة. ويؤكد مدير العمليات في إحدى شركات التكنولوجيا المالية، التي وصلت إلى جولة التمويل الرابعة من فئة "Series D"، هذه الرؤية بقوله: "نحرص على تصميم كل ما نطوره بطريقة تتيح لنا استبدال أي نموذج بآخر بسهولة، من دون الحاجة إلى إعادة بناء المنظومة بأكملها". وانطلاقًا من هذا المبدأ، تعتمد الشركة بوابة موحدة تتيح التعامل مع عدة نماذج للذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه. فهي تبدأ باستخدام النماذج الأعلى أداءً عند تطوير حالات الاستخدام الجديدة، ثم تنتقل إلى نماذج أقل تكلفة بعد التأكد من نجاحها واستقرارها. ويعود ذلك إلى أن وتيرة التطور في هذا المجال تتسارع باستمرار، وهو ما يجعل ربط المؤسسة بنموذج واحد قرارًا قد يتحول مع مرور الوقت إلى قيد استراتيجي يحد من قدرتها على الاستفادة من الابتكارات الجديدة.
التحديات المحتملة
تتيح البنية التقنية المترابطة والمرنة للمؤسسات مزايا كبيرة من حيث الكفاءة وسرعة التطور، لكنها في المقابل توسع نطاق التعرض للمخاطر الأمنية، لأن تعدد نقاط الاتصال بين الأنظمة قد يفتح مسارات إضافية للوصول إلى البيانات أو إساءة استخدامها إذا لم تُصمم المنظومة بعناية. ولهذا السبب، تعتمد إحدى شركات التقنيات الحيوية القائمة على الذكاء الاصطناعي نموذجًا أمنيًا من ثلاث طبقات للتعامل مع البيانات. فتُرسل البيانات العامة إلى نماذج الذكاء الاصطناعي التجارية، بينما تُعالج البيانات الحساسة لدى مزودين يلتزمون باتفاقيات تضمن عدم الاحتفاظ بالبيانات بعد معالجتها. أما البيانات المرتبطة بجوهر الملكية الفكرية للشركة، فتظل داخل بنيتها التقنية الخاصة وتُعالج محليًا دون مغادرة بيئتها الداخلية. ويؤكد الرئيس التنفيذي للشركة أهمية هذا النهج بقوله: "أي تسرب لهذه المعلومات قد يعرض مستقبل الشركة لخطر وجودي". ومن هنا، لا يُنظر إلى تصنيف البيانات وتحديد مستوى الحماية المناسب لكل فئة باعتباره إجراءً لاحقًا، بل قرارًا أساسيًا يُتخذ منذ المراحل الأولى لتصميم البنية التقنية.
ما الذي ينبغي على القيادات فعله؟
البدء ببناء منظومة حوكمة موحدة تشكل العمود الفقري للبيئة التقنية، بحيث تشمل إدارة الهويات، وصلاحيات الوصول، ومستويات الحماية، وآليات تصنيف البيانات. ثم ربطها بأفضل الأدوات المتخصصة في كل مجال عبر طبقات ربط مرنة تضمن تكاملها بسلاسة. بعد ذلك، تركيز جهود التطوير على بناء طبقة تكامل محدودة وفعالة، تكون مهمتها تأمين تدفق المعلومات وضمان خضوعها لضوابط الحوكمة والحماية. والأهم من ذلك، تصميم البنية التقنية بحيث تتيح استبدال الأدوات والمكونات بسهولة عند الحاجة، بدلًا من الارتباط بمنظومة جامدة يصعب تعديلها مع تطور التقنيات وتغير احتياجات العمل.
الثقة تسبق منح الذكاء الاصطناعي صلاحية اتخاذ القرار
تمنح المؤسسات الرائدة الوكلاء الأذكياء صلاحياتهم بصورة تدريجية، بحيث تنمو مساحة استقلالهم كلما ترسخت الثقة في أدائهم. ويبدأ هذا المسار بإسناد إعداد المقترحات أو تنفيذ المهام الأولية إلى الذكاء الاصطناعي، مع بقاء المراجعة النهائية واتخاذ القرار في يد الإنسان. وكلما أثبت النظام قدرته على تقديم نتائج دقيقة وموثوقة باستمرار، اتسعت الصلاحيات الممنوحة له تدريجيًا، وفقًا لمستوى الثقة الذي راكمه عبر أدائه، لا حجم القدرات التقنية التي يمتلكها.
