الأنظمة الذكية تعيد تشكيل إدارة التحول المؤسسي وتكلفته

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

تبدأ رحلة التغيير المؤسسي بفريق يتولى تحويل الطموحات إلى خطوات عملية، ويوجّه جهود الإدارات نحو تطوير أساليب العمل وتحسين الأداء. لكن هذا الفريق، المعروف بفريق "إدارة التحول المؤسسي"، يعيش مفارقة لافتة حين يدعو المؤسسة إلى التجديد فيما يتأخر هو في تحديث أدواته. وتبرز هذه الفجوة مع ظهور أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على التخطيط للمهام وتنفيذ خطواتها المترابطة دون انتظار توجيه بشري عند كل خطوة، بما يمهّد لتغييرات واسعة في القطاعات والاقتصادات. ورغم سعي فريق التحول إلى تسريع الإنجاز وتمكين المؤسسة من التعامل بمرونة مع المستجدات، لا يزال أعضاؤه يجمعون المعلومات من ملفات وأنظمة مختلفة ويجهّزون بأنفسهم ما سيُعرض في الاجتماعات.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

ولهذا الاعتماد على العمل اليدوي تبعات تؤثر في تنفيذ خطط التغيير. إذ تستنزف المهام الإدارية المتكررة وقت الموظفين وجهدهم، وتتأخر المعلومات التي يحتاجها المسؤولون لاتخاذ القرارات، وتبدأ الفرق في تقديم تصورات مختلفة عن سير العمل ومدى ارتباطه بأهداف المؤسسة. ومع تأخر وصول هذه المعلومات، تنشغل القيادة بمعالجة المشكلات بعد وقوعها، وتتراجع قدرتها على استباقها وتوجيه التنفيذ. ولأن فريق التحول لا يستطيع تلبية جميع احتياجات المتابعة، تلجأ الفرق المسؤولة عن المبادرات إلى إعداد أدوات وتقارير خاصة بها بعيداً عن نظام المتابعة المشترك. وهكذا تتوزع البيانات والتحليلات بين جهات متعددة، ويصبح من الصعب تكوين صورة موحّدة وموثوقة عن تقدّم العمل.

وتفتح القفزة التي شهدتها قدرات الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الاثني عشر الماضية طريقاً لمعالجة هذه الصعوبات. فقد انتقلت بعض فرق التحول الرائدة من استخدام برامج محادثة بسيطة تجيب عن الأسئلة إلى أنظمة تستطيع تنفيذ مهام العمل المتتابعة من بدايتها إلى نهايتها بصورة مستقلة. وبدأت هذه الأنظمة تُحدث فرقاً ملموساً، إذ تتابع الأداء باستمرار وتكشف مواضع التقصير، وتحافظ على بيانات موحّدة ومحدّثة يرجع إليها الجميع، وتحدد القضايا التي تستدعي مناقشة القيادة في اجتماعاتها الأسبوعية. وبذلك تتيح لأعضاء الفريق وقتاً للمهام التي تحتاج إلى خبرتهم وتقديرهم، بعدما كانت الأعمال المتكررة تستنزف قدرتهم على متابعة التنفيذ. ويمكن لهذه الأنظمة خفض الوقت اللازم لإنجاز العديد من المهام الأساسية بنسبة تتراوح بين 35 إلى 40 في المئة، وقد رصدنا حالات بلغت فيها نسبة توفير الوقت 70 في المئة أو تجاوزتها.

ومع هذه النتائج الواعدة، لا تزال قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تنفّذ المهام بصورة مستقلة تتطور بسرعة، وتتفاوت درجة تطورها ونضجها من تطبيق إلى آخر، شأنها في ذلك شأن سائر استخدامات الذكاء الاصطناعي. ومن هنا، يقدّم هذا المقال قراءة أولية للفرص التي تتيحها لفرق التحول، مستنداً إلى ما نرصده حالياً في برامج التغيير المؤسسي وما بدأت الفرق تطبيقه بالفعل. وانطلاقاً من هذه التجارب، نستعرض الخطوات الأولى التي تساعد على وضع دليل عملي للاستفادة من هذه الأنظمة.

