كيف يعيد الصراع في الخليج رسم خريطة السفر العالمية

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

لم تعد الحسابات في عالم السفر كما كانت قبل أشهر قليلة. فالتوترات التي تشهدها منطقة الخليج، رغم إشارات أخيرة قد تلوح بانفراج قريب، تركت بصماتها واضحة على خريطة الرحلات الجوية حول العالم، وأربكت حسابات شركات الطيران، ووضعت قطاع السياحة برمته أمام اختبار صعب لقدرته على التكيف. ورغم كل ما سبق، بقي شغف الإنسان بالسفر واستكشاف العالم على حاله، لم يتزعزع ولم يتراجع. لكن ما تغيّر فعلًا هو طريقة اتخاذ القرار. فحين يجتمع القلق من التوترات السياسية مع توقعات استمرار ارتفاع أسعار التذاكر، يجد كثير من الناس أنفسهم أمام خيار واحد منطقي، وهو التريث. فبدلًا من الاندفاع نحو الحجز، يفضلون الانتظار قليلًا، ريثما تتضح الصورة وتعود إليهم الثقة اللازمة لاتخاذ قرار السفر براحة بال. وفي خضم هذا الترقب، سلك المسافرون طرقًا مختلفة للتعامل مع الواقع الجديد. فبعضهم اختار أن يقلّص إنفاقه على الإقامة والأنشطة الترفيهية، محاولًا بذلك أن يمتص الزيادة المتوقعة في تكاليف النقل. في المقابل، وجدت فئة أخرى نفسها أمام تحدٍّ أعمق من مسألة الميزانية، إذ باتت الوجهة نفسها التي تسعى إليها أصعب منالًا مما كانت عليه من قبل.

وأمام هذا الواقع الذي تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد، تجد شركات السياحة نفسها اليوم أمام فرصة سانحة لالتقاط الأنفاس وقراءة المشهد بعين فاحصة، ووضع اليد على حجم الأثر الذي تركته الاضطرابات الأخيرة على قطاعها، بل والأهم من ذلك، محاولة استشراف أي من هذه التحولات قد يرافقها مستقبلاً، وأيها مجرد أثر عابر سرعان ما يزول مع عودة الاستقرار. ولعل أول ما يلفت الانتباه في خضم هذا الغموض السياسي المستمر، هو تبدل سلوك ضيوف الفنادق أنفسهم، إذ باتوا يؤجلون قراراتهم إلى آخر لحظة ممكنة، ما يضيّق النافذة الزمنية المتاحة أمام قطاع الضيافة لتنظيم حجوزاته كما اعتاد سابقًا. وإذا كان هذا هو حال الفنادق، فإن شركات الطيران بدورها لا تقف بمنأى عن الأثر، بل تواجه تحديًا موازيًا يتمثل في مسارات جوية مضطربة، وتكاليف وقود متصاعدة، وضعف في قدرة بعض المحاور الجوية الرئيسية على استقبال الرحلات وتوزيعها بكفاءة كما كانت تفعل من قبل. وتنعكس هذه العوامل مجتمعة على كلفة التشغيل، لينتهي بها المطاف في جيب المسافر نفسه، عبر ارتفاع أسعار التذاكر على أهم الخطوط الدولية.

ولأن لا أحد يملك اليوم إجابة قاطعة عن الاتجاه الذي ستأخذه الأمور غدًا، يأتي هذا المقال ليضع بين يدي العاملين في القطاع السياحي خارطة طريق تعينهم على قراءة المرحلة بوضوح، وصياغة استراتيجيات متينة تصمد أمام تقلبات المشهد، مهما بلغت حدّتها.

هل ما زال الناس يرغبون في السفر؟

والإجابة عن هذا التساؤل، حين نمعن النظر في أسواق كثيرة حول العالم، تأتي مطمئنة إلى حد بعيد، فالطلب على السفر لم يتزعزع، وما يزال حاضرًا بقوة. لكن الصورة الكاملة تحتاج إلى تدقيق أعمق، فحالة الغموض التي تخيّم على المشهد دفعت كثيرين إلى تأجيل قرار الحجز، وأعادت تشكيل الطريقة التي يخطط بها الناس لرحلاتهم، بل وتركت بصمتها على حجم إنفاقهم والوسيلة التي يختارونها لإتمام حجوزاتهم، سواء عبر منصة إلكترونية أو من خلال وكيل سفر. ورغم هذا التريث، ما يزال المسافرون متمسكين برغبتهم في الاحتفاظ بهامش من المرونة، يمنحهم فسحة لاتخاذ قرارهم في الوقت المناسب، ريثما تتضح ملامح المشهد السياسي، وتستقر أسعار تذاكر السفر على حال يمكن التنبؤ به.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