فيما يتعلق بالوكلاء الأذكياء، لا تُمنح لهم القدرة على العمل باستقلالية كاملة منذ البداية، بل تُبنى هذه الثقة تدريجيًا مع إثبات قدرتهم على تنفيذ المهام بكفاءة وموثوقية. ويظهر ذلك بوضوح في إحدى الشركات الناشئة العاملة في مجال الاستدامة، حيث يتعمد الفريق تنفيذ العمليات يدويًا في مراحلها الأولى لفهمها بدقة، قبل التفكير في أتمتتها. ولا يبدأ إدخال الذكاء الاصطناعي إلا عندما يصبح تكرار العمل مرهقًا ويكشف بوضوح عن الحاجة إلى الأتمتة. عندها، تبدأ الشركة بأتمتة الخطوات تدريجيًا، جزءًا بعد جزء، إلى أن تكتمل العملية بالكامل. ويوضح مؤسس الشركة هذه الفلسفة بقوله: "من الأفضل ألا تبدأ بالأتمتة منذ اليوم الأول. ابدأ بالعمل يدويًا أولًا، لأن ضغط العمل نفسه سيكشف لك متى تصبح الأتمتة ضرورة فعلية". ويمنح هذا النهج الفرق فرصة لفهم تفاصيل العمل على نحو أعمق، واكتشاف الحالات الاستثنائية التي قد لا تلتقطها الأنظمة المؤتمتة بسهولة. كما يساعد على التمييز بين المهام التي ما زالت تحتاج إلى تدخل بشري وحكم مهني، وتلك التي استمر تنفيذها يدويًا بحكم العادة رغم أنها أصبحت قابلة للأتمتة. ويختتم مؤسس الشركة فكرته بالقول: "إن الدور الحقيقي للذكاء الاصطناعي لا يبدأ عند اتخاذ القرار ولا ينتهي عند اعتماده، بل يظهر في المراحل التشغيلية بينهما، حيث يمكنه تسريع العمل وتنفيذ المهام بكفاءة. أما تحديد الاتجاه في البداية، واتخاذ القرار النهائي في النهاية، فما زالا مسؤولية بشرية بالدرجة الأولى".
ومن السمات المشتركة بين الشركات الأكثر نضجًا في تبني الذكاء الاصطناعي أنها تحدد بوضوح مستوى الجودة المقبول لكل استخدام، ثم تبني قراراتها على هذا الأساس. لكنها في الوقت نفسه لا تتعامل مع هذه المعايير باعتبارها قواعد ثابتة، بل كمؤشرات قابلة للمراجعة مع تطور التقنيات وتحسن قدراتها. ويظهر ذلك بوضوح في اختلاف المتطلبات من قطاع إلى آخر. ففي قطاع الرعاية الصحية، على سبيل المثال، لا مجال للقبول بهوامش خطأ مرتفعة. ويستشهد أحد مؤسسي شركات التقنيات الصحية بحالة عُرض عليه فيها حل قائم على الوكلاء الأذكياء بمعدل نجاح يتراوح بين85 إلى 90 في المئة، إلا أنه رفضه مباشرة. ويوضح ذلك بقوله: "إن شركته تحتاج إلى مستوى دقة يصل إلى 99.999 في المئة، لأن الاعتماد على نظام يعمل بدقة تبلغ 80 في المئة لا يمكن قبوله في قطاع قد يترتب فيه على الخطأ عواقب جسيمة". أما في مجالات أخرى، مثل تطوير البرمجيات والعمليات التشغيلية والإدارية، فتختلف الصورة. فقد أشار معظم القادة الذين شملتهم الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر في كثير من الحالات على الوصول إلى مستوى أداء يتراوح بين 70 إلى 80 في المئة بكفاءة وموثوقية. وبعد هذه المرحلة، تصبح القيمة الأكبر في الخبرة البشرية، وفي القدرة على التقدير السليم واتخاذ القرار. ولهذا، لا تكمن القيمة الحقيقية في استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، وإنما في معرفة حدوده بدقة، وفهم متى يكون الاعتماد عليه مجديًا، ومتى يصبح التدخل البشري ضرورة لا غنى عنها.
التحديات المحتملة
إلا أن منح الوكلاء الأذكياء صلاحيات واسعة من دون ضوابط واضحة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تظهر الأخطاء غالبًا في أكثر المواقف غير المتوقعة. ويستشهد مسؤولو إحدى الشركات المطورة لحلول الذكاء الاصطناعي المخصصة للأطباء بموقف وقع أثناء التفاوض على عقد مع أحد العملاء. فقد اعتمد الفريق على وكيل ذكي صُمم لقراءة رسائل البريد الإلكتروني وصياغة الردود عليها، مع تمرير سلسلة المراسلات ومقترحات التعديلات إليه. ولم يتردد الوكيل في إعداد رد جاء فيه: "جميع التعديلات مقبولة، ويمكننا المضي قدمًا". إلا أن البنود المقترحة كانت لا تزال بحاجة إلى مزيد من التفاوض قبل إقرارها. ولحسن الحظ، تنبه أحد أعضاء الفريق إلى الخطأ قبل إرسال الرسالة، فتجنب الطرفان تبعات قرار كان من الممكن أن يترتب عليه التزام تعاقدي غير مقصود. ويعلق الرئيس التنفيذي للشركة على هذه الواقعة بقوله: "أوقفنا هذه الآلية فورًا". ويضيف هذا الموقف درسًا بالغ الأهمية، مفاده أن دور الذكاء الاصطناعي في مراحله الأولى يتمثل في تقديم التوصيات والمقترحات، بينما يبقى اتخاذ القرار والتنفيذ الفعلي بيد الإنسان، إلى أن يثبت النظام كفاءته ويكتسب الثقة في هذا النوع من المهام.
