ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
في مشهد يتسارع فيه الحديث عن الذكاء الاصطناعي، لا تتقدّم جميع الشركات بالوتيرة ذاتها، ولا تنطلق من المنطلقات نفسها. فهناك فئة محدودة فقط استطاعت أن تتعامل مع هذه التقنية بوصفها رافعة تغيير حقيقية، لا مجرد أداة إضافية ضمن أدواتها التشغيلية. وعند التمعّن في ممارسات هذه الشركات، يتبيّن أنها لا تكتفي بتبني حلول جاهزة أو تحسينات سطحية، بل تمضي في اتجاه مختلف كليًا. إذ تعمل على إعادة تصوّر قدرات الذكاء الاصطناعي من الأساس، ثم تطويرها بطريقة تعيد تشكيل منتجاتها وخدماتها، وتُحدث تحولًا عميقًا في عملياتها الجوهرية، أي تلك العمليات التي يقوم عليها نشاطها الرئيسي، إلى جانب إعادة تنظيم أنظمتها المؤسسية بما يتماشى مع هذا التحول. وبعبارة أوضح، لا تنظر هذه الشركات إلى الذكاء الاصطناعي كأداة تقنية معزولة، بل كمنظومة متكاملة تُعاد من خلالها صياغة طريقة العمل بالكامل، من الداخل إلى الخارج، وهو ما يضعها في مسار مختلف تمامًا عن بقية المنافسين.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
وانطلاقًا من هذه الصورة، تبرز مجموعة من الشركات الرائدة التي نجحت في تحويل هذا التوجّه إلى نتائج ملموسة. هذه الشركات، التي استعرضت تجارب العديد منها في الإصدار الثاني من كتاب "إعادة تهيئة الشركات: كيف تصنع المؤسسات الرائدة ميزتها بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي"، بدأت بالفعل في تحقيق تحولات نوعية غيرت قواعد اللعبة، ونجحت في ترسيخ موقع تنافسي متقدم في أسواقها. غير أن اللافت في تجربتها لا يرتبط بنوعية التقنيات التي تستخدمها، إذ إن هذه الأدوات متاحة على نطاق واسع، ويمكن لأي شركة الوصول إليها. وإنما يتجلّى الفارق الحقيقي في الكيفية التي تُوظّف بها هذه التقنيات، والسرعة التي تُفعّل بها داخل بيئة العمل. وبمعنى أدق، تستمد هذه الشركات تفوقها من قدرتها على تحويل التكنولوجيا إلى حلول عملية تعالج مشكلات الأعمال الحقيقية، وليس على مستوى محدود أو تجريبي، بل على نطاق واسع يشمل مختلف جوانب التشغيل. وعند هذه النقطة يتبلور جوهر الميزة التنافسية، حيث لا يكون التفوق في امتلاك الأداة، بل في كيفية توظيفها وتسريع أثرها داخل المؤسسة.
وفي هذا السياق، نعرض خلاصة رؤيتنا لكيفية تحقيق هذه الشركات لهذا التحول من خلال ما يمكن وصفه بـ "إطار التحول بالذكاء الاصطناعي". هذا الإطار لا يكتفي بطرح أفكار نظرية، بل يحدد بشكل واضح العوامل الحاسمة التي تفرّق بين الشركات التي نجحت في توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لإعادة تشكيل أعمالها، وتلك التي ما تزال متعثّرة في هذا المسار. وفي موازاة ذلك، يواصل "الذكاء الاصطناعي الوكيل" وهو نوع متقدم من الأنظمة القادرة على اتخاذ قرارات وتنفيذ مهام بشكل شبه مستقل توسيع حدود ما يمكن تحقيقه داخل المؤسسات. فقد تجاوزت هذه الأنظمة دورها كمجرد أدوات داعمة للإنسان، وأصبحت تشارك فعليًا في تنفيذ الأعمال والمساهمة في اتخاذ القرار. ومع هذا التطور المتسارع، قد يبدو أن النجاح مرتبط فقط بامتلاك هذه التقنيات المتقدمة، إلا أن الواقع مختلف. فالعوامل التي تحدد نجاح الشركات تظل ثابتة، لأنها لا تعتمد على نوع التقنية بحد ذاته، وإنما على كيفية استخدامها وتوظيفها. وبعبارة أبسط، التفوق لا يتحقق لأن الشركة تستخدم تقنيات متقدمة، بل لأنها تعرف كيف توجّه هذه التقنيات لحل مشكلات حقيقية، وتربطها بشكل مباشر بأهدافها، بحيث تتحول من مجرد أدوات تقنية إلى محرك فعلي يخلق قيمة داخل الأعمال.
