كيف تقود المؤسسات موظفيها نحو تبنّي الذكاء الاصطناعي الوكيل؟

| مقالة

تكشف تجارب المؤسسات الناجحة في تطبيق الذكاء الاصطناعي عن نمط واضح في توزيع استثماراتها، يقوم على معادلة "1:3:5"؛ فمقابل كل دولار تستثمره في تقنيات الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء، تنفق ثلاثة دولارات على إعادة تصميم العمليات، وخمسة دولارات على بناء القدرات ودعم تبني التكنولوجيا. غير أن معظم الشركات تقلب هذه المعادلة تمامًا؛ فتستحوذ التكنولوجيا على الحصة الأكبر من اهتمام القيادات التنفيذية واستثماراتها، بينما يُنظر إلى بناء القدرات وتغيير السلوك باعتبارهما مجرد تفاصيل مرتبطة بالتنفيذ، رغم أنهما يمثلان القاعدة الأساسية لإنجاح عملية التغيير.

وتؤكد أحدث أبحاث "ماكنزي" حول واقع المؤسسات أهمية هذا الجانب؛ فقد أشار الآلاف من قادة قطاع الأعمال حول العالم إلى أن إدارة التغيير وعمل الإدارات بمعزل عن بعضها يمثلان اثنتين من أبرز العقبات أمام توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي، بل إنهما يشكلان تحديًا أكبر من مدى كفاية البنية التحتية التكنولوجية.

وتزداد صعوبة هذا التحدي مع اتباع المؤسسات للأساليب التقليدية في إدارة التغيير، والتي لم تعد كافية لترسيخ طرق جديدة للعمل تحقق قيمة فعلية من تبني الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء. فالاعتماد على رسائل توعوية دورية، وتقديم تدريب لمرة واحدة، وتوفير إرشادات ثابتة، ووضع خطط للتطبيق تحددها الإدارة العليا، قد يساعد الموظفين على فهم طبيعة التغيير، لكنه نادرًا ما ينجح في بناء الثقة وتحويل أساليب العمل الجديدة إلى ممارسات معتادة يلتزم بها الموظفون ويمكن تطبيقها على نطاق واسع. وفي الوقت نفسه، فإن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق محدود يحرم المؤسسات من القيمة الكبيرة التي يمكن تحقيقها، بينما قد يؤدي استخدامها بطريقة غير فعالة إلى تكبد تكاليف مرتفعة لتشغيلها وتوفير القدرات الحاسوبية اللازمة لها، إلى جانب تكاليف الحوكمة والرقابة، من دون أن يقابل ذلك تحسن مماثل في الأداء.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

ولسد هذه الفجوة، تحتاج المؤسسات إلى اتباع نهج أكثر مرونة في قيادة التغيير، يعيد تحديد كيفية توزيع المهام بين البشر والآلات، وما يمكن أن تتولاه التكنولوجيا من مهام، وما ينبغي أن يظل خاضعًا لخبرة الإنسان وتقديره. ففي عصر الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء، ينبغي أن تصبح قيادة التغيير عملية مستمرة، تركز على تغيير سلوك الموظفين وتندمج في صميم أعمالهم اليومية.

وانطلاقًا من ذلك، ينظر القادة الناجحون إلى الذكاء الاصطناعي الوكيل باعتباره فرصة لإعادة ابتكار أساليب إنجاز الأعمال، ويضعون الموظفين في قلب هذا التغيير من خلال مسار متدرج يتكون من خمس مراحل، تبدأ بتوعيتهم بطبيعة التغيير، ثم بناء قناعاتهم بأهميته، وتعزيز التزامهم به، وتطوير قدراتهم لتطبيقه، وصولًا إلى ترسيخ السلوكيات الجديدة ضمن طريقة عمل المؤسسة. وتستعرض هذه المقالة كيف يمكن للمؤسسات التركيز على هذه المراحل الخمس، بما يضمن أن يكون موظفوها عنصرًا أساسيًا في تحقيق القيمة من الذكاء الاصطناعي.

لماذا يختلف التحول نحو الذكاء الاصطناعي الوكيل عن التحولات التقنية السابقة؟

لفهم هذا الاختلاف، لا بد من إدراك أن الأبعاد الإنسانية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي الوكيل أكثر تعقيدًا من تلك التي صاحبت موجات التحول التقني السابقة. فتعلّم أداة جديدة لتنظيم العمل أو نظام مختلف لتسجيل البيانات قد يكون أمرًا مزعجًا، لكن التعامل مع وكيل للذكاء الاصطناعي يستطيع صياغة المسودات، وتحليل البيانات، وتقديم التوصيات، بل والتفاوض وحل المشكلات، يثير لدى الموظفين تساؤلات أعمق تتعلق بمدى كفاءتهم، وقدرتهم على التقدير واتخاذ القرارات، وهويتهم المهنية، ومدى أهمية أدوارهم مستقبلًا.

وتقودنا هذه التساؤلات إلى أربعة مخاوف رئيسية تقف وراء مقاومة الموظفين لتبني الذكاء الاصطناعي الوكيل، نستعرضها فيما يلي. ويعتمد نجاح القادة في التعامل معها على إدراك طبيعتها وأخذها في الحسبان؛ فمن المرجح أن يفشل من ينظر إليها باعتبارها مجرد عقبات ينبغي دفع الموظفين إلى تجاوزها، بينما تزداد فرص نجاح من يحدد هذه المخاوف بوضوح ويصمم نهج التغيير بما يراعيها.