أساليب العمل التقليدية تحدّ من قدرة فريق إدارة التحول المؤسسي

تظهر هذه القيود بوضوح حين يتمسّك الفريق المسؤول عن قيادة التغيير وتحسين الأداء في المؤسسة بتقنياته وأدواته القديمة، ويتردد في تحديثها. ويعرقل هذا التردد جهود التطوير عموماً، لكن تبعاته تتسع مع ظهور أنظمة ذكاء اصطناعي تستطيع تنفيذ المهام بصورة مستقلة، فاستمرار العمل بالأدوات القديمة يؤخّر الاستفادة من هذه الأنظمة في إنجاز المهام التي تستنزف وقت الفريق وجهده.

أساليب المتابعة اليدوية تعوق تقدّم العمل

يتضح أثر هذه الأساليب في طريقة تنظيم العمل داخل الفريق المسؤول عن إدارة التحول المؤسسي. ففي النموذج التقليدي، تُوزَّع المسؤوليات بصورة جامدة، وتتكرر الاجتماعات المرهقة، وتتراكم التقارير التي تُعدّ وتُرفع إلى المستويات الإدارية العُليا. ولأن متابعة التقدّم يدوياً تستغرق وقتاً طويلاً، يحتاج الفريق إلى أعداد كبيرة من الموظفين لإنجازها. ويجسّد ذلك برنامج حديث استمر عامين لإعادة شركة عالمية إلى مسار الأداء السليم، وشمل ما يزيد على 3000 موظف موزّعين على ثماني إدارات. فقد احتاج فريق إدارة التحول إلى ما يزيد على 15 موظفاً بدوام كامل، أمضوا ما يتجاوز نصف وقتهم في التحقّق يدوياً من صحة البيانات وإعادة تحليلها في الجداول الإلكترونية. وكان عليهم إعداد تقرير يتجاوز 300 صفحة كل أربعة أسابيع، لعرضه خلال ورشة العمل الشهرية لمجلس الإدارة التي تستمر يومين. ويتكرر هذا النمط في مؤسسات عديدة، فتغدو سرعة جمع المعلومات ومراجعتها وإعداد التقارير عاملاً يحدّ من سرعة التغيير في الشركة بأكملها.

تشتّت البيانات يعرقل متابعة العمل واتخاذ القرار

تحتاج القرارات السليمة إلى معلومات تصل في موعدها، لكن انشغال الموظفين بجمع البيانات ومراجعتها يبطئ استخلاص النتائج التي توضّح ما يجري في العمل. ويستغرق وصول هذه النتائج إلى أصحاب القرار وقتاً إضافياً، حتى إن بعضها يصل بعد فوات فرصة معالجة المشكلة. وتستهلك المهام الإدارية المتكررة جانباً كبيراً من الميزانية كان يمكن تخصيصه لحل المشكلات التي تؤثر في تحقيق أهداف المؤسسة. ومع غياب التنسيق المحكم بين الفرق المسؤولة عن المبادرات، يقدّم كل فريق صورة مختلفة عن سير العمل، فيصعب على القيادة تكوين فهم موحّد لما أُنجز وما يحتاج إلى تدخل.

وللتعامل مع عجز الفريق المركزي المسؤول عن إدارة التحول عن تلبية احتياجات المتابعة، تلجأ الفرق التي تنفّذ المبادرات إلى إعداد أدوات بسيطة وتقارير خاصة بها، يعمل كل منها بمعزل عن الآخر. وقد ظهر ذلك في أحد برامج التحول الحديثة، حين اعتمدت ثماني إدارات على ما يزيد على مئة وثيقة منفصلة لمتابعة النتائج المالية، دون وجود نظام يربط المعلومات الواردة فيها ويجمعها في صورة موحّدة.

توفير وقت الموظفين للمهام التي تحتاج إلى خبرتهم

تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تنفّذ المهام بصورة مستقلة أن تتولى جانباً من الأعمال التي تشغل فريق إدارة التحول المؤسسي، فتتيح لثلثي أعضائه، أو عدد يتجاوز ذلك، التركيز على حل المشكلات وتوجيه التنفيذ. وتحمل هذه القدرة فرصة لإعادة تشكيل عمل الفريق على نحو يمتد أثره لسنوات طويلة. ولفهم هذا التحوّل، ينبغي توضيح الفرق بين أداة تساعد الموظف على إنجاز مهمة ونظام يتولى تنفيذ العمل. فالذكاء الاصطناعي التوليدي يكتب رسالة أو يلخّص تقريراً استجابةً لطلب الموظف، الذي يظل مسؤولاً عن الخطوات التالية. ويتولى النظام المستقل سلسلة من المهام المترابطة، فيخطّط لها وينفّذها ويتابعها حتى اكتمالها، دون الحاجة إلى توجيه بشري عند كل خطوة.