ولكي تتضح الصورة بشكل أدق، فإن هذه المرتكزات لا تأتي من فراغ، وإنما تستند إلى ست قدرات رئيسية جرى تفصيلها في كتاب "إعادة تهيئة الشركات: كيف تصنع المؤسسات الرائدة ميزتها بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي"، وتشمل "رسم خارطة الطريق الاستراتيجية" أي تحديد المسار طويل المدى للتحول، و"المواهب" أي استقطاب وتطوير الكفاءات القادرة على قيادة هذا التغيير، و"نموذج التشغيل" الذي يحدد كيف تُدار الأعمال وتُتخذ القرارات داخل المؤسسة، إلى جانب "التقنية" و"البيانات"، وأخيرًا "التبني والتوسع" أي القدرة على تطبيق الحلول وتعميمها على نطاق واسع داخل المؤسسة. وانطلاقًا من هذه الركائز، نُسلّط الضوء على ما أثبتته خبرتنا العملية عبر مئات برامج التحول الكبرى في مجالي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حيث تبيّن أن هذه العوامل تحديدًا هي التي تُحدث الفارق الحقيقي بين النجاح والتعثّر. وفي ضوء ذلك، لا ينبغي النظر إلى هذه المرتكزات بوصفها مفاهيم نظرية، فهي في الواقع أداة عملية يمكن استخدامها كقائمة تحقق لمتابعة التغيير، وكمعالم إرشادية توجه مسار التحول نحو تحقيق عوائد فعلية ومستدامة للأعمال.
-
1. التفوق لا يُشترى بالتقنية؛ بل يُبنى بالقدرات: يكشف واقع المنافسة اليوم أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع تفوقًا مستدامًا، فالعامل الحاسم يتمثل في بناء قدرات داخلية متكاملة تتيح للمؤسسات الاستفادة من أي تقنية بكفاءة. والمقصود بالقدرات هنا ليس مجرد امتلاك أدوات أو أنظمة، فهي منظومة متكاملة تشمل المهارات البشرية، وآليات العمل، وطريقة اتخاذ القرار، بما يمكّن المؤسسة من تحويل التكنولوجيا إلى قيمة فعلية. وعند النظر إلى الجهات التي تتصدر المشهد مبكرًا في مجال الذكاء الاصطناعي، تتضح صورة لافتة؛ إذ إن هذه الشركات ليست جديدة على النجاح، وهي في الواقع ذاتها التي اعتادت التفوق سابقًا، لأنها استثمرت بشكل منهجي في بناء هذه القدرات على مدى سنوات. ويُطلق على هذه الفئة وصف "الشركات التي أعادت هيكلة أعمالها"، في إشارة إلى مؤسسات أعادت تشكيل بنيتها الداخلية لتصبح أكثر جاهزية لاستيعاب التكنولوجيا وتوظيفها بفعالية. ومع نضوج هذه القدرات، وهي عملية تتطلب وقتًا وجهدًا مستمرًا، تبدأ هذه الشركات في تسريع وتيرة تحولها باستخدام التكنولوجيا، ما يمنحها قدرة واضحة على التفوق على منافسيها، وبذلك يتضح أن الميزة التنافسية لا تنبع من التكنولوجيا بحد ذاتها، بل من القدرات التي تمكّن المؤسسة من استخدامها بالشكل الصحيح وعلى نطاق واسع.
هل تعمل على بناء قدرات مستدامة تدعم مسيرة التحول، أم تكتفي بتقديم حلول مؤقتة لمرة واحدة؟
-
2. نقاط التأثير الاقتصادي هي البوصلة الأهم: تُظهر التجربة أن كل نموذج أعمال يقوم على عدد محدود من نقاط التأثير الاقتصادي، وهي الجوانب التي ينعكس تحسينها بأكبر أثر على الأداء والنتائج عند توظيف الذكاء الاصطناعي فيها. والمقصود بـ "نقاط التأثير الاقتصادي" هو المجالات التي تؤثر بشكل مباشر وكبير في الإيرادات أو الكفاءة أو الربحية. فعلى سبيل المثال، في قطاع التعدين، يُعدّ كل من "كفاءة الإنتاج" أي حجم المواد المستخرجة مقارنة بالمدخلات، و"معدلات التدفق" أي سرعة تنفيذ العمليات، من أبرز هذه النقاط، وهو ما مكّن شركة "فريبورت-ماكموران" من تحقيق نتائج نوعية غيّرت أداءها بشكل جذري. وفي قطاع السيارات، تمثّل عملية "توحيد وتنظيم مسار التوريد والإنتاج والتسليم" أي الربط السلس بين الموردين وعمليات الإنتاج والتوزيع، نقطة تأثير محورية، وهو المجال الذي حققت فيه "تويوتا" اختراقًا لافتًا باستخدام الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من أن معظم الشركات تمتلك قوائم طويلة من حالات الاستخدام المحتملة، فإن الشركات الناجحة لا تشتت جهودها عبر جميع هذه المسارات، بل تركز بشكل منهجي على عدد محدود من المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية. وفي هذه المجالات تحديدًا، تعمّق استثماراتها وتكثّف جهودها لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على إحداث تحول حقيقي في الأعمال، بدل الاكتفاء بتحسينات متفرقة ذات أثر محدود.