ما الذي ينبغي على القيادات فعله؟
تحديد بوضوح المهام التي لا يجوز تنفيذها من دون موافقة بشرية، ثم جعل هذه الضوابط جزءًا أصيلًا من سير العمل، بحيث تُطبق تلقائيًا في كل مرة، لا أن تترك لاجتهاد الأفراد. وفي ذات الوقت، جعل التقييم قائمًا على الزمن الذي تستغرقه العملية بأكملها، لا على سرعة توليد المخرجات وحدها، بدءًا من إنتاجها، ومرورًا بمراجعتها، وانتهاءً باعتمادها. فكثيرًا ما تضيع المكاسب التي تتحقق في مرحلة التوليد إذا استغرقت المراجعة وقتًا أطول بسبب ضعف جودة النتائج. ومن المهم أيضًا إنشاء آليات تغذية راجعة تمكّن الوكلاء الذكيين من تحسين أدائهم بصورة مستمرة، بحيث تتسع صلاحياتهم تدريجيًا كلما أثبتوا قدرتهم على تنفيذ المهام بالمستوى المطلوب. فالغاية هي ترسيخ مستوى من الثقة يتيح توسيع مساحة استقلال الوكلاء الأذكياء تدريجيًا، لا الإبقاء على الإنسان طرفًا في كل خطوة من خطوات العمل.
بناء منصة مركزية موحدة، مع منح الفرق مرونة كاملة في تنفيذ المهام.
لا تستطيع إدارة مركزية واحدة، مهما بلغت خبرتها، أن تقود التحول في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة بأكملها. فالتجارب الناجحة تشير إلى نموذج مختلف، تتولى فيه فرق المنصة مسؤولية بناء البنية التقنية ووضع معايير الحوكمة وتأمين البيئة المشتركة، بينما تمتلك فرق الأعمال صلاحية توظيف هذه القدرات لمعالجة التحديات التي تواجهها وتطوير الحلول التي تلائم احتياجاتها اليومية. وبهذا التوزيع الواضح للأدوار، تحتفظ المؤسسة بمنصة موحدة وآمنة، وفي الوقت نفسه تمنح وحداتها المختلفة المرونة اللازمة للابتكار وتسريع وتيرة الإنجاز.
وتوصلت المؤسسات المتقدمة إلى قناعة مفادها أن إدارة الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تعتمد على جهة مركزية تمتلك جميع الإجابات. فقد اتخذت مديرة عمليات الذكاء الاصطناعي في إحدى منصات تقنيات الطاقة قرارًا مبكرًا عبّرت عنه بقولها: "أدركت منذ البداية أنني لست الشخص الذي يمتلك الخبرة في كل شيء". وتوضح أن الاعتقاد بإمكانية إسناد مسؤولية تطوير استخدامات الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات المؤسسة إلى شخص واحد سرعان ما يصطدم بالواقع، لأن أساليب العمل تتغير بوتيرة متسارعة وتتجاوز بسرعة أي نماذج أو تعليمات موحدة يمكن وضعها مسبقًا. ويذهب مسؤول التقنية في إحدى شركات التقنيات الصحية سريعة النمو إلى النتيجة نفسها، ويقول: "ليس من المنطقي أن يتولى شخص واحد الإشراف على عشر وحدات أعمال لا يعرف تفاصيلها". ولهذا السبب، تتولى كل وحدة أعمال داخل الشركة تحديد أفضل السبل لتوظيف الذكاء الاصطناعي بما يخدم أهدافها ومتطلباتها، في حين تضطلع مجموعة صغيرة متخصصة في الذكاء الاصطناعي بربط قادة هذه الوحدات وتيسير تبادل الخبرات ونشر الممارسات الناجحة فيما بينهم، بينما تظل مسؤولية التنفيذ في يد الفرق نفسها. في حين تظل مسؤولية التنفيذ واتخاذ القرار في يد الفرق الأقرب إلى العمل اليومي، لأنها الأقدر على فهم تحدياته ومتطلباته.