ولعل أوضح مثال يجسّد هذا التردد المحسوب، ما كشفت عنه دراسة أجرتها مؤسسة ماكنزي على المستهلكين الإيطاليين، بشأن خطط سفرهم الصيفية لعام 2026. فقد أظهرت النتائج، حتى تاريخ 20 من شهر مايو، أن 74 في المئة من الإيطاليين ما زالوا يعتزمون السفر هذا الصيف، غير أن 63 في المئة منهم لم يكونوا قد أتمّوا حجوزاتهم بشكل كامل حتى تلك اللحظة. وهذا التفاوت بين الرغبة والفعل يكشف حقيقة مهمة، وهي أن الطلب على السفر لم يتراجع، لكن المسافرين يفضّلون الاحتفاظ بهامش من المرونة قبل أن يلزموا أنفسهم بأي التزام نهائي. وتضيف الدراسة بعدًا آخر لهذه الصورة، إذ أفاد 56 في المئة من المشاركين بأن خططهم للسفر تأثرت بشكل أو بآخر بالتطورات السياسية، في حين لم تتجاوز نسبة من ألغوا رحلاتهم كليًا 3 في المئة فقط، وهو رقم صغير يعكس تمسك الناس بحلم السفر رغم كل الظروف. أما الجزء المتبقي من الصورة، فيتمثل في أن 24 في المئة من المشاركين اعترفوا بأن رغبتهم في انتظار مزيد من المعلومات والمستجدات قبل حسم قرارهم، كانت العائق الحقيقي الذي أخّر خطوة الحجز لديهم.

وما يعزز هذا الاستنتاج، ويضيف إليه دليلًا آخر لا يقل وضوحًا، هو ما كشفته بيانات أحدث، تؤكد أن الصراع الدائر في الشرق الأوسط ترك أثرًا ملموسًا في سلوك المسافرين، لا في نواياهم فحسب. فبحلول أواخر شهر أبريل، أفاد ما يقارب 60 إلى 70 في المئة من المسافرين في كل من الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا بأنهم بصدد تعديل خططهم للأشهر الستة المقبلة. ولافت في هذا السياق أن عامل السلامة تصدّر قائمة الاعتبارات التي يزنها المسافر قبل اتخاذ قراره في هذه الأسواق الثلاثة جميعًا، متقدمًا حتى على الراحة والسعر، وهما عاملان طالما اعتُبرا الأساس في مثل هذه القرارات. ولعل الولايات المتحدة تمثل النموذج الأبرز لهذا التحول، إذ يميل المسافر الأمريكي أكثر من غيره إلى استبدال وجهاته الخارجية برحلات داخلية، بل ويعيد النظر أيضًا في وسيلة تنقله ذاتها. ولأن الثقة أصبحت سلعة نادرة في زمن التقلبات، لجأ بعض المسافرين إلى الاستعانة بوكلاء السفر بشكل أكبر من المعتاد، سعيًا للحصول على تطمينات إضافية والتحقق من دقة المعلومات قبل المضي قدمًا في خططهم. يرجى الاطلاع على "الشكل 1" أدناه.

هل ما زال بإمكان المسافرين الوصول إلى وجهاتهم؟

والإجابة عن هذا التساؤل تحمل في طياتها بعض القلق، فالعثور على رحلة طيران مناسبة لم يعد بالأمر اليسير كما كان بالنسبة لفئة من المسافرين. فمع تصاعد التكاليف وتزايد حالة الترقب لدى الجمهور، وجدت شركات الطيران حول العالم نفسها مضطرة لتقليص عدد رحلاتها المجدولة. وقد كانت شركات الطيران الاقتصادية، تحديدًا، الأكثر تأثرًا بهذا التوجه، إذ بادرت إلى الاستغناء عن خطوطها الأقل ربحية، في محاولة منها للتخفيف من وطأة الضغط الذي يفرضه ارتفاع أسعار الوقود على ميزانيتها التشغيلية. ولا يستبعد أن يحمل المشهد مزيدًا من التقليص في الطاقة الاستيعابية لهذه الشركات مستقبلاً، إذا ما استمرت أسعار الوقود في تقلبها على هذا النحو غير المستقر.