هل وجّهت استثماراتك في الذكاء الاصطناعي نحو الجوانب التي تؤثر مباشرة في تعزيز إيرادات وكفاءة أعمالك؟
-
3. القيمة الحقيقية هي ما ينعكس مباشرة على أداء الأعمال: القيمة التي لا تنعكس بوضوح على أداء الأعمال تظل محدودة الأثر، حتى وإن استندت إلى تقنيات متطورة. إذ إن المعيار الحقيقي لا يقاس بمدى تطور الحلول، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة تدفع الأعمال إلى الأمام. وقد أظهرت دراسة شملت 20 شركة من قطاعات مختلفة أن التحولات المعتمدة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أسهمت في رفع الأرباح التشغيلية قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء بنسبة 20 في المئة في المتوسط، وهو ما يُعرف بـ "EBITDA"، وهو اختصار لمؤشر مالي يقيس الأرباح التشغيلية قبل احتساب الفوائد والضرائب والاستهلاك، ما يجعله أداة تُستخدم لفهم الأداء الحقيقي للشركة بعيدًا عن العوامل المحاسبية أو التمويلية. كما تمكنت هذه الشركات من الوصول إلى نقطة التعادل خلال فترة تتراوح بين عام وعامين، وحققت عائدًا يقارب 3 دولارات من الأرباح التشغيلية الإضافية مقابل كل دولار 1 تم استثماره. ولم يتحقق هذا الأثر من خلال التوسع في المبادرات بشكل عشوائي، بل نتيجة تركيز واضح على نطاق محدود يتراوح بين مجال واحد إلى ثلاثة مجالات رئيسية في الأعمال، حيث أعادت هذه الشركات تصميم هذه المجالات بشكل جذري باستخدام الذكاء الاصطناعي. وقد تطلّب ذلك اعتماد أساليب مبتكرة في حل المشكلات، وتنسيقًا دقيقًا بين الأدوات التقنية وغير التقنية، إلى جانب تركيز عالٍ على احتياجات العملاء والمستخدمين، مع تحديد واضح للمسؤوليات المرتبطة بالمقاييس التي تُظهر أداء الشركة الحقيقي، أي المقاييس التي تعتمد عليها الشركة لقياس نجاحها الفعلي. وباتباع هذا النهج، استثمرت هذه الشركات بأسلوب تدريجي قائم على التنفيذ والتقييم المستمر، بحيث يتم تقييم كل مرحلة قبل الانتقال إلى التالية، ما مكّنها من تحقيق نتائج قوية، والاستمرار في تحسين أدائها، والحفاظ على موقعها المتقدم في المنافسة.
هل سيُحدث تحول أعمالك فرقًا حقيقيًا، أم يظل أثره محدودًا؟
-
4. تمكين القيادات العليا تقنيًا هو نقطة الانطلاق للتحول: يُعد تمكين القيادات العليا في الأعمال من فهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أولوية أساسية لنجاح أي تحول. فالتجارب العملية لا تكاد تُظهر حالة نجاح واحدة كان فيها قادة الأعمال بعيدين عن موقع القيادة الفعلية لهذا المسار، ما يؤكد أن التحول لا يُدار من الهامش، بل من صميم القرار. وفي هذا الإطار، تؤدي قيادات تقنية المعلومات دورًا مهمًا في دعم هذا التحول وتوفير ما يتطلبه من أدوات وخبرات، غير أن زمام القيادة يبقى بيد قادة الأعمال، بحكم قدرتهم على توجيه التكنولوجيا وربطها مباشرة بأهداف الشركة ونتائجها. وفي الممارسة العملية، لا يقتصر دور هذه القيادات على وضع التوجهات العامة، إذ يمتد إلى قيادة المسار التقني بشكل مباشر، بدءًا من إعادة تصور الأعمال باستخدام التكنولوجيا، مرورًا بتوجيه تطوير الحلول، ووصولًا إلى متابعة تحقيق القيمة الفعلية منها. وغالبًا ما يشغل هؤلاء القادة مناصب قريبة من الرئيس التنفيذي، أي ضمن المستويات القيادية العليا في الشركة، ما يضعهم في موقع يمكّنهم من التأثير المباشر في القرارات. ويتميّزون بامتلاكهم فهمًا عميقًا لطبيعة الأعمال، إلى جانب معرفة عملية بالتكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي، وهو ما يساعدهم على الربط بين متطلبات العمل والإمكانات التقنية، وقيادة التحول بشكل فعّال. وبهذا المزيج، لا يكتفي هؤلاء القادة باتخاذ القرار، بل يشاركون فعليًا في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي وبنائها وتشغيلها، بحيث تصبح جزءًا أساسيًا من طريقة عمل الشركة، وتسهم بشكل مباشر في تحسين الأداء وتحقيق نتائج ملموسة.