ويبرز هذا النموذج بوضوح في كثير من المؤسسات التي التقينا بقياداتها، حيث تتولى فرق التقنية مسؤولية إدارة البنية الأساسية للمنصة، بما يشمل تنظيم الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي وفق ضوابط الحوكمة، والإشراف على البنية التقنية المرنة، ووضع الأطر الأمنية، إلى جانب بناء طبقة الربط التي تضمن تكامل الأنظمة وتدفق البيانات بسلاسة. في المقابل، تنصب مسؤولية فرق الأعمال على تحديد التحديات ذات الأولوية، وفهم المشكلات التي تستحق المعالجة، ورسم أفضل السبل لتوظيف الذكاء الاصطناعي بما يخدم أهداف العمل ويحقق نتائج ملموسة. ويمنح هذا التوزيع الواضح للأدوار كل فريق مساحة للتركيز على دوره الأساسي. ففرق التقنية تضمن جاهزية المنصة واستقرارها وقدرتها على مواكبة التطورات المتسارعة، في حين تحتفظ فرق الأعمال بالمرونة الكافية للتحرك بالسرعة التي تتطلبها احتياجاتها التشغيلية، دون أن تتحول المنصة المركزية إلى عائق يبطئ التنفيذ أو يحد من الابتكار.
وفي الواقع، لا تكتفي الشركات المتقدمة بإتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي لموظفيها، وإنما تعمل على ترسيخ ثقافة تجعل كل موظف قادرًا على ابتكار حلول عملية بنفسه. وينطلق هذا التوجه من قناعة واضحة مفادها أن أفضل استخدامات الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تأتي من الأشخاص الأقرب إلى تفاصيل العمل اليومي، لأنهم الأقدر على فهم التحديات المتكررة واكتشاف فرص التحسين الحقيقية. ولهذا، تمنح بعض المؤسسات موظفيها مساحة حقيقية للتجربة والتعلم. ففي إحدى شركات التقنيات الصحية، يخصص الرئيس التنفيذي لكل موظف ما بين ساعة وساعتين يوميًا لاختبار الأفكار واستكشاف كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالهم اليومية. وفي شركة ناشئة وصلت إلى جولة التمويل الأولى "Series A"، يشجع الرئيس التنفيذي الموظفين على البحث عن حلولهم بأنفسهم بدل انتظار فرق الهندسة لتطوير كل أداة أو حل من أجلهم. وتؤكد أبحاث ماكنزي أن الواقع داخل المؤسسات يتغير بوتيرة أسرع مما تتوقعه القيادات؛ إذ أظهرت النتائج أن الموظفين كانوا أكثر بثلاث مرات من توقعات القادة للإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي يساعدهم في إنجاز 30 في المئة أو أكثر من مهامهم اليومية. وهذا يكشف حقيقة مهمة: التحدي الأكبر في توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات لا يكمن في تردد الموظفين أو ضعف تقبلهم له، بل في بطء القيادات في توفير البيئة والمرونة والأدوات التي تتيح لهم الاستفادة منه على نطاق أوسع.
التحديات المحتملة
لا تنجح اللامركزية عندما تُترك فرق العمل تتحرك دون إطار موحد ينظم عملها، لأن النتيجة غالبًا تكون تباينًا في الأدوات والممارسات يصعب ضبطه. وفي المقابل، فإن المركزية المفرطة قد تخلق مشكلة مختلفة تمامًا، حين تُفرض حلول عامة لا تراعي احتياجات الفرق أو طبيعة استخداماتها الفعلية. ويستشهد رئيس قطاع الهندسة في إحدى الشركات التي وصلت إلى جولة التمويل الثالثة "Series C" بحالة تعكس هذا الخلل، موضحًا "أن بعض الموظفين يلجؤون أحيانًا إلى استخدام أدوات أتمتة غير معتمدة لتسريع أعمالهم، ما يضطر الشركة إلى إيقاف هذه الحسابات مؤقتًا إلى حين استكمال إجراءات المراجعة والموافقة". وعلى الجانب الآخر، يشير أحد كبار المهندسين في منصة تقنية راسخة إلى صورة مختلفة للمشكلة. "فبدلًا من التوسع التدريجي، اتجهت الشركة مبكرًا إلى بناء وكيل ذكي شامل قادر نظريًا على التعامل مع جميع الاستخدامات دفعة واحدة. ويرى أن هذا التوجه لم يكن الخيار الأمثل، إذ كان من الأجدى البدء بحالات استخدام محددة، ثم التوسع تدريجيًا وفق ما يثبته الواقع العملي". ورغم اختلاف هذين النموذجين، فإن جذور المشكلة واحدة. فالمؤسسات تحتاج إلى منصة مركزية واضحة المعالم، تخضع لحوكمة فعالة وتحدد الأطر والصلاحيات بوضوح، مع ترك مساحة كافية لفرق الأعمال للتحرك والابتكار داخل هذا الإطار دون تعقيد أو قيود غير ضرورية.
