معهد ماكنزي للصحة

الدماغ البشري رأس المال الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي

| تقرير

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

خلاصة المشهد

تقوية قدرات الدماغ الذهنية والعقلية والفكرية تعني مجتمعات أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات والمستجدات، واقتصادات أعلى إنتاجية، ونموًا ينعكس أثره على الجميع. ولهذا، حان الوقت للتعامل مع الاستثمار في صحة الدماغ ومهاراته بوصفه أولوية حقيقية، لا فكرة نظرية.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

وفي هذا السياق، يُعدّ الدماغ أكثر أعضاء الجسم تعقيدًا وأهمية، إذ يدير كل ما يحافظ على حياة الإنسان، من الوظائف الحيوية الأساسية إلى عمليات التفكير واتخاذ القرار. كما يشكّل الأساس الذي تُبنى عليه طريقة عيش الأفراد، وأداؤهم في العمل، وعلاقاتهم مع الآخرين، ما يجعله عنصرًا محوريًا في صحة الإنسان، وسببًا مباشرًا في نجاح المؤسسات، وأحد العوامل الرئيسة في بناء اقتصادات مستقرة وقادرة على الاستمرار. ورغم التقدّم التكنولوجي السريع، لا تزال قدرة الدماغ على الإسهام في المجتمع فريدة، ولم تتمكّن أي تقنية حتى اليوم من محاكاتها أو تعويض دورها.

وفي امتداد هذا التحول، من المتوقع أن يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل طبيعة العمل، وأن تتوقف القدرة التنافسية للدول والشركات على مدى نجاحها في الجمع بين قدرات الإنسان وإمكانات التقنيات. وهو ما يفرض على الحكومات والمؤسسات مراجعة استراتيجياتها وتطويرها بما يتيح تعاونًا فعّالًا بين الذكاء البشري والتكنولوجيا، والاستفادة من نقاط القوة المتكاملة لكلٍ منهما، تفاديًا لتباطؤ النمو أو التراجع عن ركب الاقتصاد العالمي في مرحلته المقبلة. وفي المقابل، ورغم أن المخاطر ستكون كبيرة إذا أُهمل الاستثمار في صحة الدماغ وقدراته المهارية والذهنية التي تميّز الإنسان، فإن العوائد المحتملة على مستوى الأفراد والمجتمع والاقتصاد تظل أكبر بكثير إذا ما أُحسن اتخاذ هذا المسار.

وفي هذا التقرير، تُعرَّف صحة الدماغ على أنها الحالة التي يعمل فيها الدماغ بأفضل كفاءة ممكنة، من خلال دعم نموّه السليم، والوقاية من الاضطرابات النفسية والعصبية واضطرابات تعاطي المواد، أو التعامل معها علاجيًا، لدى مختلف الفئات العمرية. غير أن هذه الصحة، على أهميتها، لا تمثّل وحدها الصورة الكاملة. إذ تبرز مهارات الدماغ مثل التفكير والتحليل، والتواصل مع الآخرين، وإدارة الذات، والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا بوصفها عناصر لا تقل أهمية، لأنها تمكّن الإنسان من التكيّف مع التغيّر، والمشاركة بفاعلية، وإحداث أثر حقيقي في محيطه. وعند الجمع بين صحة الدماغ وهذه المهارات، يتكوّن ما يُعرف بـ"رأس المال الدماغي"، وهو الأساس الذي تقوم عليه قدرة المجتمعات على التقدّم اجتماعيًا واقتصاديًا.

وفي المقابل، يترتّب على ضعف الاستثمار في الدماغ كلفة باهظة لا يمكن تجاهلها. إذ يشهد الأثر العالمي للأمراض المرتبطة بصحة الدماغ تصاعدًا مستمرًا، مدفوعًا بتقدّم أعمار السكان، وتزايد الضغوط الحياتية، وارتفاع منسوب القلق وعدم اليقين حيال المستقبل. وعندما تُغفل المجتمعات الدور المحوري للدماغ في الصحة والإنتاجية، تنعكس التداعيات مباشرة على حياة الأفراد، في صورة مسارات معطّلة، وإمكانات مهدورة، وأعباء ثقيلة تتحمّلها الأسر ومقدّمو الرعاية. وفي هذا السياق، يُظهر توسيع نطاق التدخلات الفعّالة للوقاية والعلاج ودعم التعافي من أمراض الدماغ أثرًا ملموسًا على حياة الناس والاقتصاد معًا. إذ تشير التقديرات إلى أن هذه التدخلات يمكن أن تجنّب العالم فقدان ما يقارب267 مليون سنة من العمر كان من الممكن أن تُعاش بصحة أفضل بحلول عام 2050، وهي سنوات تضيع اليوم بسبب المرض أو الإعاقة أو تدهور جودة الحياة.1 وعلى الصعيد الاقتصادي، يمكن أن ينعكس هذا التحسّن في صورة مكاسب تراكمية تصل إلى 6.2 تريليونات دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتتضاعف هذه العوائد عندما يبدأ الاستثمار في مراحل مبكرة من الحياة؛ فقد أثبتت برامج الطفولة المبكرة عالية الجودة قدرتها على تحقيق عوائد سنوية تتراوح بين 7 و13%، مع كل دولار يُستثمر فيها يعود بما يصل إلى تسعة دولارات من الفائدة، لا سيما في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.2

وبعد استعراض كلفة إهمال الاستثمار في صحة الدماغ والعوائد الكبيرة الممكنة عند معالجته مبكرًا، ينتقل التقرير إلى طرح إطار عملي للتحرك. إذ يقدّم هذا التقرير، الصادر عن معهد ماكنزي للصحة بالتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي، مرافعة واضحة للاستثمار في الدماغ بوصفه أولوية تنموية، ويعرض خمسة محاور رئيسية للتحرك، إلى جانب خريطة طريق للخطوات التالية. ورغم اختلاف طبيعة الإجراءات باختلاف أصحاب المصلحة أو المناطق أو القطاعات، تظل الحاجة قائمة إلى طموح مشترك وإطار عمل موحّد يقود هذا التحول. ومن هنا، يسعى التقرير إلى سد هذه الفجوة عبر تقديم رؤية جامعة ومسار عملي للتنفيذ.

مقدمة تعريفية

بناء رأس المال الدماغي يقوم على الاهتمام بصحة الدماغ وتنمية مهاراته لدى جميع الفئات العمرية، والاستثمار فيهما باعتبارهما عنصرين حاسمين للتقدم.

وبوصفه محور هذا الاستثمار، يُعدّ الدماغ أكثر أعضاء الجسم تعقيدًا وأهمية، إذ يتحكّم في كل ما يحفظ حياة الإنسان، من وظائف أساسية كالتنفّس، إلى عمليات التفكير المتقدّم، وتنظيم المشاعر، واتخاذ القرارات المعقّدة. ولا تقتصر فوائد تعزيز صحة الدماغ على الدماغ نفسه، بل تمتد لتشمل جوانب صحية متعددة، من بينها الصحة الأيضية، وصحة القلب، والصحة الاجتماعية والعاطفية، وحتى الجانب الروحي من حياة الإنسان. وتدعم البيانات هذا الارتباط بصورة واضحة. إذ تشير المؤشرات إلى أن ارتفاع مستوى العناية بالدماغ بخمس نقاط على مقياس "مؤشر العناية بالدماغ"، وهو مقياس يقيّم العوامل القابلة للتحسين المرتبطة بصحة الدماغ، يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة 43 في المئة، كما يرتبط بتراجع معدلات الإصابة بسرطانات الرئة والقولون والثدي بنسبة 31 في المئة.3 وتعكس هذه الأرقام أن الاستثمار في صحة الدماغ يحقق فوائد صحية ملموسة تمتد إلى مختلف أجهزة الجسم، وليس إلى الدماغ وحده. وعلى مستوى أوسع، يسهم بناء صحة دماغ إيجابية وتنمية مهاراته في تعزيز التماسك الاجتماعي، وتحسين الصحة الشاملة، ودعم استقرار المجتمعات، وتهيئة بيئة اقتصادية أكثر شمولًا وقدرة على النمو.4 كما أن فهم هذه الفوائد لا يقتصر على الأرقام والإحصاءات، بل يظهر جليًا في التجارب اليومية، سواء لدى من عانى الاكتئاب، أو شاهد طفلًا يواجه صعوبات في التعلّم، أو اعتنى بشخص مصاب بمرض الزهايمر، أو لاحظ الضغوط الذهنية المتزايدة في بيئات العمل الحديثة.

ورغم الأهمية المحورية للدماغ، ظلّ لسنوات طويلة خارج دائرة الأولويات في السياسات العامة والاستثمارات العالمية. ولم يكن ذلك نتيجة غياب الجهود؛ فقد عمل باحثون ومناصرون وممارسون، على مدى عقود،5 على إبراز أهمية صحة الدماغ ومهاراته. غير أن تشتّت المفاهيم، وضعف أدوات القياس، إلى جانب الصور النمطية والتمييز المرتبطين بالاضطرابات النفسية والعصبية واضطرابات تعاطي المواد، حالت دون توحيد الجهود أو ترسيخ صحة الدماغ ومهاراته كأولويات اقتصادية واضحة. واليوم، يتغيّر هذا الواقع. فالتقدّم العلمي، وتنامي الفهم للدور الذي يلعبه الدماغ في الإنتاجية والقدرة على التكيّف، إلى جانب الاهتمام العالمي المتزايد بالتحوّلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، كلها عوامل تخلق لحظة فارقة. وفي هذه اللحظة، لم يعد الاستثمار في الدماغ خيارًا إضافيًا، بل أصبح ضرورة اقتصادية تفرضها متطلبات المرحلة المقبلة.

وكما أحدثت الثورة الصناعية تحوّلًا جذريًا في المجتمعات، حين انتقلت من الاقتصادات الزراعية إلى الاقتصادات المعتمدة على الآلة والتقنيات، وأعادت توجيه الاستثمارات، ودفعت عجلة الابتكار، وأسهمت في تسريع التقدّم العالمي، فإن مرحلة مماثلة من التحوّل باتت مطلوبة اليوم لتعزيز الإمكانات البشرية. وهنا، يبرز مفهوم "رأس المال الدماغي" بوصفه المدخل الأساسي لهذا التحول الجديد.

وفي الواقع، يجمع مفهوم "رأس المال الدماغي" بين عنصرين أساسيين يكمل أحدهما الآخر. الأول هو صحة الدماغ، ويقصد بها الحالة التي يعمل فيها الدماغ أو العقل بأفضل كفاءة ممكنة، من خلال دعم نموّه السليم، والوقاية من الاضطرابات النفسية والعصبية واضطرابات تعاطي المواد المؤثرة أو التعامل معها علاجيًا. أما العنصر الثاني فهو مهارات الدماغ، وتشمل القدرات العقلية والذهنية الأساسية، ومهارات التواصل والتفاعل مع الآخرين، والقدرة على قيادة الذات، إضافة إلى الإلمام بالتكنولوجيا، وهي مهارات تمكّن الإنسان من التكيّف مع المتغيرات، وبناء العلاقات، والمساهمة بفاعلية ومعنى في المجتمع. ولا يأتي الجمع بين صحة الدماغ ومهاراته من باب المصادفة، بل تؤكده نتائج علمية متزايدة تُظهر الترابط الوثيق بينهما. إذ تبيّن الأبحاث أن العوامل القابلة للتعديل، مثل التوتر، وجودة النوم، ومستوى التفاعل المجتمعي، تؤثر في صحة الدماغ وفي المهارات العقلية على حد سواء. وتشير هذه النتائج إلى أن التدخلات التي تستهدف تحسين صحة الدماغ يمكن أن تنعكس إيجابًا على تنمية مهاراته، والعكس صحيح، ما يعزز الأثر المتكامل للاستثمار في رأس المال الدماغي ككل.6

عمود جانبي

الدماغ وتنمية المهارات

رغم أن معظم القدرات الإنسانية ينظّمها الدماغ، فإن المقصود بـ مهارات الدماغ في هذا التقرير لا يشمل كل ما يقوم به الدماغ، بل يركّز على القدرات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الوظائف المعرفية والعاطفية والذهنية والتكيّفية العليا، مثل التفكير في التفكير نفسه واتخاذ القرارات المعقّدة. فهناك فرق واضح بين استخدام الدماغ لتطبيق "وصفة معروفة" مسبقًا، وبين استخدامه لابتكار حل جديد تحت الضغط. وعلى سبيل المثال، لم يعد امتلاك معرفة ثابتة بسير عمل معيّن ذا قيمة كبيرة في بيئات العمل المتغيّرة، مقارنة بالقدرة على إعادة التفكير في النهج بالكامل عندما تتبدّل الظروف. هذه القدرة الأخيرة هي ما يشير إليه مصطلح مهارات الدماغ في سياق هذا التقرير. ويُستخدم هذا المصطلح اختصارًا للدلالة على المهارات غير التقنية التي غالبًا ما تُهمَل في التعليم والتدريب الرسميين، رغم تأثيرها الكبير في الأداء البشري. وتشمل هذه المهارات التفكير الإبداعي والتحليلي، والمرونة، والقدرة على التكيّف، وهي مهارات تمنح الأفراد القدرة على الاستجابة للتغيير بخفة ذهنية وصلابة نفسية، وتنسجم مع أحدث الأبحاث الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي وغيرها من الجهات حول مستقبل المهارات في سوق العمل.1

وبعد توضيح ماهية "رأس المال الدماغي" ومكوّناته الأساسية، ينتقل التقرير إلى الجانب التطبيقي من هذا الطرح. إذ يقدّم خريطة طريق موجّهة لأصحاب المصلحة لبناء رأس المال الدماغي، مستندًا إلى حصيلة عام كامل من اللقاءات والحوارات العالمية التي أدارها المنتدى الاقتصادي العالمي عبر منتدى العمل لاقتصاد الدماغ. وقد أسفرت هذه الحوارات عن تحديد خمسة محاور رئيسية تشكّل ركائز عملية لبناء رأس المال الدماغي، وهي:

  1. ولتحويل خريطة الطريق إلى إجراءات ملموسة، يضع التقرير في مقدمة أولوياته حماية صحة الدماغ، وذلك من خلال ضمان إتاحة الرعاية الفعّالة لحالات صحة الدماغ، إلى جانب تعزيز هذه الصحة في مختلف مراحل العمر. ويعني ذلك الانتقال من التعامل مع مشكلات الدماغ بوصفها استجابات متأخرة، إلى تبنّي نهج وقائي شامل يبدأ منذ الطفولة ويستمر طوال حياة الإنسان، بما يرسّخ أساسًا صحيًا ينعكس إيجابًا على الأفراد والمجتمعات والاقتصاد على حدّ سواء.
  2. ومع تأمين الأساس الصحي للدماغ، ينتقل التقرير إلى أولوية مكمّلة تتمثّل في تنمية مهارات الدماغ لدى مختلف الفئات العمرية، من الأجيال الصاعدة، إلى العاملين حاليًا، وصولًا إلى من هم في مراحل متقدمة من العمر. ويؤكد هذا المحور أن بناء القدرات المعرفية ومهارات التواصل والقيادة الذاتية والإلمام بالتقنيات يجب أن يكون مسارًا مستمرًا مدى الحياة، بما يضمن جاهزية الأفراد للتكيّف مع التحولات المتسارعة في سوق العمل والمجتمع.
  3. وبعد التركيز على الصحة والمهارات بوصفهما ركيزتين أساسيتين، يسلّط التقرير الضوء على أهمية دراسة رأس المال الدماغي بوصفه مجالًا متعدد التخصصات، يجمع بين العلوم الصحية والاجتماعية والاقتصادية. ويؤكد هذا المحور ضرورة تطوير أدوات قياس موثوقة، وتوسيع نطاق البحث والتطوير، بما يتيح فهمًا أدقّ لأبعاد رأس المال الدماغي وأثره، ويساعد على توجيه السياسات والاستثمارات بطريقة قائمة على الأدلة وتدفع عجلة التقدّم بشكل منهجي.
  4. ومع ترسيخ الفهم العلمي وبناء قاعدة معرفية متينة، ينتقل التقرير إلى محور لا يقل أهمية، يتمثّل في الاستثمار في رأس المال الدماغي عبر تمويل المنتجات والخدمات والأنظمة التي تسهم في تحسين صحة الدماغ وتنمية مهاراته. ويشمل ذلك توظيف الأدوات المالية التقليدية، إلى جانب ابتكار آليات تمويل جديدة، بما يضمن تحويل المعرفة والأبحاث إلى حلول قابلة للتطبيق، وقادرة على إحداث أثر فعلي ومستدام على مستوى الأفراد والمجتمعات.
  5. ومع توافر المعرفة والتمويل، يختتم التقرير محاوره بالدعوة إلى تعبئة جماعية من أجل رأس المال الدماغي، عبر بناء حركة عالمية منسّقة تجمع مختلف أصحاب المصلحة حول رؤية مشتركة وخريطة طريق موحّدة. ويؤكد هذا المحور أن تحقيق الأثر المنشود لا يعتمد على جهود متفرقة، بل يتطلب مواءمة السياسات والاستثمارات والممارسات بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يضمن تحويل رأس المال الدماغي إلى أولوية عالمية قابلة للتنفيذ والقياس.

وبعد استعراض هذه المحاور الخمسة، ينتقل التقرير في الأقسام التالية إلى تناول كل محور بمزيد من التفصيل، مع عرض مجموعة من الإجراءات العملية التي يمكن لأصحاب المصلحة النظر فيها وترجمتها إلى خطوات قابلة للتنفيذ.

الفصل 1: حماية صحة الدماغ

صحة الدماغ تشكّل قاعدة متينة لأفراد أكثر توازنًا، ومؤسسات أكثر قدرة على الأداء، ومجتمعات أكثر تماسُكًا واستقرارًا.