هل لدى قياداتك فهمًا حقيقيًا لكيفية توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟
5. نجاح التحول يبدأ من الإنسان قبل التقنية: لا يقتصر التحول في مجالي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على إدخال أدوات جديدة أو تطوير الأنظمة، بل يمتد في جوهره إلى إعادة تشكيل طريقة عمل الأفراد داخل المؤسسة. فنجاح هذا التحول يرتبط بشكل مباشر بقدرة الشركة على تطوير كفاءاتها البشرية، بحيث تصبح قادرة على استيعاب التكنولوجيا وتوظيفها بفعالية في العمل اليومي. ولهذا، تركّز الشركات المتقدمة على بناء فرق تقنية قوية داخلها، بدل الاعتماد المفرط على جهات خارجية. ويظهر هذا التوجّه فيما يُعرف بـ "تحوّلات 30–70"، وهو مفهوم يشير إلى إعادة توزيع الكفاءات داخل المؤسسة بطريقة ترفع من قدرتها على التنفيذ. ويقوم هذا النهج على ثلاث أفكار رئيسية مترابطة. الفكرة الأولى أن تعتمد الشركة بشكل أساسي على كوادرها الداخلية، بحيث يشكّل الموظفون داخل المؤسسة النسبة الأكبر من الكفاءات التقنية، ما يعزّز الاستمرارية ويحافظ على المعرفة داخل الشركة. أما الفكرة الثانية فتتمثل في أن يكون معظم هؤلاء من المتخصصين الذين ينفذون العمل فعليًا، مثل مهندسي البرمجيات، أي أولئك الذين يطوّرون الحلول ويبنون الأنظمة، وليس فقط من يشرفون عليها. وتأتي الفكرة الثالثة لتؤكد أهمية المستوى المهاري، حيث تسعى الشركات إلى أن يمتلك غالبية هؤلاء مستويات متقدمة من الخبرة، ما يرفع جودة التنفيذ ويقلّل من الأخطاء. ويؤدي هذا التوجّه إلى تشكيل فرق عمل صغيرة لكنها عالية الكفاءة، قادرة على تحقيق نتائج تتفوق على فرق أكبر حجمًا لكنها أقل خبرة، إذ يكون التركيز على جودة الأداء والقدرة الفعلية على الإنجاز، لا على عدد الأفراد. أمّا على صعيد الأعمال، يتغير دور القيادات بشكل واضح، حيث لا يكتفي القادة بالإشراف العام، إذ يتحمّلون مسؤولية مباشرة عن مجالات محددة من العمل، وعن النتائج المرتبطة بها. كما يقودون فرقًا مرنة تضم تخصصات مختلفة تعمل بشكل متكامل، ما يسرّع اتخاذ القرار ويعزّز القدرة على التنفيذ. وفي المحصلة، استطاعت الشركات المتقدمة تطبيق هذا الأسلوب بنجاح، ما انعكس بشكل واضح على طريقة عملها. فقد أصبحت فرق العمل أكثر كفاءة، وأصبحت المسؤوليات محددة بوضوح، بحيث يعرف كل فريق وكل قائد ما هو المطلوب منه وما النتائج التي يتحمل مسؤوليتها. وهذا الوضوح في الأدوار، إلى جانب ارتفاع مستوى المهارات، ساعد هذه الشركات على تحقيق نتائج أفضل بشكل مستمر، بدل الاعتماد على محاولات متفرقة أو غير منظمة.
ومع توسّع دور "وكلاء الذكاء الاصطناعي"، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ المهام والتنسيق بينها واتخاذ قرارات روتينية بشكل شبه مستقل، تبدأ طبيعة العمل داخل المؤسسات في التغيّر. إذ تتولى هذه الأنظمة جزءًا متزايدًا من الأعمال التشغيلية اليومية، ما يتيح للعنصر البشري التركيز على مهام ذات قيمة أعلى. هذا التغيّر ينعكس بشكل مباشر على دور المهندسين. فبدلًا من الانشغال بالأعمال المتكررة التي تعتمد على تنفيذ نفس الخطوات مرارًا، يتجه دورهم نحو التفكير في الصورة الأكبر، أي كيف يتم بناء النظام من الأساس، وكيف تعمل أجزاؤه معًا، وما القواعد التي تضمن أن يعمل بشكل صحيح، وكيف يتم التأكد من جودة النتائج التي يقدّمها. وبعبارة أبسط، ينتقل دورهم من تنفيذ المهام إلى تصميم الطريقة التي تُنفّذ بها هذه المهام. وبالمثل، يتغيّر دور القادة في مجال الأعمال بشكل واضح. فلم يعد تركيزهم الأساسي على متابعة تفاصيل العمل اليومية أو توزيع المهام، بل أصبح دورهم يتمحور حول تحديد ما الذي يجب تحقيقه أصلًا، وما النتائج التي تعتبر نجاحًا، وكيف يتم قياس هذا النجاح. كما يتدخلون في اتخاذ القرارات التي تتطلب اختيارًا بين عدة مسارات، أي تحديد الأولويات واختيار الاتجاه الأنسب لتحقيق أهداف الشركة. ومع هذا التحول، يتشكل نموذج عمل مختلف داخل الشركات. إذ يصبح الاعتماد أقل على عدد كبير من الموظفين لتنفيذ المهام، مقابل الاعتماد على عدد أقل من الأفراد الذين يمتلكون مهارات أعلى وقدرة أكبر على التأثير. وفي الوقت نفسه، تصبح المسؤوليات أكثر وضوحًا، حيث يعرف كل شخص ما هو المطلوب منه وما النتائج التي يتحمل مسؤوليتها، كما تتحسن قدرة الفرق على التعلم من التجربة بسرعة، أي مراجعة ما تم إنجازه، وتعديل الأسلوب، وتحسين الأداء بشكل مستمر.
