ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
يواجه قطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة مفارقة لافتة. ففي الوقت الذي شهدت فيه معظم القطاعات الخدمية قفزة كبيرة في الإنتاجية خلال العقدين الماضيين، اتخذ أداء مؤسسات الرعاية الصحية السريرية مساراً معاكساً. فقد تراجعت إنتاجية القوى العاملة فيها بنحو واحد في المئة، في حين ارتفعت الإنتاجية في قطاع الخدمات الأمريكي بأكثر من 55 في المئة، كما هو موضح في "الشكل 1".1 ويشمل ذلك قطاعات التعليم، وخدمات المعلومات ومعالجة البيانات، والتأمين، والخدمات القانونية والمهنية، والعقارات، وتجارة التجزئة، والنقل والتخزين، إضافة إلى خدمات إدارة النفايات والمعالجة البيئية. وتكمن المفارقة الأعمق في طريقة توظيف التقنية ذاتها. ففي الصناعات الأخرى، لم يقتصر التقدم التكنولوجي على رقمنة مهام منفصلة هنا وهناك، وإنما أعاد تشكيل نماذج التشغيل والعمليات برمتها، وهو ما أثمر مكاسب إنتاجية ملموسة على مر السنين. أما في القطاع الصحي، فقد اكتفت المؤسسات لعقود طويلة بتحسينات جزئية متناثرة، لم تفلح في تحقيق ما حققته التقنية والأتمتة من نقلة إنتاجية نوعية في القطاعات الأخرى.
ولعل أبرز مثال يجسد هذا التحول يتضح جلياً في قطاع المستودعات. ففي هذا القطاع، لم تعد الروبوتات مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت هي من تنقل المنتجات مباشرة إلى العمال، بدلاً من أن يقطع العامل مسافات تصل إلى أميال يومياً خلال نوبة عمله الواحدة، فيما تُنجز كل مهمة بشكل آلي ولحظي. ونتج عن ذلك تحسّن مذهل في الإنتاجية، تراوح بين ضعفين وأربعة أضعاف،2 بل إن بعض مشغلي المستودعات سجلوا خلال العقد الماضي ارتفاعاً في إنتاجية العامل الواحد فاق العشرين ضعفاً.3
غير أن القطاع الصحي يروي قصة مغايرة تماماً. فهو يسابق الزمن في أتمتة الخلل بدلاً من التخلص منه، إذ يزداد الاستثمار في التقنية، ويتوسع حجم القوى العاملة، بينما يتراجع الناتج مقابل كل وحدة عمل. وتستثمر مؤسسات الرعاية السريرية الأميركية اليوم أكثر من 150 مليار دولار سنوياً في تقنية المعلومات،4 ومع ذلك تجد نفسها أمام تكاليف متصاعدة وهوامش ربح تتقلص باستمرار. ولا تعكس هذه النتائج تحديات في التنفيذ فحسب، وإنما تعبّر أيضاً عن واقع معقد يفرضه تقديم رعاية حساسة وعالية المخاطر ضمن منظومة مجزأة تخضع لتنظيم صارم. وقد ظل القطاع الصحي لسنوات طويلة يسلّم بفكرة مفادها أن تحسين الإنتاجية محكوم بسقف لا يمكن تجاوزه، بحكم اعتماد الرعاية الصحية الجوهري على كثافة العمل البشري.5 إلا أن المشهد يتغير الآن للمرة الأولى، إذ يفتح الذكاء الاصطناعي باباً حقيقياً لإعادة تصميم أسلوب تقديم الرعاية وطريقة عمل الخدمات المشتركة، متجاوزاً بذلك الحاجز التاريخي الذي ربط بين حجم العمالة المستخدمة وحجم الناتج الفعلي.
وانطلاقاً من ذلك، فإن مستقبل العمل في قطاع الرعاية الصحية يتطلب النظر إلى التكنولوجيا بوصفها أداة لإعادة تصميم نموذج التشغيل، لا مجرد وسيلة لإضافة مزيد من الحلول التقنية. فجوهر التحول يكمن في إعادة ابتكار أساليب العمل والعمليات التشغيلية، بحيث تصبح التكنولوجيا المحرك الذي يرفع الكفاءة ويقود هذا التغيير. ويتطلب تحسين الربحية، إلى جانب توسيع فرص حصول المرضى على الرعاية، والارتقاء بتجربتهم، وتحسين النتائج الصحية، تحقيق قفزة كبيرة في إنتاجية القوى العاملة داخل مؤسسات الرعاية الصحية السريرية. ويظل هذا الهدف بعيد المنال إذا استمرت المؤسسات في الاعتماد على حلول منفصلة أو مشاريع تجريبية محدودة تحقق تحسينات تدريجية فحسب. ومن واقع خبرتنا، فإن إحداث تحول حقيقي يستلزم إعادة تصميم العمليات والوظائف بصورة شاملة، بما يحقق تحسناً يتراوح بين 40 إلى 50 في المئة في كفاءة سير العمل من بدايته إلى نهايته. وعندها فقط يمكن إحداث الأثر المطلوب، بدلاً من الاكتفاء بمبادرات متفرقة لا تعالج جذور التحديات التي يواجهها القطاع.