وتأكيدًا لما يضعه هذا الفصل في صدارة أولوياته، فإن ضعف الاستثمار في الدماغ يترتّب عليه ثمن باهظ يتمثّل في فرص ضائعة على مستوى الصحة والاقتصاد معًا. فبحسب تقديرات "التداعيات الصحية للأمراض لعام 2025"، تمثّل الحالات المرتبطة بصحة الدماغ، بما يشمل التداعيات المباشرة وغير المباشرة للاضطرابات النفسية والعصبية واضطرابات تعاطي المواد، إضافة إلى السكتات الدماغية وحالات إيذاء النفس، نحو 24 في المئة من إجمالي التداعيات الصحية للأمراض.7 وتتطلّب حماية صحة الدماغ تحرّكًا يمتد عبر مختلف مراحل العمر، إذ تختلف المخاطر والفرص باختلاف المراحل الحياتية، من الطفولة المبكرة وصولًا إلى الشيخوخة. وتشير البيانات إلى أن نصف حالات الاضطرابات النفسية تظهر قبل سن الرابعة عشرة، بينما تظهر ثلاثة أرباعها قبل سن الرابعة والعشرين. كما تبدأ "الاضطرابات النمائية العصبية" أو ما تسمى أيضاً باضطرابات النمو العصبية، مثل اضطراب طيف التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، في سن الطفولة المبكرة، في حين قد تظهر حالات عصبية أخرى، مثل الصرع أو الصداع النصفي، في أي مرحلة عمرية.8 أما الأمراض التنكّسية العصبية، مثل مرض الزهايمر وأنواع الخرف المرتبطة به، فهي ترتبط في الغالب بتقدّم العمر. وقد شهد العالم خلال العقود الثلاثة الماضية ارتفاعًا حادًا في أعداد المصابين بالخرف من كبار السن، إذ زاد عدد الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 65 عامًا ويعيشون مع الخرف بنسبة 160 في المئة، من 18.7 مليون شخص في عام 1991 إلى 49 مليون شخص في عام 2021. 9

وخلف هذه الأرقام تقف قصص أكثر من مليار إنسان تعطّلت مسارات حياتهم، بدءًا من أطفال لم تُتح لهم الفرصة لبلوغ كامل إمكاناتهم، وصولًا إلى كبار سنّ فقدوا قدرتهم على الاستقلال والاعتماد على أنفسهم، اطلع على "الشكل 1".

عمود جانبي

ما الذي تقوله البيانات عن صحة دماغ المرأة

تؤثّر بعض الحالات المرتبطة بالدماغ على النساء بدرجة أكبر من الرجال، من بينها الاكتئاب والقلق وأنواع الخرف والصداع النصفي. فعلى سبيل المثال، تشكّل النساء نحو ثلثي المصابين بمرض الزهايمر حول العالم. كما أن العديد من الحالات التي تقلّص سنوات الصحة الجيدة لدى المرأة، مثل بطانة الرحم المهاجرة، أو تؤثّر في متوسط العمر، مثل سرطان الثدي، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحديات الصحة النفسية، ما يضاعف العبء الصحي الكلي.1 ولا تقتصر هذه التحديات على الأمراض فقط، إذ يمكن حتى للتحوّلات البيولوجية الطبيعية أن تترك أثرًا على صحة الدماغ. فخلال مرحلة انقطاع الطمث، يؤدي الانخفاض الحاد في هرمون الإستروجين إلى زيادة مخاطر التراجع المعرفي، وهو عرض يرتبط بضعف الإدراك البسيط وبالخرف.2 ورغم أهمية هذه القضايا، لا تزال الأبحاث في مجالات عديدة من صحة دماغ المرأة في مراحلها الأولى، إذ لم يُنشر أول رسم شامل لتغيرات دماغ الأم منذ ما قبل الحمل وحتى ما بعد الولادة إلا في عام 2024.3 وتشير التقديرات إلى أن الاضطرابات النفسية والعصبية تمثّل ما يقارب 25 في المئة من المكاسب المحتملة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، والتي قد تصل إلى تريليون دولار سنويًا بحلول عام 2040، في حال جرى سد الفجوة الصحية بين النساء والرجال.4 ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد مقاربات علاجية وتدخلات تراعي الفروق البيولوجية بين الجنسين يمكن أن يسهم في تحسين فاعلية الرعاية الصحية وزيادة الإقبال عليها والاستفادة منها، بما يعود بالنفع على النساء والرجال على حد سواء.

وتعني حماية صحة الدماغ العمل على ثلاثة مسارات مترابطة. يتمثّل المسار الأول في تعزيز الوظائف الصحية للدماغ والوقاية من المشكلات المرتبطة به عبر مختلف مراحل العمر، منذ الطفولة وحتى الشيخوخة. أما المسار الثاني، فيركّز على توسيع نطاق الوصول إلى العلاجات والخدمات القائمة على الأدلة العلمية، بما يضمن استفادة أكبر عدد ممكن من الأفراد منها. ويأتي المسار الثالث ليؤكد أهمية الابتكار، سواء في أساليب تعزيز صحة الدماغ أو في تطوير طرق العلاج والتعامل مع الحالات المرتبطة بها، بما يدفع هذا المجال إلى الأمام ويزيد من فعاليته وتأثيره.

1. تعزيز صحة الدماغ والوقاية من المشاكل التي يواجهها عبر مراحل الحياة

ويبدأ هذا المسار بدعم الوظائف الصحية للدماغ والوقاية من المشكلات المرتبطة به منذ المراحل الأولى من العمر، والاستمرار في ذلك عبر مختلف محطات الحياة. فصحة الدماغ لا تُبنى في مرحلة واحدة، بل تتشكّل تدريجيًا من الطفولة المبكرة، مرورًا بسنّ الدراسة والعمل، وصولًا إلى مراحل العمر المتقدمة. ويعني هذا التوجّه التركيز على العوامل التي تحافظ على سلامة الدماغ، وتقلّل من مخاطر تدهوره، قبل أن تتحوّل المشكلات إلى حالات يصعب علاجها أو احتواؤها لاحقًا. غير أن الواقع يشير إلى أن كثيرًا من النظم الصحية ما زالت تركّز على معالجة الأعراض عند البالغين، بدل الاستثمار المبكر في تقوية صحة الدماغ. ونتيجة لذلك، تُفقد فرص حقيقية لتعزيز هذه الصحة في مراحل مبكرة، حيث يكون التدخل أكثر تأثيرًا وأطول أمدًا.

وتؤكّد الخبرات المتراكمة أن التدخّل المبكر، المصمَّم بما يراعي العمر والفروق البيولوجية بين الجنسين، قادر على حماية صحة الدماغ قبل ظهور المشكلات من الأساس. فإتاحة رعاية صحية جيّدة خلال مرحلتي الحمل والولادة، على سبيل المثال، تسهم في دعم النمو السليم للدماغ قبل أن يولد الطفل.10 وفي سنوات الطفولة المبكرة، ينعكس ضمان التغذية الكافية،11 والحدّ من الضغوط النفسية السامة،12 وإجراء الفحوصات في الوقت المناسب،13 إيجابًا على تطوّر الدماغ وقدرات الطفل على التعلّم والتفاعل.14 ولا تقلّ أهمية هذه التدخلات في المراحل اللاحقة من الحياة. إذ تشير البيانات إلى أن نحو 85 في المئة من الأثر الصحي العالمي للسكتات الدماغية يرتبط سببيًا بعامل واحد أو أكثر من 23 عامل خطر قابلًا للتعديل، من بينها ارتفاع ضغط الدم، وتلوّث الهواء، والأنظمة الغذائية غير الصحية، وقلة النشاط البدني، واستهلاك الكحول.15 ويعني ذلك أن جزءًا كبيرًا من هذا العبء يمكن تفاديه عبر سياسات وقائية وتغييرات في أنماط الحياة. أما في مراحل العمر المتقدمة، فتسلّط دراسة "US POINTER" الضوء على فعالية التدخلات المتكاملة في تحسين صحة الدماغ لدى كبار السن، لا سيما تلك التي تجمع بين أنظمة غذائية داعمة للدماغ، والنشاط البدني المنتظم، والتدريب العقلي والذهني.16 ولا تقتصر آثار هذه التدخلات على القدرات الفكرية وحدها، بل تسهم أيضًا في تعزيز الشيخوخة الصحية، وتؤكد الترابط الوثيق بين صحة الدماغ، والصحة الأيضية، وقدرة القلب والجهاز الدوري على التكيّف والاستمرار.17

وإلى جانب الوقاية والتدخل المبكر، يبرز الكشف المبكّر بوصفه عنصرًا حاسمًا في حماية صحة الدماغ. إذ تتيح أدوات التقييم المعرفي والسلوكي، مدعومةً بتطوّر الأدلة العلمية حول المؤشرات الرقمية والبيولوجية، وضع خط أساس واضح للحالة العقلية والذهنية، ورصد أي تغيّرات في مراحلها الأولى. ويساعد هذا النهج على التدخّل في الوقت المناسب، سواء عبر تعديل السلوكيات اليومية أو إطلاق برامج علاجية مبكرة عند الحاجة، قبل أن تتفاقم المشكلات وتصبح أكثر تعقيدًا.18

واستكمالًا لهذا النهج الوقائي، يصبح تعزيز صحة الدماغ عبر مختلف مراحل الحياة، داخل الأنظمة الصحية وخارجها على حدّ سواء، عنصرًا أساسيًا في بناء رأس مال عقلي على مستوى المجتمع بأكمله. فحين تُدمج جهود الوقاية والكشف المبكر والرعاية المستمرة في السياسات الصحية والتعليمية والاجتماعية، يمكن الحدّ من الآثار المتراكمة للحالات التي تُترك دون علاج، وتقليل كلفتها الإنسانية والصحية والاقتصادية قبل أن تتفاقم وتتداخل آثارها بمرور الوقت.

2. توسيع نطاق الوصول إلى العلاج والخدمات القائمة على الأدلة العلمية

وبالانتقال من الوقاية والكشف المبكر إلى الاستجابة العلاجية، تبرز أهمية ضمان إتاحة العلاجات والخدمات المثبتة علميًا لحالات صحة الدماغ على نطاق أوسع. وفي هذا الإطار، ورغم أن كثيرًا من حالات صحة الدماغ لا يتوافر لها علاج شافٍ حتى اليوم، فإنها تظل قابلة للعلاج والتحكّم إذا أُتيح الوصول إلى التدخلات المناسبة. ويُظهر توسيع نطاق الوصول إلى التدخلات المثبتة علميًا في مجال صحة الدماغ قدرة ملموسة على تقليل الكلفة الصحية العالمية للأمراض بما يزيد على 260 مليون سنة حياة كان يمكن أن تُفقد بسبب الوفاة المبكرة أو أن تُعاش بجودة أقل نتيجة المرض أو الإعاقة.19 ولا يقتصر أثر ذلك على الجانب الصحي فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد والمجتمع. إذ يمكن أن يترجم هذا التحسّن إلى مكاسب تراكمية تصل إلى 6.2 تريليونات دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع تمكين عدد أكبر من الناس من العيش بكامل طاقتهم، والمشاركة بفاعلية في العمل والحياة العامة، والحفاظ على أدوارهم داخل أسرهم ومجتمعاتهم بوصفهم آباءً وأمهات، وشركاء، وأفرادًا فاعلين.20

ويظل توقيت الوصول إلى الرعاية عاملًا حاسمًا عبر مختلف مراحل الحياة. فالطفل الذي تختلف طريقة نمو دماغه يحتاج إلى دعم مبكر يمكّنه من التعلّم والازدهار، والأم التي تمرّ بتجربة الاكتئاب تحتاج إلى رعاية تساعدها على استعادة توازنها، بما ينعكس عليها وعلى طفلها، في حين يستحق كبار السن الذين يواجهون الخرف تشخيصًا مبكرًا ورعاية إنسانية تحترم كرامتهم. غير أن الفجوات العلاجية لا تزال واسعة الانتشار في مختلف البيئات، وتبدو أكثر حدّة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث يفتقر أكثر من 75 في المئة من الأشخاص المصابين باضطرابات الصحة النفسية والعصبية واضطرابات تعاطي المواد إلى خدمات ودعم ملائمين.21 وحتى عندما تتوافر الرعاية، كثيرًا ما تكون مجزأة أو قديمة، أو غير متكيّفة مع الخصوصيات الثقافية والظروف العملية للمجتمعات المحلية. وفي ظل غياب جودة متّسقة، تتراجع فرص تحسّن المرضى، وتفقد الحكومات والأنظمة الصحية في الوقت نفسه فرصة تحقيق عوائد حقيقية من استثماراتها في هذا المجال، سواء على المستوى الصحي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.

وتترتب على هذه الفجوة كلفة إنسانية واقتصادية مرتفعة. فهي تؤدي إلى تراجع الإنتاجية وارتفاع معدلات الوفاة المبكرة، كما تُلقي بعبء ثقيل على مقدّمي الرعاية، الذين يواجه كثير منهم خسارة في الدخل، وتراجعًا في المشاركة بسوق العمل، إلى جانب مخاطر صحية متزايدة تطالهم هم أنفسهم. ومع ذلك، تفتقر دول عديدة إلى التمويل الكافي، والكوادر المتخصصة، والبنية التحتية الأساسية اللازمة لتقديم رعاية منتظمة وفعّالة. ولا يزال حجم الاستثمار دون المستوى المطلوب، إذ لا يتجاوز ما يُخصَّص للصحة النفسية 2 في المئة فقط من إجمالي ميزانيات الصحة الحكومية عالميًا.22 كما تعاني مجتمعات كثيرة نقصًا حادًا في القوى العاملة المتخصصة في صحة الدماغ. ففي إفريقيا جنوب الصحراء، على سبيل المثال، لا يتوافر في المتوسط سوى طبيب نفسي واحد لكل مليون نسمة.23 وعلى المستوى العالمي، يُقدَّر عدد جرّاحي الأعصاب بنحو 0.93 جرّاح لكل 100 ألف نسمة، مع أن نصف الدول مرتفعة الدخل فقط يحقق الهدف الموصى به والمتمثّل في جرّاح واحد لكل 100 ألف شخص، بينما لا تصل أي من الدول منخفضة الدخل إلى هذا الحد.24 وتزداد خطورة هذا النقص في ضوء الانتشار الواسع للحالات التي تتطلب تدخلًا جراحيًا عصبيًا، مثل الاستسقاء الدماغي، والسكتات الدماغية، والصرع، وإصابات الدماغ أو الحبل الشوكي الناتجة عن الحوادث. فهذه الحالات تصيب ملايين الأشخاص حول العالم، وقد تؤدي، في حال غياب التدخل الجراحي المناسب، إلى تدهور معرفي يمكن تفاديه وإعاقات طويلة الأمد كان من الممكن الحدّ منها.

وحتى في البيئات التي تتوافر فيها تدخلات مثبتة علميًا وكوادر مؤهلة، قد يظل الوصول إلى الرعاية محدودًا بسبب عوائق أخرى لا تقلّ تأثيرًا، من بينها ضعف سلاسل الإمداد التي تعيق توافر الأدوية. ولا تزال الأدوية الأساسية اللازمة لعلاج الصرع ومرض باركنسون والفصام وغيرها من الاضطرابات النفسية والعصبية واضطرابات تعاطي المواد محدودة الانتشار في مرافق الرعاية الصحية الأولية، ولا سيما في مناطق من إفريقيا وجنوب شرق آسيا وغيرها من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.25 وفي هذا السياق، تبرز تجربة حكومية تسعى لمعالجة هذا الخلل؛ إذ عملت وزارة الصحة في تنزانيا بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية على تنفيذ مشتريات خاصة للأدوية وتحديث الصندوق الوطني للتأمين الصحي ليشمل تغطية الأدوية الأساسية.26 ورغم أن مبادرات من هذا النوع تعكس تقدّمًا ملموسًا في توسيع نطاق الإتاحة، فإن التحديات المرتبطة بضمان وصول مستدام وعادل إلى العلاج لا تزال قائمة على المستوى العالمي.

ولمعالجة فجوة العلاج القائمة، يتعين علينا عدم الاكتفاء بالحلول المتاحة، بل يتطلب الأمر توسيع تطبيقها بطرق مبتكرة تسمح بوصولها إلى أعداد كبيرة من الناس في مختلف أنحاء العالم. ومن أبرز هذه الطرق تخفيف الضغط على الكوادر المتخصصة من خلال توسيع دور التكنولوجيا والاستعانة بمقدّمي رعاية من غير المتخصصين، بعد تدريبهم وتمكينهم من أداء أدوار أساسية في تقديم الرعاية. ويشمل ذلك الاعتماد على أفراد من داخل المجتمعات نفسها، مثل العاملين الصحيين المجتمعيين أو المستشارين من الأقران، لتقديم خدمات أولية لحالات الاضطرابات النفسية والعصبية واضطرابات تعاطي المواد. وتُظهر التقديرات أن هذا النوع من الرعاية المجتمعية يمكنه تلبية جزء من احتياجات أكثر من 90 في المئة من المرضى الذين لا يحصلون اليوم على أي رعاية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.27 كما تتيح التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي فرصًا إضافية لتوسيع نطاق تقديم الرعاية وتغيير طرق الوصول إليها، من خلال حلول صُمِّمت أساسًا لدعم مقدّمي الرعاية الصحية ومساندتهم في عملهم اليومي. ويتركّز هذا التوجّه على استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة تعزّز كفاءة الأطباء والممارسين الصحيين، بدل أن تتعامل مباشرة مع المرضى أو تحلّ محلّ العلاقة الإنسانية في تقديم الرعاية.28

وتُظهر الدراسات التي ترصد صحة الإنسان عبر مراحل عمره المختلفة،29 إلى جانب ما تؤكده منظمة الصحة العالمية،30 أن المعرفة المتاحة اليوم كافية لتطوير وتطبيق تدخلات فعّالة تعزّز صحة الدماغ منذ الطفولة وحتى مراحل العمر المتقدمة. كما تبيّن التجارب العملية أن إشراك المرضى، والممارسين الصحيين، وأفراد المجتمع في تصميم هذه التدخلات وتنفيذها يجعلها أكثر انسجامًا مع الواقع الثقافي، وأكثر قدرة على الاستمرار، وأكثر فاعلية في تحسين النتائج الصحية.