هل تطوّرت كفاءات فريقك بما يكفي لمواكبة هذا التحول؟
-
6. السرعة هي العامل الحاسم في تفوق المؤسسات وتصنع الفارق الحقيقي في المنافسة: تتحول السرعة اليوم إلى العامل الأكثر تأثيرًا في قدرة الشركات على التفوق، خاصة في بيئة تتنافس فيها جهات تمتلك الوصول إلى التقنيات ذاتها. فالفارق لم يعد في امتلاك التكنولوجيا، بل في القدرة على استخدامها والتحرك بها بسرعة أكبر. وفي هذا السياق، تنجح الشركات حين تتمكن من توجيه مواردها بسرعة نحو الفرص التي يمكن أن تُحدث فرقًا فعليًا في نتائجها، لا مجرد فرص ثانوية أو تحسينات محدودة. كما تمنح فرقها مساحة كافية للتحرك واتخاذ القرار دون تعقيدات إدارية أو الحاجة المستمرة للرجوع إلى جهات متعددة، وهو ما يبطئ العمل ويؤخر التقدم. وفي الوقت نفسه، تعمل هذه الشركات على تقليل ما يمكن وصفه بـ "الفجوة الزمنية في اتخاذ القرار"، أي الفترة التي تفصل بين ملاحظة المشكلة أو الفرصة، ثم اتخاذ قرار بشأنها، ثم تنفيذ هذا القرار على أرض الواقع. وكلما قصرت هذه المدة، زادت قدرة الشركة على التحرك بسرعة والاستفادة من الفرص قبل غيرها. ويتطلب تحقيق هذه السرعة إدماج الكفاءات التقنية، مثل مهندسي الذكاء الاصطناعي، بشكل مباشر داخل فرق الأعمال، بدل فصلهم في وحدات مستقلة. كما تحرص هذه الشركات على عدم البدء من الصفر في كل مرة. فبدل أن يقوم كل فريق ببناء الحلول والأدوات الخاصة به بشكل منفصل، تعمل الشركة على إنشاء منصات مشتركة، أي أدوات وأنظمة جاهزة يمكن للجميع استخدامها. فعلى سبيل المثال، إذا تم تطوير نموذج بيانات أو أداة تحليل في مشروع معين، يمكن إعادة استخدامها في مشاريع أخرى بدل إعادة بنائها من جديد. وبهذا الأسلوب، يتم توفير الوقت والجهد، وتسريع العمل، وتقليل التكرار، ما يسمح للشركة بالتحرك بسرعة أكبر وتحقيق نتائج بشكل أسرع. كذلك، تعتمد الشركات المتقدمة على أسلوب إدارة يركّز على النتائج الفعلية للأعمال، بحيث يتم تمويل المبادرات بشكل مستمر بناءً على ما تحققه من نتائج، وليس كخطط منفصلة أو مشاريع محدودة بزمن معين. وهذا النهج يختصر الوقت بشكل كبير، ويُسرّع وتيرة العمل من الفكرة إلى التنفيذ. ومن دون هذه السرعة، لا تستطيع أي شركة تحقيق ابتكار حقيقي باستخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، لأنها ببساطة لن تتمكن من مواكبة التغيرات المتسارعة، وستتأخر عن المنافسين الذين يتحركون بوتيرة أسرع.
ما الذي تقوم به لزيادة قدرة مؤسستك على التحرك واتخاذ القرار بسرعة؟
-
7. المنصات التقنية أصول استراتيجية يجب الاستثمار فيها بوعي: تبرز المنصات التقنية بوصفها أحد أهم الأصول الاستراتيجية داخل الشركات، ما يستدعي التعامل معها بعقلية استثمارية طويلة المدى، لا كأدوات تشغيلية عابرة. فالمقصود بـ "المنصات التقنية" هو مجموعة من الأنظمة والأدوات المشتركة التي تُبنى مرة واحدة، ثم تُستخدم عبر مختلف فرق العمل داخل الشركة. وتتضح أهمية هذه المنصات في عدة جوانب مترابطة. فهي أولًا تسرّع تنفيذ الأعمال، لأن الفرق لا تحتاج إلى بناء كل شيء من البداية، حيث تعتمد على أساس جاهز يمكن البناء عليه. كما تسهم في خفض التكاليف، من خلال إعادة استخدام نفس الأدوات والحلول بدل تكرار الجهود. وإلى جانب ذلك، تتيح هذه المنصات وصول التكنولوجيا والبيانات إلى الأشخاص الذين يحتاجونها في الوقت المناسب، بدل أن تبقى محصورة في نطاق ضيق داخل الشركة. وعلاوة على ذلك، تمكّن هذه المنصات الشركات من توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل منظم وآمن، حيث توفر بيئة موحّدة تضمن أن يتم استخدام البيانات والتقنيات وفق معايير واضحة، ما يقلل من المخاطر ويرفع من جودة النتائج. وبعبارة أبسط، تمنح المنصات الفرق القدرة على العمل بسرعة، ولكن ضمن إطار منضبط يضمن الاتساق والجودة. ومن ناحية الإدارة، لا تُترك هذه المنصات لتتطور بشكل عشوائي، بل تُدار بشكل استراتيجي من خلال فرق متخصصة، وخطط واضحة تحدد مسار تطويرها، وميزانيات مخصصة لدعمها، إلى جانب تحديد مستوى الخدمة المتوقع منها، أي درجة الأداء والجودة التي يجب أن تحققها. كما يتم تطوير هذه المنصات بناءً على احتياجات المستخدمين داخل الشركة، بحيث تتطور باستمرار بما يخدم العمل الفعلي. وفي مستوى أعمق، يصبح فهم "البنية التقنية" أي الطريقة التي ترتبط بها الأنظمة والتطبيقات داخل الشركة وكيف تعمل معًا أمرًا أساسيًا لأي قائد تنفيذي. فهذه البنية لا تحدد فقط ما يمكن للشركة القيام به، كما تحدد أيضًا مدى سرعتها ومرونتها في التحرك، وقدرتها على التميز عن المنافسين. ولهذا، لم يعد هذا الفهم أمرًا تقنيًا بحتًا، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من دور القيادة، تمامًا كما هو الحال في فهم الإيرادات والمصروفات وأداء الأعمال.