  • الخوف من أن يكتشف الآخرون نقص المعرفة: كثير من الموظفين لا يعرفون من أين يبدؤون في التعامل مع الذكاء الاصطناعي الوكيل، ولا تكمن المشكلة في ذلك بحد ذاته، وإنما في خشيتهم من الاعتراف به أمام الآخرين. فقد يشعر الموظف بأن طرح سؤال بسيط، أو استخدام وكيل للذكاء الاصطناعي أمام أحد زملائه، أو تجربته أمام الآخرين، قد يكشف أنه أقل معرفة بهذه التقنيات منهم، ولذلك، يفضل كثيرون الصمت وانتظار ما سيفعله الآخرون قبل أن يقرروا خوض التجربة بأنفسهم. وهكذا، يحدث التعلم بعيدًا عن أنظار الآخرين، أو لا يحدث من الأساس. والنتيجة ليست رفضًا صريحًا للتغيير، بل حالة من الجمود تبدو في ظاهرها انشغالًا؛ فتبدو الفرق منخرطة في التغيير، بينما لا يحدث أي تغيير فعلي في طريقة عملها.
  • الخوف من تحمّل المسؤولية من دون امتلاك زمام السيطرة: يتولى الذكاء الاصطناعي الوكيل مهام فعلية، مثل صياغة المستندات، وتقديم التوصيات، وتحليل البيانات، بل واتخاذ بعض القرارات أحيانًا. ومع ذلك، يدرك الموظفون أن المسؤولية ستقع عليهم إذا حدث خطأ ما؛ فإذا قدم لهم الوكيل إجابة خاطئة وتصرفوا بناءً عليها، فسيظلون هم المسؤولين عن الخطأ. ولأن هذه المخاوف منطقية، يتردد الموظفون في الاعتماد على أدوات لا يفهمونها بشكل كامل، لا سيما في الأعمال التي تتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة والخبرة في اتخاذ القرارات، أو التي قد تؤثر الأخطاء فيها على سمعتهم المهنية. لذلك، ستظل ثقتهم بهذه الأدوات محدودة ما لم يعرفوا بوضوح مدى إمكانية الاعتماد عليها، وكيف تخضع مخرجاتها للمراجعة البشرية قبل اتخاذ أي إجراء بناءً عليها.
  • الخوف من المجهول: عادةً ما يكون التعامل مع التغيير أسهل عندما يعرف الأفراد إلى أين يتجهون، لكن التحول نحو الذكاء الاصطناعي الوكيل لا يوفر لهم هذا الوضوح؛ فالأدوات تتغير كل بضعة أسابيع، ولا يمكن تحديد الشكل النهائي لطريقة العمل مسبقًا، نظرًا لتطور التقنيات وأساليب العمل معًا. وفي ظل هذه المتغيرات، يطلب القادة من موظفيهم المضي قدمًا من دون أن يتمكنوا من تحديد أين سينتهي بهم هذا المسار. ولا يرجع ذلك إلى قصور في التواصل، بل إلى حالة حقيقية من عدم اليقين تجعل هذا النوع من التغيير أكثر صعوبة على الموظفين من الناحية النفسية مقارنةً بالتحولات التقنية السابقة.
  • الخوف من فقدان التميز المهني: وقد يكون هذا أعمق المخاوف وأكثرها صعوبة في الاعتراف به. فهو لا يقتصر على القلق من فقدان الوظيفة، رغم أن هذا القلق حقيقي، بل يمتد إلى تساؤلات أكثر إزعاجًا، مثل: "إذا أصبح الوكيل يتولى التحليل والصياغة وتجميع المعلومات وإصدار التقديرات التي أمضيت سنوات في تطوير قدرتي عليها، فما القيمة التي أضيفها أنا؟ وما طبيعة دوري المهني الآن؟". ويؤثر هذا الخوف في سلوك الموظفين بقوة، وإن كان ذلك يحدث بعيدًا عن الأنظار؛ فقد يدفعهم إلى تجربة هذه التقنيات بشكل فردي، من دون أن يصل ذلك إلى تبنٍ فعلي لها في أعمالهم.

ولعل هذه المخاوف مجتمعةً تفسر أسباب عجز كثير من المؤسسات عن تحقيق تبنٍ فعلي للذكاء الاصطناعي الوكيل. فما يحدث غالبًا لا يتجاوز كونه تغييرًا شكليًا يوحي بأن الأمور تسير في الاتجاه المطلوب، بينما تظل الممارسات الفعلية على حالها؛ فقد تبدو أساليب العمل مختلفة على الورق من دون أن تتغير على أرض الواقع، ويبدي الموظفون قبولهم للتغيير من دون أن ينعكس ذلك على طريقة أدائهم لمهامهم، كما تتوفر الأدوات التقنية، لكن استخدامها يظل محدودًا. وعندما يتعامل القادة مع هذه المظاهر باعتبارها مجرد مقاومة ينبغي إدارتها، فإنهم يخطئون في فهم حقيقة المشكلة.

ومع ذلك، لا تعني هذه المخاوف غياب الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي الوكيل؛ فكثير من الموظفين يشعرون بالقلق من تأثيره، وفي الوقت نفسه يتحمسون لما يتيحه من إمكانات. ومن هنا، لا تتمثل مهمة القادة في القضاء على هذه المخاوف، فهذا غير ممكن، وإنما في منع هذا الخوف من أن يدفع الموظفين إلى التردد والإحجام عن تغيير طريقة عملهم. والمؤسسات الأسرع تقدمًا هي التي تستطيع التعامل مع هذا القلق والاستفادة من الحماس تجاه الإمكانات الجديدة، ووضع حلول تراعي كلا الجانبين.