من أدوات تساعد الموظف إلى أنظمة تنفّذ العمل

يتضح هذا الفرق في طريقة إنجاز العمل اليومي. فالذكاء الاصطناعي التوليدي يعمل كمساعد شخصي يستجيب لطلب الموظف ويساعده على إتمام مهمة محدّدة، مثل صياغة رسالة إلكترونية. وتستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة التخطيط للعمل، وتنفيذ خطواته، ومتابعة ما يلزم حتى اكتماله، دون انتظار طلب جديد عند كل خطوة. وتكتسب هذه القدرة أهمية خاصة لدى الفريق المسؤول عن إدارة التحول المؤسسي، لأن ما ينجزه من تقارير وتحليلات وأعمال متابعة يوجّه معظم المبادرات الجارية في الشركة ويساعد على تسريع تنفيذها. ومع أن هذه الفرق عانت طويلاً من الاعتماد على أدوات يدوية متفرقة، فإن متابعة ماكنزي لبرامج التحول الحديثة تشير إلى اتساع استخدام الأنظمة الرقمية التي تجمع البيانات وتنظّمها وتدعم متابعة الأداء. وتشمل هذه الأنظمة قواعد البيانات المشتركة، وأدوات رصد تقدّم المبادرات، وآليات قياس النتائج، وهي مجتمعة تتيح للفرق متابعة العمل استناداً إلى معلومات مترابطة، كما يوضّح "الشكل 1".

The agentic transformation office: Redefining the economics of change

ثلاث وظائف أساسية تنفّذها الأنظمة الذكية

تنتظم أعمال المتابعة والمراجعة واتخاذ القرار بوتيرة أسرع حين تعتمد المؤسسة أنظمة ذكاء اصطناعي تخطّط للمهام وتنفّذها. وتتولى هذه الأنظمة الأعمال الروتينية التي كان الموظفون ينجزونها يدوياً، ويتركّز دورها في ثلاثة مجالات رئيسية:

  • المجال الأول هو تحليل الأداء والكشف المبكر عن تعثّر الأهداف: تتولى فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي جمع بيانات المبادرات وتحليلها فور تحديثها، ومقارنة النتائج بالأهداف المحدّدة، ثم التنبيه تلقائياً إلى أي تراجع. وبذلك تُكتشف المشكلات دون انتظار المراجعات الدورية، وتُعرض على القيادة العليا الحالات المهمة التي تحتاج فعلاً إلى تدخلها. ويتضح حجم التغيير في أحد برامج التحول الذي شمل متابعة ما يزيد على 30,000 إجراء لتحسين الأداء، و 900,000 نقطة بيانات أساسية مرتبطة بتوقيت التنفيذ. وقبل تطبيق النظام الجديد، كان عدد من أعضاء الفريق المسؤول عن إدارة التحول المؤسسي يقضي كل منهم ساعات في التحقّق يدوياً من جودة البيانات. وكانوا يحتاجون أيضاً إلى نصف يوم لإعادة تجميع الأرقام ومقارنتها باستخدام الجداول المحورية، وهي أداة تلخّص البيانات وتتيح تحليلها بحسب الإدارة أو المبادرة أو الفترة الزمنية. واعتمد هذا العمل على مئات جداول إكسل التي لا تتحدّث تلقائياً، إلى جانب ستة أنظمة تقنية منفصلة. ولمعالجة هذا العبء، جرى بناء نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتنفيذ هذه الأعمال، باستخدام أداة البرمجة "Cursor" في جانب كبير من تطويره. وتفهم هذه الأداة التعليمات المكتوبة بلغة عادية وتساعد على تحويلها إلى شيفرات برمجية. كما جرى ربط النظام ببيئة "Lilli Teamspace" التابعة لشركة ماكنزي، التي تتيح لأنظمة الذكاء الاصطناعي الوصول إلى إجابات ونتائج تحليلية فورية. وأتاح الحل الجديد الاستغناء عن ساعات من ترتيب الجداول يدوياً وإعادة تحليلها، ومكّن فرق الإدارات من تحديد الإجراءات التي أخّرت النتائج المالية، أو الخطوات التي لم تُنفَّذ وتسببت في التأخير، خلال دقائق. وعندما يكتشف النظام مشكلة، ينبّه إليها مبكراً ويرفعها مباشرة إلى المسؤول المعني بمعالجتها. وهكذا تتغيّر طريقة إدارة العمل، فتساعد المعلومات على توقّع ما قد يحدث والتنبيه إليه مسبقاً، بدلاً من الاكتفاء بتسجيل ما وقع بالفعل.
  • المجال الثاني هو توحيد المعلومات وتحديثها لتكون مرجعاً مشتركاً للجميع: تتيح أنظمة الذكاء الاصطناعي للمؤسسة متابعة النتائج التي تحقّقت، والمخاطر التي لم تُعالج، والقرارات المهمة التي لا تزال معلّقة، من خلال معلومات تتحدّث تلقائياً مع كل مستجد، عوضاً عن الاعتماد على تقارير أسبوعية تظل ثابتة حتى موعد إصدارها التالي. ويعالج هذا الأسلوب مشكلة تعدّد نسخ الجداول واختلاف الأرقام بينها، وما يترتب عليها من تأخير للتحقّق من النسخة الصحيحة. كما يتيح ربط البيانات الموزّعة بين الأنظمة وتحديث الروابط بينها باستمرار، دون الحاجة إلى إنشاء مستودع مركزي ضخم تُنقل إليه جميع البيانات، وهو مشروع قد يتطلب تكلفة مرتفعة ووقتاً يتجاوز عاماً. وتوجد بالفعل حلول أثبتت فاعليتها في الاستخدام التجاري، تستطيع جمع المعلومات وتحليلها من أنظمة تعمل كل منها بمعزل عن الآخر. وتشمل هذه الأنظمة منصة "Wave" التابعة لشركة ماكنزي لمتابعة برامج التحول، وأنظمة تخطيط موارد المؤسسة التي تدير أعمالاً مثل المالية والمشتريات، إلى جانب أنظمة الموارد البشرية وأدوات إدارة الإنتاج. ويساعد الربط بينها على تكوين صورة دقيقة وموحّدة عن سير العمل، ويتيح اختبار خطط التنفيذ المتوقعة وتقدير نتائجها قبل تطبيقها. فعند ربط أدوات تخطيط الموارد التقنية بمتطلبات المشاريع المسجّلة في منصة "Wave"، يستطيع النظام تحديد ترتيب تنفيذ المشاريع ضمن الخطة الكاملة، واقتراح مسارات مختلفة لإنجازها بحسب الموارد المتاحة. وإذا أرادت القيادة معرفة أثر تخصيص تمويل إضافي في عام 2026، أمكنه حساب مدى مساهمة هذا التمويل في تقديم مواعيد الإنجاز وتحقيق المنافع المالية، بالاستناد إلى البيانات المترابطة. ومع تعديل الخطط، يتولى النظام تحديث المواد الموجّهة إلى القيادة، والعروض التي تناقشها اللجنة المشرفة على برنامج التحول، والرسائل الأسبوعية للفرق، بما يعكس أثر التعديلات على التنفيذ. وبذلك تصل المستجدات إلى المعنيين دون أن يضطر الموظفون إلى البحث في مصادر متفرقة وجمع المعلومات منها يدوياً.
  • المجال الثالث هو إعداد المعلومات والأسئلة التي تساعد القيادة على مناقشة تقدّم العمل واتخاذ القرارات: وتتولى فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي تجهيز المواد اللازمة للاجتماعات الأسبوعية التي تُراجع فيها خطط التنفيذ وتُحدَّد الخطوات التالية، فتنجزها في وقت وجيز بعدما كان المحلّلون يقضون ساعات في جمعها وترتيبها يدوياً. ففي إحدى التجارب، وجد الفريق أن النظام يستطيع تحليل كميات كبيرة من الوثائق بدقة وإعداد موجز يناسب احتياجات اللجنة المشرفة على برنامج التحول في مدة تقل عن عشر دقائق، بينما كان إعداد الموجز نفسه يستغرق خمس ساعات من العمل اليدوي. وتتكرر هذه النتائج في تجارب أخرى رصدناها، إذ تستخدم فرق إدارة التحول المؤسسي هذه الأنظمة لاستخلاص النتائج المهمة من تقارير وملفات متفرقة، ثم صياغة أسئلة محدّدة تطرحها القيادة في كل جزء من اجتماع المراجعة. ويساعد ذلك على توجيه النقاش نحو أسباب التعثّر، وما يحتاج إلى معالجة، والقرارات المطلوبة لدفع التنفيذ. وفي أحد برامج التحول الناجحة، انخفض الوقت المخصّص لإعداد التقارير الصادرة كل أسبوعين وتقارير اللجنة المشرفة من 12 يوم عمل شهرياً إلى ثلاثة أيام. كما وفّر استخدام هذه الأنظمة في إجراءات أخرى نحو 200 ساعة عمل إضافية كل شهر، محسوبة من مجموع وقت الموظفين. وبفضل هذا الوقت المتاح، يستطيع الفريق التركيز على دراسة الخيارات واتخاذ قرارات تستند إلى معلومات واضحة ومتكاملة. وتصبح الاجتماعات الأسبوعية والشهرية فرصة لتوجيه العمل والاستعداد لما هو قادم، بعد أن كان إعداد التقارير عمّا مضى يستنزف جانباً كبيراً من الجهد.