هل تتعامل مؤسستك مع المنصات باعتبارها أصلًا استراتيجيًا حقيقيًا؟
-
8. اجعل البيانات جاهزة للاستخدام… واعمَل على تطويرها لتدعم قراراتك بشكل أفضل: لا يمكن لأي مبادرة في الذكاء الاصطناعي أن تنجح إذا لم تعتمد على بيانات جيدة. فالمشكلة لا تكون في التقنية نفسها بقدر ما تكون في نوعية البيانات التي تعتمد عليها. وكلما كانت البيانات أوضح وأكثر دقة، زادت قدرة الأنظمة على تقديم نتائج مفيدة. وهذا ما أشار إليه العالم "ديفيد بيكر"، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024، أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كميات كبيرة من البيانات عالية الجودة حتى يكون فعّالًا. لكن الواقع داخل كثير من الشركات مختلف. فبدل أن تكون البيانات متاحة وسهلة الاستخدام، نجدها موزعة في أماكن متعددة، أو مخزّنة بطريقة تجعل الوصول إليها صعبًا، ما يعيق الاستفادة منها ويبطئ العمل. لذلك تبدأ الشركات المتقدمة بخطوة عملية، وهي تحويل البيانات من شكلها الخام إلى ما يمكن استخدامه مباشرة. ويُقصد بذلك تنظيم البيانات وتجهيزها مسبقًا، بحيث يستطيع أي فريق داخل الشركة العثور عليها واستخدامها بسهولة دون الحاجة إلى إعادة ترتيبها أو معالجتها في كل مرة. ومع الوقت، لا تكتفي هذه الشركات بإتاحة البيانات، إذ تعمل على تحسينها باستمرار. فهي تضيف معلومات تساعد على فهمها بشكل أدق، وتربطها ببيانات أخرى لتصبح أكثر فائدة. وهذا ما يجعل البيانات متوفرة وأكثر قيمة وتميّزًا. وبهذا التوجه، تتحول البيانات من مجرد معلومات مخزّنة إلى أصل فعلي داخل الشركة، يُستخدم في تحسين الأداء ودعم القرارات وتحقيق نتائج واضحة.
هل بياناتك سهلة الاستخدام، أم تتطلب جهدًا ووقتًا لاعدادها والاستفادة منها؟
-
9. اجعل الحل سهل الاستخدام منذ البداية... وقابلاً للتطوير والاستخدام في أكثر من مجال: القيمة الحقيقية لأي نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي تتحقق عندما يدخل حيّز الاستخدام الفعلي داخل العمل، ويتوسع تطبيقه ليشمل نطاقًا أوسع من العمليات. فمجرد تطوير الحل لا يكفي إذا لم يصبح جزءًا من الممارسة اليومية داخل المؤسسة. ورغم أن هذه الفكرة تبدو بديهية، فإنها تظل من أكثر التحديات تعقيدًا في الواقع العملي. ففي كثير من الحالات، لا يكون العائق في دقة الحل أو كفاءته، وإنما في بقاء أساليب العمل المحيطة به على حالها دون تغيير. فعلى سبيل المثال، قد ينجح نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات المعدات والتنبؤ باحتمال تعطلها قبل عدة أيام. أي أنه يعطي إنذارًا مبكرًا يتيح التدخل قبل حدوث المشكلة. لكن إذا استمرت فرق الصيانة في العمل وفق جدول ثابت لا يتغير، مثل فحص المعدات في تواريخ محددة مسبقًا بغض النظر عن حالتها، فإن هذه التنبؤات لن تُؤخذ بعين الاعتبار، ولن يتم التحرك بناءً عليها. وفي هذه الحالة، يظل النظام موجودًا من الناحية التقنية، لكن تأثيره على أرض الواقع يكون محدودًا أو معدومًا. وبالتالي لا تتحقق الفائدة من هذه الأنظمة بمجرد دقتها، وإنما عندما يتم الاعتماد على مخرجاتها في تغيير طريقة العمل. فإذا قدّم النظام تنبيهًا أو توقعًا، يجب أن يقابله إجراء فعلي مبني على هذا التنبيه. عندها فقط يتحول التحليل إلى قرار، والقرار إلى نتيجة ملموسة. أما إذا استمرت الإجراءات اليومية كما هي، فسيبقى النظام منفصلًا عن الواقع، ولن يضيف أثرًا حقيقيًا على الأداء.