ما الذي ينبغي على القيادات فعله؟
تعيين مسؤول عن المنصة يتمتع بصلاحيات واضحة في إدارة الحوكمة والإشراف على البنية التقنية ووضع الضوابط الأمنية، مع حسم حدود المسؤوليات منذ البداية، وتوثيق القرارات التي تظل في عهدة فرق الأعمال قبل إطلاق المنصة. فوضوح الأدوار منذ اليوم الأول يقلل تضارب الصلاحيات، ويمنح كل فريق مساحة يتحرك فيها بثقة ومن دون تداخل. وفي موازاة ذلك، يجب الحرص على إيجاد قنوات بسيطة ودائمة لتبادل الخبرات بين الفرق، مثل تخصيص قناة لعرض التجارب الناجحة أو جلسات أسبوعية لاستعراض الحلول الجديدة أو إنشاء مكتبة مشتركة للأوامر التوجيهية، حتى تتحول النجاحات المحلية إلى ممارسات قابلة للتكرار والاستفادة منها على مستوى المؤسسة، من دون إثقال العمل بطبقات إضافية من الإجراءات. ولا ينبغي جعل تقييم المنصة رهينًا بمؤشرات الاستخدام، مثل عدد الوحدات النصية المستخدمة أو معدلات تبني الأدوات، فهذه المؤشرات تعكس مستوى التفاعل، لكنها لا تكشف بمفردها القيمة الحقيقية التي تحققها المنصة. في حين يتمثل المقياس الذي يستحق المتابعة حقًا في عدد الحلول التي طورتها فرق الأعمال فوق المنصة ومدى نجاحها في تحويلها إلى تطبيقات عملية أحدثت أثرًا ملموسًا في الأداء والنتائج.
تبني الذكاء الاصطناعي يكون بالتدريج والاستمرار، لا بالإطلاق المفاجئ.
تبني الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات لا يحدث دفعة واحدة، ولا ينتهي بمجرد إطلاق أداة جديدة أو تنفيذ مبادرة محددة. فهو مسار مستمر يتطور تدريجيًا، ويكتسب زخمه مع كل تجربة ناجحة وكل نتيجة ملموسة تتحقق على أرض الواقع. ويقوم هذا المسار عادة على أربعة مرتكزات رئيسة: أن تتبنى القيادات هذا التوجه عمليًا وتقدم نموذجًا واضحًا يحتذى به، وأن تتبادل الفرق تجاربها والدروس المستفادة من تطبيقاته المختلفة، وأن تُقاس النتائج بوضوح لفهم الأثر الحقيقي، إلى جانب استقطاب الكفاءات القادرة على ترسيخ هذا النهج وتحويله إلى جزء من ثقافة العمل اليومية.
واليوم، أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة في معظم المؤسسات، ولم يعد الوصول إليها هو التحدي الحقيقي. التحدي الفعلي يبدأ بعد ذلك، عندما يتعلق الأمر بتحويل هذه الأدوات إلى جزء من العمل اليومي وإدماجها بصورة فعالة على نطاق واسع داخل المؤسسة. فكثير من المؤسسات نجحت في إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى بيئة العمل، لكن عددًا محدودًا فقط استطاع ترسيخ ثقافة عمل تجعل هذه الأدوات جزءًا من الممارسات اليومية للفرق. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين مجرد امتلاك التقنية، والقدرة على تحويلها إلى قيمة عملية مستدامة. المؤسسات التي نجحت في سد هذه الفجوة تعاملت مع تبني الذكاء الاصطناعي باعتباره مسارًا طويل الأمد يتطور تدريجيًا. كل تجربة ناجحة تولد ثقة أكبر، والثقة تدفع نحو استخدام أوسع، ومع اتساع الاستخدام تتراكم النتائج ويتضاعف الأثر.
وتبدأ الحلقة الأولى في ترسيخ الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات من القيادة نفسها. فقبل أن يصبح استخدام هذه الأدوات جزءًا من ثقافة العمل اليومية، يحتاج الموظفون إلى رؤية هذا التوجه مطبقًا أمامهم بصورة واضحة. عندما يستخدم القادة الذكاء الاصطناعي بأنفسهم، ويتحدثون عن نتائجه وتجاربهم معه، تتحول الرسالة من مجرد توجيه إداري إلى ممارسة فعلية يراها الجميع. وهذا ما يظهر بوضوح في المؤسسات التي نجحت في تسريع تبني هذه التقنيات. ففي إحدى الشركات الناشئة التي وصلت إلى جولة التمويل الأولى "Series A"، يتولى الرئيس التنفيذي بنفسه تطوير حلول التكامل مع بيئة العمل، كما أدرج الإلمام بالذكاء الاصطناعي ضمن معايير تقييم الأداء. هذه الرسالة وحدها كفيلة بتوضيح حجم التوقعات داخل المؤسسة: "التجربة والتعلم لم يعودا خيارًا جانبيًا، بل أصبحا جزءًا من طبيعة العمل". وتتجلى الفكرة بصورة أوضح في شركة تكنولوجيا مالية وصلت إلى جولة التمويل الرابعة "Series D"، حيث يخصص مدير العمليات عصر كل يوم جمعة لجلسات جماعية للتجربة وبناء الحلول على مستوى الشركة بالكامل. هذا التوجه لم يقتصر على الفرق التقنية؛ حتى الرئيس التنفيذي كان عليه تطوير وكيله الذكي بنفسه. ومع مرور الوقت، لا ينعكس هذا الالتزام على مستوى المهارات فقط، بل يخلق ثقافة عمل جديدة تقوم على الفضول والتجربة والتعلم المستمر.