3. توظيف الابتكار للارتقاء بصحة الدماغ وعلاج اضطراباته

ولتعزيز حماية حقيقية لصحة الدماغ، لا يكفي التركيز على توسيع البرامج العلاجية والوقائية المعمول بها حاليًا دون تطويرها. فمعظم الجهود القائمة تنحصر في تعميم نماذج معروفة، مثل خدمات علاج الاضطرابات النفسية التقليدية، وبرامج الرعاية التي تبدأ بعد ظهور الأعراض، أو حملات التوعية العامة التي لا تُربط بتدخلات مستمرة وطويلة الأمد. ورغم أهمية هذه الجهود، فإنها غالبًا ما تتعامل مع المشكلة بعد وقوعها، ولا تستثمر بالقدر الكافي في الوقاية المبكرة أو في تصميم حلول جديدة تراعي اختلاف مراحل العمر والسياقات الاجتماعية. وتشير تحليلات سابقة إلى أن هذا النهج المحدود ينعكس بوضوح في مجال البحث العلمي، إذ لا يزال التمويل المخصّص لأبحاث الصحة النفسية متواضعًا مقارنة بحجم التأثير الذي تُحدثه الاضطرابات النفسية عالميًا.31 فهذه الاضطرابات لا تقتصر آثارها على المعاناة الصحية فحسب، بل تمتد إلى فقدان سنوات من الحياة المنتجة، وارتفاع معدلات الوفيات المبكرة، وتحميل الاقتصادات أعباء طويلة الأمد. ولا يقتصر الخلل على حجم التمويل، بل يشمل أيضًا وجهته. فمعظم الاستثمارات البحثية في مجال الصحة النفسية تأتي من الدول مرتفعة الدخل، ما يعني أن كثيرًا من الحلول المطوَّرة تستند إلى أنظمة صحية متقدمة وموارد مرتفعة، ولا تكون بالضرورة قابلة للتطبيق في دول تعاني نقص الكوادر أو محدودية التمويل أو ضعف البنية التحتية الصحية.32 أما في مجال الأبحاث المتعلقة بالأمراض العصبية، فتبدو الصورة مختلفة من حيث حجم التمويل، خصوصًا في الدول الغنية. ومع ذلك، يظل الاستثمار أقل من المطلوب إذا ما قورن بالانتشار العالمي لهذه الأمراض. وتظهر الفجوة بشكل خاص في ضعف الاهتمام بالأبحاث التطبيقية، أي تلك التي تهدف إلى تحويل الاكتشافات العلمية إلى حلول عملية يمكن تكييفها وتوسيعها في البيئات محدودة الموارد، حيث تكون الحاجة أكبر والخيارات المتاحة أقل.33

وعند الحديث عن حماية صحة الدماغ، يبرز دور التقنيات الطبية المتقدمة التي بدأت تُحدث تحولًا حقيقيًا في فهم كيفية عمل الدماغ ومتابعة حالته الصحية. فهذه التقنيات الجديدة لا تقتصر على تطوير أدوات التشخيص، بل تفتح المجال أمام ابتكار أساليب علاجية ووقائية يمكن أن يستفيد منها عدد كبير من الناس حول العالم. وتتضح أهمية هذا التقدم عند النظر إلى الخرف، الذي يُعدّ أحد أبرز تحديات صحة الدماغ عالميًا. إذ يعيش اليوم أكثر من 55 مليون شخص حول العالم مع الخرف، وغالبيتهم مصابون بمرض الزهايمر. وتشير التقديرات إلى أن هذا العدد يتضاعف كل 20 عامًا إذا استمر الوضع على ما هو عليه.34 وفي الولايات المتحدة وحدها، تتوقع الدراسات أن يرتفع عدد الأشخاص الذين تجاوزوا سن 70 والمصابين بمرض الزهايمر إلى9.1 ملايين شخص بحلول عام 2050.35 وفي هذا السياق، تبرز القيمة العملية للتقدم الطبي. إذ تشير الأبحاث إلى أن التمكن من تأخير ظهور مرض الزهايمر لمدة خمس سنوات فقط يمكن أن يؤدي، بحلول عام 2050، إلى خفض عدد المصابين بنسبة 41 في المئة، وتقليل الكلفة الاقتصادية للمرض بنسبة 40 في المئة. ويعكس ذلك أن حتى التحسينات المحدودة في التوقيت، لا في العلاج الشافي، يمكن أن تُحدث أثرًا واسعًا على صحة الأفراد وعلى الأنظمة الصحية والاقتصادات على حد سواء.36

ولا تمثّل إمكانات الابتكار في التعامل مع مرض الزهايمر سوى مثال واحد ضمن فرص أوسع في مجال صحة الدماغ. وعلى مستوى الصورة الكبرى، تشير التقديرات إلى أن الابتكار إذا نجح في معالجة 10 في المئة فقط من المشكلات الصحية المرتبطة بالدماغ التي لا تزال بلا حلول كافية اليوم، فقد يتيح بحلول عام 2050 تفادي ما يعادل 54 مليون سنة من الخسائر الصحية حول العالم. وبمعنى أبسط، هذا الرقم يعبّر عن سنوات كان الناس سيفقدونها إما بسبب وفاة مبكرة، أو بسبب العيش لفترات طويلة مع مرض أو إعاقة تقلّل قدرتهم على العمل والحياة بصورة طبيعية، ويمكن للابتكار أن يقلّص هذه الخسارة على نطاق واسع.37

الفصل 2: تنمية المهارات الذهنية للدماغ

مهارات الدماغ محرّك التكيّف والإبداع والأداء لمواكبة التحوّلات المتسارعة

وبعد التركيز في الفصل السابق على حماية صحة الدماغ بوصفها الأساس، ينتقل هذا الفصل إلى جانب لا يقل أهمية، يتمثّل في تنمية مهارات الدماغ الذهنية والعقلية والفكرية التي تمكّن الأفراد من التكيّف والإبداع والأداء في عالم سريع التغيّر. وهنا يبرز دور الجهات المعنية مباشرة بتشكيل مسارات التعلّم والعمل والحياة، مثل الحكومات، والمؤسسات التعليمية، وأصحاب العمل، ومقدّمي السياسات الاجتماعية والصحية. فهذه الجهات قادرة على دعم تنمية مهارات الدماغ عبر مختلف مراحل العمر، من الطفولة، مرورًا بسنّ الدراسة والعمل، وصولًا إلى مراحل العمر المتقدمة. ولا تُبنى هذه المهارات في مرحلة واحدة، بل تتعزّز تدريجيًا من خلال بيئات وتجارب متراكمة. ويبدأ ذلك بإتاحة بيئات آمنة وغنية بالتجارب للأطفال والشباب، كالتعليم الجيد، والأنشطة التي تنمّي التفكير، والتفاعل الاجتماعي، والقدرة على حلّ المشكلات، وهي عناصر أساسية لإعداد مهارات ذهنية قادرة على مواكبة المستقبل. ومع الانتقال إلى مرحلة العمل، يتّسع نطاق المسؤولية ليشمل أماكن العمل نفسها، حيث يمكن تعزيز مهارات الدماغ من خلال تدخلات تستهدف تطوير التفكير النقدي، والتواصل، وإدارة الضغوط، والقدرة على التكيّف مع التغيير. ويشكّل هذا المسار المتكامل، من الطفولة إلى العمل، قاعدة ضرورية لفهم كيف تتحوّل مهارات الدماغ من قدرات فردية إلى عنصر مؤثّر في الأداء المؤسسي والاقتصادي، وهو ما يمهّد للانتقال إلى الأمثلة والتطبيقات العملية في الفقرات التالية.38

وانطلاقًا من هذا الدور الممتد عبر مراحل العمر، تتضح العلاقة المباشرة بين صحة الدماغ والقدرة على بناء المهارات العقلية والفكرية والاستفادة منها عمليًا. فصحة الدماغ تشكّل الأساس الذي يقوم عليه اكتساب ما يُعرف بمهارات الدماغ وتنميتها وتوظيفها في الحياة اليومية. ويقصد بهذه المهارات مجموعة القدرات التي يحتاجها الإنسان للتعلّم والعمل والتفاعل، وتشمل التفكير والتحليل، وبناء العلاقات والتواصل، وإدارة الذات واتخاذ القرار، إضافة إلى فهم التكنولوجيا واستخدامها بوعي. ومن خلال هذه القدرات، يصبح الأفراد أكثر قدرة على التكيّف مع التغيرات، والتفاعل الإيجابي مع الآخرين، والمشاركة الفاعلة في مجتمعاتهم. ولا تقتصر أهمية هذه المهارات على الجانب الفردي، إذ تُظهر التجربة أن الاستثمار في تنميتها يحقق نتائج ملموسة على مستوى المجتمع والاقتصاد، خصوصًا عندما يبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة. فقد أثبتت برامج الطفولة المبكرة عالية الجودة أنها لا تُحسّن التعلم فحسب، بل تحقق أيضًا عائدًا اقتصاديًا مرتفعًا؛ إذ تشير الدراسات إلى أن كل مبلغ يُستثمر في هذه البرامج يمكن أن يعود بفوائد تصل إلى تسعة أضعاف قيمته في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، مع تحقيق عوائد سنوية تتراوح بين 7 إلى 13 في المئة على المدى الطويل.39 وبعبارة أبسط، هذه الاستثمارات لا تُنفق دون مقابل، بل تساهم في تقليل المشكلات التعليمية والبطالة لاحقًا، ورفع الإنتاجية، وبناء قوى عاملة أكثر جاهزية. وهكذا تتحوّل مهارات الدماغ من قدرات فردية مكتسبة إلى عنصر أساسي في تعزيز الأداء الاقتصادي والاجتماعي على نطاق أوسع.

وفي ضوء ما سبق عن أهمية مهارات الدماغ لبناء الجاهزية طويلة الأمد، تتضاعف هذه الأهمية في عصر الذكاء الاصطناعي. فالتغيّرات المتسارعة في طبيعة العمل لا تفرض فقط تعلّم أدوات جديدة، بل تتطلب قدرات ذهنية أعمق تمكّن الأفراد من التكيّف والتفكير واتخاذ القرار في بيئات متحوّلة باستمرار. وفي هذا السياق، يجري المنتدى الاقتصادي العالمي استطلاعًا سنويًا يشمل أكثر من 1000 جهة توظيف عبر 55 اقتصادًا و 22 قطاعًا صناعيًا، بهدف فهم كيف تتغيّر احتياجات أصحاب العمل. وقد أظهرت نتائج عام 2025 أن نحو 59 في المئة من الموظفين سيحتاجون، في المتوسط، إلى تدريب إضافي بحلول عام 2030 لمواكبة المتطلبات المتغيّرة للمهارات.40 ويعني ذلك أن أكثر من نصف القوى العاملة العالمية ستكون مطالبة بتحديث قدراتها خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا. وعند سؤال أصحاب العمل عن المهارات الأكثر أهمية في سوق العمل اليوم، وتلك التي ستصبح حاسمة في المستقبل، برزت المهارات المصنّفة ضمن مهارات الدماغ بشكل لافت في كلا الجانبين. ويشير ذلك إلى أن القدرات المرتبطة بالتفكير، والتكيّف، والتواصل، وإدارة الذات ليست مهارات إضافية أو ثانوية، بل أصبحت في صميم متطلبات العمل الحالية والمستقبلية على حدّ سواء. اطلع على "الشكل2".

ومع أن التركيز في هذا الفصل ينصبّ على مراحل التعليم والعمل، فإن أهمية مهارات الدماغ لا تتراجع مع التقدّم في العمر. فتنمية هذه المهارات والحفاظ عليها في المراحل اللاحقة من الحياة تمكّن الأفراد، إن رغبوا، من الاستمرار في العمل لفترة أطول، كما تسهم في حمايتهم من أشكال الاستغلال والاحتيال التي تستهدف كبار السن، وتدعم قدرتهم على الحفاظ على استقلالهم واتخاذ قراراتهم بأنفسهم. ولا يقلّ عن ذلك أهمية دور مهارات الدماغ في تمكين كبار السن من الاستمرار في التفاعل مع من حولهم والمشاركة في الحياة الاجتماعية بصورة ذات معنى، بما يحافظ على شعورهم بالقيمة والاندماج، ويعزّز جودة حياتهم على المدى الطويل.

ومع اتساع النقاش حول مهارات الدماغ وأهميتها عبر مراحل العمر، يتبيّن أن فهم هذه المهارات وتطويرها يستند إلى قاعدة بحثية واسعة شاركت في بنائها مجالات معرفية متعددة، من التعليم،41 والاقتصاد،42 إلى علم النفس،43 وتعلّم الكبار،44 وعلوم الأعصاب،45 وعلم الاجتماع،46 ودراسات السلوك داخل المؤسسات.47 وقد أتاح هذا التنوع في زوايا البحث رؤية أعمق لكيفية تشكّل مهارات الدماغ، والعوامل التي تساعد على تنميتها منذ السنوات الأولى للحياة وحتى المراحل المتقدمة منها. ومع ذلك، ورغم ما تقدّمه هذه الدراسات من أدلة واضحة، لا تزال تنمية مهارات الدماغ أقل حضورًا مما ينبغي في السياسات العامة والبرامج العملية. وتكشف هذه الفجوة عن مسافة قائمة بين ما يثبته البحث العلمي من أهمية هذه المهارات، وبين مستوى الاهتمام الفعلي بتطويرها بصورة منهجية ومستدامة. وفي ضوء ما توصلت إليه الأبحاث، يمكن تعزيز مهارات الدماغ عبر مسارين رئيسيين. يتمثل المسار الأول في إتاحة بيئات آمنة وغنية بالتجارب للأطفال والشباب، تشمل تعليمًا محفّزًا وأنشطة تنمّي التفكير والتفاعل الاجتماعي وحلّ المشكلات، وهي عناصر أساسية لبناء مهارات ذهنية قادرة على مواكبة متطلبات المستقبل. أما المسار الثاني، فيرتبط ببيئات العمل، حيث تسهم التدخلات الموجّهة إلى تطوير التفكير، والتواصل، وإدارة الذات، والقدرة على التكيّف مع التغيير في رفع مستوى الأداء الفردي والمؤسسي معًا.

1. تهيئة بيئات آمنة وداعمة لتنمية مهارات الدماغ الذهنية لدى الأطفال والشباب

وبعد التأكيد على دور البيئة في بناء مهارات الدماغ الذهنية منذ الصغر، يواجه الأطفال والشباب حول العالم واقعًا يتّسم بتزايد التعقيد وعدم اليقين. ومع ذلك، لا تزال البيئات الأساسية التي ينشؤون فيها، سواء في التعليم أو الأسرة أو المجتمع، بعيدة في كثير من الأحيان عن المعارف العلمية التي توضّح كيف ينمو الدماغ في هذه المراحل الحسّاسة من العمر. وتتفق الأبحاث العلمية على أن نمو الدماغ وتكوّن المهارات العقلية والفكرية لا يحدثان بمعزل عن التجربة، بل يتأثران بشكل عميق بما يمرّ به الطفل من خبرات يومية. فالتجارب الداعمة لا تُنمّي القدرات المعرفية فحسب، بل تسهم أيضًا في بناء مهارات نفسية أساسية، مثل القدرة على التكيّف مع الضغوط، والتعامل الإيجابي مع التحديات والحياة بشكل عام.48 ومن هذا المنطلق، تصبح تنمية مهارات الدماغ في المراحل المبكرة مصلحة مباشرة للمؤسسات التي تعتمد في نجاحها على أشخاص يمتلكون قدرات معقّدة، مثل حلّ المشكلات المعقدة، وفهم مشاعر الآخرين والتعامل معها بذكاء، والقدرة على التفكير المرن وتغيير المسار عند الحاجة. فهذه المهارات لا تتكوّن فجأة عند دخول سوق العمل، بل تُزرع وتُصقل قبل ذلك بسنوات. ومع استمرار التكنولوجيا في إعادة تشكيل طبيعة العمل، تتّسع الفجوة بين ما تركّز عليه الأنظمة التعليمية، وبين ما تتطلّبه بيئات العمل الحديثة فعليًا. ويجعل هذا الواقع الحاجة إلى مواءمة استراتيجية بين تنمية مهارات الدماغ لدى الأطفال والشباب، وبين متطلبات سوق العمل المتغيّرة، أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

وتزداد أهمية التدخل في المراحل المبكرة من العمر عندما نتحدث عن برامج التعلّم المبكر، ولا سيما تلك التي لا تقتصر على التعليم وحده، بل تجمع بين التعليم، والرعاية الصحية، والدعم الغذائي، وإشراك الأسرة في العملية التربوية. فهذه المقاربة المتكاملة تخلق بيئة أكثر استقرارًا، وتمنح الطفل أساسًا أقوى للنمو العقلي والمهاري. وتؤكد الأدلة الاقتصادية هذا التوجه بوضوح. إذ يبيّن ما يُعرف بمنحنى هيكمان، وهو إطار تحليلي يوضح العلاقة بين توقيت الاستثمار في الطفل والعائد المتوقع منه، أن الاستثمار في السنوات الأولى من الحياة يحقق أعلى مردود اقتصادي مقارنة بأي مرحلة لاحقة. فعلى سبيل المثال، حقق برنامج "هاي سكوب – بيري للتعليم المبكر" لمرحلة ما قبل المدرسة عوائد سنوية تراوحت بين 7 إلى 10 في المئة، بينما سجل كل من مشروع "أبيسيداريان" بولاية كارولاين للتنمية المبكرة ونهج "كارولاينا" القائم على التعليم التفاعلي متوسط عوائد سنوية بلغ 13.7 في المئة،49 وهي نسب مرتفعة بمعايير الاستثمار طويل الأجل. ولا يقتصر هذا الأثر على الدول مرتفعة الدخل. ففي البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، تشير التقديرات إلى أن توفير رعاية وتعليم عاليي الجودة في مرحلة الطفولة المبكرة لجميع الأطفال يمكن أن يحقق عائدًا اقتصاديًا يصل إلى تسعة أضعاف حجم الإنفاق.50 كما أظهرت دراسة طويلة الأمد في "جامايكا"، امتدت على مدى 20 عامًا، أن الأطفال الذين حصلوا على تحفيز مبكر عالي الجودة حققوا، عند دخولهم سوق العمل، أجورًا أعلى بنسبة 25 في المئة مقارنة بغيرهم. وبعبارة مباشرة، الاستثمار المبكر في الأطفال لا ينعكس فقط في تحسّن التعلم أو النمو الفردي، بل يتحول مع الوقت إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، سواء على مستوى الدخل الفردي أو على مستوى إنتاجية المجتمع ككل.51

وإلى جانب برامج تنمية الطفولة المبكرة، تمتلك الأنظمة التعليمية فرصًا ملموسة لإحداث أثر قريب المدى في تنمية مهارات الدماغ الذهنية لدى الأطفال والشباب. فالتجارب اليومية التي يمرّ بها الطلاب داخل المدرسة وخارجها تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل هذه المهارات، إذا ما صُمّمت بصورة واعية ومقصودة. فعلى سبيل المثال، تسهم الأنشطة الخارجية والبرامج الرياضية في ترسيخ العمل الجماعي وتنمية ما يُعرف بالوظائف التنفيذية للدماغ، أي القدرات المرتبطة بالتخطيط، وضبط السلوك، واتخاذ القرار، وذلك من خلال التعلّم القائم على الحركة والتفاعل.52 وفي الوقت نفسه، يمكن للبيئات الرقمية، إذا أُحسن توظيفها، أن تركّز على محتوى مناسب لكل فئة عمرية،53 بما يساعد الأطفال والشباب على تعزيز مهارات الانتباه وضبط النفس بدل تشتيتهما. 54 كما توفّر برامج الإعداد لسوق العمل مساحة لتعلّم مختلف، من خلال الإرشاد المباشر، والتعلّم القائم على المشاريع، وهو ما يدعم المثابرة، والاستقلالية في التفكير، وتحمل المسؤولية. وتكتسب هذه الجهود أهمية مضاعفة، في ظل التزايد السريع في تعرّض الأطفال والشباب لتقنيات الذكاء الاصطناعي في حياتهم اليومية. فكما يخضع الموظفون اليوم لبرامج تدريب تهدف إلى تطوير مهاراتهم العقلية والفكرية لمواكبة التحوّلات التقنية، يحتاج الأطفال والشباب بدورهم إلى دعم منهجي يساعدهم على بناء القدرات التي تمكّنهم من التكيّف والنجاح في عالم يقوده الذكاء الاصطناعي. ومن هنا، فإن إعطاء الأولوية لتنمية مهارات الدماغ في الحاضر لا يمثّل استثمارًا تعليميًا فحسب، بل هو خطوة حاسمة في تشكيل ملامح القوى العاملة في المستقبل، وبناء أجيال قادرة على العمل والتفكير والإبداع في بيئة متغيّرة باستمرار.