وفي موازاة هذا التقليص العام في الرحلات، برزت مشكلة أكثر تحديدًا وارتباطًا بجوهر الأزمة نفسها، تتمثل في الصعوبة المتزايدة التي باتت تواجه حركة الربط عبر مراكز الطيران في الشرق الأوسط، جرّاء الصراع القائم في المنطقة. ومع بدء توجيه المسافرين نحو مراكز بديلة بعيدًا عن هذا الممر التقليدي، تراجع العدد الإجمالي للركاب الدوليين العابرين عبر مراكز الشرق الأوسط بواقع 5.1 مليون راكب، أي ما يعادل انخفاضًا بنسبة 53 في المئة تقريبًا، وذلك خلال الفترة الممتدة من مارس إلى أبريل 2026 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. كما هو موضح في "الشكل 2". غير أن هذا التراجع اللافت لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن مقومات المنطقة الأصيلة، فموقعها الجغرافي المتوسط، إلى جانب شبكة الربط العالمية التي رسختها على مدى سنوات، يمنحانها أوراقًا قوية تؤهلها لاستعادة مكانتها كمحور رئيسي للطيران والسياحة عاجلاً أم آجلاً. ولعل ما يعزز هذا التفاؤل، أن بعض مشغلي السفر في دول الخليج بدأوا بالفعل يستثمرون هذه المرحلة بطريقة مغايرة، فبدلاً من الاكتفاء بانتظار عودة الاستقرار، توجهوا نحو تطوير خدماتهم وتحديث عروضهم، في خطوة تعكس ثقة راسخة بأن التعافي قادم لا محالة.

وفي ظل هذا الفراغ الذي تركته مراكز الخليج الجوية، لم تبقَ الساحة خالية طويلاً، إذ سارعت وجهات بديلة إلى ملء الفجوة واستقطاب حركة الركاب المتجهة إليها. ففي معظم الأسواق، أخذت مراكز جوية أخرى خارج منطقة الخليج تحل محل الدور الذي كانت تلعبه مطارات المنطقة، ولو بشكل جزئي في هذه المرحلة. وتقف إسطنبول شاهدًا حيًا على هذا التحول، إذ شهدت حركة عبورها ازديادًا ملحوظًا، لتغدو محطة ربط بديلة يقصدها كثير من المسافرين. وإلى جانب هذا المسار، ثمة اتجاه آخر بدأ يفرض نفسه على المشهد، يتمثل في تفضيل بعض شركات الطيران للاستغناء عن فكرة الربط من الأساس، واللجوء بدلاً منها إلى تسيير رحلات مباشرة تختصر الطريق على المسافر. وتُعد بعض شركات الطيران الصينية مثالاً واضحًا على هذا التوجه، بعدما زادت من رحلاتها المباشرة نحو القارة الأوروبية. وتكشف الأرقام حجم هذا التحول بجلاء، فقد أضافت شركات الطيران الصينية والتركية معًا أكثر من أربعة آلاف رحلة إلى جداولها، خلال الفترة الممتدة من يونيو حتى نوفمبر 2026، لتستحوذ بذلك على ما يقارب 56 في المئة من إجمالي الطاقة الاستيعابية الجديدة التي أضافتها أكبر عشر شركات طيران في العالم.

ولفهم الأثر الحقيقي لهذا التبدل في خطوط الطيران، لا بد من العودة إلى ما كشفه تحليل معمّق أجرته مؤسسة ماكنزي، شمل أكثر من 90 عاملاً مرتبطًا بالطلب السياحي حول العالم. وقد خلص هذا التحليل إلى نتيجة لافتة، مفادها أن عاملين اثنين يتصدران قائمة العوامل الأكثر تأثيرًا في قدرة أي وجهة على استقطاب الزوار الدوليين الباحثين عن الترفيه والاستجمام، هما عدد المقاعد المتاحة على متن الرحلات، ومدى توفر خطوط طيران مباشرة إليها. وبناءً على ذلك، فإن أي زيادة في عدد الرحلات المباشرة على خطوط بعينها قد لا تقف عند حدود تسهيل الوصول فحسب، بل قد تمتد لتعيد رسم خريطة تدفق المسافرين بأكملها من جديد.