ما الذي يتطلبه التحول الشامل لإعادة ابتكار نموذج التشغيل؟
ولتحقيق قفزة حقيقية في الإنتاجية، لم يعد كافياً الاكتفاء بإدخال تحسينات محدودة على آليات العمل القائمة. فالمؤسسات العاملة في مجال الرعاية السريرية لا بد لها من إعادة النظر في شقين أساسيين معاً من أجل تحقيق مكاسب إنتاجية حقيقية وملموسة، هما إعادة النظر في طريقة تقديم الرعاية الصحية من جهة، وإعادة تصميم الخدمات المساندة التي تدعمها، لضمان تحقيق تحول شامل ينعكس على الكفاءة وجودة الأداء.
إحداث تحول جذري في طريقة تقديم الرعاية الصحية
على مدى العقدين الماضيين، وسّعت مؤسسات الرعاية السريرية الأميركية قوتها العاملة بوتيرة ثابتة، تراوحت بين 2 إلى 3 بالمئة سنوياً، لتضيف بذلك أكثر من خمسة ملايين وظيفة سريرية جديدة.6 غير أن هذا التوسع في التوظيف لم ينعكس بالقدر ذاته على تحسّن فرص وصول المرضى إلى الرعاية.7 ويكشف هذا التناقض عن حقيقة جوهرية، مفادها أن القيد الأساسي الذي يعيق المنظومة الصحية ليس نقصاً في عدد العاملين، وإنما غياب نموذج واضح يحدد كيف ينبغي أن يُنجز العمل في تقديم الرعاية أصلاً.
ولتحقيق ذلك، تحتاج المؤسسات إلى تبني نهج مختلف يقود إعادة تصميم العمليات ويعزز توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر فاعلية. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في وحدات الجراحة والطب الباطني، حيث لا يزال جزء كبير من الأعمال اليومية يستهلك وقت الكوادر الصحية رغم أنه لا يضيف قيمة مباشرة إلى رعاية المرضى. ويشمل ذلك إعداد الوثائق، وتنسيق الرعاية بين الفرق الطبية، وإنجاز العديد من الإجراءات الإدارية غير الضرورية، وهي مهام يمكن الاستغناء عن بعضها، أو أتمتتها، أو إسنادها إلى جهات أخرى أكثر ملاءمة. وفي نموذج تقديم الرعاية التقليدي، تضم وحدة الجراحة والطب الباطني التي تتسع لنحو 25 سريراً ممرضاً مسجلاً لكل خمسة مرضى تقريباً، إلى جانب فني رعاية مرضى واحد لكل 10 إلى 15 مريضاً.