ثم تأتي الحلقة الثانية، التي تقوم على ترسيخ القناعة من خلال مشاركة التجارب الناجحة. فالمؤسسات التي شملتها الدراسة تبني انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي على التجارب الواقعية التي يتبادلها الزملاء، أكثر من اعتمادها على التعليمات أو القرارات الإدارية. ففي إحدى منصات تقنيات الطاقة، تُنظم لقاءات دورية لمجتمع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة، إلى جانب اجتماعات عامة تُعرض فيها قصص النجاح، فضلًا عن تحديات شهرية تشجع الفرق غير الهندسية على ابتكار تطبيقات جديدة. ويقول مدير العمليات في المنصة: "لا يمكنك أن تقف خلف كل موظف وتطلب منه استخدام الذكاء الاصطناعي". ما يصنع الفارق حقًا هو أن يرى الناس نجاحات زملائهم، وأن يسمعوا عنها. ويتجسد النهج نفسه في إحدى الشركات الناشئة العاملة في مجال الاستدامة، حيث تُحول أفضل الأوامر التوجيهية وسير العمل الناجحة إلى نسخ مخصصة من "GPT"، ثم تُشارك مع جميع أفراد الفريق ليستفيدوا منها ويطوروها. ويقول مؤسس الشركة: كلما ابتكر أحد أفراد الفريق أمرًا توجيهيًا أو أسلوب عمل أثبت فاعليته، نحرص على مشاركته مع الجميع. وهكذا، تنتقل المعرفة داخل هذه المؤسسات عبر الممارسة اليومية بالقدر نفسه الذي تنتقل به عبر الأدلة الإرشادية والدورات التدريبية، فتغدو النجاحات الفردية ممارسات راسخة وخبرات مشتركة تعزز سرعة التبني وترتقي بجودة التطبيق على مستوى المؤسسة بأكملها.
بينما تقوم الحلقة الثالثة على تعزيز هذا التحول من خلال القياس المستمر، إذ تنظر المؤسسات الأكثر نجاحًا إلى استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره سلوكًا يحتاج إلى متابعة واضحة ومنتظمة على مستوى الفرق والإدارات. فمجرد قياس هذا الاستخدام ومراقبة تطوره يجعل حضوره أكثر وضوحًا داخل المؤسسة، ويسهم تدريجيًا في ترسيخه ضمن الممارسات اليومية. ويشير أحد مهندسي تطوير التطبيقات والبرمجيات إلى هذا التوجه موضحًا أن لديهم لوحة تصنيف داخلية تُظهر الإدارات الأكثر استخدامًا للذكاء الاصطناعي. والهدف من ذلك لا يرتبط بالمنافسة بين الفرق بقدر ما يهدف إلى جعل هذا الاستخدام مرئيًا أمام الجميع وتعزيز حضوره داخل بيئة العمل. والتجارب العملية تؤكد فكرة واضحة؛ السلوك الذي يخضع للقياس والمتابعة بصورة مستمرة يصبح أكثر حضورًا واستقرارًا مع الوقت، وتزداد فرص تكراره وتطوره بصورة طبيعية.
في حين تتمحور الحلقة الرابعة حول استقطاب الأشخاص الذين يمتلكون العقلية المناسبة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي. فالمؤسسات الأكثر تقدمًا لم تعد تنظر إلى التوظيف من زاوية المهارات والخبرات التقليدية فقط، لأن القدرة على التكيف مع أدوات الذكاء الاصطناعي والاستعداد لتجربتها أصبحت عاملًا أساسيًا في تقييم المرشحين. ويظهر ذلك بوضوح في شركة التكنولوجيا المالية التي وصلت إلى جولة التمويل الرابعة "Series D"، حيث يحرص مدير العمليات على اختبار كل مرشح بشأن تجربته الشخصية مع الذكاء الاصطناعي ومدى اعتماده عليه في العمل. ويشير إلى أن الإجابات التي تقتصر على استخدام الذكاء الاصطناعي في مهام محدودة، مثل إعداد الملخصات فقط، تثير لديه تساؤلات مباشرة حول مدى جاهزية المرشح لمتطلبات المرحلة المقبلة. وفي إحدى شركات التقنيات الصحية، لا يُنظر إلى الأمر باعتباره اختبارًا للمهارات التقنية بقدر ما يُنظر إليه كمؤشر على مدى الاستعداد للتعلم والانفتاح على أساليب عمل جديدة. فالمعيار الحقيقي لا يقتصر على ما يعرفه المرشح اليوم، بل يمتد إلى مدى استعداده للتطور والتكيف مع ما يفرضه المستقبل. ويأخذ هذا التوجه بعدًا أوسع في شركات التكنولوجيا العميقة، حيث يطبق المعيار نفسه على جميع الوظائف، بما في ذلك الأدوار غير التقنية. فالعبرة لم تعد مرتبطة بالتخصص وحده، لأن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من بيئة العمل اليومية في مختلف الوظائف. لذلك، فإن التمسك الكامل بأساليب العمل التقليدية، ورفض تجربة الأدوات الجديدة، يُنظر إليه اليوم بوصفه مؤشرًا واضحًا على صعوبة التكيف مع متطلبات العمل الحديثة.