وتتكوّن مهارات الدماغ وتتطور عبر مختلف مراحل الحياة، وهو ما يستدعي النظر إلى الطفولة المبكرة ومرحلة المراهقة بوصفهما جزءًا أساسياً من مسار إعداد القدرات البشرية، لا مراحل معزولة عنه. فتنمية المهارات العقلية والفكرية في هذه المراحل المبكرة تمثّل الأساس الذي يُبنى عليه لاحقًا تطوّر المواهب والجاهزية لسوق العمل، وليس مجرد تمهيد بعيد الأثر.

2. تنمية مهارات الدماغ عبر بيئات العمل

وبعد الانتقال إلى دور بيئات العمل في تنمية مهارات الدماغ، تتضح أهمية مكان العمل بوصفه أحد أكثر البيئات تأثيرًا في صحة الدماغ. فالبالغون يقضون نحو ثلث حياتهم في العمل،55 ما يجعل بيئة العمل عاملًا قادرًا إمّا على تعزيز القدرات العقلية والصحة النفسية، أو على استنزافها وإضعافها بمرور الوقت. وتشير البيانات إلى حجم التحدي القائم؛ إذ يعاني أكثر من واحد من كل خمسة موظفين حول العالم من أعراض الإرهاق الوظيفي، مثل الإجهاد المزمن وتراجع التركيز وفقدان الدافعية. ولا تقتصر آثار هذا الإرهاق على الأفراد وحدهم، بل تمتد لتطال الإنتاجية والاستقرار داخل المؤسسات والاقتصادات.56 وفي المقابل، تُظهر التقديرات أن الاستثمار الاستباقي في صحة الموظفين، بما يشمل صحة الدماغ والقدرات العقلية والفكرية، يمكن أن يحقق مكاسب واسعة النطاق. إذ يمكن لمثل هذه الاستثمارات أن ترفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بما يصل إلى 12 في المئة، وأن تولّد قيمة اقتصادية قد تبلغ 11.7 تريليون دولار.57 ويعكس ذلك أن دعم صحة الدماغ في بيئات العمل ليس عبئًا إضافيًا، بل استثمارًا ذا عائد مرتفع على المدى المتوسط والطويل. ومع تقدّم المجتمعات في العمر وامتداد سنوات العمل، تزداد الحاجة إلى دعم القوى العاملة عبر مختلف مراحلها، من الداخلين الجُدد إلى سوق العمل، إلى من هم في المراحل المتقدمة من مسيرتهم المهنية. ويصبح تعزيز صحة الدماغ وتنمية مهاراته عنصرًا أساسيًا للحفاظ على حياة مهنية منتجة ومستدامة، تُمكّن الأفراد من الاستمرار في العطاء دون استنزاف قدراتهم الذهنية أو الصحية.

ويأتي الذكاء الاصطناعي ليضاعف في الوقت نفسه حجم التحدي وحجم الفرصة. فخلال عامين فقط، ارتفعت القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وإدارتها بصورة فعّالة واستراتيجية بنحو سبعة أضعاف، ما يعكس تسارعًا غير مسبوق في وتيرة التحوّل داخل بيئات العمل. 58 وفي الواقع، لم يعد كافيًا أن تنظر المؤسسات إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تقنية فحسب، بل بات من الضروري فهم كيف يؤثر في المتطلبات العقلية والفكرية المفروضة على الموظفين، مثل التركيز، واتخاذ القرار، وإدارة المعلومات المتدفقة. وفي المقابل، تظل القدرات البشرية، كالحكم المهني، والإبداع، والتواصل، عناصر أساسية توجه كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي وتطوره داخل المؤسسات، ولا يمكن استبدالها بالخوارزميات وحدها. ومن هنا، ينبغي أن يقترن إدخال التغييرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي باستثمار مقصود في تنمية مهارات الدماغ، وأن تُدمج هذه المهارات ضمن طرق العمل الجديدة التي تتشكل حاليًا. فالتكنولوجيا وحدها لا تصنع ميزة تنافسية مستدامة ما لم تُدعَم بقدرات بشرية قادرة على توظيفها بوعي وكفاءة. أما في غياب هذا التوازن، فإن المؤسسات تخاطر بفقدان قدرتها التنافسية، فضلًا عن تكبّد كلف يمكن تجنّبها، ناتجة عن تراجع رفاه الموظفين، وارتفاع مستويات الإجهاد، وانخفاض الأداء على المدى المتوسط والطويل.

واستكمالًا للحديث عن إدماج الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل، يتبيّن أن نجاح هذا الإدماج لا يعتمد على التقنية وحدها، بل على مدى اقترانه بتنمية مهارات الدماغ ودمجها في طرق العمل اليومية. فالتدريب على هذه المهارات، إلى جانب إعادة تصميم سير العمل، يمكّن الموظفين من التكيّف مع التغيير، وحلّ المشكلات المعقّدة، والعمل بفاعلية ضمن ما يمكن تسميته بـ الذكاء الهجين، أي التكامل بين قدرات الإنسان وإمكانات الآلة. فعلى أرض الواقع، قد تشجّع المؤسسات استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مهام مثل تنظيم الجداول، أو الترجمة، أو الأعمال الإدارية المتكرّرة، بما يخفف العبء اليومي عن الموظفين. وفي المقابل، يصبح من الضروري الحفاظ على القدرات البشرية التي لا يمكن للتقنية أن تعوّضها، مثل التواصل الفعّال، والإرشاد، والتفكير النقدي، وهي عناصر أساسية لبناء الثقة وتعزيز الأداء داخل فرق العمل. وتشير الأبحاث إلى أن بعض مهارات الدماغ تلعب دورًا محوريًا في هذا السياق.59 فمهارات مثل القدرة على الصمود أمام الضغوط، والشعور بالكفاءة الذاتية، أي ثقة الفرد بقدرته على إنجاز المهام ومواجهة التحديات، إضافة إلى القدرة على التكيّف مع المتغيّرات، برزت بوصفها من أقوى العوامل المؤثرة في تقييم الأفراد لأدائهم وفي سلوكهم الابتكاري.60 وتؤكد هذه النتائج دراسة شملت عاملين من 30 دولة، حيث تبيّن أن التكيّف والكفاءة الذاتية كانا العاملين الأكثر تأثيرًا في شعور الموظفين بأنهم يحققون ازدهارًا حقيقيًا في عملهم، لا مجرد أداء المهام المطلوبة منهم. ويعكس ذلك أن بناء مهارات الدماغ لا ينعكس فقط في تحسين الإنتاجية، بل في تعزيز شعور الأفراد بالقدرة والإنجاز والاستمرارية داخل بيئات عمل متغيّرة.61

ويُترجم الاهتمام بصحة الموظفين إلى مكاسب ملموسة عندما يُنظر إليه كاستثمار لا كتكلفة. إذ تُظهر التجارب العملية أن إعطاء الأولوية لصحة العاملين، بما في ذلك صحة الدماغ وتنمية المهارات العقلية والفكرية والذهنية، يمكن أن يحقق عوائد كبيرة للمؤسسات.62 ففي إحدى شركات الملابس الرياضية، جرى تطبيق برنامج متكامل لدعم رفاهية الموظفين شمل إتاحة مصادر للتثقيف حول العناية الذاتية، وتنظيم جلسات تدريب وإرشاد فردية، وعقد ورش عمل داخلية تُعنى بالرفاهية العامة والمهارات العقلية، إلى جانب تدريب المديرين على المهارات التفاعلية والتواصل مع فرقهم. ولم تكن هذه المبادرات ذات أثر معنوي فقط، بل انعكست أيضًا في نتائج قابلة للقياس.63 إذ أظهرت الشركة أن كل وحدة إنفاق على هذا البرنامج عادت عليها بقيمة تعادل 11.6 ضعفًا من حيث الفوائد المحققة، سواء عبر تحسّن الأداء، أو انخفاض معدلات الإجهاد والتغيب، أو تعزيز الإنتاجية والالتزام الوظيفي. ويؤكد هذا المثال أن الاستثمار المنهجي في صحة الموظفين ومهاراتهم العقلية والفكرية يمكن أن يحقق عائدًا يفوق بكثير كلفته، ويعزز في الوقت نفسه استدامة الأداء داخل المؤسسة.64

والمفارقة أن العوامل نفسها التي تجعل التكيّف ضرورة اليوم، وعلى رأسها الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي، قد تدفع بعض القادة إلى مقاومة التغيير والاعتماد على قرارات ردّ الفعل بدل التخطيط الهادئ. ومع استمرار الضغوط الذهنية والانفعالية في بيئات العمل، سيحتاج التنفيذيون إلى إظهار مهارات أساسية مثل ضبط النفس، وصفاء التفكير، والقدرة على الحفاظ على التركيز والاحتمال الذهني لفترات طويلة دون إنهاك.65 وفي هذا الإطار، تستطيع المؤسسات إدخال تغييرات تنظيمية ملموسة تدمج مهارات الدماغ في صميم العمل اليومي، بدءًا من الثقافة المؤسسية، مرورًا بسير العمل، وأطر تصنيف المهارات، وبرامج التعلّم، وصولًا إلى أنظمة تقييم الأداء وتطوير الموظفين. فالحديث هنا لا يقتصر على التدريب الفردي، بل يشمل إعادة تصميم الطريقة التي تُدار بها المؤسسة وتُتخذ فيها القرارات. وتُظهر التجارب أن برامج تدريب الموظفين التي تركّز على ما يُعرف بالمرونة النفسية المرتبطة بالعمل"أي قدرة الفرد على التكيّف الذهني مع الضغوط والمتغيرات دون فقدان التركيز أو الدافعية" ارتبطت بتحسّن القدرة على تحمّل التوتر، وتراجع مستويات الإرهاق، وارتفاع الشعور بالإنجاز الشخصي. ويشير ذلك إلى أن بناء هذه المهارات ينعكس مباشرة على صحة الأفراد وأدائهم.66 وإلى جانب ذلك، يمكن لأدوات مساندة، مثل الأجهزة القابلة للارتداء أو المتتبّعات الرقمية التي تراقب النوم أو النشاط البدني، أن تساعد القيادات على إدارة طاقتها الذهنية والنفسية بوعي أكبر. فالقادة، كما الرياضيون المحترفون، يستفيدون عندما يتعاملون مع طاقتهم العقلية والعاطفية بالانضباط نفسه الذي يُدار به الأداء الذهني والبدني في المنافسات عالية المستوى.67

ومع تزايد الأدلة البحثية، باتت الصورة أوضح أمام أصحاب العمل حول المجالات التي ينبغي التركيز عليها لتحقيق الأثر الأكبر. فالأبحاث الجارية اليوم لا تكتفي بتأكيد أهمية مهارات الدماغ، بل تساعد أيضًا في تحديد أين وكيف يمكن توجيه الجهود بصورة أكثر ذكاءً وفاعلية. وفي هذا الإطار، تُسهم أدوات تحليلية مثل النموذج الموحّد لصحة الدماغ في إرشاد المؤسسات نحو استثمارات مدروسة، عبر ربط صحة الدماغ وتنمية المهارات العقلية والفكرية بالأداء والإنتاجية والاستدامة المؤسسية. وبفضل هذه الأطر، يصبح اتخاذ القرار أقل اعتمادًا على الحدس وأكثر استنادًا إلى فهم علمي ومنهجي.68 وعندما تستثمر المؤسسات في بناء مهارات الدماغ من الداخل، أي من خلال ثقافتها، وطرق العمل، وتطوير قياداتها وموظفيها، فإنها تعزّز قدرتها على الابتكار، والاحتفاظ بالكفاءات العالية، والاستمرار في الأداء القوي وسط بيئة تتسم بتغيّر دائم وتسارع مستمر.

عمود جانبي

قراءة معمّقة للبيانات: ما العوامل التي تعزّز من مستوى رفاهية الموظفين وتحسين جودة أدائهم في بيئة العمل

طوّرت مبادرة "متحدون ضد الزهايمر"، بالتعاون مع تحالف "دافوس لمكافحة الزهايمر" ومعهد ماكنزي للصحة، نموذجًا موحّدًا لصحة الدماغ يقدّم إطارًا مرجعيًا لفهم العلاقة المتشابكة بين صحة الدماغ، والصحة النفسية، والقدرات الذهنية، والأداء في بيئة العمل. ويهدف هذا النموذج إلى الانتقال بالنقاش حول صحة الدماغ من نطاقه الطبي الضيّق إلى أفق أوسع يربط بين رفاه الإنسان وقدرته على التفكير واتخاذ القرار والمشاركة الفاعلة في الحياة المهنية. ويقوم النموذج على تعريف واضح لمفهوم صحة الدماغ بوصفه قدرة الدماغ على أداء وظائفه المعرفية والعاطفية والسلوكية بكفاءة واستقرار، بما يشمل التفكير، والذاكرة، وتنظيم المشاعر، والقدرة على التكيّف مع الضغوط. كما يبرز الدور المحوري للصحة النفسية، باعتبارها حالة من التوازن العاطفي والقدرة على التعامل مع التحديات اليومية، والوظائف المعرفية التي تشمل التركيز، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات المعقّدة، بوصفها عناصر مترابطة تؤثر مباشرة في جودة الأداء الوظيفي واستدامته. ويتيح هذا الإطار لأصحاب العمل قراءة واقع سياساتهم وممارساتهم من منظور جديد، يحدّد بوضوح أين تسهم هذه السياسات في دعم صحة الدماغ، وأين قد تُضعفها دون قصد. كما يساعد على رصد مجالات التدخل الأعلى أثرًا، ومواءمة المبادرات الصحية والتنظيمية مع الأهداف الاستراتيجية للمؤسسات، بما يعزّز الإنتاجية ويحدّ من الإرهاق والتراجع في الأداء. ويُظهر النموذج، استنادًا إلى الأدلة العلمية، أن عوامل شائعة وقابلة للتعديل، مثل مستويات التوتر، وجودة النوم، وقوة الروابط الاجتماعية والانخراط المجتمعي، لا تؤثر في صحة الدماغ بشكل منفصل، بل تُحدث سلسلة من التأثيرات المتتابعة التي تنعكس على مستوى رفاهية الموظفين وقدرتهم على العمل بمرونة وكفاءة. ويؤكد هذا الترابط أن الاستثمار في صحة الدماغ ليس مسألة صحية فحسب، بل خيار استراتيجي يعزّز استدامة الأداء المؤسسي، ويرفع القدرة التنافسية، ويدعم بناء بيئات عمل أكثر إنسانية وقدرة على التكيّف مع المتغيرات. اطلع على "الشكل" التوضيحي أدناه.

الفصل 3: توسيع البحث العلمي في رأس المال الدماغي

دراسة رأس المال الدماغي تكشف الفجوات وتوجّه الابتكار نحو الأولويات

ورغم تزايد الاهتمام برأس المال الدماغي، لا يزال هذا المفهوم في مراحله الأولى من حيث التأطير العلمي والتطبيقي. وصحيح أن أعمالًا بحثية متفرقة تُنجَز اليوم في مجالات متعددة ذات صلة، إلا أنها تظل متفرقة ولا تجتمع ضمن إطارٍ معرفي واحد يجمع بين التخصصات المختلفة. ونتيجة لذلك، يفتقر هذا المجال حتى الآن إلى أجندة مشتركة يمكن أن تُوجّه الاستثمارات الاستراتيجية، أو تضع معايير واضحة، أو تدعم تحركًا جماعيًا منسقًا على مستوى السياسات والمؤسسات. ولسدّ هذه الفجوة، تبرز الحاجة إلى مقاربة بحثية أعمق لدراسة رأس المال الدماغي، تقوم على ثلاثة مسارات رئيسية. يتمثّل المسار الأول في توسيع الفهم العلمي لصحة الدماغ نفسها، بما يشمل الوقاية من الاضطرابات المرتبطة بالدماغ وعلاجها، إلى جانب تحديد السبل التي تمكّن الأفراد من الحفاظ على صحة دماغية مثلى عبر مختلف مراحل العمر. أما المسار الثاني، فيركّز على بناء قاعدة أدلة أوسع حول مهارات الدماغ، ولا سيما ما يتعلّق بتأثير هذه المهارات في الإنتاجية، والأداء داخل المؤسسات، والقدرة على التكيّف في بيئات العمل المتغيرة. فحتى الآن، لا تزال هذه العلاقة أقل توثيقًا مما تتطلبه القرارات الاستثمارية والسياسات العامة. ويتمثّل المسار الثالث في تطوير أبحاث تطبيقية تدعم المجتمعات والمؤسسات والأنظمة المختلفة في إعادة تنظيم نفسها بطريقة تعزّز صحة الدماغ وتنمية مهاراته على نطاق واسع. ويشمل ذلك فهم كيف يمكن للهياكل التنظيمية، والسياسات، ونماذج العمل، أن تتحوّل من كونها محايدة تجاه صحة الدماغ إلى عناصر فاعلة في دعمها وتحسينها بصورة منهجية ومستدامة.