ويقوم هذا النموذج على إعادة توزيع الأدوار داخل فرق الرعاية الصحية، بحيث يتولى كل عضو المهام التي تتناسب مع مستوى تأهيله وخبرته. ووفقاً لهذا التصور، يمكن تخفيف العبء عن الممرضين المسجلين في عدد من الأعمال الروتينية، مع توسيع مسؤوليات الكوادر السريرية المساندة، مثل فنيي رعاية المرضى، للقيام بالمهام التي لا تتطلب مؤهلات سريرية متقدمة. ويمتد هذا التطور إلى طريقة تنظيم فرق العمل نفسها، من خلال الاستفادة من ممرضين يقدمون خدماتهم عن بُعد لدعم أكثر من وحدة في الوقت نفسه، إلى جانب توظيف تقنيات حديثة، مثل أنظمة التوثيق التلقائي للملاحظات السريرية، التي تحول الحوار بين مقدم الرعاية والمريض مباشرة إلى سجل طبي. ويساعد هذا النموذج على توزيع أعباء العمل بصورة أكثر توازناً، ورفع كفاءة التشغيل، وزيادة القدرة على استيعاب المرضى، والحفاظ على جودة الرعاية، مع منح الفرق الطبية مرونة أكبر للتعامل مع التغيرات المتواصلة في أعداد المرضى على مدار اليوم. وتنعكس هذه التغييرات أيضاً على بيئة العمل، إذ يشعر مقدمو الرعاية بقدر أكبر من الرضا والانتماء إلى رسالتهم المهنية، وهو ما أسهم في بعض المؤسسات الصحية في خفض معدل مغادرة الممرضين المسجلين خلال عامهم الأول بأكثر من 60 في المئة.8
وتشير خبرتنا إلى أن المؤسسات التي تعيد تصميم نماذج تقديم الرعاية الصحية تحقق انخفاضاً في تكاليف القوى العاملة يتجاوز 20 في المئة. غير أن هذه النتائج لا تتحقق إلا عندما يجري تطوير أساليب العمل، والتقنيات، وآليات توزيع الكوادر ضمن خطة متكاملة تنفذ بصورة متزامنة. أما الاكتفاء بإجراء تغييرات محدودة، مثل إضافة حلول تقنية منفصلة من دون إعادة تصميم عمليات تقديم الرعاية أو مراجعة آليات توزيع الكوادر، فقد يؤدي إلى نتائج عكسية. ففي هذه الحالة، قد تتراجع الإنتاجية، وتتزايد الأعباء الواقعة على مقدمي الرعاية، وتظهر تحديات جديدة في إدارة القوى العاملة، بما يقلص المكاسب المتوقعة، وقد يقضي عليها بالكامل.
أعد توظيف الخدمات المساندة لخدمة الرعاية الصحية
لا يكتمل تطوير نموذج تقديم الرعاية الصحية بإعادة تصميم العمل السريري وحده، إذ يتطلب الأمر الارتقاء بالخدمات المساندة بالقدر نفسه. فلا يمكن للكوادر الطبية أن تركز على المهام التي تتناسب مع خبراتها ومؤهلاتها، بينما تظل الإدارات المساندة غارقة في الأعمال التشغيلية اليومية. ويظهر ذلك بوضوح في إدارات الموارد البشرية، حيث يقضي كثير من شركاء أعمال الموارد البشرية جانباً كبيراً من وقتهم في معالجة أخطاء الرواتب، وإنجاز المعاملات الإدارية، بدلاً من توجيه جهودهم إلى مهام ذات أثر أكبر، مثل تخطيط القوى العاملة واستقطاب الكفاءات ورسم الاستراتيجيات الخاصة بالمواهب.
وفي الواقع، تاريخياً، كان الأسلوب الأكثر شيوعاً لرفع كفاءة الخدمات المساندة يتمثل في إسناد كثير من الأعمال الإدارية إلى شركات خارجية، أو نقلها إلى دول تقل فيها تكلفة التشغيل، بهدف خفض النفقات وتحسين الإنتاجية. أما اليوم، فقد تغيرت الأولويات. فبدلاً من نقل هذه الأعمال إلى خارج المؤسسة، تتجه المؤسسات إلى تبسيط إجراءاتها، وتوحيد العمليات المتشابهة، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والأتمتة في تنفيذها. وتشير خبرتنا إلى أن هذا النهج يرفع الإنتاجية، ويخفض التكاليف، ويمنح المؤسسات سيطرة أكبر على عملياتها، ويسرّع اتخاذ القرارات، مع الحفاظ على الخبرات والقدرات الاستراتيجية داخل المؤسسة.
وتتضح أهمية هذا التحول عند النظر إلى حجم الإنفاق والموارد المخصصة للأعمال الإدارية. فهي تستحوذ على ما بين 15 إلى 25 في المئة من إجمالي الإنفاق،9 كما توظف أنظمة الرعاية الصحية في الولايات المتحدة أعداداً من العاملين في الوظائف الإدارية تقارب ضعف أعداد الأطباء والممرضين مجتمعين.10 واليوم، أصبح من الممكن أتمتة ما يصل إلى نصف هذه الأعمال بنسبة 50%. ومع ذلك، لا تزال مؤسسات كثيرة عاجزة عن تحقيق الفائدة المتوقعة، لأنها تضيف أدوات الذكاء الاصطناعي إلى إجراءات قديمة ومعقدة تعاني أساساً من ضعف التصميم. وفي هذه الحالة، تنتقل أوجه القصور إلى النظام الجديد بدلاً من معالجتها.