وبتكامل هذه المجالات الثلاثة، تنتظم أعمال المتابعة والمراجعة واتخاذ القرار بوتيرة أسرع وكفاءة أعلى. فهي تبسّط العمل وتتيح المعلومات اللازمة في الوقت الذي تحتاجه المؤسسة، وتمنح الموظفين وقتاً لتركيز جهودهم على الأولويات التي تدعم تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

ضوابط تضمن سلامة عمل الأنظمة الذكية

يحتاج استخدام هذه الأنظمة إلى رقابة تتناسب مع طبيعة عملها، فهي تنفّذ إجراءات قد تؤثر مباشرة في سير العمل والقرارات. وعندما تعتمد عدة أنظمة ذكاء اصطناعي على نتائج بعضها، يمكن لخطأ واحد في البيانات أن ينتقل بينها دون أن يلاحظه أحد. فقد يستخدمه نظام في إعداد تحليل، ثم يعتمد نظام آخر على هذا التحليل لتحديث مؤشرات الأداء أو اقتراح إجراء. وهكذا يمتد أثر الخطأ إلى سلسلة من النتائج والقرارات. ورغم أن المؤسسات الرائدة تدرك هذه المخاطر، تشير أبحاثنا إلى أن خطوات معالجتها لم تواكب هذا الإدراك بعد. كما أن الأنظمة التي تُطوَّر بعناية تظل معرّضة للقصور عند التطبيق. وتظهر إحدى هذه المشكلات عندما يصدر النظام تنبيهات عن تعثّر أو أخطاء غير موجودة فعلياً. عندها يضطر الموظفون إلى مراجعة البيانات والتحقّق من كل تنبيه، فيستهلك ذلك جانباً من الوقت والجهد اللذين كان يُفترض أن يوفّرهما النظام. ولهذا، تتعلّم الفرق التي بدأت استخدام هذه التقنية ضرورة أن تكون كل خطوة ينفّذها النظام واضحة ومسجّلة، حتى يتمكّن الموظفون من معرفة ما حدث وتتبّع مصدر الخطأ ومعالجته. وتمنح هذه التجارب المبكرة الفرق خبرة تتحوّل تدريجياً إلى ميزة تنافسية. فمع تسارع العمل، قد ينتقل خطأ بسيط إلى مهام وقرارات عديدة قبل اكتشافه، وتتراكم تبعاته بسرعة. ومن هنا تأتي أهمية اكتشافه مبكراً، وفهم سببه، وتصحيحه قبل أن يمتد أثره إلى بقية العمل.

توزيع جديد للمسؤوليات بين القيادة والأنظمة الذكية

عندما تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي الأعمال المتكررة، مثل جمع البيانات وترتيبها ومعالجتها، يستطيع الفريق المسؤول عن إدارة التحول المؤسسي أداء دوره بعدد محدود من الموظفين مع الحفاظ على قدرته على قيادة التغيير. ويساعد توزيع المسؤوليات بين الموظفين والأنظمة على تحديد أولويات الفريق وتركيز جهوده على الأعمال التي تدعم نجاح التحول. فتتولى الأنظمة معالجة البيانات تلقائياً، ويتفرّغ الموظفون لوضع الخطط الاستراتيجية واتخاذ القرارات اللازمة لتنفيذها.