ويظهر هذا التحدي بصورة أكثر وضوحًا لدى المديرين المستويات الوسطى؛ فبينما يضع كبار القادة الرؤية ويتعامل موظفو الصفوف الأمامية مع الأدوات مباشرة، يتولى هؤلاء المديرون تحويل الرؤية إلى ممارسات فعلية، بالتوازي مع إدارة العديد من برامج التغيير الأخرى والحفاظ على مصداقيتهم أمام مختلف المستويات داخل المؤسسة. ويواجه هؤلاء المديرون كل هذه المسؤوليات في ظل ضيق الوقت المتاح لهم لتجربة الأدوات بأنفسهم واكتساب خبرة عملية في استخدامها. ويزداد الأمر صعوبة لأنهم غالبًا ما يكونون الأكثر إرهاقًا من كثرة التغييرات، والأشد قلقًا تجاه ما يرتبط منها بالذكاء الاصطناعي، كما هو موضح في "الشكل 1".

من إدارة التغيير إلى قيادته

وإذا أردنا أن نفهم لماذا لم تعد الطرق التقليدية لإدارة التغيير كافية وحدها، فلا بد أولًا أن ندرك أن الأدوات التي تعتمد عليها معظم المؤسسات للتحول نحو الذكاء الاصطناعي الوكيل، مثل حملات التواصل الداخلي، والجداول الزمنية لتدريب الموظفين، ومؤشرات الأداء لمتابعة مدى التقدم، وخطط المشاريع التي تحدد مراحل التنفيذ، لم تُصمم في الأساس للتعامل مع هذا النوع من التغيير، وإنما لنوع آخر تكون فيه الوجهة معروفة مسبقًا، وما ينبغي فعله للوصول إليها محددًا إلى حد كبير، بينما تتركز مهمة القادة على تنفيذ الخطة الموضوعة.

أما التحول نحو الذكاء الاصطناعي الوكيل، فيختلف عن هذا النوع من التغيير؛ فهو يندرج ضمن ما تسميه ماكنزي "المستوى الرابع من التغيير" أو"C4"، وهو تغيير جذري تعيد من خلاله المؤسسة تصور طريقة عملها بالكامل؛ فلا تنتقل من نقطة "أ" إلى نقطة "ب" محددة مسبقًا، وإنما تنطلق من وضعها الحالي نحو وجهة لم تتضح معالمها بعد، كما هو موضح في "الشكل 2". وفي ظل هذا القدر من عدم اليقين، لا يستطيع الرئيس التنفيذي أن يقول بثقة: "لدي الإجابة". والأجدر به أن يكون صريحًا ويقول: "لا أعرف بالضبط إلى أين نتجه، لكنني أتعلم إلى جانبكم، والمؤسسة التي تتعلم بوتيرة أسرع هي التي ستنجح"،

وهنا يكمن الفارق الاستراتيجي الحقيقي؛ فعندما يدرك الموظفون أن المؤسسة تتعامل مع هذا التحول باعتباره رحلة تعلم مستمرة، تكتشف خلالها الطريق مع كل خطوة، تتراجع مقاومتهم للتغيير. فالتجارب توفر أدلة تساعد على تحديد ما ينجح وما يحتاج إلى تعديل، والأخطاء تتحول إلى دروس يُستفاد منها في الخطوات التالية. وعندها، يتغير السؤال من: "هل ننفذ الأمور بالطريقة الصحيحة؟" إلى: "هل نتعلم بوتيرة أسرع من منافسينا؟"

ويتطلب هذا النوع من التحول أسلوبًا مختلفًا في القيادة، قد يتعارض مع ما اعتاد عليه كثير من القادة التنفيذيين؛ فبدلًا من إظهار الثقة بامتلاك جميع الإجابات، يحتاج القائد إلى الإقرار بأن الطريق لم يتضح بالكامل بعد، وإظهار قدرته على التعامل مع حالة عدم اليقين. والقادة الذين يعترفون بأنهم ما زالوا يستكشفون الطريق ويتعلمون أثناء التقدم يمكنهم تسريع تبني الذكاء الاصطناعي أكثر من أولئك الذين يقدمون للموظفين استراتيجية توحي بأن لديهم جميع الإجابات. وهنا يتضح الفارق بين نوعي التغيير؛ ففي النوع الثالث "C3"، الذي تنتقل فيه المؤسسة نحو هدف معروف ومحدد مسبقًا، يعرف القادة ما يريدون الوصول إليه، وتتمثل مهمتهم في قيادة الموظفين والتعامل مع مقاومتهم خلال هذه الرحلة. أما في إعادة الابتكار من النوع الرابع "C4"، فلا يملك القادة الإجابات مسبقًا، وإنما يقودون الموظفين في رحلة تعلم مشتركة تتضح من خلالها الإجابات تدريجيًا.

ومن هنا تظهر المشكلة التي تواجه كثيرًا من المؤسسات؛ فعندما تتعامل مع الذكاء الاصطناعي الوكيل باعتباره مشروعًا له نقطة نهاية محددة مسبقًا، فإنها غالبًا ما تركز استثماراتها على التقنية، ولا تولي الاهتمام الكافي لتطوير قدرات الموظفين وتهيئتهم لتغيير طريقة عملهم. ثم تكتشف بعد فوات الأوان أن تبني التقنية لا يعني بالضرورة تحقيق القيمة المرجوة منها. ولذلك، ينبغي أن يتحول التركيز من مجرد استيفاء المتطلبات إلى بناء قدرات الموظفين فعليًا؛ فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بمجرد إتمام الموظفين للدورات التدريبية، وإنما بمدى قدرتهم على تعلم إعادة تصميم أعمالهم بوتيرة أسرع مما كانوا عليه في الربع السابق.

دليل التحول نحو الذكاء الاصطناعي الوكيل: من الوعي إلى ترسيخ السلوك

يتضمن دليل المؤسسة لتبني الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء خمس مراحل رئيسية، هي الوعي، والاقتناع، والالتزام، وبناء القدرات، وترسيخ السلوك. وتمثل هذه المراحل مسارًا متدرجًا، تمهد كل منها لما يليها؛ فيبدأ الموظفون بالوعي بالتغيير وفهمه، ثم تتكون لديهم القناعة بأهميته والاستعداد للالتزام بتطبيقه. ومن هذا الالتزام ينتقلون إلى بناء القدرات اللازمة لتغيير طريقة عملهم فعليًا، وصولًا إلى ترسيخ أساليب العمل الجديدة ودمجها بصورة كاملة في طريقة عمل المؤسسة.