ومجتمعةً، تشكّل هذه المسارات البحثية الثلاثة الأساس الذي يمكن البناء عليه لصياغة أجندة علمية متكاملة تُسهم في تطوير رأس المال الدماغي. غير أن واقع الاستثمار الحالي لا يزال بعيدًا عن حجم التحدي وتعقيده، سواء من حيث مستوى التمويل أو طريقة تنظيمه وتوجيهه. فالمشكلة لا تكمن فقط في محدودية الموارد، بل في غياب إطار مشترك للبحث والقياس يتيح تحديد التقدّم المحقق، أو مقارنة النتائج بين القطاعات والدول، أو توسيع نطاق الحلول الناجحة.69 وفي ظل هذا الغياب، يصبح من الصعب الإجابة عن أسئلة أساسية مثل: ما الذي ينجح؟ وأين؟ وبأي كلفة؟ وما الذي يمكن تعميمه على نطاق أوسع؟ ولذلك، فإن تعميق المعرفة العلمية، إلى جانب تتبّع المؤشرات الأكثر تأثيرًا، يمثّل خطوة محورية لسد هذه الفجوة. وعندما تتوافر هذه الرؤية المبنية على الأدلة، يصبح أصحاب المصلحة من صانعي السياسات، إلى المموّلين، إلى الجهات المنفّذة للبرامج أكثر قدرة على اتخاذ قرارات مدروسة تتعلق بالسياسات العامة، وتخصيص الموارد، وتصميم المبادرات المرتبطة برأس المال الدماغي. وبذلك، ينتقل هذا المفهوم من إطار نظري واسع إلى أداة عملية تُوجّه الاستثمار والعمل نحو أثر ملموس وقابل للقياس.

وتتطلب دراسة رأس المال الدماغي مقاربة شاملة تقوم على ثلاثة محاور مترابطة. يبدأ المحور الأول بإرساء رأس المال الدماغي بوصفه مجالًا معرفيًا عابرًا للتخصصات، يجمع بين الصحة، والتعليم، والاقتصاد، وعلوم الأعصاب، والسلوك التنظيمي، بدل التعامل معه كموضوع مجزأ موزّع بين حقول منفصلة. فغياب هذا الإطار المشترك يحدّ من القدرة على بناء رؤية متكاملة أو تنسيق الجهود البحثية والاستثمارية. أما المحور الثاني، فيتمثّل في تطوير أدوات قياس واضحة وموحّدة لرأس المال الدماغي، بما يتيح فهم مستواه، ورصد تطوّره، ومقارنة نتائجه عبر القطاعات والمجتمعات. فبدون قياس منهجي لما يهم فعليًا، يصعب تقييم الأثر أو توجيه السياسات والموارد بكفاءة. ويأتي المحور الثالث ليؤكد أهمية تسريع البحث والتطوير في هذا المجال، ليس على المستوى النظري فقط، بل من خلال تحويل المعرفة العلمية إلى حلول عملية قابلة للتطبيق والتوسّع. ويشمل ذلك دعم الابتكار في البرامج، والتقنيات، والنماذج التنظيمية التي تسهم في تعزيز صحة الدماغ وتنمية مهاراته على نطاق واسع.

1. ترسيخ رأس المال الدماغي كمجال متعدد التخصصات

يمثّل إرساء إطار بحثي عابر للتخصصات خطوة أساسية لتسريع التقدّم في القضايا المعقّدة التي تتداخل فيها مجالات متعددة، وتتجاوز حدود القطاعات والجغرافيا. فمثل هذا الإطار لا يسهّل تبادل المعرفة بين التخصصات فحسب، بل يتيح أيضًا تصميم تدخلات قابلة للتوسّع والتطبيق على نطاق واسع، بدل الاكتفاء بحلول مجتزأة أو محصورة بسياقات ضيّقة. وتُظهر تجارب مجالات أخرى قيمة هذا النهج بوضوح. ففي ميدان علم الشيخوخة المتكامل، على سبيل المثال، أسهم اعتماد منظور متعدد التخصصات في بلورة أولويات مشتركة، وتطوير أنظمة قياس متّفق عليها، ما ساعد على تحفيز الاستثمارات، وجذب الكفاءات البحثية المتميزة، وتسريع وتيرة الابتكار. ويشير ذلك إلى أن توحيد الجهود حول إطار علمي جامع لا يقل أهمية عن حجم التمويل نفسه، لأنه يحدد الاتجاه ويحوّل المعرفة إلى أثر عملي ملموس. كما هو موضح في "الشكل3".

ولتحويل هذا التوجّه من إطار نظري إلى واقع عملي، يمكن للمؤسسات البحثية إنشاء مراكز أو برامج متخصصة في رأس المال الدماغي، تكون مهمتها الربط الصريح بين هذه المجالات المختلفة، وتوحيدها عبر بيانات مشتركة وأدوات قياس متّفق عليها. فوجود مثل هذه المنصات المؤسسية يسهّل العمل التكاملي، ويمنح البحث العلمي اتجاهًا أوضح وأكثر قابلية للتطبيق. وفي موازاة ذلك، تستطيع الحكومات إدراج أبحاث رأس المال الدماغي ضمن أولوياتها الوطنية، بما يشجّع على تمويل المشاريع العابرة للتخصصات، ويدعم الشراكات التي تنقل المعرفة من المختبرات إلى السياسات والبرامج العملية. كما يمكن للمبتكرين وقادة الصناعة أن يسهموا بدور فاعل من خلال الاستثمار المشترك في مبادرات تجمع بين القطاعين العام والخاص، بهدف تسريع تطوير الأدوات والتدخلات التي تعزّز صحة الدماغ وتنمية مهاراته. أما الجهات المموّلة، فيمكنها الاستفادة من هذا الإطار بوصفه أداة لتنظيم محافظها الاستثمارية، بما يضمن توجيه الموارد نحو مجالات ذات أثر واضح وقابل للقياس. ومع ترسيخ إطار موحّد للعمل البحثي في رأس المال الدماغي، يصبح من الممكن تتبّع حجم الاستثمارات والعوائد على المستوى العالمي، وهو ما يهيّئ المجتمعات والشركات على حدّ سواء للازدهار في اقتصاد يتزايد فيه الاعتماد على القدرات الذهنية أكثر من أي وقت مضى.70

2. قياس رأس المال الدماغي لتوجيه السياسات والاستثمار

ومع اتساع الاهتمام العالمي برأس المال الدماغي، يصبح القياس نقطة الانطلاق الأساسية لتحويل هذا الاهتمام إلى أثر فعلي. فحتى اليوم، لا يوجد إطار معتمد على نطاق واسع يحدد ما الذي يعنيه النجاح في هذا المجال، أو يتيح مقارنة التقدّم بين الدول والقطاعات، أو تقييم النتائج بصورة منهجية. ونتيجة لذلك، تظل الجهود مبعثرة، ويصعب توجيه الموارد أو الدفاع عن استثمارات طويلة الأمد. ولهذا، فإن تطوير مؤشرات واضحة، ومبادئ إرشادية، وأطر قياس متّفق عليها، يشكّل خطوة حاسمة لتنظيم الجهود وتوحيدها. فوجود هذه الأدوات لا يساعد فقط على مواءمة الموارد مع الأولويات، بل يوفّر أيضًا الأساس الذي يُبنى عليه منطق الاستثمار المستدام، ويفتح الباب أمام تمويلات نوعية قادرة على إحداث تحوّل واسع. وتوضح تجارب سابقة قوة هذا النهج. ففي عام 2007، أصدر بنك الاستثمار الأوروبي أول سندات في العالم مخصّصة لتمويل مشاريع بيئية، عُرفت باسم سندات "الوعي المناخي". ومع مرور الوقت، تطوّرت هذه المبادرة لتصل القيمة الإجمالية للإصدارات المرتبطة بها إلى أكثر من تريليون دولار، كما أسهمت في بلورة معايير مستقلة اعتمدتها جهات خارجية لتنظيم هذا النوع من التمويل.71 وبالمثل، أتاح تطوير مؤشر رأس المال الدماغي، إلى جانب الأطر المحاسبية المرتبطة به، قياس الإسهام الفعلي لكل من الصحة والتعليم في إنتاجية القوى العاملة. ولم يقتصر أثر هذا القياس على تحسين الفهم النظري، بل ساعد الدول على إدراك الكلفة الحقيقية لعدم الاستثمار في هذه المجالات، وتحويل ما كان يُنظر إليه كقضايا اجتماعية عامة إلى قرارات اقتصادية قابلة للحساب والمساءلة. 72

وتوفّر بعض الأدوات القائمة اليوم مؤشرات أولية لما يمكن تحقيقه في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، طوّرت الجمعية "الأورو-متوسطية" للاقتصاديين ما يُعرف بـ لوحة مؤشرات رأس المال الدماغي إطارًا عمليًا يساعد على تجميع البيانات وتحليلها، ويُظهر كيف يمكن ترجمة مفهوم رأس المال الدماغي إلى مؤشرات قابلة للمتابعة والمقارنة. وتمهّد مثل هذه الأدوات الطريق أمام تطوير أنظمة قياس أكثر نضجًا واتساعًا، قادرة على دعم القرارات الاستثمارية والسياسات العامة على نطاق أوسع.73

عمود جانبي

أداة تحليلية لقراءة المؤشرات العالمية لرأس المال الدماغي

تعرض لوحة مؤشرات رأس المال الدماغي صورة شاملة تعكس واقعه في أكثر من مئة دولة حول العالم، من خلال مؤشر موحّد يتيح المقارنة بين الدول. ولا يكتفي هذا المؤشر بتقديم رقم إجمالي، بل يُفصَّل إلى مجموعة من المؤشرات الفرعية التي توضّح مكوّناته الأساسية، بما يساعد على فهم كيفية تشكّل هذا المؤشر داخل كل دولة. ومن خلال هذا التفكيك، يصبح بالإمكان تحديد نقاط القوة التي يمكن البناء عليها، ومواطن الضعف التي تتطلب تدخّلًا، وقراءة الفوارق بين الدول عبر مجالات متعددة ترتبط بصحة الدماغ والقدرات الذهنية والعوامل الداعمة لها.

وقد أنشأ تحالف رأس المال الدماغي1 هذه اللوحة التفاعلية بالاعتماد على دمج بيانات مفتوحة صادرة عن جهات دولية موثوقة، من بينها منظمة الصحة العالمية، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وقد صُمِّمت الأداة لتكون مرجعًا تحليليًا يساعد على قراءة واقع رأس المال الدماغي عالميًا استنادًا إلى بيانات قابلة للمقارنة بين الدول. وتعتمد اللوحة على مجموعة من المؤشرات الفرعية الموزعة على أربعة محاور رئيسية، تشمل صحة الدماغ، ومهارات الدماغ الذهنية، والبيئات الداعمة للدماغ، ومُمكّنات السياسات والابتكار. ويتيح هذا التقسيم فهمًا أعمق لمكوّنات رأس المال الدماغي، بدل الاكتفاء بمؤشر عام، كما يمكّن من تحليل الفوارق بين الدول، ورصد مواطن القوة في السياسات المعتمدة، والكشف عن الفجوات التي تعيق التطوير في هذا المجال. وتوفّر الأداة كذلك إمكانية تتبّع التقدّم المحقّق بمرور الوقت، بما يساعد صُنّاع القرار والباحثين على تقييم أثر السياسات والتدخلات المختلفة. وتشمل المؤشرات المستخدمة، على سبيل المثال، معدلات الانتحار، ونسب المشاركة في التعلّم المنظّم، وإمكانية الوصول إلى الخدمات الاجتماعية، وحجم الاستثمار في البحث العلمي، وجاهزية النظم الصحية. وبهذا، تقدّم اللوحة إطارًا عمليًا متكاملًا لقراءة العلاقة بين صحة الدماغ والسياسات العامة والتنمية البشرية المستدامة.

وتستند لوحة مؤشرات رأس المال الدماغي في أحد أعمدتها الأساسية إلى بيانات صحة الدماغ الصادرة عن معهد القياسات الصحية والتقييم، وهو مرجع دولي معتمد في قياس أثر الأمراض والمؤشرات الصحية. ويمنح هذا الاعتماد اللوحة أساسًا علميًا متينًا، يضمن اتساق المؤشرات وقابليتها للمقارنة بين الدول. ولا يقتصر إسهام المعهد على توفير بيانات عامة، بل يضيف طبقة أعمق من التفاصيل الصحية على مستوى كل دولة، تشمل بيانات مرتبطة بفترة جائحة كوفيد-19، إلى جانب نطاق أوسع من الاضطرابات العصبية والنفسية. كما يعتمد المعهد مقاييس معترفًا بها دوليًا، مثل سنوات العمر المصحّحة باحتساب العجز، لقياس الأثر الصحي والفعلي للأمراض، وليس مجرد انتشارها العددي. ويُسهم هذا التكامل بين المؤشرات العامة والتفصيلية في تعزيز قدرة لوحة المؤشرات على تقديم قراءة دقيقة وشاملة لصحة الدماغ، وربطها بشكل مباشر بتطوير رأس المال الدماغي، ورصد الفوارق بين الدول، وتحليل تطوّرها عبر الزمن وفي ظل الأزمات الصحية الكبرى.2

واستنادًا إلى هذه الجهود الأولية، تصبح الخطوة التالية أكثر وضوحًا وهي: توسيع نطاق الاستخدام، وتعزيز التنسيق بين الجهات المختلفة، وصقل أدوات القياس القائمة. فمرحلة التجريب أثبتت الإمكانات، لكن تحويلها إلى أثر واسع يتطلب أطرًا أكثر تنظيمًا واتساقًا. ومن بين المسارات الواعدة في هذا السياق، العمل على تحديد نطاق واضح ومؤشرات دقيقة لما يمكن تسميته حسابًا إحصائيًا تابعًا لرأس المال الدماغي. والمقصود هنا أداة إحصائية تُستخدم لتقديم صورة أكثر تفصيلًا عن مجالات لا يعكسها الناتج المحلي الإجمالي بدقة، رغم تأثيرها العميق في الاقتصاد والمجتمع. فكما تدور الأقمار الصناعية حول الأرض دون أن تكون جزءًا منها، تدور هذه الحسابات التابعة حول الإحصاءات الاقتصادية الأساسية للدولة مثل الناتج المحلي والبيانات القطاعية من دون أن تُدمج فيها مباشرة.74 وتكمن قيمة هذا النهج في قدرته على سد فجوة معرفية مهمّة. إذ يمكن لمثل هذه الحسابات أن تُدمج ضمن الأنظمة الإحصائية الوطنية، فتساعد على تقدير الكلفة الحقيقية لعدم الاستثمار في صحة العقل ومهاراته، وفي المقابل، قياس الأثر الإيجابي للاستثمارات الموجّهة إلى رأس المال الدماغي. وبهذا، لا يبقى الحديث عن صحة الدماغ والقدرات الذهنية في إطار توصيات عامة، بل يتحوّل إلى أرقام ومؤشرات تدعم صنع القرار، وتُدخل هذه القضايا إلى صميم التخطيط الاقتصادي.

وفي الواقع، إن تحويل رأس المال الدماغي إلى مؤشرات قابلة للقياس يمنح القادة أداة عملية لاتخاذ القرار. فهو يتيح لهم معرفة ما يحقق نتائج فعلية وما لا يحققها، وإعادة توجيه الموارد نحو المبادرات الأعلى أثرًا، بدل توزيعها بصورة عامة أو حدسية. كما يساعد هذا القياس على توضيح قيمة الاستثمار في رأس المال الدماغي أمام المستثمرين والجهات المموّلة والجمهور، من خلال أرقام ومعطيات ملموسة تبيّن العائد والأثر بوضوح.

3. تسريع وتيرة عمليات البحث والتطوير لدعم تنمية رأس المال الدماغي

يشكّل البحث والتطوير أحد أكثر الأدوات تأثيرًا في دفع تنمية رأس المال الدماغي. غير أن الواقع الحالي يُظهر أن الجزء الأكبر من التمويل في هذا المجال يتركّز على المراحل المتأخرة من العلاج، أي بعد ظهور المشكلات بالفعل، فيما تحظى مجالات الوقاية، والكشف المبكر، والبحث العلمي المتعلق بكيفية تنمية مهارات دماغية إيجابية وقوية باهتمام أقل مما تستحق.75 ويعكس هذا الخلل فجوة في توجيه الاستثمارات، لا في حجمها فقط. فاعتماد مقاربة أكثر استراتيجية في البحث والتطوير من شأنه أن يعيد توزيع الجهود عبر مختلف مراحل مسار البحث العلمي، بدءًا من العلوم الأساسية، مرورًا بالتجارب التطبيقية، وصولًا إلى الحلول القابلة للتوسّع. ومن خلال هذا التوجيه المدروس، يمكن توظيف الاستثمارات في المجالات الأعلى أثرًا في كل مرحلة، بما يعزّز بناء رأس المال الدماغي بصورة أكثر توازنًا واستدامة.