إلى أي مدى قد ترتفع أسعار تذاكر الطيران؟

والحقيقة أن أسعار تذاكر الطيران لم تكن يومًا بمنأى عن هذه التداعيات، فقد وجدت نفسها تحت ضغط متصاعد، بفعل عاملين تضافرا معًا، أولهما تقييد المجال الجوي في مناطق واسعة، وثانيهما ارتفاع أسعار وقود الطائرات، وكلاهما رفع كلفة التشغيل على عاتق شركات الطيران. ولتقريب الصورة إلى الأذهان، يمكن النظر إلى مثال توضيحي دال، يتمثل في رحلة من لندن إلى مومباي، إذ تضطر هذه الرحلة اليوم لسلوك مسار أطول، تفاديًا للمجال الجوي المقيد في منطقة الخليج، وهو ما قد يرفع تكلفتها التشغيلية بنسبة تصل إلى 63 في المئة، مقارنة بما كانت عليه قبل بدء الاضطرابات. كما هو موضح أدناه في "الشكل 3". وإذا ما افترضنا أن شركات الطيران ستمرر هذا العبء الإضافي إلى المسافر نفسه، كما جرت العادة في مثل هذه الحالات، فإن النتيجة المتوقعة قد تتمثل في ارتفاع سعر التذكرة على هذا الخط تحديدًا، بنسبة تتراوح بين 13 إلى 44 في المئة، وهو فارق قد يشعر به المسافر بوضوح في ميزانيته.

إلى أين يتجه الطلب في ظل الرياح المعاكسة التي تواجهها السياحة في الخليج؟

وفي ظل التوتر الجغرافي السياسي الذي يخيم على منطقة الشرق الأوسط، وجد كثير من المسافرين أنفسهم أمام ضرورة إعادة النظر في خططهم الرامية لزيارة منطقة الخليج، وهو ما ترك أثره الملموس على معظم أسواق المنطقة، التي بدأت تسجل تراجعًا لافتًا في إيرادات القطاع الفندقي. كما هو موضح في "الشكل 4". ولعل دبي تمثل الوجه الأبرز لهذا التراجع، إذ سجّلت انخفاضًا في إيرادات الغرف الفندقية بنسبة بلغت 75 في المئة على أساس سنوي، وهو ما يعادل خسارة مالية تقارب 1.8 مليار دولار. وإذا ما دققنا في تفاصيل هذا التراجع، نجد أن الفنادق الفاخرة تحديدًا كانت الأكثر تضررًا من بين حلقات القطاع، وهذا أمر يمكن تفسيره بمنطق بسيط. فنزيل الفندق الفاخر غالبًا ما يكون مسافرًا يبحث عن الترف والاستجمام، وسفره في الأساس رفاهية اختيارية وليس ضرورة ملحّة، ولذلك فهو أول من يؤجل رحلته أو يلغيها بمجرد أن تلوح بوادر أي أزمة في الأفق. في المقابل، تبدو الصورة مختلفة تمامًا حين ننظر إلى فئتين أخريين من النزلاء. الأولى هي نزلاء الفنادق الاقتصادية ومتوسطة التكلفة، وهؤلاء غالبًا ما يكون سفرهم مرتبطًا بحاجة عملية، كعمل أو التزام عائلي، لا بمجرد رغبة في الترفيه، ولذلك لا يتخلون عن خططهم بسهولة. أما الفئة الثانية فهم المسافرون من داخل الدولة نفسها، الذين لا تعنيهم أصلًا مخاطر عبور الحدود أو المجال الجوي المتأثر بالصراع، فتبقى رحلاتهم في مأمن من هذا النوع من الاضطراب. ولهذا السبب مجتمعًا، حافظت هاتان الفئتان على استقرار طلبهما، بعكس ما شهدته الفنادق الفاخرة من تراجع حاد.

وإذا كان هذا حال الطلب المتراجع في وجهات بعينها، فإن السؤال الأهم يبقى: إلى أين ينتقل هذا الطلب، وأي الوجهات بدأت تجني ثمار هذا التحول؟ تشير المؤشرات الأولية إلى أن كثيرًا من المسافرين باتوا يفضلون البقاء على مقربة من ديارهم، بدلاً من خوض رحلات بعيدة تحفها المخاطر. اطلع على "الشكل 5". ولعل المسافر الأوروبي يجسّد هذا التوجه خير تجسيد، فبعدما كانت وجهته الأثيرة في آسيا، أصبح أقرب إلى اختيار وجهة متوسطية قريبة، كطنجة المغربية أو تونس العاصمة، تعويضًا عن رحلة كان يمكن أن يقطع فيها آلاف الأميال.