ومع ذلك، ينبغي للقادة إدراك أن تقدم الموظفين عبر هذه المراحل لا يسير دائمًا في اتجاه واحد؛ فقد تتراجع ثقتهم نتيجة قرار غير موفق، أو تغيير في إحدى السياسات، أو إخفاق أحد النماذج، فيعودون إلى أساليبهم السابقة. ولذلك، يحتاج القادة إلى متابعة مدى تقدم الأفراد والفرق في تبني الذكاء الاصطناعي الوكيل، والتدخل في الوقت المناسب لمعالجة ما قد يعوقهم "يرجى الاطّلاع على العمود الجانبي: ضع نفسك مكان موظفيك". وبعد فهم العوامل الإنسانية المعقدة التي تؤثر في هذه العملية، يمكنهم التركيز على خمسة مجالات رئيسية تساعد على تعزيز الوضوح وبناء الثقة.

الوعي: جعل التغيير واقعًا ملموسًا

تبدأ القناعة الحقيقية بالتغيير عندما ينتقل الموظفون من مجرد الحديث عن التقنية إلى تجربتها بأنفسهم. ولذلك، يحرص القادة على إتاحة الفرصة لهم لاستخدامها واستكشاف إمكاناتها بشكلٍ عملي، بما يغير نظرتهم إليها وما ينقلونه عنها إلى زملائهم. فمَن يختبر الذكاء الاصطناعي على أرض الواقع يصبح أكثر قدرةً على نقل تجربته إلى الآخرين وإقناعهم بقيمته.

وتقدم تجربة إحدى شركات السلع الاستهلاكية الأوروبية مثالًا عمليًا على كيفية بناء هذه القناعة وتطوير القدرات؛ إذ نظمت الشركة برنامجًا مكثفًا استمر ثلاثة أيام لأبرز مائة قائدٍ لديها. وخُصص النصف الأول من اليوم الأول لتبسيط المفاهيم المرتبطة بهذه التقنية، وفهم ماهية الذكاء الاصطناعي الوكيل، وما يقدمه من جديد، والمشكلات التي قد تواجه أنظمته. كما ناقش المشاركون التقنيات الناشئة في الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وخلال النصف التالي من اليوم، تلقى القادة تدريبًا عمليًا على الأدوات، وجرّبوا تطبيقات في مجالات البرمجة والنصوص والصوت والفيديو، بعقلية المبتدئ المنفتح على التعلم والاستكشاف. أما اليوم الثالث، فخُصص لتطبيق ما تعلموه على تحدياتٍ حقيقيةٍ، وتحديد الإجراءات اللازمة لمعالجتها، ثم مناقشة ما تعلموه من هذه التجربة واستخلاص الدروس المستفادة منها.

غير أن بناء هذه القناعة لا يتحقق بمجرد إطلاق عباراتٍ رنّانةٍ حول جعل الذكاء الاصطناعي محورًا رئيسيًا لعمل المؤسسة أو الاستفادة منه لزيادة الإنتاجية؛ إذ قد تزيد مثل هذه الرسائل من قلق الموظفين، وتشعرهم بأنهم غير مؤهلين للتعامل مع التغيير، فضلًا عن أنها تترك العديد من تساؤلاتهم بلا إجاباتٍ واضحة. لذلك، يحتاج القادة الذين يمتلكون خبرةً عمليةً في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي إلى توضيح ما الذي سيتغير بالتحديد، وما المهام التي ستظل من مسؤولية البشر، وكيف ستخضع القرارات الناتجة عن هذه التقنية للمراجعة. كما ينبغي أن تتناول رسائلهم الأسئلة التي تشغل بال الموظفين بالفعل: ماذا سيحدث لأدوارهم؟ هل ستحتفظ المؤسسة بموظفيها مع تغيير طبيعة المهام التي يؤدونها، أم ستتجه إلى خفض أعدادهم؟ فمواجهة هذه التساؤلات بوضوحٍ وشفافية، حتى عندما لا تكون الإجابات عنها مكتملة، تعزز مصداقية القادة أكثر من محاولة تجاوزها أو تجنب الخوض فيها.

الاقتناع: التبنّي يبدأ من القادة

لا يتوقف التغيير عند مجرد إدراك الموظفين لأهمية التقنية وفهم تأثيرها في أعمالهم؛ فالخطوة التالية هي بناء قناعةٍ حقيقيةٍ بقيمتها، تشجعهم على الانتقال من التفكير فيها إلى تجربتها بأنفسهم. وهنا يؤدي القادة والزملاء الموثوق بهم دورًا أساسيًا في تعزيز هذه القناعة؛ فالقادة يقدمون القدوة من خلال تبنّي السلوك الجديد بأنفسهم، بينما يثبت الزملاء من واقع تجربتهم أن التقنية آمنةٌ وتحقق فائدةً حقيقية.

وتؤدي الثقة دورًا أساسيًا في بناء هذه القناعة. فقد أظهر استطلاعٌ حديثٌ أجرته "ماكنزي" بين الموظفين والقادة حول مدى الاستعداد للذكاء الاصطناعي أن المشاركين الذين أبدوا ثقةً منخفضةً في الدعم الذي تقدمه مؤسساتهم خلال التحول نحو استخدام الذكاء الاصطناعي كانوا أكثر عرضة بمرةٍ ونصف للشعور بالقلق تجاه التغييرات المرتبطة بهذه التقنية في بيئة العمل، مقارنةً بمن أبدوا مستوياتٍ مرتفعةٍ من الثقة. ومع تسارع وتيرة هذا التحول، تزداد ثقة الموظفين عندما يوضّح لهم القادة أن المؤسسة لا تمتلك بالضرورة جميع الإجابات منذ البداية، لكنها تتعلم باستمرار وتستفيد مما تتعلمه للمضي قدمًا.