وتشكل هذه الركائز الأربع، مجتمعة، منظومة متكاملة تعزز نفسها بنفسها، وتزداد فاعليتها مع مرور الوقت. فحين يتبنى القادة الذكاء الاصطناعي في ممارساتهم اليومية، يمنحون فرق العمل الثقة والإذن العملي لخوض التجربة. ومع نجاح هذه التجارب وتداول نتائجها بين الفرق، تتحول إلى نماذج ملهمة تشجع على التوسع في الاستخدام وتسرّع وتيرة التبني على مستوى المؤسسة بأكملها. ويأتي القياس المستمر ليجعل هذا التقدم مرئيًا ويربطه بمؤشرات واضحة تعزز المساءلة وتدفع الفرق إلى مواصلة التطوير. ثم يكتمل هذا المسار باستقطاب كوادر تمتلك القدرة على التعلم والتعامل مع الذكاء الاصطناعي، فيرتفع المستوى العام للمؤسسة مع كل موظف جديد، وتزداد فاعلية المراحل الثلاث السابقة بصورة تلقائية. وتكمن قوة هذه المنظومة في ترابط عناصرها. فغياب أي حلقة منها يضعف أداء المنظومة، ويقوض قدرتها على الحفاظ على زخمها، لينتهي الأمر إلى تباطؤ عملية التبني، مهما بلغت جودة الأدوات أو تطورت التقنيات المتاحة.
التحديات المحتملة
ورغم أن هذه المنظومة قادرة على تسريع تبني الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، فإن هناك تحديين رئيسيين قد يعرقلان هذا المسار إذا لم يُؤخذا بجدية منذ البداية. التحدي الأول يتمثل في الإرهاق. فمع اتساع استخدامات الذكاء الاصطناعي، يجد كثير من الموظفين أنفسهم أمام عدد هائل من الأدوات والفرص والاحتمالات، وهو ما قد يتحول سريعًا من مصدر للحماس إلى مصدر للضغط والاستنزاف. ويشير الرئيس التنفيذي لإحدى شركات التكنولوجيا العميقة إلى هذه النقطة موضحًا أن وفرة الفرص نفسها قد تصبح عبئًا إذا لم تُدار بطريقة مدروسة. أما التحدي الثاني فيرتبط بطبيعة التغيير نفسه، خصوصًا عندما يحدث بسرعة كبيرة. فالتحولات الجذرية، مهما بدت واعدة، قد تكون مربكة لكثير من الموظفين، بل ومثيرة للقلق أحيانًا. ويؤكد مدير العمليات في إحدى منصات الطاقة أن هذا الشعور طبيعي، وأن التعامل معه يتطلب قدرًا من الوعي والتفهم. ولهذا، فإن المؤسسات الناجحة لا تبدأ بدفع الموظفين نحو استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة، وإنما تبدأ بفهم المشكلات التي تثقل يومهم العملي. مثل: ما المهام التي تستنزف وقتهم؟ ما الأعمال التي يكررونها يوميًا ويشعرون بالضيق منها؟ عندما يبدأ الذكاء الاصطناعي من حل هذه التحديات الملموسة، يصبح تبنيه أكثر سلاسة، لأن الموظفين يرون قيمته في حياتهم العملية قبل أن يُطلب منهم الالتزام به كمجرد توجه جديد.