منح الخبرة البشرية دورها في اتخاذ القرار

تظل بعض مسؤوليات التحول المؤسسي بحاجة إلى خبرة الإنسان وقدرته على فهم الموقف وتقدير تبعات القرار. فتحديد متى ينبغي رفع مشكلة حسّاسة إلى القيادة وكيفية عرضها، والتعامل مع اختلاف مصالح الأطراف المعنية، وفهم ثقافة المؤسسة واختيار الأفكار والأساليب التي تناسب موظفيها، كلها أعمال يصعب إسنادها إلى الذكاء الاصطناعي. غير أن تولّي الأنظمة المهام الإدارية المتكررة يمنح الفريق وقتاً وجهداً للتركيز على هذه المسؤوليات. وفي إحدى المؤسسات التي استخدمت الذكاء الاصطناعي لتنفيذ أعمال إدارة التحول، تولّت الأنظمة عشر عمليات أساسية لتحليل البيانات واستخلاص النتائج وإعداد التقارير. وانخفض بذلك عدد الموظفين اللازم لإنجاز أعمال الفريق المركزي من مدير وتسعة موظفين إلى المدير وموظفين اثنين. ووفّرت أتمتة هذه العمليات ما يزيد على 25 يوم عمل من مجموع وقت الموظفين، فأصبح الفريق قادراً على التركيز على توجيه الموظفين، وتنسيق جهود الفرق حول أهداف مشتركة، وتطوير أفكار جديدة، كما يوضّح "الشكل 2" أدناه.

The agentic transformation office: Redefining the economics of change

مهام يومية تتولاها الأنظمة الذكية في برامج التحول

لفهم دور الذكاء الاصطناعي في الأعمال اليومية لإدارة التحول، تحتاج المؤسسات إلى تحديد ما تطمح إلى تحقيقه على المدى الطويل، والنظر في المهام التي تستطيع هذه الأنظمة تحسينها منذ بدء استخدامها. وتوضّح الأمثلة التالية كيف يمكن ترجمة تلك الطموحات إلى نتائج عملية في العمل اليومي:

  • أولاً، تحسين جودة العمل ونتائج المشاريع: يتولى نظام الذكاء الاصطناعي مراجعة ترتيبات الاجتماعات المقبلة للتأكد من اكتمالها والالتزام بمتطلباتها. فيراجع جدول الأعمال والمواد التي ستُناقش، ويقارنها بقائمة المدعوين ليتحقق من حضور الأشخاص المعنيين. وإذا وجد أن المسؤول عن إحدى المبادرات لم يُدعَ إلى الاجتماع المخصّص لمراجعتها، رغم أن مشاركته ضرورية لشرح ما أُنجز وما يحتاج إلى متابعة، يرسل إليه الدعوة تلقائياً. ويصبح النظام بذلك شريكاً يتابع العمل ويبادر إلى معالجة النقص، بعد أن كان أداةً يستخدمها الموظف عند الحاجة للتحقق من استيفاء المتطلبات. ويمتد دوره إلى مراجعة خطط المشاريع الحالية بالاستناد إلى المعلومات والدروس المستخلصة من برامج التحول السابقة والمحفوظة في منصة "Wave" التابعة لشركة ماكنزي. ومن خلال هذه المقارنة، يحدّد المبادرات التي لا تحقق النتائج المستهدفة، ويقترح إجراءات محدّدة أثبتت فاعليتها في تجارب سابقة لتسريع التنفيذ أو رفع العائد المالي.
  • ثانياً، إعداد المواد التي تناقشها اللجنة المشرفة على برنامج التحول في اجتماعها الأسبوعي: يقوم نظام الذكاء الاصطناعي بمراجعة ما عُرض في الأسبوع السابق، وتحليل أحدث البيانات من أنظمة متابعة المبادرات، مثل منصة "Wave"، وقراءة النصوص التي توثّق ما دار في اجتماعات التنسيق الأخيرة. وبالاستناد إلى هذه المعلومات، يُعدّ تلقائياً عرض الأسبوع الجديد، فيوفّر على فريق المحلّلين قضاء عطلة نهاية الأسبوع في نسخ الرسوم البيانية ونقلها يدوياً. وبعد اكتمال العرض الرئيسي للجنة، يختار النظام المعلومات التي تخصّ كل فريق مسؤول عن تنفيذ المبادرات، ويُعدّ منها عرضاً منفصلاً يناسب احتياجات قائد ذلك الفريق.
  • ثالثاً، متابعة المهام ومراسلة المعنيين تلقائياً: يعمل نظام الذكاء الاصطناعي كمنسّق للمشاريع، فيرسل كل أسبوع رسائل لحثّ المعنيين على إنجاز المطلوب، ويتابع معهم المهام، ويطلب إدخال البيانات دون أن يحتاج الموظفون إلى توجيهه.