ولا تُبنى هذه الثقة بالكلمات وحدها، بل بما يقدمه القادة من قدوةٍ عمليةٍ في استخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ تشير نتائج استطلاع "ماكنزي" العالمي حول حالة الذكاء الاصطناعي إلى أن أصحاب الأداء المتميز أكثر ميلًا بثلاثة أضعافٍ من أقرانهم إلى التأكيد على أن كبار القادة في مؤسساتهم يتولون قيادة مبادرات الذكاء الاصطناعي ويظهرون التزامًا واضحًا بنجاحها "الشكل 3".

وفي عصر الذكاء الاصطناعي الوكيل، ينبغي أن تظهر هذه القدوة في ممارسات القادة وأعمالهم الفعلية، لا أن تقتصر على سرد تجارب إيجابية عامة عن الذكاء الاصطناعي. ويشمل ذلك، على سبيل المثال، الاستفادة من الرؤى التي يقدمها الذكاء الاصطناعي عند مراجعة أداء الأعمال، واستخدام الوكلاء لاختبار الافتراضات والتأكد من مدى صحتها، والاستعانة بهم في دعم عملية اتخاذ القرارات بدلًا من الاعتماد على التقارير الثابتة، فضلًا عن توضيح الحالات التي يختار فيها القادة الاعتماد على تقديرهم الشخصي بدلًا من توصيات الوكلاء، وشرح أسباب ذلك.

وتوضح تجربة إحدى شركات برمجيات المؤسسات ما قد يحدث عندما يغيب هذا الدور؛ فقد تعثَّر تبنّي الذكاء الاصطناعي الوكيل بعدما تعاملت الشركة معه باعتباره مجرد مشروعٍ تقني تتولى فِرق الهندسة مسؤولية تطبيقه. ولتغيير هذا النهج، شارك القادة في معسكراتٍ تدريبيةٍ مكثفة أتاحت لهم التعمق في استخدام التقنية، وأعدتهم لإجراء نقاشاتٍ عملية حول تأثيرها في أساليب العمل، وكيفية التعامل مع الجوانب التي لا تزال غير واضحة، ومواكبة التوقعات الجديدة التي تظهر مع تطور استخدامها.

كما يؤدي الزملاء الموثوق بهم دورًا لا يقل أهميةً في تعزيز الاقتناع بالتقنية، بل قد يكون تأثيرهم أكبر في بعض الأحيان. ويتضح ذلك من تجربة أحد البنوك العالمية، والذي استعان بأكثر من 2,000 "سفير للذكاء الاصطناعي" لتشجيع الموظفين على تبنّي التقنية على نطاقٍ واسع. وكان هؤلاء السفراء من الزملاء الذين يحظون بثقة الآخرين، وقد نظموا زياراتٍ إلى أماكن عمل الفِرق لعرض الأدوات وشرح كيفية استخدامها في مهامٍ فعلية، كما خصصوا أوقاتًا للإجابة عن أسئلة الموظفين، وقدموا عروضًا قصيرة توضح استخداماتٍ محددةٍ للتقنية. وأسهمت هذه الجهود في جعل تجربة الذكاء الاصطناعي أمرًا طبيعيًا ومألوفًا، وتحويل الأفكار النظرية حول استخدامه إلى تطبيقاتٍ عملية، إلى جانب المساعدة في معرفة المجالات التي يتقدم فيها التبنّي وتلك التي لا يزال يتعثر فيها.

غير أن نجاح هؤلاء السفراء لا يعتمد على مدى تأثيرهم في زملائهم فحسب، وهو ما يميزهم عن السفراء في البرامج التقليدية؛ بل يتطلب أيضًا أن يكونوا مستخدمين فعليين للتقنية وقادرين على إثبات فائدتها من واقع تجربتهم. فمن هنا يكتسبون مصداقيتهم؛ كأن يتمكن أحدهم، على سبيل المثال، من استخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز جدول العروض الترويجية في ساعتين بدلًا من يومين، ثم يوضح لزملائه كيف استطاع تحقيق ذلك.

الالتزام: منح الموظفين مساحةً أكبر للاختيار

بعد أن يقتنع الموظفون بأن التغيير حقيقيٌّ ويستحق خوضه، تأتي مرحلةٌ حاسمةٌ تتمثل في اتخاذ قرارهم بأنفسهم بشأن تجربته. ففي هذه المرحلة، يفكرون في الخيارات المتاحة أمامهم، وما تتطلبه التجربة من جهدٍ ومثابرة، والمجالات التي يشعرون بالاستعداد لتجربة التقنية فيها. ويُعد اتخاذ هذا القرار عن قناعةٍ خطوةً أساسيةً في ترسيخ التبنّي، إلا أن المؤسسات كثيرًا ما تغفل عن منح الموظفين الوقت والمساحة اللازمين للوصول إليه بأنفسهم.

وتتضح أهمية ذلك في التفاوت الذي يحدث أحيانًا بين الفرص التي تُتاح للقادة وتلك التي يحصل عليها بقية الموظفين؛ فقد تقضي فِرق القيادة العليا عدة أيامٍ في لقاءاتٍ وبرامج مكثفة لاستكشاف التقنية والتعرف عليها عن قرب، بينما لا يحصل موظفو الصفوف الأمامية سوى على عرضٍ توضيحيٍّ لا يتجاوز عشر دقائق، ثم يُطلب منهم البدء باستخدامها. ومن دون قصد، يُرسِل هذا التفاوت رسالةً مفادها أن التغيير يخص القيادة، بينما يُفرض على بقية الموظفين.