ويُعدّ وضع رأس المال الدماغي في صميم البحث العلمي متعدد التخصصات الخطوة الأولى الضرورية لدمجه بصورة استراتيجية عبر مسارات البحث والتطوير ذات الصلة. فبدون هذا التأطير الجامع، تظل الجهود متفرقة، ويصعب تنسيقها أو تعظيم أثرها على امتداد دورة الابتكار. ويمكن تنظيم جهود البحث والتطوير المرتبطة برأس المال الدماغي عبر أربع مراحل مترابطة تمثل مسار التقدّم من الفكرة إلى الأثر. تبدأ المرحلة الأولى بالبحث الأساسي، الذي يركّز على بناء الفهم العلمي لصحة الدماغ ومهاراته. وتليها مرحلة نقل المعرفة وتكييفها، حيث تُحوَّل النتائج العلمية إلى نماذج وتدخلات قابلة للتجربة في سياقات واقعية. ثم تأتي مرحلة التبنّي والتطبيق، التي تُعنى بإدخال هذه الحلول إلى المؤسسات والأنظمة القائمة وتكييفها مع احتياجات المستخدمين. أما المرحلة الرابعة، فتتمثل في التوسّع، أي تعميم الحلول التي أثبتت فعاليتها على نطاق أوسع لتحقيق أثر مستدام. ويُبرز المخطط التوضيحي في "الشكل4" الأسئلة المحورية التي ينبغي معالجتها في كل مرحلة من مراحل البحث والتطوير، كما يحدّد إجراءات عملية يمكن أن تُسرّع الانتقال من المعرفة إلى التطبيق، ومن التجربة المحدودة إلى الأثر الواسع.

ويتطلّب تحقيق الإمكانات الكاملة لرأس المال الدماغي استثمارًا مستدامًا ومترابطًا عبر مختلف مراحل البحث والتطوير. فالتقدّم في تقنيات نوعية، مثل التقنيات التي تتيح الربط المباشر بين إشارات الدماغ والأنظمة الرقمية، بما يسمح بقراءة النشاط العصبي واستخدامه في العلاج أو التفاعل مع الأجهزة، إلى جانب الطب الدقيق الذي يخصّص التدخلات الصحية وفق الخصائص الفردية، وتقنيات الجيل الجديد لرسم خرائط الدماغ، يفتح آفاقًا غير مسبوقة لفهم وظائف الدماغ ومتابعة أدائه الصحي بدقة أعلى. وفي موازاة ذلك، يسهم التركيز المتزايد على علم الشيخوخة في إعادة صياغة الفهم لكيفية الحفاظ على القدرات المعرفية مع التقدّم في العمر. إذ بات واضحًا أن تصميم بيئات العمل والمجتمعات المحيطة يمكن أن يدعم الأداء العقلي المرتفع لدى الفئات الأكبر سنًا، بدل التعامل مع التراجع المعرفي بوصفه نتيجة حتمية للتقدّم في السن. وعلى امتداد مراحل الحياة كافة، تبرز أهمية الدراسات واسعة النطاق التي تراعي الفروق بين الجنسين، وتأخذ في الاعتبار الحالة الهرمونية والعوامل المؤثرة فيها. فإدماج هذه الأبعاد في البحث العلمي يتيح فهمًا أدق للاختلافات المرتبطة بكل مرحلة عمرية، ويساعد على تطوير تدخلات أكثر ملاءمة لاحتياجات النساء والرجال على حدّ سواء. وتُبرز هذه الأمثلة مجتمعة الحاجة إلى صياغة أجندة واضحة للبحث والتطوير في مجال رأس المال الدماغي، أجندة تستجيب للاحتياجات الناشئة، وتدفع الابتكار إلى ما هو أبعد من الحلول التقليدية، بما يفتح المجال أمام أسواق جديدة ويعزّز الأثر طويل المدى للاستثمار في صحة العقل ومهاراته.

الفصل 4: الاستثمار في رأس المال الدماغي

الاستثمار الاستراتيجي في الدماغ وأثره على الصحة والإنتاجية والتنمية

لا يزال توظيف رأس المال الموجَّه لدعم رأس المال الدماغي وتنميته محدودًا، سواء من حيث حجم التمويل أو تنوّع الأدوات المستخدمة. فالمشهد الاستثماري الحالي لا يعكس بعدُ حجم التحدي ولا الفرص المتاحة في هذا المجال. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تطوير منظومة استثمارية أكثر نضجًا، تشارك فيها مصادر تمويل متعددة، تشمل القطاع الحكومي، والقطاع التجاري، والجهات الخيرية، بهدف حشد الموارد وتوجيهها إلى المجالات القادرة على تحقيق الأثر الأكبر. ويتطلّب هذا التحوّل الاعتماد على مزيج متوازن من أدوات التمويل التقليدية والمبتكرة. فمن جهة، تظل الأدوات المعروفة، مثل المنح والميزانيات الحكومية، ضرورية لتوفير قاعدة تمويل مستقرة. ومن جهة أخرى، تكتسب الآليات التمويلية الجديدة أهمية متزايدة، مثل التمويل المختلط، الذي يجمع بين المال العام والخاص لتقليل المخاطر، أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص، التي تتيح تقاسم المسؤولية والعائد. وتسهم هذه الأدوات مجتمعة في تخفيف مخاطر الابتكار في مراحله الأولى، ودعم بناء القدرات البشرية والمؤسسية، وتوفير البنية التحتية اللازمة لحماية صحة الدماغ، وتنمية مهاراته، وتوسيع البحث العلمي المتعلق به على نطاق واسع. وبهذا، لا يقتصر الاستثمار في رأس المال الدماغي على تمويل مبادرات متفرقة، بل يتحوّل إلى منظومة متكاملة قادرة على إحداث أثر مستدام وطويل الأمد.76

ويمكن للجهات المعنية أن تنتقل من التوصية إلى الفعل عبر الاستثمار في رأس المال الدماغي باستخدام أدوات تمويل متنوعة تُصمَّم بحسب الغاية المرجوّة. فتنويع آليات التمويل يتيح توجيه الاستثمارات إلى المجالات الأكثر حاجة، ويضمن أن تكون الأموال المستخدمة ملائمة لطبيعة كل مبادرة، سواء كانت بحثية، أو وقائية، أو تطبيقية، أو طويلة الأمد.

ويتطلّب تحفيز استثمارات مؤثرة في رأس المال الدماغي ابتكارًا ماليًا يراعي خصوصية هذا المجال. فعلى امتداد سلسلة القيمة، لا يزال الاستثمار أقل بكثير مما تبرّره كلفته الفعلية وعوائده المحتملة على الأفراد والمؤسسات والمجتمعات. ويعود ذلك جزئيًا إلى هيمنة أدوات تمويل محددة لا تستهدف تحقيق عائد مالي مباشر، ما يحدّ من قدرة هذا المجال على جذب رؤوس أموال أوسع. ويواجه المستثمرون في كثير من الأحيان عوائق تجعلهم مترددين، رغم الإمكانات العالية. من أبرز هذه العوائق طول الأفق الزمني للاستثمار، وتجزؤ الأسواق، وعدم وضوح مسار العوائد. فالتدخلات المرتبطة بصحة الدماغ والعقل، على سبيل المثال، لا تُظهر نتائجها فورًا؛ إذ تتراكم فوائدها مثل تحسّن القدرات المعرفية، وانخفاض تكاليف الرعاية الصحية، وارتفاع الإنتاجية على مدى سنوات، بل عقود. وهنا تبرز الحاجة إلى حلول تمويلية مبتكرة قادرة على سد هذه الفجوة بين توقيت الكلفة وتوقيت العائد. فتصميم أدوات تمويل تُخفّف المخاطر المتصوَّرة على المستثمرين، وتوزّعها بشكل أذكى بين الجهات المعنية، من شأنه أن يفتح الباب أمام توجيه رأس المال إلى فرص كبيرة وذات أثر كبير كانت تُعدّ سابقًا محفوفة بالمخاطر أو غير جاذبة.

وليست هذه المرة الأولى التي يواجه فيها مجال اقتصادي ناشئ مثل هذه التحديات التمويلية. فقد شهدت قطاعات أخرى في مراحلها الأولى عوائق مشابهة قبل أن تتبلور أطر الاستثمار المناسبة لها. وفي هذا السياق، تبرز تحالف الاستثمار في الصحة النفسية بوصفه إحدى الجهات التي تعمل على إعداد إرشادات تمويلية يمكن تطبيقها على نطاق واسع في مجال صحة الدماغ. وتستند هذه الإرشادات إلى تحليل معمّق للتحديات التي تعيق تدفّق الاستثمار، بدءًا من غياب النماذج الواضحة للعائد، وصولًا إلى طول أفق الاستثمار وتجزؤ الأسواق. ويعرض المخطط التوضيحي في "الشكل5" أمثلة على هذه العوائق الاستثمارية، مستندًا إلى قاعدة أوسع من الدراسات والأعمال التي أنجزها التحالف، بما يساعد على تحويل التحديات المعروفة إلى نقاط انطلاق لحلول عملية.77

ويمكن للمستثمرين في صحة الدماغ والعقل أن يستلهموا دروسًا واضحة من التجارب الاقتصادية السابقة. فقد واجهت أسواق الطاقة النظيفة في بداياتها تحديات مشابهة، تمثلت في ارتفاع المخاطر، وطول أفق العائد، وتردد رأس المال التجاري في الدخول المبكر. ولم تبدأ هذه الأسواق في النضج وجذب الاستثمارات واسعة النطاق إلا عندما نسّق الفاعلون في القطاعين العام والخاص جهودهم، واستخدموا أدوات تمويلية مبتكرة صُمِّمت خصيصًا لتجاوز تلك العقبات. وشملت هذه الأدوات التمويل المختلط الذي يجمع بين المال العام والخاص لتقليل المخاطر، والدعم الخيري التحفيزي الذي يتحمّل المراحل الأولى عالية المخاطرة، وضمانات القروض التي تطمئن المستثمرين، إضافة إلى الشراكات بين القطاعين العام والخاص التي توزّع الأدوار والعوائد. وبهذا التنسيق، انتقلت أسواق الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من مبادرات محدودة إلى قطاعات استثمارية ناضجة وجاذبة لرأس المال التجاري.78 ويحتاج تطوير الحلول المرتبطة بصحة العقل وتنمية مهاراته وبناء رأس المال الدماغي إلى مقاربة تمويلية مشابهة. فالنماذج التمويلية المرنة قادرة على سد الفجوة بين الحاجة المجتمعية العالية والعائد طويل الأجل.79 ويمكن للتمويل العام والجهات الخيرية أن تدعم البحث العلمي والمبادرات في مراحلها الأولى، بينما يسهم التمويل المختلط في تقليل المخاطر وجذب الاستثمارات الخاصة. كما تتيح آليات التمويل المرتبطة بالنتائج، مثل السندات ذات الأثر الاجتماعي، ربط التمويل بتحقيق نتائج طويلة الأمد، بدل الاكتفاء بمؤشرات قصيرة المدى. وبهذه الأدوات، لا يعود الاستثمار في صحة العقل ومهاراته رهانًا غير محسوب، بل مسارًا منظمًا يمكن توسيعه وبناؤه على أسس مالية أكثر توازنًا واستدامة.

وفي الوقت نفسه، يمكن للتمويل المبتكر أن يعمل من داخل هياكل القروض القائمة، لا بمعزل عنها، خصوصًا في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. فالاتفاقيات التمويلية مع المؤسسات متعددة الأطراف، مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، تتضمّن في كثير من الأحيان شروطًا مالية أو مؤسسية قد لا تكون هذه الدول قادرة على استيفائها بالكامل في المرحلة الراهنة، مثل اشتراط حدٍّ أدنى من الجاهزية في الكوادر الصحية أو البنية المؤسسية. ومن هنا، تبرز فرصة لإعادة النظر في كيفية تصميم هذه الاتفاقيات بحيث تراعي واقع رأس المال الدماغي واحتياجاته. فإدماج اعتبارات أوسع تتعلق بصحة الدماغ ومهاراته من خلال أطر إنفاق أكثر مرونة، أو عبر إعادة هيكلة موجهة للديون، يمكن أن يمنح الدول مساحة أكبر لتوجيه الموارد نحو المجالات الأعلى أثرًا وقيمة. وبدل أن تُقيَّد الأموال بشروط قد تعيق استخدامها الفعّال، يتيح هذا النهج ربط التمويل بالأولويات الحقيقية، سواء في بناء القدرات البشرية، أو تحسين الخدمات، أو الاستثمار الوقائي طويل الأمد. وبهذا، لا يصبح التمويل أداة ضبط مالي فحسب، بل وسيلة استراتيجية لدعم التنمية البشرية والاقتصادية في آن واحد، على نحو يعزّز رأس المال الدماغي ويخدم أهداف النمو والاستقرار على المدى الطويل.

عمود جانبي

دليل ارشادي حول تمويل الصحة النفسية وأدواته العملية

أعدّ تحالف الاستثمار في الصحة النفسية دليل توجيهي وارشادي حول تمويل الصحة النفسية تحت عنوان "إبقاء الاستثمار في صدارة الاهتمام"، ليكون مرجعًا عمليًا يهدف إلى فتح آفاق أوسع أمام الاستثمار في هذا القطاع الحيوي. وقد صُمّم الدليل لمخاطبة الجهات المانحة والمستثمرين وصنّاع القرار، من خلال تقديم رؤية واضحة لكيفية تحويل الاهتمام بالصحة النفسية إلى استثمارات مستدامة ذات أثر ملموس.1 ويرسم الدليل خريطة متكاملة لسلسلة القيمة، تبدأ من الابتكار في الحلول والخدمات، وتمتد إلى مرحلة التبنّي الواسع على أرض الواقع، بما يساعد الممولين على فهم أين يمكن للتدخلات المالية أن تُحدث أكبر فارق. كما يقدّم إطارًا يعرّف بآليات تمويل قائمة على الأدلة العلمية، ويُرشد الجهات المعنية إلى اختيار نماذج التمويل الأنسب لاستخدامها في سياقاتها الاستراتيجية المختلفة. ولا يكتفي الدليل بالجانب النظري، بل يسلّط الضوء على مسارات محتملة لتوسيع نطاق التدخلات في مجال الصحة النفسية، موضحًا ما يُعرف بـ"رحلات التوسّع"، والعوامل الأساسية التي تمكّن هذا التوسّع، سواء على مستوى السياسات أو الشراكات أو القدرات المؤسسية. ويعزّز ذلك بعرض دراسات حالة تطبيقية تُظهر كيف جرى توظيف آليات تمويل مبتكرة بنجاح، بما يربط بين التمويل والأثر الصحي والاجتماعي على أرض الواقع. وبهذا الطرح، يقدّم الدليل أداة عملية تساعد على سد الفجوة بين الحاجة المتزايدة لخدمات الصحة النفسية، ومحدودية التمويل المتاح لها، ويضع الاستثمار في الصحة النفسية في موقعه الصحيح بوصفه ركيزة للتنمية البشرية والاستدامة الاقتصادية.

تقود مجموعة من المؤسسات الرائدة في حركة اقتصاد الدماغ جهودًا متقدمة في مجال الاستثمار المرتبط بالدماغ، مع تركيز خاص على تحويل هذا المفهوم من إطار نظري إلى فرص استثمارية قابلة للتنفيذ. وتعمل هذه الجهات حاليًا على إعداد مورد معرفي جديد، من المقرر إطلاقه خلال العام المقبل، بالتعاون مع منتدى العمل لاقتصاد الدماغ، يسلّط الضوء على مفهوم الاستثمار بعدسة الدماغ. وسيقدّم هذا المورد المرتقب شرحًا عمليًا لكيفية إدماج اعتبارات صحة الدماغ والقدرات الذهنية في القرارات الاستثمارية، إلى جانب استعراض فرص استثمارية محددة يمكن البناء عليها في هذا المجال. ويأتي هذا التوجّه في إطار السعي إلى توسيع قاعدة الاستثمار في اقتصاد الدماغ، وربط رأس المال بالأثر الصحي والاجتماعي والاقتصادي بصورة أكثر وضوحًا ومنهجية.

الفصل 5: حشد الجهود من أجل رأس المال الدماغي

جعل رأس المال الدماغي أولوية مؤسسية ومجتمعية عبر توحيد الجهود

على المستوى الدولي، بدأت منظمات ومؤسسات عالمية مثل الأمم المتحدة،80 ومنظمة الصحة العالمية،81 ومجموعة السبع،82 ومجموعة العشرين،83 إضافة إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية،84 في رفع قضية رأس المال الدماغي إلى صدارة النقاشات والسياسات العالمية. وبالتوازي مع ذلك، تظهر حول العالم مبادرات تقودها حكومات وشركات وقطاعات محددة تستثمر على نطاق واسع في صحة العقل وتنمية مهاراته. ومع ذلك، ورغم هذا الوعي المتزايد وما صاحبه من أولوية سياسية معلنة، لا تزال الجهود متفرقة ومحدودة التمويل، وغالبًا ما تُدار في مسارات معزولة عن مراكز اتخاذ القرار الاقتصادي وصياغة السياسات العامة. وبعبارة أدق، فإن حجم التحركات القائمة اليوم لا يزال أقل بكثير من حجم المخاطر القائمة والفرص المتاحة في هذا المجال. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى عمل منسّق وشامل، يتجاوز المبادرات المنفردة، ويحوّل الاهتمام السياسي إلى التزام عملي، ويجمع الأطراف المختلفة حول رؤية مشتركة تجعل من رأس المال الدماغي أولوية مؤسسية ومجتمعية حقيقية، لا مجرّد بند على أجندة النقاش.