وبموازاة ذلك، يبرز تحدٍ آخر لا يقل صعوبة، يتمثل في القدرة على توسيع استخدام هذه الحلول داخل الشركة. فنجاح التجربة في نطاق محدود لا يعني بالضرورة إمكانية تطبيقها بسهولة في مواقع متعددة أو على نطاق أوسع. وتبدأ الخطوة الأولى بفهم معنى التوسّع نفسه. المقصود هنا هو أن يتم استخدام نفس الحل في أكثر من مكان، مثل تطبيقه في عدة فروع، أو مصانع، أو على شرائح مختلفة من العملاء، دون الحاجة إلى إعادة بنائه من جديد في كل مرة. ولكي يحدث ذلك، يجب تصميم الحل من البداية بطريقة مرنة. أي أن يكون قابلاً للتعديل والتطبيق في أكثر من حالة، بدل أن يكون مرتبطًا بمشكلة واحدة فقط. بهذه الطريقة، يمكن نقله من قسم إلى آخر بسهولة، وتطبيقه بسرعة دون تعقيد. إلى جانب ذلك، يتطلب التوسّع تعاونًا واضحًا بين طرفين داخل الشركة. الطرف الأول هو الفريق الذي يقوم ببناء الحل، والطرف الثاني هو الفرق التي ستستخدمه في عملها اليومي. وإذا لم يكن هناك تنسيق جيد بينهما، فقد ينجح الحل تقنيًا، لكنه يفشل عند التطبيق الفعلي. كما أن التوسّع لا ينجح إذا تم التفكير فيه بعد الانتهاء من بناء الحل. لذلك، من الضروري تحديد متطلبات التوسّع منذ البداية، مثل حجم الاستثمار المطلوب، والتكاليف المستمرة لتشغيل الحل، حتى لا تضطر الشركة إلى إعادة العمل لاحقًا. وبهذه الطريقة، يُؤخذ التوسّع في الحسبان منذ البداية، فيُبنى الحل ليُستخدم في أكثر من مكان دون الحاجة إلى إعادة تصميمه، مما يساهم في اختصار الوقت وتقليل التكاليف.
هل تعمل مؤسستك وفق نهج واضح لتطبيق الذكاء الاصطناعي وتوسيعه، أم تعتمد على اجتهادات فردية تظهر ثم تختفي؟
-
10. الثقة شرط أساسي قبل نشر أو تطبيق أي نظام ذكاء اصطناعي: تبدأ مسألة استخدام الذكاء الاصطناعي من نقطة أساسية لا يمكن تجاوزها، وهي الثقة. فعندما تخطئ هذه الأنظمة، لا يكون الأثر تقنيًا فقط، بل يتسع الأمر ليؤثر على ثقة العملاء، والجهات التنظيمية، والموظفين، والشركاء، وحتى المجتمع بشكل عام. وتتكوّن هذه الثقة عندما يطمئن جميع الأطراف إلى أن المؤسسة تتعامل مع البيانات بمسؤولية، وتحمي معلومات العملاء بشكل فعّال، وتطبّق إجراءات قوية للأمن السيبراني، أي حماية الأنظمة والبيانات من الاختراق أو سوء الاستخدام. كما تعتمد الثقة على تقديم منتجات وخدمات قائمة على الذكاء الاصطناعي يمكن الاعتماد عليها، إلى جانب الوضوح في كيفية استخدام البيانات والتقنيات داخل هذه الأنظمة. ومع التوسع في استخدام ما يُعرف بـ "وكلاء الذكاء الاصطناعي"، تصبح التحديات أكثر تعقيدًا. إذ يتطلب الأمر وقتًا أطول لاختبار هذه الأنظمة، والتأكد من أنها تعمل بشكل صحيح، إلى جانب تطوير آليات تلقائية للتحكم في المخاطر، أي إجراءات تُراقب الأداء وتحد من الأخطاء بشكل مستمر. كما أن هذا المجال يتغير بسرعة كبيرة، وفي ظل هذا التسارع، قد تسبق الحماسة لاستخدام هذه التقنيات قدرة الشركات على إدارة المخاطر المرتبطة بها. وهذا ما يفرض على المؤسسات التوازن بين الابتكار والضبط، بحيث لا يتم التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي على حساب الثقة أو الاستقرار.