لذلك، يحتاج الموظفون في هذه المرحلة إلى تخصيص وقتٍ كافٍ لفهم ما يعنيه هذا التغيير بالنسبة إليهم، والتفكير فيما سيكسبونه وما قد يفقدونه بسببه، قبل أن يقرروا مدى استعدادهم للانخراط فيه. وقد يصاحب ذلك لدى بعضهم شعورٌ حقيقيٌّ بالفقد، خاصةً عندما تعيد تقنيةٌ لم يختاروا استخدامها تشكيل أدوارهم المهنية التي أمضوا سنواتٍ في بنائها وإتقانها. وهنا يصبح اعتراف القادة بهذه المشاعر والتعامل معها بجديةٍ أمرًا بالغ الأهمية. فعندما يقول القائد لموظفيه، على سبيل المثال: "أتفهم أن هذا التغيير يمسّ عملًا أمضيتم سنواتٍ في إتقانه، وأدرك أهمية ذلك بالنسبة إليكم"، فإنه يصبح أكثر قدرةً على نقلهم من مجرد الامتثال للتغيير إلى الالتزام الحقيقي به.

وعندما يشعر الموظف بأن تبنّيه لهذه التقنيات نابعٌ من اختياره، يكون أكثر استعدادًا للاستمرار في تجربتها والمثابرة عند مواجهة أي صعوبات، وأقل عرضةً للتراجع أو فقدان الحماس.

تطوير القدرات: بناء الكفاءة من خلال العمل نفسه

بعد تحقق الالتزام، ينتقل الموظفون إلى التطبيق الكامل؛ فيتبنون سلوكيات جديدة تتحول تدريجيًا إلى ممارسات يومية وأسبوعية، ويصبحون مع الوقت أكثر كفاءةً وسرعةً في تطبيقها. وتهدف هذه المرحلة إلى تمكين الموظفين من إعادة تصميم المهام، وتقييم النتائج التي يقدمها وكلاء الذكاء الاصطناعي، والاستفادة من خبراتهم عند اتخاذ القرارات، وإدارة المخاطر، والعمل بفاعليةٍ إلى جانب الوكلاء، مع اتباع أساليب واضحة للتعاون يمكن تكرارها وتحسينها بمرور الوقت.

ولهذا، لا يكفي تدريب الموظفين لمرةٍ واحدة، خاصةً في ظل تقنيةٍ تتغير وتتطور كل بضعة أسابيع؛ بل ينبغي أن يستمر تطوير قدراتهم من خلال الممارسة الفعلية، وأن يكون جزءًا من عملهم اليومي. وقد شرعت بعض المؤسسات بالفعل في التحوّل من تقديم الدورات التدريبية التقليدية إلى تقديم التوجيه العملي أثناء العمل. فعلى سبيل المثال، استعانت إحدى شركات التكنولوجيا العالمية والمدرجة ضمن قائمة "فورتشن 500" بمدربين متخصصين في الذكاء الاصطناعي، ووزعتهم بشكلٍ مباشر على فِرق الهندسة، بواقع مدربٍ لكل خمسة إلى عشرة موظفين؛ حيث شارك هؤلاء المدربون في اجتماعات الفِرق الدورية وجلسات مراجعة الأعمال المنجزة، كما ساعدوا الموظفين على معالجة المشكلات التي تواجههم أثناء العمل، وتحسين طرق صياغة الأوامر ومراجعة النتائج، بالإضافة إلى تعزيز ثقتهم في استخدام الذكاء الاصطناعي بأمانٍ في مهامهم الفعلية. ومن خلال دمج التعلم كجزءٍ من روتين العمل اليومي، ساعدت الشركة الموظفين على الانتقال من تجربة استخدام الذكاء الاصطناعي إلى توظيفه بصورةٍ منتظمة في أداء مهامهم، وبسرعةٍ أكبر مما كان يمكن تحقيقه من خلال التدريب وحده.

ولا يعتمد نجاح تطوير القدرات على التدريب وحده؛ فمن المهم أيضًا أن يفهم الموظفون كيف سيسهم تطوير مهاراتهم في تعزيز دورهم ومستقبلهم المهني. ويمكن للمؤسسات أن تساعد الموظفين على رؤية مسار تطورهم بوضوح من خلال منظومةٍ مترابطةٍ من الشهادات، تقيس قدراتهم عبر خمسة مستوياتٍ متدرجة، تبدأ بالوعي بالتقنية وتنتهي بترسيخ استخدامها في العمل. وبذلك، يعرف الموظفون أين يقفون وما الخطوة التالية في مسارهم، فيما يتمكن المديرون من متابعة تطور قدراتهم وتقييمهم بشكلٍ دقيق. ولا تقتصر فائدة هذا المسار على قياس ما يكتسبه الموظفون من مهارات، بل تمتد إلى مساعدتهم أيضًا على رؤية ما يمكن أن تفتحه أمامهم من فرص لأداء مهامٍ أكبر. وعندما تتضح أمامهم هذه الفرص، ويرون من خلال تصميم الأدوار والمسارات المهنية أن المؤسسة جادة في الاستثمار في مستقبلهم، يصبحون أكثر استعدادًا للمشاركة في تطوير مهاراتهم.

وتكشف نتائج بحثٍ أجراه معهد "ماكنزي" العالمي، استنادًا إلى بياناتٍ رسميةٍ أمريكية حول سوق العمل والوظائف، أن المهارات البشرية ستظل عنصرًا أساسيًا حتى مع اتساع نطاق الأتمتة؛ فرغم إمكانية أتمتة ما يصل إلى 57 في المائة من ساعات العمل الحالية في الولايات المتحدة، فإن أكثر من 70 في المائة من المهارات البشرية التي يحتاج إليها أصحاب العمل اليوم ستظل مطلوبة. ويشير ذلك إلى أن مستقبل العمل لن يقوم على استبدال مهارات البشر بالتقنية، بل على التكامل بينها وبين قدرات وكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات "الشكل 4".