ويبدأ الحل من ثلاثة محاور رئيسة. أولها أن تصمم المؤسسات طريقة العمل التي ستحتاجها في المستقبل، لا أن تكتفي بتحسين أساليب العمل الحالية. ويتضح ذلك في إدارة الموارد البشرية. فبدلاً من الاعتماد على إجراءات متفرقة تُنجز يدوياً في معظم مراحلها، تتجه المؤسسات الرائدة إلى إعادة تصميم أعمال الموارد البشرية حول مسارات عمل مؤتمتة يقودها الذكاء الاصطناعي، مع بقاء العنصر البشري مسؤولاً عن الإشراف واتخاذ القرارات التي تتطلب الخبرة والحكم المهني. فقد أصبحت مهام مثل فرز طلبات التوظيف، وإجراء المقابلات الأولية، واستكمال إجراءات انضمام الموظفين الجدد، والرد على استفسارات الموظفين تُنفذ بصورة متزايدة بواسطة وكلاء الذكاء الاصطناعي. ويمنح ذلك فرق الموارد البشرية وقتاً أكبر للتركيز على تطوير المهارات، وبناء منظومة أكثر مرونة لاستقطاب الكفاءات وتنميتها، وتعزيز ثقافة المؤسسة.
أما المحور الثاني، فيقوم على مبدأ بسيط: قبل أتمتة أي عملية، يجب أولاً التخلص من الخطوات غير الضرورية وتبسيط إجراءاتها. فالأتمتة لا تصلح الإجراءات المعقدة، وإنما تجعلها تُنفذ بسرعة أكبر، بكل ما تحمله من أوجه قصور. ولهذا تبدأ المؤسسات عادةً بالأعمال الإدارية الروتينية التي يسهل أتمتتها، مثل تسجيل المدفوعات، ومعالجة الاعتراضات على المطالبات التأمينية، وغيرها من الإجراءات المتكررة المرتبطة بإدارة الإيرادات. ومع انتقال هذه المهام إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي، يتفرغ الموظفون للتعامل مع الحالات الأكثر تعقيداً، مثل معالجة الاستثناءات والتنسيق مع شركات التأمين. وبعد نجاح هذه المرحلة، تتوسع المؤسسات تدريجياً في استخدام الذكاء الاصطناعي ليشمل مختلف مراحل إدارة الإيرادات، وصولاً إلى نموذج تشغيل متكامل يعتمد على الحد الأدنى من التدخل البشري. وتشير خبرتنا إلى أن هذا النهج يمكن أن يرفع الإنتاجية بنسبة تصل إلى 40 في المئة، ويختصر زمن إنجاز المعاملات، ويجعل إدارة الإيرادات أكثر كفاءة وسرعة ومرونة.11
أما المحور الثالث، فيركز على إعادة تنظيم الخدمات المساندة لتعمل جميعها ضمن منظومة واحدة تدعم رحلة المريض من بدايتها إلى نهايتها. ففي كثير من المؤسسات، يضطر المريض إلى الانتقال بين أكثر من جهة لإتمام حجز المواعيد، والحصول على التحويلات، وإنجاز الإجراءات المالية، ومتابعة خطة العلاج، وهو ما يؤدي إلى تعدد الإجراءات وإطالة الوقت. ويعتمد النموذج المستقبلي على توحيد هذه الخدمات ضمن تجربة متكاملة، يتولى خلالها وكلاء الذكاء الاصطناعي مرافقة المريض وتوجيهه خلال مختلف الإجراءات الإدارية والسريرية والمالية، مع توقع احتياجاته ومساعدته في إنجاز معاملاته، فيما يتولى المختصون الحالات التي تتطلب خبرة أكبر أو تواصلاً مباشراً مع المريض. وتشير تحليلات معهد ماكنزي العالمي إلى أن هذا النموذج يسهم في تقديم تجربة أكثر سلاسة للمريض، ويحد من الأعباء الإدارية، ويخفض تكاليف التشغيل، فضلاً عن تحقيق مستويات أعلى من الإنتاجية. اطلع على "الشكل 2".