هل تستطيع حلول الذكاء الاصطناعي في مؤسستك تحمّل مراجعة دقيقة من الجهات الرقابية والعملاء والجمهور؟
-
11. يتجه التركيز اليوم إلى بناء نوع جديد من القدرات في الذكاء الاصطناعي، يتمثل في ما يمكن وصفه بـ "هندسة الأنظمة الذكية المستقلة": والمقصود بهذا المصطلح هو تصميم أنظمة لا تكتفي بتنفيذ أمر واحد في كل مرة، وإنما تستطيع فهم الهدف، وتقسيمه إلى خطوات، وتنفيذ هذه الخطوات بشكل متتابع، واتخاذ قرارات بسيطة أثناء العمل، دون الحاجة إلى تدخل مستمر من الإنسان. وقد أصبح هذا ممكنًا بفضل تطور "النماذج الأساسية"، وهي نماذج ذكاء اصطناعي كبيرة تم تدريبها على كميات ضخمة من البيانات، ما يمنحها القدرة على العمل لفترات طويلة بشكل متواصل. ونتيجة لذلك، أصبح بالإمكان بناء مسارات عمل متكاملة، حيث يقوم النظام بسلسلة من المهام المرتبطة لتحقيق هدف معين، بدل تنفيذ مهمة واحدة فقط. ويظهر أثر هذا التحول بوضوح في مجال تطوير البرمجيات، حيث لم يعد دور الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على المساعدة في كتابة أجزاء من الكود أو البرمجة، بل أصبح قادرًا على تنفيذ أجزاء كبيرة من العمل، مثل كتابة الكود، واختباره، وتحسينه، وهو ما أدى إلى زيادة كبيرة في الإنتاجية. وفي المقابل، تتحرك الشركات المتقدمة بسرعة لاكتساب هذه القدرة. فهي تعمل على استخدام أنواع مختلفة من البيانات، بما في ذلك البيانات غير المنظمة مثل النصوص والصور، وتطوّر منصاتها التقنية لتدعم هذا النوع من الأنظمة. كما تقوم بأتمتة الضوابط، أي وضع آليات تراقب عمل هذه الأنظمة وتحد من الأخطاء بشكل تلقائي، إلى جانب إجراء تجارب سريعة ومتكررة لفهم ما ينجح عمليًا، ثم تحويل هذه التجارب إلى أسلوب عمل يمكن تكراره وتطبيقه بشكل منظم. وليس هذا النمط جديدًا بالكامل، فقد شهدت الشركات التي أعادت بناء قدراتها سلوكًا مشابهًا في السابق. فهي غالبًا ما تكون الأسرع في استيعاب التقنيات الجديدة، لأنها تمتلك الأساس الذي يمكّنها من تبنيها وتوظيفها بكفاءة.
هل ستكون أنظمة العمل التي ينفّذها الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل مصدر تفوقك القادم، أم سبب تأخرك عن المنافسين؟
-
12. تعلّم من جديد… وكأن مصير أعمالك يعتمد بأكمله على هذه النقطة: لم يعد التعلّم في عالم الذكاء الاصطناعي مسارًا تدريجيًا يمكن تأجيله، حيث أصبح ضرورة مستمرة تفرضها طبيعة هذا المجال سريع التغيّر. فالمعارف والمهارات التي كانت كافية بالأمس قد تفقد قيمتها خلال فترة قصيرة، مع تسارع الابتكار وتطوّر التقنيات. ولهذا، تتقدّم المؤسسات التي تمتلك القدرة على التعلّم، والتخلّي عمّا لم يعد مناسبًا، ثم إعادة التعلّم بسرعة. فالميزة اليوم لا تكمن في امتلاك المعرفة فقط، بل في القدرة على تحديثها باستمرار ومواكبة ما يستجد. ومن هذا المنطلق، يصبح من أهم أدوار الرئيس التنفيذي أن يقود فريقه القيادي في رحلات تعلّم منظّمة، أي تجارب عملية وفكرية تساعدهم على فهم ما يحدث بعمق، واستيعاب تأثيره على أعمالهم. فهذه الرحلات لا تقتصر على اكتساب المعرفة، ولكنها تهدف أيضاً إلى بناء قناعة واضحة لدى القيادات العليا حول حجم الفرصة، والطريق المطلوب لتحقيق التحول. وعندما تتكوّن هذه القناعة، تتغير طريقة التفكير داخل الفريق القيادي بالكامل. إذ يصبح كل قائد مدركًا لدوره في هذا التحول، وما المطلوب منه تحديدًا، وهو ما ينعكس مباشرة على سرعة التنفيذ، حيث ينتقل التحول من مرحلة التردد إلى مرحلة الحركة الفعلية.
القيادة الناجحة في هذا العصر تبدأ بالالتزام بالتعلّم المستمر… فهل تمنح نفسك ما يكفي من هذا الاستثمار؟
في النهاية، نجاح التحول في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لا يتحقق من خلال إطلاق مشاريع متفرقة هنا وهناك، بل من خلال بناء قدرات حقيقية داخل الشركة. والمقصود بهذه القدرات هو امتلاك الفرق للمهارات، ووجود أنظمة واضحة للعمل، وطريقة تنفيذ تمكّن الشركة من استخدام التقنية بشكل فعلي، وليس شكليًا. ولا يمكن تجاوز هذه القدرات أو القفز فوقها، حتى مع إمكانية تسريع بنائها. وذلك لأن أي نقص فيها سيظهر مع التطبيق العملي، حيث تبدأ المشكلات في الظهور تدريجيًا، مثل بطء التنفيذ أو صعوبة التوسع أو ضعف النتائج. ولهذا، يصبح بناء هذه الأسس بشكل متكامل ضرورة لا يمكن تأجيلها أو التعامل معها بشكل جزئي. ومع استمرار بناء هذه القدرات، يبدأ تأثيرها في الظهور بشكل أوضح. فكل قدرة جديدة تجعل ما قبلها يعمل بشكل أفضل، وتساعد على تحقيق نتائج أقوى. ومع الوقت، تتحول هذه الجهود إلى ميزة حقيقية، تجعل الشركة أسرع في التنفيذ، وأكثر قدرة على الاستفادة من أي تقنية جديدة. وهذا ما يفسر لماذا تتقدم بعض الشركات باستمرار. فهي لا تعتمد على حلول مؤقتة، بل تبني أساسًا قويًا، ثم تواصل البناء عليه. ومع كل خطوة، تصبح المسافة بينها وبين المنافسين أكبر.