ترسيخ السلوك: إعادة تصميم نظام عمل المؤسسة

تركّز المرحلة الأخيرة من رحلة تبنّي الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء على ترسيخ السلوكيات الجديدة وإعادة تصميم أساليب العمل بما يضمن استمرارها. ولا يتحقق ذلك إلا عندما تدعم الأنظمة الرسمية داخل المؤسسة هذه الأساليب الجديدة. فإذا ظلت مقاييس الأداء والحوافز وصلاحيات اتخاذ القرار ومعايير الترقية والممارسات الإدارية تشجّع على استخدام أساليب العمل القديمة، فلن تترسخ السلوكيات الجديدة، مهما نجحت المؤسسة في تنفيذ المراحل السابقة.

وهنا تحديدًا تتعثر معظم عمليات تبنّي هذه التقنية؛ إذ تركز المؤسسات على قياس عدد مرات تسجيل الدخول، والتراخيص المستخدمة، وحجم الأوامر الموجهة إلى الذكاء الاصطناعي، وعدد مرات تشغيل الوكلاء، من دون قياس ما إذا كان هذا الاستخدام قد أدى بالفعل إلى تحسين العمل. لذلك، من الأفضل ربط تبنّي التقنية بنتائج العمل الفعلية، مثل الوقت اللازم لإنجاز العمليات، وجودة النتائج، وتجربة العملاء، وسرعة اتخاذ القرارات، وخفض المخاطر. ومع توسع استخدام التقنية، ينبغي أن تشمل عملية القياس أيضًا مؤشراتٍ اقتصاديةً أكثر دقة، مثل القيمة الناتجة عن كل عملية، وتكلفة إنجاز كل مهمة، وحجم المراجعة البشرية المطلوبة، ومدى تحسن الجودة مع مرور الوقت.

وتقدم شركة "سيلز فورس"، المتخصصة في البرمجيات السحابية، مثالًا عمليًا على هذا النهج؛ فمن خلال منصتها للذكاء الاصطناعي الوكيل "أيجنت فورس"، تتابع الشركة مستوى تبنّي التقنية، وتقيس ما يحققه استخدامها من تحسنٍ فعلي في الأداء، من خلال مؤشراتٍ مثل نسبة حالات الدعم التي يستطيع الوكلاء حلها بصورةٍ مستقلة، ومدى انخفاض الوقت اللازم لحل هذه الحالات. ولا يقتصر الدرس المستفاد من هذه التجربة على شركةٍ واحدة؛ فنجاح استخدام الذكاء الاصطناعي الوكيل على المدى الطويل يعتمد على قياس التحسن الفعلي الذي يحققه في العمل، من حيث الجودة وسرعة الإنجاز والأمان والقيمة المتحققة، بدلًا من الاكتفاء بقياس مدى استخدام الموظفين لأدوات الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، لا يعني الوصول إلى هذه المرحلة أن تبنّي الموظفين لهذه التقنية سيستمر بشكلٍ تلقائيّ؛ فقد يؤدي تراجع الثقة إلى عودتهم إلى مراحل سابقة، مثل الوعي أو الاقتناع. ولذلك، يحتاج القادة إلى متابعة تقدم الموظفين في رحلتهم نحو اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي، ورصد كيفية استجابتهم للتوصيات المتعلقة باستخدام أدواته، ومعرفة المجالات التي يتقبلون فيها هذه التوصيات وتلك التي يرفضونها. فإذا تراجعت ثقة الموظف في هذه التقنيات، ينبغي النظر إلى ذلك باعتباره مؤشرًا على ضرورة العودة إلى المرحلة المناسبة في رحلة التبنّي، بدلًا من زيادة الضغط على الموظفين.

ومن هنا، تصبح مقاومة الموظفين نفسها مصدرًا مهمًا لفهم ما يعوق تقدمهم في هذه الرحلة. فالمؤسسات الأسرع تقدمًا لا تنظر إلى هذه المقاومة باعتبارها عقبةً ينبغي تجاوزها، وإنما تستفيد منها في تحديد أسباب تعثر التبنّي، سواء كانت مخاوف لدى الموظفين، أو جوانب لا تزال غير واضحةٍ أمامهم، أو نقصٍ في القدرات والمهارات، أو صعوباتٍ مرتبطة بأساليب وإجراءات العمل، ثم تعمل على معالجة هذه العوائق بشكلٍ مباشر.

مسؤولية القيادة

يتطلب نجاح التغيير في عصر الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء مشاركةً مباشرةً من الرؤساء التنفيذيين والمديرين الماليين وكبار مسؤولي الموارد البشرية؛ فلكلٍّ منهم مسؤوليةٌ محددة، تتكامل مع أدوار الآخرين في مساعدة المؤسسة على تبنّي التقنية والاستفادة منها.

من بين هذه الأدوار، تقع على الرؤساء التنفيذيين مسؤولية ضمان مراعاة احتياجات العملاء في مختلف أساليب العمل من بدايتها إلى نهايتها، وعبر منظومة الأعمال بأكملها. وانطلاقًا من ذلك، يحددون الطموح الذي تسعى المؤسسة إلى تحقيقه في المستوى الرابع من التغيير "C4"، من خلال التعلم المستمر واستكشاف طرقٍ جديدةٍ لإنجاز العمل بوتيرةٍ أسرع من المنافسين. ولا يقتصر دورهم على وضع هذا التوجه الاستراتيجي، بل يترجمونه إلى ممارساتٍ يومية يراها الجميع داخل المؤسسة؛ بدءًا من طريقة إدارتهم للعمل والأسئلة التي يطرحونها، وصولًا إلى استخدامهم لوكلاء الذكاء الاصطناعي والقرارات التي يتخذونها.