ومع أن التفاصيل قد تختلف من قطاع إلى آخر، فإن الجهات المعنية في مختلف المجالات تواجه تحديات متزايدة إذا ظلّت صحة العقل خارج دائرة الاهتمام، وبقيت المهارات العقلية والمعرفية دون تنمية كافية. ويترتب على ذلك ارتفاع في التكاليف، وتزايد في مخاطر الأداء، وظهور ثغرات استراتيجية قد لا تكون واضحة في المدى القصير، لكنها تتفاقم مع الوقت. ولتوضيح ذلك، يمكن رصد مجموعة من الآثار المباشرة التي تظهر بطرق مختلفة حسب طبيعة كل قطاع، ومنها ما يلي:

  • قطاع الرعاية الصحية: تواجه الأنظمة الصحية تحديات هيكلية متزايدة في التنسيق والتكامل بين خدماتها، ما ينعكس في ارتفاع مستمر للتكاليف، وضعف الاستثمار في الوقاية والكشف المبكر، إلى جانب نقص متزايد في الكوادر الصحية. وتتعقّد هذه التحديات أكثر مع الضغط المتزايد على الخدمات عالية التعقيد، مثل الطوارئ والعناية المركزة، حيث تُستنزف الموارد لمعالجة الحالات المتقدمة بدل الحد من تفاقمها في مراحل أبكر.
  • الخدمات الإنسانية: تؤدي الاحتياجات غير الملبّاة في مجال صحة العقل إلى آثار اجتماعية متراكمة تطال الأفراد على المدى الطويل. وتشمل هذه الآثار زيادة مخاطر التشرّد، وصعوبات الاندماج في سوق العمل، والتورط في أنظمة العدالة الجنائية، فضلًا عن انتقال الصدمات النفسية والاجتماعية من جيل إلى آخر. ومع غياب التدخل المبكر والدعم المناسب، تتحوّل هذه التحديات إلى أعباء مستمرة على الأفراد والمجتمع ومؤسسات الرعاية الاجتماعية.
  • القطاع العام: تتعرض الميزانيات الحكومية لضغوط متزايدة مع سعي الحكومات إلى التعامل مع التحديات الصحية والاقتصادية المصاحبة لتقدّم السكان في العمر. ويؤدي ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة والاحتياجات المرتبطة بصحة الدماغ إلى زيادة الإنفاق العام، في وقت تتقلص فيه هوامش المناورة المالية، ما يفرض تحديات إضافية على استدامة الخدمات العامة وقدرة الحكومات على التخطيط طويل الأمد.
  • القطاع الخاص: تواجه الشركات تحديات متزايدة تتمثل في انتشار أعراض الإرهاق الوظيفي، وارتفاع معدلات الغياب عن العمل، وتسارع وتيرة الاستقالات، إضافة إلى ظاهرة الحضور الشكلي إلى العمل دون إنتاجية فعلية. كما تظهر فجوات واضحة بين المهارات المتوافرة ومتطلبات الوظائف. وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى تهديد سلامة بيئات العمل، وإضعاف الإنتاجية، والتأثير سلبًا في الأداء العام والقدرة التنافسية للمؤسسات.
  • المجتمع المدني: تشهد المجتمعات مظاهر متزايدة من التفكك الاجتماعي، والاستقطاب، والضغط النفسي المتراكم، ما يضعف الروابط بين الأفراد ويقوّض تماسك المجتمع. ومع تراجع الشعور بالانتماء والثقة المتبادلة، تصبح قدرة المجتمعات على التعاون، واحتواء الاختلاف، وبناء حلول جماعية أكثر هشاشة، وهو ما ينعكس سلبًا على الاستقرار الاجتماعي على المدى الطويل.

ورغم جسامة هذه التحديات، فإنها تفتح في الوقت ذاته بابًا حقيقيًا أمام كل فئة من أصحاب المصلحة لتقود التغيير من موقعها. فلكل جهة مجال تأثير يمكن من خلاله دفع حلول عملية تعزّز صحة العقل وتنمّي المهارات الذهنية، وفي الوقت نفسه تُسهم في تقوية المؤسسات، ودعم الاقتصادات، وتعزيز تماسك المجتمعات على المدى الطويل. ومن خلال هذا الدور القيادي المتكامل، يصبح الاستثمار في رأس المال الدماغي ليس استجابة للأزمات فحسب، بل مسارًا استراتيجيًا لبناء مستقبل أكثر استدامة وقدرة على التكيّف.

ويتطلّب حشد الجهود لتطوير رأس المال الدماغي مسارين متكاملين. يتمثل المسار الأول في إشراك مختلف أصحاب المصلحة لبناء رؤية مشتركة، وتحديد اتجاه موحّد ينسّق الجهود ويمنع تشتتها. أما المسار الثاني، فيقوم على إدماج رأس المال الدماغي بصورة منهجية داخل الاستراتيجيات المؤسسية، وآليات العمل اليومية، وثقافة المؤسسات نفسها، بحيث لا يبقى مفهومًا نظريًا أو مبادرة منفصلة، بل جزءًا أصيلًا من طريقة التفكير واتخاذ القرار والتنفيذ.

1. رسم مسار مشترك ورؤية موحدة لتطوير رأس المال الدماغي

إن إطلاق الإمكانات الكاملة لرأس المال الدماغي يقتضي الانتقال من مبادرات متفرقة إلى حركة منسّقة ذات اتجاه واضح. فبينما أسهم الزخم القائم في رفع مستوى الوعي وتوسيع دائرة الاهتمام، تتمثل المرحلة التالية في توحيد هذه الجهود ضمن رؤية مشتركة تجمع الأطراف المختلفة على أولويات متقاربة، وتسرّع وتيرة التنفيذ، وتوجّه العمل نحو أهداف متفق عليها. ومن خلال هذا التوحيد، لا يعود العمل مجرد استجابة مجزّأة لتحديات متشابهة، بل يتحوّل إلى مسار جماعي قادر على مضاعفة الأثر، وتقليل التداخل، وتحقيق نتائج ملموسة على مستوى السياسات والمؤسسات والمجتمع ككل.

وتقدّم تحالفات دولية أخرى دروسًا مهمّة في كيفية تحويل القضايا المجتمعية إلى أولويات اقتصادية قابلة للتنفيذ. فعلى سبيل المثال، يجمع التحالف العالمي للشيخوخة بين قطاع الأعمال والحكومات والمجتمع المدني لإعادة تقديم طول العمر بوصفه فرصة اقتصادية، لا عبئًا اجتماعيًا.85 ومن خلال شراكات استراتيجية وجهود مناصرة موجّهة، يسهم التحالف في صياغة سياسات تدعم القوى العاملة الشاملة للأعمار المختلفة، وتحسّن رعاية كبار السن، وتعزّز الشيخوخة الصحية، بما يبرهن على قدرة التعاون العابر للقطاعات على إحداث تغيير فعلي. وفي السياق ذاته، يبيّن مؤشر التعاون العالمي لعام 2025 أن التعاون لم يعد خيارًا إضافيًا، بل عنصرًا حاسمًا لدعم رأس المال الدماغي، ولا سيما في مجالات الابتكار والمناخ والصحة. وتؤكد هذه النتائج أن القضايا المعقّدة ذات الأثر طويل الأمد لا يمكن معالجتها بجهود منفردة، بل تتطلّب تنسيقًا واسعًا يربط السياسات بالاستثمار والعمل المؤسسي.86

وفي هذا الإطار، أطلق المنتدى الاقتصادي العالمي، بالشراكة مع معهد ماكنزي للصحة، منتدى اقتصاد الدماغ في يناير 2025، ليشكّل منصة عالمية تجمع طيفًا متنوعًا من أصحاب المصلحة من مختلف المناطق والقطاعات. ويهدف هذا المنتدى إلى وضع رأس المال الدماغي في صميم الحوارات الدولية، وتحويله من مفهوم ناشئ إلى أولوية عملية تُسهم في دفع النمو الاقتصادي المستدام وتعزيز رفاه المجتمعات. ومن خلال هذا التجمع المنظّم، يعمل المنتدى على تنسيق الجهود، وتبادل الرؤى، وتسريع العمل المشترك، بما يربط السياسات بالاستثمار والابتكار، ويُحوّل الزخم العالمي المتنامي حول صحة الدماغ ومهاراته إلى مسار تنفيذي واضح وقابل للقياس.

واستنادًا إلى هذا المسار، عملت كلٌّ من مجموعة هاي لانترن، ومعهد ميلكن، والمنتدى الاقتصادي العالمي، ومعهد ماكنزي للصحة على تطوير مخطط إرشادي يهدف إلى تنسيق الجهود على المستوى العالمي في مجال رأس المال الدماغي. وقد استند هذا المخطط إلى عملية رسم شاملة للمشهد العالمي، جرى من خلالها تحديد نحو 50 جهة حول العالم تعمل بالفعل بشكل مباشر في هذا المجال، ليس فقط على مستوى المبادرات والمحتوى، بل أيضًا من حيث تبنّي مفهوم اقتصاد الدماغ بوصفه إطارًا لغويًا وعمليًا موجّهًا للعمل. وجاء إعداد هذا المخطط مدعومًا بسلسلة من المقابلات المعمّقة مع خبراء شاركوا في حركات اقتصادية سابقة، إلى جانب ممثلين عن قطاعات الصناعة، والأوساط الأكاديمية، وصنّاع السياسات. وأسهمت هذه الرؤى المتقاطعة في استخلاص دروس عملية حول كيفية بناء حركات عالمية منسّقة، وتحويل الأفكار الناشئة إلى أولويات مؤسسية قادرة على إحداث تغيير واسع ومستدام.

وأظهرت عملية رصد المشهد العالمي أن قاعدة الجهات المنخرطة في العمل على رأس المال الدماغي واسعة ومتنوّعة، لكنها تميل في الوقت الراهن إلى التركّز بشكل أكبر في القطاع الخاص التجاري. ويعكس هذا التوزيع بوضوح الزخم المتنامي داخل الشركات والمؤسسات الاقتصادية حول هذا الموضوع، وما بات يمثّله من فرصة استراتيجية تتقاطع مع الأداء، والابتكار، والقدرة التنافسية. وفي المقابل، يسلّط هذا الواقع الضوء على الحاجة إلى توسيع دائرة المشاركة، بحيث يشمل هذا الزخم بشكل أعمق القطاع العام، والمؤسسات غير الربحية، والجهات الأكاديمية، لضمان توازن الجهود وتحقيق أثر أوسع وأكثر استدامة.

ولا يتركّز نشاط هذه الجهات في منطقة جغرافية واحدة، بل يمتد عبر مختلف الأقاليم الرئيسية في العالم. ويعكس هذا الانتشار الواسع طبيعة التحديات المرتبطة برأس المال الدماغي بوصفها قضايا عالمية مشتركة، لا خصوصية محلية. كما يشير، في الوقت نفسه، إلى الإمكانات الكبيرة التي يتيحها التعاون العابر للحدود لتبادل الخبرات وتنسيق الجهود وتحقيق أثر أوسع. ويُظهر الشكل التوضيحي في "الشكل 6a" هذا التوزّع الجغرافي بوضوح، مؤكّدًا أن تنوّع مواقع الجهات المنخرطة يشكّل قاعدة قوية لبناء شراكات عالمية قادرة على التعامل مع التحديات المشتركة واستثمار الفرص المتاحة في مجال رأس المال الدماغي.

وفي إطار المشهد القائم، يبرز الحشد والتنسيق بوصفهما المجال الأكثر حضورًا في عمل الجهات المنخرطة. إذ جرى تحديد نحو38 جهة تعمل تحديدًا على مبادرات تهدف إلى تعبئة الجهود حول رأس المال الدماغي، كما هو موضح في "الشكل 6b"، ويعكس هذا التركيز إدراكًا متزايدًا لدى المؤسسات بأن تحقيق أثر ملموس لا يتأتّى من المبادرات المنفردة، بل من تنسيق العمل، ومواءمة الأولويات، وتسريع التنفيذ عبر مسار جماعي منظم. وبذلك، لا يُنظر إلى الحشد كغاية بحد ذاته، بل كوسيلة أساسية لتجميع الطاقات المتفرقة وتحويلها إلى قوة مشتركة قادرة على تعظيم الأثر وتسريع النتائج على نطاق أوسع.

وتعمل الجهات التي تتعامل مع صحة العقل والقدرات الذهنية بوصفها عنصرًا مؤثرًا في الأداء الاقتصادي والتنمية طويلة الأمد عبر مختلف مناطق العالم، مع تسجيل أعلى تركّز لهذا التوجّه في أمريكا الشمالية وأوروبا. ويعكس هذا التوزيع إدراكًا متقدمًا في هاتين المنطقتين لأهمية الاستثمار في القدرات الذهنية كمسار للإنتاجية والابتكار، إلى جانب توافر الأطر البحثية والتمويلية الداعمة، مع بقاء المجال مفتوحًا لتوسيع هذا التوجّه عالميًا عبر تعاون أكثر توازنًا.

وتعمل الجهات التي تتعامل مع الصحة العقلة وتنمية القدرات الذهنية بوصفها قضية تمسّ الأداء الاقتصادي والاجتماعي عبر مختلف مناطق العالم، أي أنها تنظر إلى هذه القضايا ليس فقط من زاوية صحية أو اجتماعية، بل باعتبارها عوامل تؤثر في قدرة الأفراد على العمل، وفي كفاءة المؤسسات، وفي استدامة النمو على المدى الطويل. ويظهر هذا التوجّه بشكل أوضح في أمريكا الشمالية وأوروبا، حيث بدأت هذه المناطق تولي اهتمامًا أكبر لكيفية انعكاس الصحة العقلية والمهارات الذهنية على الإنتاجية، والابتكار، واستقرار سوق العمل. ولا يعني هذا التركز الجغرافي أن بقية المناطق أقل أهمية، بل يعكس اختلاف مراحل النضج في التعامل مع هذه القضايا، سواء من حيث البحث العلمي، أو السياسات العامة، أو نماذج الاستثمار. كما يسلّط الضوء على فرصة حقيقية لتوسيع هذا التوجّه عالميًا، من خلال نقل الخبرات، وبناء شراكات عابرة للحدود، وتكييف الحلول بما يتناسب مع السياقات المختلفة.

ويُعدّ التنسيق العالمي حجر الأساس لأي حشد فعّال للجهود، كما يوضّح هذا التقرير في مختلف أجزائه. فغياب العمل المنسّق يعني أن المبادرات المرتبطة بالصحة العقلية وتنمية القدرات الذهنية قد تتشتّت، أو تتكرر دون فائدة، أو تضيع فرص كان يمكن استثمارها بشكل أفضل. ويزداد خطر ذلك في هذا التوقيت تحديدًا، حيث يتصاعد الطلب على حلول عملية أكثر من أي وقت مضى، سواء من الحكومات أو المؤسسات أو المجتمعات. ومن دون إطار تنسيقي يجمع هذه الجهود ويوجّهها نحو أهداف مشتركة، يصعب تحويل الزخم الحالي إلى أثر حقيقي ومستدام، مهما تعددت المبادرات أو حسنت النوايا.

ولتحقيق هذا المستوى من التنسيق، تبرز الحاجة إلى جهة مخصّصة تتولى تنسيق الجهود عالميًا، وتضطلع بأربع وظائف أساسية تشكّل العمود الفقري لهذا الحراك. فوجود مثل هذه الجهة لا يهدف إلى استبدال المبادرات القائمة، بل إلى جمعها ضمن إطار منظم يحدّ من التشتّت، ويعظّم الأثر، ويحوّل الجهود المتفرقة إلى مسار واضح ومشترك.

  • تطوير المعرفة: دعم البحث وإنتاج معرفة جديدة تعزّز فهم صحة الدماغ والمهارات الذهنية، وتدفع نمو رأس المال الدماغي على أسس علمية واضحة.
  • القيادة الفكرية والتواصل: قيادة عملية نقل المعرفة والرؤى، وضمان وصولها بوضوح إلى صناع القرار وأصحاب المصلحة والجمهور.
  • حشد الجهود: توحيد قادة القطاعات والمناطق المختلفة حول أهداف ومعايير مشتركة تقود العمل وتسرّع تحقيق الأثر.
  • التنسيق بين القطاعات: مواءمة الجهود العالمية بين مختلف القطاعات لضمان أفضل استخدام للموارد وتحقيق أعلى أثر ممكن من الاستثمار في الصحة العقلية والقدرات الذهنية.

ومن خلال شراكة وثيقة مع الجهات التي تقود هذا الحراك، يمكن لجهة تنسيقية مخصّصة أن تحوّل الرؤية المشتركة إلى عمل مستمر ومنظّم. ويشمل ذلك توجيه الاستثمارات المستقبلية، ودعم الابتكار، وتعزيز التعاون بين الأطراف المختلفة في كل ما يتعلّق بالصحة العقلية وتنمية القدرات الذهنية. وبهذا الدور، لا تكتفي هذه الجهة بوضع الأطر العامة، بل تسهم في ضمان استمرارية الجهود وترجمتها إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

2. إدماج رأس المال الدماغي في الاستراتيجية والعمل المؤسسي

في مختلف القطاعات، يبرز الاستثمار في الصحة العقلية وتنمية القدرات الذهنية كأداة فعّالة لدفع الابتكار وتعزيز القدرة على التكيّف، وفي الوقت نفسه لبناء تأثير مستدام يحافظ على أهمية المؤسسات على المدى الطويل. ولا يأتي هذا الاستثمار بمعزل عن التحولات التقنية، بل يتكامل بصورة مباشرة مع تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي. فعندما تمضي المؤسسات في مسارات التحول الرقمي، يصبح الاستثمار المتوازي في القدرات الذهنية عاملًا حاسمًا لضمان أن تعمل التكنولوجيا على دعم الأداء البشري وتعزيزه، لا إضعافه أو استنزافه. وعلى الجانب الآخر، كلما تقدّمت المجتمعات والمؤسسات في تنمية هذه القدرات، ازدادت قدرتها على الاستفادة الكاملة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، وتسخيرها لدفع التقدّم الاقتصادي والاجتماعي بصورة أكثر توازنًا واستدامة.

وحين تستثمر المؤسسات في الصحة العقلية وتنمية القدرات الذهنية، لا يقتصر الأثر على الفرد وحده. بل يمتد هذا الأثر تدريجيًا ليعزّز تماسك الفرق، ويعيد تشكيل أداء المؤسسات، ويسهم في بناء مجتمعات أكثر صحة وقدرة على التكيّف. وبهذا المعنى، يتحوّل الاستثمار في القدرات الذهنية من مبادرة داخلية محدودة إلى قوة تغيير أوسع تنعكس على العمل المؤسسي والنسيج المجتمعي على حدّ سواء.