وضع الأسس اللازمة لتغيير طريقة إدارة التحول

يحتاج إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى أعمال إدارة التحول المؤسسي إلى خطوات سريعة ومدروسة، إذ يتطلب الانتقال إلى هذه الطريقة في العمل استعداداً يسبق التنفيذ. وتبدأ المؤسسة بتوثيق تسلسل المهام، وتحديد من ينفّذ كل خطوة والمعلومات التي يحتاج إليها، ثم وضع قواعد واضحة لصلاحيات الأنظمة وحدود تدخلها وكيفية مراقبة أدائها. ويصاحب ذلك تجهيز مختلف الإدارات بالقدرات التقنية والبشرية اللازمة لاستخدام هذه الأنظمة وإدارتها. وتتغيّر تبعاً لذلك المهارات والمسؤوليات المطلوبة من أعضاء فريق إدارة التحول. فالمؤسسات الرائدة تعيد توزيع الأدوار، وتوجّه الموظفين إلى تنظيم سير العمل بين الأنظمة والفرق، ومراقبة التنفيذ والتدخل عند الحاجة. كما تستقطب كفاءات قادرة على التكيّف مع هذه المهام، وتطوّر مهارات موظفيها لإدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ويبدأ التنفيذ باختيار المهام التي تُسند إلى الذكاء الاصطناعي وترتيب الانتقال إليها بعناية. فقد لاحظنا أن المؤسسات التي نجحت في تبنّي هذه الأنظمة مبكراً بدأت بإعداد التقارير وتحليل المعلومات، بحيث تُجمع البيانات تلقائياً وتتكوّن صورة أولية واضحة عن سير العمل. وبعد التأكد من انتظام تحديث البيانات وموثوقيتها، توسّعت في إسناد إجراءات العمل إلى الأنظمة الذكية، لتنفّذ مهام مترابطة عبر البرامج المختلفة المستخدمة في المؤسسة. ويظل نجاح هذه الخطوات مرهوناً باستعداد فريق إدارة التحول المؤسسي لتغيير أساليب عمله. فأعضاؤه بحاجة إلى فهم كيفية عمل الأنظمة، والثقة بنتائجها، والاقتناع بجدوى استخدامها. وإذا غابت هذه الثقة، عاد الموظفون إلى إنجاز المهام يدوياً بالطرق المعتادة، فتتعطّل سلسلة الإجراءات التي صُمّمت لتعمل بصورة مترابطة ومنتظمة.


وبات بإمكان الفريق المسؤول عن إدارة التحول المؤسسي تحديث أساليب عمله وتجاوز العقبات التي طالما أبطأت جهود إصلاح الأداء في الشركات. فعندما تنفّذ أنظمة الذكاء الاصطناعي أعمال متابعة البيانات وإعداد التقارير والتنسيق اليومي، يتحرّر الموظفون من المهام الإدارية المتكررة، ويوجّهون خبراتهم إلى إزالة ما يعوق التنفيذ، والتوفيق بين مصالح الأطراف المعنية، وحسم القرارات التي يحتاجها العمل للمضيّ قدماً. وتصبح المؤسسة قادرة على إدارة التحول بفريق محدود العدد، سريع الاستجابة وقويّ التأثير. وتشير التجارب التي نرصدها بالفعل إلى أن هذه القدرة بدأت تمنح المؤسسات ميزة تنافسية ملموسة.

Explore a career with us