أما المديرون الماليون، فيتمثل دورهم في توجيه الميزانية بطريقةٍ تدفع المؤسسة إلى البحث عن أساليب أكثر كفاءةً لإنجاز العمل ضمن هيكلٍ يتسم بالمرونة، وهو ما وصفه أحد القادة بـ"الضغط الشديد على الميزانية" باعتباره حافزًا للتعلم. ولذلك، يخصصون جزءًا من رأس المال لمجموعةٍ من التجارب المستقبلية، مع إدراكهم أن نتائجها قد تتفاوت، وأن عددًا محدودًا منها قد يحقق الجزء الأكبر من العوائد المرجوة، كما هي الحال في استثمارات رأس المال الجريء. ولا يعني الانضباط المالي هنا التسرع في وقف تمويل هذه التجارب، بل زيادة الاستثمار في تلك التي تساعد المؤسسة على التعلم واكتساب معرفةٍ جديدة. ومع تحوّل تكلفة وحدات "Tokens" إلى بندٍ واضح في قائمة الأرباح والخسائر، تزداد مسؤولية المديرين الماليين عن التأكد من أن هذا الإنفاق يحقق عائدًا حقيقيًا. والمقصود بهذه الوحدات الأجزاء الصغيرة التي يقسّم إليها نظام الذكاء الاصطناعي النصوص التي يقرأها أو ينتجها، ويُستخدم عددها لقياس حجم استخدام النظام واحتساب تكلفته؛ فكلما ازدادت النصوص التي يعالجها النظام أو ينشئها، ارتفع عدد هذه الوحدات وازدادت تكلفة الاستخدام. فلا يقتصر دورهم على تخصيص الميزانيات اللازمة لاستخدام هذه الوحدات، بل يشمل أيضًا الحد من تعيين موظفين جدد لتعويض الوظائف الشاغرة، والنظر في إمكانية إعادة تصميم العمل والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في إنجاز جزءٍ منه، بما يسهم في رفع الإنتاجية الإجمالية للموظفين والتقنية معًا.

وقد يكون لكبار مسؤولي الموارد البشرية الدور الأكثر أهميةً في هذه الرحلة؛ إذ يساعدون الموظفين على فهم ما يعنيه التغيير بالنسبة إليهم وكيف سيؤثر في عملهم، ويضعون استراتيجياتٍ للتعلم تهيئهم للعمل إلى جانب وكلاء الذكاء الاصطناعي، وفي بعض الحالات الروبوتات. كما يعيدون النظر في القدرات التي ينبغي البحث عنها عند توظيف كوادر جديدة، مثل المرونة وسرعة التعلم والتكيف وحسن التقدير والتواصل مع الآخرين، في مقابل القدرات التي يمكن تنميتها لدى الموظفين، مثل إعادة تصميم أساليب العمل، وتحسين جودة القرارات، والتعامل مع الجوانب الأخلاقية للتعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. ويمتد دورهم أيضًا إلى وضع مساراتٍ واضحة للتطور المهني، تبرهن للموظفين على جدية المؤسسة في الاستثمار فيهم وتنمية قدراتهم. وفي الوقت نفسه، يمكن للموارد البشرية الاستفادة من البيانات في توقع التغيرات الجوهرية التي قد تطرأ على أساليب العمل ومتابعتها، وتشجيع الموظفين على تبنّي التقنية بما يحقق العائد المستهدف من الاستثمار فيها. ومن شأن ذلك أن يحدث نقلةً كبيرةً في دور كثيرٍ من إدارات الموارد البشرية، بالتزامن مع إعادة تصميم أساليب عملها هي الأخرى للاستفادة من وكلاء الذكاء الاصطناعي.

وعلى الرغم من اختلاف أدوار القادة ومسؤولياتهم، فإن نجاحهم في قيادة هذا التغيير يرتكز على ثلاثة متطلباتٍ أساسية: توضيح الاتجاه الذي تسير فيه المؤسسة، مع الإقرار بأن بعض الأمور لا تزال غير واضحة، وإعادة تصميم نموذج عملها بما يدعم هذا الاتجاه، إلى جانب تقديم القدوة بأنفسهم من خلال إظهار الاستعداد للتعلم الذي يطلبونه من الآخرين.


وفي عصر الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء، سيكون النجاح من نصيب المؤسسات القادرة على التعلم والتكيف بوتيرةٍ أسرع مما اعتادت عليه أنظمة عملها التقليدية. فتحقيق هذا النجاح لا يعتمد على تطوير الأدوات والبيانات والبنية التكنولوجية وحدها، بل يتطلب من القادة الاهتمام بالجانب البشري من التغيير، وما يرتبط به من عقلياتٍ وسلوكياتٍ وأدوار وأنظمة. ومن هنا، تتمثل مهمتهم في قيادة الموظفين في رحلةٍ تبدأ بالوعي، وتتدرج عبر الاقتناع والالتزام وبناء القدرات، وصولًا إلى ترسيخ السلوكيات الجديدة في نظام عمل المؤسسة. وعندما تتكامل هذه العناصر، تتغير نظرة الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي؛ فلا يعود تقنيةً تُفرض عليهم، بل يصبح وسيلةً تعزز أهمية أدوارهم، وتدعم قدرتهم على التقدير واتخاذ القرارات، وتمكّنهم من إحداث أثرٍ أكبر. ومن هنا يتحقق الفارق الحقيقي؛ فبدلًا من أن يكون التغيير أمرًا يحدث للمؤسسة، تصبح المؤسسة هي مَن يقوده ويرسم مساره.

Explore a career with us