كيف تستعد القوى العاملة لمتطلبات المستقبل؟
لا يعني الاعتماد على الأتمتة، أو وكلاء الذكاء الاصطناعي، أو إعادة تصميم إجراءات العمل، أن اقتصاديات قطاع الرعاية الصحية ستتغير تلقائياً. فعندما تُؤتمت 20 في المئة من مهام وظيفة معينة، لا يعني ذلك بالضرورة انخفاض تكاليفها بالنسبة نفسها. ويرجع ذلك إلى أن الموظف لا يغادر موقعه في معظم الحالات، بل يُعاد توجيه جهوده إلى المهام التي تتطلب خبرته ومؤهلاته، في الوقت الذي تتحمل فيه المؤسسة تكلفة إضافية للاستثمار في التقنيات الجديدة. والسبب أن عدداً محدوداً جداً من الوظائف يمكن أتمتته بالكامل. كما هو موضح في "الشكل 3". فمعظم الوظائف تضم مهاماً يمكن أن يتولاها وكلاء الذكاء الاصطناعي أو أنظمة الأتمتة، إلى جانب مهام أخرى لا تزال تعتمد على الخبرة السريرية، والتنسيق بين الفرق، والقدرة على اتخاذ القرار وفقاً لكل حالة. وهذا هو الفارق الجوهري؛ فالأتمتة الجزئية تزيد القدرة على إنجاز العمل، لكنها لا تؤدي تلقائياً إلى تغيير هيكل التكاليف.
ورغم أن الأتمتة قد تؤدي إلى الاستغناء عن بعض الوظائف، فإن قطاع الرعاية الصحية لا يزال يعاني نقصاً في العديد من التخصصات الحيوية. ولذلك، تستطيع المؤسسات التي تعيد تصميم أساليب العمل الاستفادة من المكاسب التي يحققها الذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية لتخفيف الأعباء الإدارية، وتعزيز استدامة القوى العاملة، وتوجيه الطاقات المتاحة إلى المهام التي تحقق قيمة أكبر للمرضى، مثل تقديم الرعاية والتنسيق بين الفرق الطبية. وعندما يُطبق هذا النهج بكفاءة، فإنه يسهم في توسيع فرص الحصول على خدمات الرعاية الصحية، وتحسين النتائج الصحية وتجربة المرضى، إلى جانب رفع مستوى رضا الممارسين الصحيين، من خلال إتاحة وقت أكبر للتواصل المباشر مع المرضى وتقديم الرعاية لهم.
ولا تتحقق الفائدة الكاملة من الأتمتة بمجرد نقل المهام الروتينية إلى الذكاء الاصطناعي، بل تتطلب إعادة تصميم الوظائف نفسها. فمع تقلص الأعمال المتكررة، لم تعد هناك حاجة إلى توزيع المهام على عدد كبير من الوظائف المتخصصة، وإنما يصبح من المجدي جمعها في وظائف أكثر شمولاً، تتولى مسؤوليات أوسع وتحقق قيمة أكبر للمريض. وتبرز هذه الحاجة بوضوح في خدمات الرعاية الصحية المقدمة خارج المستشفيات، حيث تمر رحلة المريض بعدة مراحل يتولاها موظفون مختلفون، مثل خدمة المرضى، والمساعدين الطبيين، ومتخصصي الإرشاد المالي، والأخصائيين الاجتماعيين. ومع انتقال مهام مثل حجز المواعيد، وإصدار الفواتير، وإدارة التحويلات، وتنسيق الإجراءات إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي، يصبح من الممكن دمج كثير من هذه المسؤوليات في وظيفة واحدة. ويطرح هذا النموذج دوراً جديداً، هو بمثابة مسؤول رحلة المريض العلاجية، الذي يتولى متابعة رحلة المريض من بدايتها إلى نهايتها، وينسق بين مختلف الخدمات والفرق المعنية، مستفيداً من التقنيات الذكية لتقديم رعاية مخصصة واستباقية لاحتياجات المريض، وأقرب إلى الجانب الإنساني.
وباستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، يستطيع مسؤول رحلة المريض تنسيق العمل بين الفرق الطبية والإدارية، ومعالجة العقبات التي قد تعطل حصول المريض على الرعاية، والمحافظة على علاقة مستمرة مع المريض طوال رحلته العلاجية، ليكون المرجع الرئيس الذي يتابع حالته ويضمن انسيابية انتقاله بين مختلف الخدمات. ويؤدي هذا الدور حلقة الوصل بين المريض ومختلف فرق العمل، مستفيداً من قدرات الذكاء الاصطناعي في متابعة الإجراءات وتنسيقها، مع احتفاظ العنصر البشري بالمسؤولية عن التواصل، واتخاذ القرارات، ومعالجة الحالات التي تتطلب تدخلاً مباشراً. ويجمع هذا النموذج مهام تنسيق الرعاية، والإرشاد المالي، والدعم الاجتماعي في وظيفة واحدة، بعد أن كانت موزعة على عدة موظفين. ويسهم ذلك في تبسيط رحلة المريض، وتقليل انتقاله بين جهات متعددة، مع توفير الوقت للكوادر الطبية للتركيز على تقديم الرعاية. وتشير التقديرات إلى أن هذا النهج يمكن أن يرفع الإنتاجية، ويخفض معدلات عدم حضور المرضى إلى مواعيدهم، ويحسن دقة الموافقات المسبقة من شركات التأمين، كما يتيح للكوادر الطبية رعاية عدد أكبر من المرضى، من دون الحاجة إلى زيادة أعداد العاملين في الوظائف الصحية المرخصة.