ما الذي ينبغي على القيادات فعله؟
ولتحويل تبني الذكاء الاصطناعي إلى قدرة مؤسسية حقيقية، تحتاج المؤسسات إلى التعامل معه باعتباره مسارًا قابلًا للقياس والتطوير المستمر. ولهذا، يصبح من الضروري متابعة مستوى استخدام الذكاء الاصطناعي على مستوى الإدارات، وإظهار النتائج بصورة واضحة، إلى جانب ربط الإلمام بهذه التقنيات بمعايير تقييم الأداء ومتطلبات التوظيف. ويحتاج هذا المسار أيضًا إلى مراجعة صريحة لواقع المؤسسة. فالسؤال الأهم هنا لا يتعلق بمدى توفر الأدوات، بل بتحديد الحلقة الأضعف ضمن الركائز الأربع التي يقوم عليها التبني الفعّال: القدوة القيادية، وتبادل الخبرات بين الفرق، والقياس المستمر، واستقطاب الكفاءات المناسبة. وتحديد نقطة الضعف هذه يمثل نقطة البداية الأكثر أهمية، لأن الاستثمار في الحلقة الأضعف غالبًا ما يحقق الأثر الأكبر. أما إغفال أي ركيزة من هذه الركائز، فيؤدي غالبًا إلى بقاء استخدام الذكاء الاصطناعي محصورًا في فرق أو إدارات محددة، دون أن يتحول إلى قدرة متجذرة على مستوى المؤسسة بالكامل.
اتساع الفجوة في نماذج التشغيل
تحولت هذه الحقائق السبع من مجموعة من أفضل الممارسات إلى منظومة تشغيل متكاملة تقوم على الوكلاء الذكيين، وتتوافق في جوهرها مع الدليل الإرشادي الذي طورته ماكنزي لقيادة التحول بالذكاء الاصطناعي. وتبدأ المنظومة من "الحقيقة 1"، التي تدعو إلى التعامل مع الوكلاء الأذكياء باعتبارهم جزءًا من فريق العمل. ومن هذه النقطة يبرز مباشرة سؤال جوهري تطرحه "الحقيقة 2"، وهو تحديد ما ينبغي على المؤسسة تطويره داخليًا، وما يمكن الاستعانة فيه بحلول أو أدوات خارجية. وبعد حسم هذا القرار، تنتقل المؤسسة إلى "الحقيقة 3"، التي تتمحور حول بناء طبقة معرفية قوية تضمن أن الذكاء الاصطناعي يعمل اعتمادًا على معلومات دقيقة ومحدثة وقابلة للاستخدام. ويقود ذلك بطبيعة الحال إلى "الحقيقة 4"، حيث يصبح وجود بنية تقنية مرنة ومنظمة أمرًا أساسيًا لربط الأنظمة والبيانات ضمن إطار واضح من الحوكمة والضوابط. ومع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة، تبرز "الحقيقة 5" التي تؤكد أن بناء الثقة عنصر أساسي في نجاح هذا المسار، خصوصًا مع التوسع التدريجي في الاستخدام. وبعد ترسيخ هذا الأساس، تنتقل المؤسسة إلى "الحقيقة 6"، التي تركز على تصميم هيكل تنظيمي وتشغيلي يمنح الفرق القدرة على التحرك بكفاءة ويدعم التوسع بصورة عملية. وفي المرحلة الأخيرة، تصل المؤسسة إلى "الحقيقة 7"، حيث يتحدد النجاح بقدرتها على ترسيخ تبني الذكاء الاصطناعي ضمن ثقافتها اليومية، بحيث يصبح جزءًا طبيعيًا من طريقة العمل المعتادة، وينمو أثره تدريجيًا مع الوقت حتى يتحول إلى قدرة مؤسسية حقيقية ومستدامة.
إن الفارق بين المؤسسات التي تبنت هذا النموذج التشغيلي، وتلك التي لا تزال تخطو خطواتها الأولى في استخدام روبوتات المحادثة، تصنعه طريقة إعادة تشكيل المؤسسة بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، لا التكنولوجيا في حد ذاتها. ولهذا تصف ماكنزي هذا التحول بأنه أكبر تحول في النماذج التنظيمية منذ الثورة الصناعية والثورة الرقمية. واللافت أن الشركات الخمس عشرة التي شملتها هذه الدراسة توصلت إلى الحقائق نفسها بصورة مستقلة، رغم اختلاف القطاعات التي تعمل فيها وتباين أحجامها وتنوع الأسواق التي تنافس فيها، فضلًا عن اختلاف الضغوط التي تواجهها. ويمنح هذا التوافق هذه النتائج قوةً ومصداقية، إذ يكشف أن المبادئ السبعة تمثل نموذجًا تشغيليًا تبلور داخل المؤسسات التي وضعت الذكاء الاصطناعي في صميم أعمالها واكتشفت عبر التجربة العملية ما يثبت فاعليته على أرض الواقع. والأهم من ذلك، أن كلفة التأخر تتجاوز الوقت الضائع أو تأجيل الاستفادة من التقنيات الجديدة، إذ تتسع الفجوة التنافسية كلما واصل المنافسون تطوير قدراتهم. فبينما تؤجل بعض المؤسسات قرار التحول، تواصل مؤسسات أخرى تعزيز قدراتها وتحسين نماذجها التشغيلية وتوسيع الفجوة بينها وبين السوق خطوة بعد أخرى.