وفي الواقع، تبدأ رحلة الأثر من الفرد أولًا. فحين يُوجَّه الاستثمار إلى الصحة العقلية وتنمية القدرات الذهنية، ينعكس ذلك مباشرة على رفاه الفرد وأدائه في مختلف مراحل حياته. ومع تراكم هذه المكاسب على مستوى الأفراد، تنتقل آثارها إلى فرق العمل والمؤسسات، لتُترجم إلى تحسّن ملموس في الإنتاجية، وزيادة في القدرة على الابتكار، وجودة أعلى في اتخاذ القرار. وفي البيئات المهنية، تسهم استراتيجيات رأس المال الدماغي في جذب الكفاءات والاحتفاظ بها، ولا سيما في القطاعات التي تتسم بضغط عالٍ ومتطلبات متزايدة. كما تساعد هذه الاستراتيجيات على خفض معدلات الغياب عن العمل، وتعزيز مشاركة الموظفين وارتباطهم بأدوارهم، بما يخلق قوة عاملة تتسم في كونها أكثر صحة وتفاعلًا. وعندما تدعم المؤسسات صحة العقل ومهارات موظفيها بشكل منهجي، فإنها لا تحسّن الأداء اليومي فحسب، بل تبني قوى عاملة أكثر مرونة وقدرة على التكيّف، جاهزة لمواكبة متطلبات اقتصاد يتغير بوتيرة متسارعة.

ومع ترسّخ استراتيجيات رأس المال الدماغي، يتجاوز أثرها حدود المؤسسات ليطال المجتمع الأوسع. إذ تسهم هذه الاستراتيجيات في تحسين صحة السكان، وتعزيز مسارات الانتقال من التعليم إلى سوق العمل، والتخفيف من الأعباء الملقاة على مقدّمي الرعاية والخدمات العامة. ولا يقتصر هذا الأثر على تحسين المؤشرات الفردية، بل ينعكس على كفاءة النظم الاجتماعية والاقتصادية ككل. وعندما يتحوّل رأس المال الدماغي إلى أولوية مشتركة على المستوى المحلي، يصبح قادرًا على إحداث تحوّلات حقيقية مرتبطة بالمكان نفسه، من خلال تنشيط الفرص الاقتصادية وتعزيز الرفاه الاجتماعي. وبهذا، لا يكون الاستثمار في صحة العقل ومهاراته مجرد خيار تنموي، بل محرّكًا فعليًا لبناء مجتمعات أكثر تماسكًا وقدرة على النمو المستدام.

غير أن تحويل الرؤية إلى واقع عملي لا يخلو من التحديات. فبرغم وضوح الجدوى من الاستثمار في الصحة العقلية وتنمية القدرات الذهنية، تصطدم كثير من المؤسسات بعقبات قد تُبطئ وتيرة العمل أو تُفقده زخمه. ويتطلّب حشد الجهود حول رأس المال الدماغي تجاوز مجموعة من القيود التي تظهر في مسارات مختلفة، من أبرزها ما يلي:

  • ضعف الوعي الداخلي وتجزؤ اتخاذ القرار بين إدارات الموارد البشرية والوظائف الاستراتيجية. ففي كثير من المؤسسات، يُنظر إلى الاستثمار في الصحة العقلية وتنمية القدرات الذهنية بوصفه مبادرة تخص الموارد البشرية فقط، لا قضية استراتيجية شاملة. غير أن بناء رأس المال الدماغي يتطلّب نقل هذا الملف من مستوى المبادرات التشغيلية المحدودة إلى أولوية يقودها الرئيس التنفيذي ويشرف عليها مجلس الإدارة، بوصفها عنصرًا مؤثرًا في الأداء طويل الأمد والقدرة التنافسية للمؤسسة.
  • ويتمثل أحد التحديات في التعامل مع الاستثمار في رأس المال الدماغي بوصفه كلفة تشغيلية، لا استثمارًا يولّد قيمة. وهو ما يحجب الانتباه عن العوائد القريبة التي يمكن تحقيقها من حيث الأداء، والكفاءة، والاستقرار المؤسسي.

ولتجاوز هذه العوائق، تحتاج المؤسسات إلى نهج منضبط ومستمر يقود التغيير من التخطيط إلى التنفيذ. فإحداث تحول حقيقي في الاستثمار في الصحة العقلية وتنمية القدرات الذهنية لا يتحقق عبر مبادرات متفرقة، بل يتطلب رؤية واضحة، وتخصيصًا مدروسًا للموارد، وقدرة على التنفيذ والمتابعة على المدى الطويل. وفي هذا السياق، يقدّم إطار "5As" خريطة طريق عملية يمكن لأي مؤسسة تكييفها بحسب حجمها وقطاعها وأهدافها. ويبدأ هذا الإطار بتحديد الطموح، أي توضيح ما الذي تسعى المؤسسة إلى تحقيقه ولماذا. ثم ينتقل إلى مرحلة التقييم، لفهم الوضع الحالي وتحديد الفجوات. بعد ذلك تأتي مرحلة التصميم، حيث تُبنى الحلول والهياكل المناسبة لتحقيق هذا الطموح. يلي ذلك التنفيذ، أي تحويل الخطط إلى خطوات عملية ملموسة. وأخيرًا، تركز مرحلة التطوير المستمر على متابعة التقدم، وتعديل المسار عند الحاجة، وتعزيز ما يثبت نجاحه. ومن خلال هذا التسلسل، لا يصبح التغيير مجرد رد فعل، بل مسارًا منظّمًا يتيح للمؤسسات بناء رأس مال ذهني مستدام يدعم الأداء اليومي ويعزّز الجاهزية للمستقبل. اطلع على "الجدول" أدناه.87

جدول

وسواء كان القائد رئيسًا تنفيذيًا يدير مؤسسة في أسواق عالمية متقلبة، أو مسؤولًا محليًا يضع أسس برامج الطفولة المبكرة، أو قائدًا يعمل على إعداد الجيل القادم من المفكرين، فإن لكل منظمة دورًا محوريًا لا يمكن تجاهله. فبالنسبة للرؤساء التنفيذيين، يعني إدماج رأس المال الدماغي في استراتيجيات المواهب والابتكار تعزيز قدرة المؤسسة على الصمود والتكيّف في عصر الذكاء الاصطناعي. أما قادة قطاعي الرعاية الصحية وعلوم الحياة، فقد يتمثل هذا الدور في توجيه الاستثمار نحو البحث العلمي وتطوير نماذج تقديم الرعاية. وبالنسبة للحكومات، يعني ذلك بناء أنظمة تدعم صحة الدماغ وتنمية المهارات الذهنية منذ المراحل الأولى للحياة وحتى التقدّم في العمر. وعند النظر إلى هذه الأدوار مجتمعة، يتضح أن هذه الجهود لا تُمكّن المؤسسات من تنمية رأس المال الدماغي داخليًا فحسب، بل تمنحها القدرة على قيادة التغيير خارجيًا أيضًا، ووضع معايير جديدة في بيئة تنافسية تتسم بسرعة التحوّل وتزايد التعقيد.

الخلاصة

يشكّل رأس المال الدماغي اليوم أحد المحرّكات الحاسمة للازدهار، كما أن قيمته آخذة في إعادة التشكل. فمع تسارع تأثيرات الذكاء الاصطناعي والأتمتة في الاقتصاد العالمي، بدأت مصادر التفوّق التقليدية مثل العمالة منخفضة التكلفة تفقد وزنها تدريجيًا. وفي المقابل، تتجه الأسواق بعيدًا عن الارتباط بالأصول المادية، نحو اقتصاد تقوده الأفكار، والخوارزميات، والقدرة على التعلّم السريع بوتيرة غير مسبوقة. وفي الوقت ذاته، ورغم ما يحمله الذكاء الاصطناعي من فرص كبيرة لتعزيز الإنتاجية، بل ودعم صحة العقل في بعض المجالات، فإن تمدده المتزايد في الحياة اليومية يثير أيضًا تساؤلات جديدة تتعلق بالصحة النفسية وجودة التواصل الاجتماعي. ومن هنا، يصبح التحدي الحقيقي ليس في تبنّي التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في كيفية موازنتها مع القدرات البشرية. وستكون قدرة الدول والمؤسسات على تطوير استراتيجيات لرأس المال الدماغي، تستثمر التكامل بين الذكاء البشري والإمكانات التقنية، عاملًا حاسمًا في بناء المرونة وخلق القيمة في المرحلة المقبلة. فحسن إدارة هذا التوازن لن يحدد فقط مستويات الأداء، بل سيعيد رسم معايير الاستدامة والتنافس في عالم سريع التحوّل.

وانطلاقًا من هذا التحوّل الذي يشهده الاقتصاد العالمي، يقدّم هذا التقرير حجة واضحة لوضع رأس المال الدماغي في صميم التفكير الاقتصادي بوصفه أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن أي مورد إنتاجي آخر. فالفرصة المتاحة اليوم غير مسبوقة، لا بسبب حجم التحديات فحسب، بل لأن التقدّم المتسارع في علوم الأعصاب أوجد بيئة مواتية لتحقيق تحوّل حقيقي في كيفية فهم الصحة العقلية وتنمية القدرات الذهنية والاستثمار فيهما. ومع أن التقرير ركّز بشكل أساسي على البعد الاقتصادي لهذا الاستثمار، إلا أن هذا المنظور لا يكتمل من دون إبقاء الأثر الإنساني في واجهة النقاش. فالقيمة الحقيقية لرأس المال الدماغي لا تُقاس فقط بالنمو والإنتاجية، بل بما ينعكس على حياة الأفراد، واستقرار الأسر، وقدرة الناس على التعلم والعمل والعيش بصحة أفضل. وفي هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن توسيع نطاق التدخلات المثبتة في مجال صحة العقل يمكن أن يستعيد عالميًا ما يزيد على 260 مليون سنة من الحياة التي تتأثر اليوم بالمرض أو الإعاقة. أي سنوات يفقدها الأفراد إما بسبب الوفاة المبكرة أو بسبب العيش لفترات طويلة مع حالات تحدّ من قدرتهم على العمل والحياة الطبيعية. واستعادة هذه السنوات تعني عمرًا أطول بجودة أفضل، ومشاركة أوسع في المجتمع، وضغطًا أقل على الأسر والأنظمة الصحية. وبذلك، لا يعود الاستثمار في رأس المال الدماغي مجرد خيار اقتصادي مدروس، بل يتحوّل إلى ركيزة إنسانية وتنموية تجمع بين النمو، والرفاه، وجودة الحياة على المدى الطويل.88

وإذا كان هذا المنطق ينطبق على الاقتصادات والمجتمعات، فإن حدّته تتضاعف عندما ننظر إلى واقع الشركات والمؤسسات. فحالات الإرهاق الوظيفي، وارتفاع معدلات الغياب عن العمل، ونقص الكفاءات، بدأت بالفعل تعيق النمو وتحدّ من القدرة على التوسع. ولم تعد هذه التحديات مؤشرات مستقبلية محتملة، بل واقعًا تشغيليًا يوميًا تعيشه كثير من المؤسسات. وفي ظل هذا الواقع، تشير التقديرات إلى أن نحو 59 في المئة من القوى العاملة عالميًا ستحتاج إلى تطوير مهاراتها بحلول عام 2030. وهذا يعني أن الاستثمار في رأس المال الدماغي لم يعد خيارًا داعمًا لإدارة الموارد البشرية فحسب، بل ضرورة استراتيجية في صميم سياسات المواهب والابتكار. فتنمية صحة الدماغ والقدرات الذهنية أصبحت شرطًا أساسيًا لتمكين الموظفين من التعلم المستمر، والتكيّف مع التغير، والعمل بكفاءة في بيئات متسارعة التعقيد. ومن هنا، فإن المؤسسات التي تُدرج صحة الدماغ والمهارات الذهنية ضمن نماذج أعمالها، لا تكتفي بمعالجة ضغوط الحاضر، بل تضع نفسها في موقع أفضل للتكيّف والمنافسة والنمو. إذ يمنحها هذا النهج قوى عاملة أكثر مرونة، وابتكارًا، واستعدادًا لمواجهة تحوّلات سوق العمل في مرحلة لم يعد فيها التفوّق قائمًا على الموارد وحدها، بل على قدرة العقول على التعلم واتخاذ القرار والعمل بفاعلية.

واستنادًا إلى ما سبق عرضه من تحديات وفرص، يحدّد هذا التقرير خمسة مسارات أساسية لتفعيل رأس المال الدماغي، وهي: حماية صحة العقل، وتنمية المهارات الذهنية، إلى جانب البحث في رأس المال الدماغي، والاستثمار فيه، وحشد الجهود حوله. ولا تعمل هذه المسارات بمعزل عن بعضها، بل يتعزّز كلٌّ منها بالآخر، ويمكن المضيّ بها على أي مستوى، من المؤسسة الواحدة إلى السياسات الوطنية والعمل العالمي المشترك. ومن خلال هذا الترابط، لا تقتصر هذه المسارات على معالجة ضغوط الحاضر، بل تفتح مسارًا عمليًا لبناء مستقبل أكثر قوة وقدرة على الصمود. مستقبل تُدار فيه التحديات الاقتصادية والتقنية بقدرات ذهنية أقوى، وتُصاغ فيه التنمية على أساس الإنسان وعقله بوصفهما المصدر الحقيقي للقيمة والاستدامة.

وفي مقدّمة هذه المسارات، يجب التعامل مع صحة العقل بوصفها الأساس الذي يقوم عليه أي مشروع جاد لبناء رأس المال الدماغي. فمهما تنوّعت الاستراتيجيات أو توسّعت الاستثمارات، لن ينجح أي إطار عملي ما لم يُدعَم بتوسيع الوصول إلى السياسات والخدمات وآليات الدعم التي تحمي صحة الدماغ وتحافظ عليها. إذ إن تنمية المهارات والقدرات الذهنية تفقد معناها إذا لم تُبنَ على أساس صحي متين يمكّن الأفراد من التعلم والعمل والتكيّف عبر مراحل حياتهم المختلفة.

وبالانتقال من الأساس الصحي إلى ما يُبنى عليه، تبرز أهمية تنمية المهارات الذهنية عبر مختلف مراحل الحياة. فهذه القدرات لا تتكوّن تلقائيًا، بل تحتاج إلى دعم مقصود ومنظّم داخل منظومات متعددة تبدأ من الطفولة المبكرة، وتمتد عبر أنظمة التعليم، وبيئات العمل، وصولًا إلى البرامج التي تدعم الشيخوخة الصحية والنشطة. ومن دون هذا الامتداد المتكامل، تتعرّض المهارات الذهنية للتآكل أو الجمود، بدل أن تبقى مصدرًا للتكيّف والإنتاج والمشاركة الفاعلة في المجتمع.

وعلى هذا الأساس، يأتي المسار الثالث المتمثل في تعميق البحث في رأس المال الدماغي. فالتعامل مع هذا المفهوم بجدية يتطلّب الارتقاء به إلى مجال بحثي عابر للتخصصات، يجمع بين الطب، والاقتصاد، والتعليم، وعلم النفس، والسياسات العامة. هذا النهج لا يكتفي بتجاوز العمل المجزّأ والمنعزل، بل يخلق إطارًا موحّدًا يربط الجهود القائمة، ويجذب استثمارات أكثر وعيًا واستراتيجية، ويدعم في الوقت نفسه العمل الضروري على تطوير أدوات القياس والفهم الكمي للأثر. وبذلك، لا يبقى رأس المال الدماغي فكرة نظرية، بل يتحوّل إلى مجال معرفي منظم يُمكّن صُنّاع القرار من البناء على أدلة واضحة، لا افتراضات عامة.

ومن البحث إلى التنفيذ العملي، يبرز المسار الرابع المتجسد في الاستثمار واسع النطاق في رأس المال الدماغي. ويعني ذلك فتح قنوات تمويل كافية، وتقليل المخاطر المرتبطة بالابتكار، وتوجيه الموارد نحو المجالات الأعلى أثرًا. ففي هذا الإطار، يقع على عاتق الحكومات دور أساسي في تهيئة بيئات داعمة عبر السياسات والتنظيم والبنية التحتية. وفي المقابل، يستطيع المستثمرون والمؤسسات الخيرية توسيع نطاق رأس المال التحفيزي الذي يسرّع التجارب الواعدة ويجذب تمويلًا إضافيًا. أما الشركات، فيمكنها أن تقود بالقدوة، من خلال اختبار مقاربات جديدة ودمج المهارات الذهنية ضمن مسارات المواهب والتطوير، بما يحوّل الاستثمار من مبادرات متفرقة إلى ممارسة مؤسسية راسخة.

وأخيرًا، لا يكتمل هذا المسار من دون حشدٍ منظّم لأصحاب القرار والجهات المؤثرة لتحويل الزخم القائم إلى فعلٍ مستدام. والمقصود هنا توسيع دائرة المشاركة بحيث لا تقتصر على قطاعات الصحة أو التعليم وحدها، بل تشمل أيضًا قطاعات التمويل، وسوق العمل، والتكنولوجيا، وصنّاع السياسات الاقتصادية، وغيرهم من الفاعلين القادرين على التأثير في مسارات النمو والتنمية. فرفع مكانة رأس المال الدماغي ليصبح أولوية اقتصادية ومجتمعية يتطلب تنسيقًا واعيًا بين هذه الأطراف، وتوافقًا حول الرؤية، وتكاملًا في الأدوار. وعندما يتحقق هذا الحشد، ينتقل الاهتمام بالصحة العقلية والقدرات الذهنية من مبادرات متفرقة إلى حركة واسعة قادرة على إحداث تغيير طويل الأمد في طريقة عمل المؤسسات، وصياغة السياسات، وبناء المجتمعات.

وفي المحصّلة، يبقى الدماغ أو العقل المحرّك الأعمق للذكاء الإنساني ولمساحات لا تنتهي من الإمكانات. ومع التسارع اللافت لدور الذكاء الاصطناعي، تتضح الحاجة الملحّة إلى تنمية القدرات البشرية بالقدر نفسه، لا بوصفها نقيضًا للتقنية، بل شريكًا لها. فالتقدّم الحقيقي لا يتحقق حين تتقدّم الآلات وحدها، بل حين تتعزّز قدرة الإنسان على الفهم، والتعلّم، واتخاذ القرار، والتواصل. ومن هذا المنطلق، يشكّل الاستثمار في رأس المال الدماغي مسارًا نحو حياة أكثر معنى للأفراد، واقتصادات أكثر مرونة، ومجتمعات أقوى وأكثر تماسكًا. إنه استثمار في الإنسان قبل أي شيء آخر، وفي قدرته على قيادة المستقبل بدل الاكتفاء بملاحقته.

Explore a career with us