لكن إعادة تشكيل الأدوار، على أهميتها، لا تكفي لتحقيق النتائج المرجوة. فالاستفادة الكاملة من هذا التحول تتطلب مهارات جديدة، مثل حسن التقدير، والعمل المشترك بين مختلف التخصصات، والقدرة على إدارة العمل الذي ينجزه الإنسان والذكاء الاصطناعي بصورة متكاملة. كما يفرض هذا التحول دوراً جديداً على المديرين، فلم تعد مسؤولياتهم تقتصر على إدارة فرق العمل البشرية، بل أصبحوا مطالبين أيضاً بتوجيه وكلاء الذكاء الاصطناعي، ومتابعة أدائهم، وتقييم نتائج عملهم جنباً إلى جنب مع أداء الموظفين.
غير أن ارتفاع الإنتاجية لا يحقق أثره الكامل ما لم يصاحبه تغيير في هيكل المؤسسة وطريقة تنظيم العمل. فإعادة توزيع الكوادر، ومراجعة المستويات الإدارية، وإعادة تنظيم نطاق الإشراف، كلها خطوات لا تقل أهمية عن إدخال التقنيات الجديدة. أما إذا اقتصر التغيير على تبني أدوات الذكاء الاصطناعي مع الإبقاء على الهيكل التنظيمي القائم، فلن يتحقق الخفض المنشود في التكاليف، وإنما ستضاف تكلفة التقنية إلى الأعباء التشغيلية القائمة.
كيف تتحول الحاجة الملحّة إلى خطوات عملية على مستوى المؤسسة؟
إن نقطة الانطلاق التي يختارها القادة لا تقل أهمية عن التقنيات ذاتها التي يوظفونها. فأغلب المؤسسات تندفع نحو الأتمتة بسرعة مفرطة، وتجرّب أدواتها المتفرقة على سير عمل مجزأ أصلاً، أملاً في تحقيق تحسن جوهري. وهذا نهج نادراً ما يفضي إلى النتيجة المرجوة.
ولتحقيق تحول حقيقي، يتعين على القيادات اتخاذ ثلاثة قرارات رئيسة. أولها تحديد مستوى الطموح، من خلال اختيار المجالات التي تستحق الاستثمار، وحجم التغيير المطلوب، والعائد الذي ينبغي تحقيقه. وثانيها مواءمة القدرات مع هذا الطموح، عبر إعادة تشكيل أساليب تقديم الرعاية والخدمات المساندة، وإعادة تشكيل الأدوار بما يرسخ التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. أما القرار الثالث، فيتمثل في إرساء مساءلة واضحة عن النتائج، وإعادة تشكيل القوى العاملة، وخفض التكاليف. ولا تتحقق القيمة المرجوة من الذكاء الاصطناعي ما لم تتحول المكاسب التي يحققها في الإنتاجية إلى تغييرات فعلية في الأدوار، والمهارات، ونماذج توزيع الكوادر، وأساليب العمل. ومن دون هذه القرارات، لن يتمكن الذكاء الاصطناعي من معالجة أوجه القصور القائمة، بل سيؤدي إلى توسيع نطاقها وتسريعها.
والفجوة القائمة بين المؤسسات الرائدة في تبني الذكاء الاصطناعي ونظيراتها المتأخرة لن تضيق مع مرور الوقت، بل ستتسع بوتيرة متسارعة، وربما على نحو يتعذر تداركه لاحقاً. وفي القطاع الصحي تحديداً، لن يكون النجاح حليف من يكتفي بتجربة أكبر عدد من أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما سيكون من نصيب من يتخذ قرارات استراتيجية جريئة، تحدد بدقة أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل نموذج التشغيل من أساسه،12 ثم يتحرك بعدها بسرعة وانضباط ومساءلة واضحة، لتحقيق هذه القيمة على نطاق واسع وشامل.