ولا ينبغي أن يقودنا هذا التحول إلى الاعتقاد بأن دول الخليج وحدها من دفع ثمن هذا التراجع في حركة السياحة، فثمة وجهات أخرى وجدت نفسها في مرمى الأثر ذاته، رغم أنها لا تقع أصلًا في قلب الصراع. فالوجهات الصغيرة أو النائية، التي لا تملك رحلات مباشرة تربطها بالعالم، وتعتمد بشكل أساسي على محطات الربط في الخليج لاستقبال زوارها، باتت اليوم في موقف أكثر حرجًا من غيرها. وخير مثال على ذلك جزر سيشيل والمالديف، فكلتاهما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بشبكة الطيران الخليجية، ولذلك لم يكن مستغربًا أن تشهدا تراجعًا ملموسًا في أعداد الوافدين إليهما منذ اندلاع الصراع.

إلى متى قد تستمر آثار هذا الصراع على السياحة؟

للإجابة عن هذا التساؤل، لا بد من العودة إلى سابقة قريبة قد تعيننا على قراءة المستقبل، فحجم التراجع الذي سجّلته إيرادات القطاع الفندقي في بعض أسواق الخليج، بلغ مستويات تذكّرنا إلى حد كبير بما شهده القطاع في الأيام الأولى من جائحة كورونا. كما هو موضح أدناه في "الشكل 6". وإذا ما صحّ هذا التشابه، وسار المشهد على النمط ذاته الذي عرفناه حينها، فقد يحتاج القطاع إلى فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر لاستعادة عافيته. غير أن هذه المقارنة، رغم دلالتها، لا تخلو من فارق جوهري ينبغي التوقف عنده. فمسار التعافي هذه المرة مرهون إلى حد بعيد بحل الأزمة السياسية القائمة، وهو أمر يصعب التنبؤ بتوقيته. بل إن قضايا الأمن والسلامة، على خلاف الجائحة الصحية، قد تترك أثرًا أطول أمدًا على قطاع السياحة، ذلك أن مخاوف السلامة تمس شعور المسافر بالطمأنينة بشكل أعمق وأكثر رسوخًا من مخاوف الصحة العامة. ومن هنا، فإن الخطر الأكبر لا يكمن بالضرورة في حجم التراجع نفسه، بل في طول المدة التي قد يستغرقها هذا التراجع قبل أن ينقشع. والأمر الجدير بالانتباه أيضًا أنه حتى بعد أن تعود أعداد المسافرين إلى معدلاتها الطبيعية، فإن القيمة المالية قد تتأخر في اللحاق بالركب، إذ ليس من السهل استعادة مستويات الأسعار التي كانت سائدة قبل الأزمة.

كيف يمكن لأصحاب المصلحة في قطاع السفر التكيف والاستجابة؟

أمام هذا المشهد المتقلب، لا تقف الأطراف الفاعلة في قطاع السفر مكتوفة الأيدي، بل تملك بين يديها أكثر من أداة استراتيجية تُمكّنها من الاستعداد الجيد لما هو قادم، والحدّ من الأضرار التي قد تلحق بأعمالها، بل والمضي خطوة أبعد نحو تسريع وتيرة التعافي بدلاً من انتظاره فحسب.

وحين نبدأ بتفكيك هذه الأدوات بحسب كل طرف من أطراف القطاع، تبرز شركات الطيران بوصفها الحلقة الأولى التي تواجه ثلاثة تحديات رئيسية تتمثل في شكل التعافي المرتقب، ومدى تماسك برامج الولاء أمام هذه الضغوط، وأخيرًا كلفة الوقود المتصاعدة:

  • فإذا ما بدأت حدة الاضطراب في التراجع، فأول خطوة منطقية أمام شركات الطيران أن تراقب كيف يسير التعافي خطوة بخطوة، بدلاً من التسرع في اتخاذ قرارات عامة تشمل كل الأسواق بالطريقة نفسها. فمن الأفضل لها أن تتعامل مع كل سوق أو كل فئة من المسافرين على حدة، وفقًا لما يناسبها تحديدًا، سواء في تحديد الوجهات التي تسيّر إليها رحلاتها، أو في تسعير هذه الرحلات. فعلى سبيل المثال، هناك مسافرون لا يمانعون السفر حتى في ظل قدر من المخاطرة، ولا تشغل بالهم كثيرًا مسألة السعر، بعكس فئة أخرى أكثر حذرًا وحساسية تجاه كلفة الرحلة. وبناءً على هذا الفهم، يمكن لشركات الطيران أن تتعاون بشكل وثيق مع الجهات المعنية في القطاع، لإعادة تقديم صورتها بشكل يلائم كل فئة، واستعادة ما فقدته من حصة في السوق، عبر حملات تسويقية موجهة بدقة، وعروض تحفز المسافر على العودة إليها من جديد.
  • وهناك مشكلة أخرى تشغل بال شركات الطيران في هذه المرحلة، تتعلق بالمسافرين المهمين بالنسبة لها الذين ينفقون أموالًا كثيرة معها، ويسافرون بشكل دائم عبر برامج الولاء التي تقدمها. فهؤلاء المسافرون تحديدًا قد يقررون ترك الشركة والانتقال إلى منافس آخر، إذا شعروا بأن الخدمة تراجعت أو أن الأوضاع الحالية جعلت السفر معها أقل جاذبية. ولتفادي فقدان هذه الفئة من العملاء، يمكن لشركات الطيران أن تراجع برنامج الولاء الخاص بها من الألف إلى الياء، وتتأكد من أنه لا يزال يقدم ما يكفي من الفائدة والتحفيز لهؤلاء المسافرين، حتى لا يفكروا في مغادرتها. ومن الخطوات العملية التي يمكن اتباعها في هذا الإطار، منح هؤلاء العملاء مهلة إضافية قبل أن تنتهي صلاحية مستوى عضويتهم الحالي في برنامج الولاء، أو تسهيل شروط ترقيتهم إلى مستوى أعلى بشكل أسرع من المعتاد، وذلك كله كوسيلة لإشعارهم بالتقدير، وإقناعهم بالبقاء مع الشركة رغم كل الظروف المحيطة.
  • وبعيدًا عن هموم العملاء وبرامج الولاء، تجد شركات الطيران نفسها في مواجهة معركة مختلفة تمامًا، عنوانها الأرباح. فتصاعد أسعار الوقود قد يبقى ينهش من هامش الربح لديها، حتى بعد أن يستعيد الطلب على السفر عافيته ويعود إلى مساره الطبيعي. غير أن هذا لا يضع الشركات في موقف العاجز، فأمامها أكثر من طريق يمكن أن تسلكه لاحتواء هذا الاستنزاف، وتخفيف وطأته على حساباتها المالية.

وإذا كانت شركات الطيران تخوض معاركها الخاصة على هذه الجبهات الثلاث، فإن قطاع الضيافة لا يقف بمنأى عن تعقيدات هذه المرحلة، بل يجد نفسه مضطرًا لمواجهة ثلاث إشكاليات تتجسد في كيفية التنبؤ بحركة الطلب، وطريقة تسعير الخدمات، وكيفية التعامل مع تحول الطلب من سوق إلى أخرى:

  • ولعل أول هذه الإشكاليات وأكثرها إلحاحًا، تتعلق بالطريقة التي تتنبأ بها الفنادق بحركة الحجوزات المقبلة، لتحدد على أساسها أسعارها وتوزع طاقتها الاستيعابية. فالفنادق تعتمد عادة على نماذج تعتمد على بيانات الأعوام السابقة، إذ تراقب كيف كان الضيوف يحجزون غرفهم في المواسم الماضية، مثلاً أن غالبية الحجوزات في موسم معين كانت تصل قبل شهرين أو ثلاثة من موعد الوصول الفعلي. وبناءً على هذا النمط المتكرر، كانت الفنادق تخطط مسبقًا لأسعارها وحملاتها الترويجية، واثقة من أن المستقبل سيشبه إلى حد بعيد ما حدث في الماضي. لكن المشكلة اليوم أن هذا النمط لم يعد قائمًا كما كان. فبات كثير من الضيوف يؤجلون قرار الحجز إلى أيام أو حتى ساعات قليلة قبل موعد وصولهم، بدلاً من الالتزام المسبق الذي اعتادت عليه الفنادق في حساباتها. وهذا يعني أن الفندق الذي يعتمد على بيانات الأشهر الماضية ليتوقع ما سيحدث اليوم، يجد نفسه يتخذ قراراته بناءً على صورة قديمة لم تعد تعكس واقع السوق الحالي. ولتفادي هذا الفخ، يمكن للفنادق أن تتحول إلى متابعة مؤشرات الطلب الفعلية أولاً بأول، بدلاً من الاعتماد فقط على ما جرت عليه العادة في المواسم السابقة، لتتمكن من اتخاذ قرارات أقرب إلى واقع السوق اللحظي.
  • وثمة إشكالية ثانية لا تقل خطورة عن سابقتها، وترتبط هذه المرة بسياسة التسعير التي تتبعها بعض الفنادق في أوقات الأزمات. فحين يتراجع الطلب، يميل بعض الفنادق إلى خفض أسعارها بشكل كبير ومتكرر، سعيًا لملء غرفها الشاغرة بأي ثمن، دون أن تضع حدًا لهذا الخفض أو تراقب أثره على المدى البعيد. والمشكلة هنا أن هذا النزول المستمر في الأسعار، وإن بدا حلاً سريعًا في اللحظة الراهنة، يصبح فخًا حقيقيًا لاحقًا، إذ يعتاد المسافر على هذا السعر المنخفض، فيصعب على الفندق أن يعيد أسعاره إلى مستواها الطبيعي بمجرد أن تنتهي الأزمة وتنتعش حركة السفر من جديد. وحتى لا تصل الفنادق إلى هذه النقطة الحرجة، بإمكانها أن تضع لنفسها سقفًا أدنى لا تسمح لأسعارها بالنزول تحته مهما اشتدت الضغوط، بحيث تحافظ على هامش ربح معقول حتى في أضعف المواسم. كما يمكنها أن تبني منطقًا مختلفًا في التسعير خصيصًا لأوقات الأزمات، يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الظروف الاستثنائية التي يمر بها السوق، بدلاً من تطبيق السياسة التسعيرية ذاتها التي كانت تتبعها في الأوقات العادية.
  • وهناك إشكالية ثالثة تكمل هذه الصورة، تتعلق بمصير الأسواق التي بدأ الطلب يبتعد عنها لصالح وجهات أخرى. فحين يتحول المسافرون عن سوق معين، لا يكون الخطر في فقدان بعض الحجوزات المؤقتة فحسب، بل في أن هذا السوق قد يخسر حصته لصالح المنافسين بشكل يصعب تعويضه لاحقًا، حتى بعد أن تهدأ الأزمة وتعود الأمور إلى طبيعتها. ولمواجهة هذا الخطر، يمكن للفنادق أن تبادر بخطوة استباقية، تقوم على تحديد الفئات المحددة من المسافرين الأكثر عرضة للتحول نحو وجهة أخرى، ومحاولة استمالتهم قبل أن يتخذوا قرارهم النهائي، بدلاً من الاكتفاء بانتظار عودتهم من تلقاء أنفسهم. وإلى جانب ذلك، يمكن تصميم عروض مخصصة تستهدف تحديدًا فئة المسافرين الأثرياء، الذين أثبتوا عبر الأزمات السابقة قدرة أكبر على العودة سريعًا إلى عاداتهم الاستهلاكية بمجرد أن تتحسن الظروف، وذلك بهدف تشجيعهم على العودة إلى الوجهة ذاتها بدلاً من الاستمرار في البحث عن بدائل أخرى.

وإذا كانت شركات الطيران والفنادق تخوض معاركها الخاصة على النحو الذي أوضحناه، فإن الحلقة الثالثة في هذه السلسلة، وهي شركات تنظيم الرحلات السياحية، تجد نفسها أيضًا مطالبة بإعادة النظر في ثلاثة جوانب جوهرية تدور حول طريقة إدارة الحجوزات، وآلية التعامل مع مراكز خدمة العملاء، ومنهجية احتساب التكاليف التي تبني عليها أسعارها:

  • ولعل أول ما يواجه شركات تنظيم الرحلات في أوقات الاضطراب، هو تعثر واضح في جودة الخدمة المقدمة للمسافر، إلى جانب تسرب غير محسوب في التكاليف، وكلاهما يتفاقم حين يقرر المسافر الحجز أو التعديل في آخر لحظة ممكنة، دون أن تملك الشركة وقتًا كافيًا للاستعداد. ففي مثل هذه الظروف، حين يحتاج مسافر إلى تغيير رحلته فجأة، أو حين تُلغى وجهته بسبب تطورات مفاجئة، تجد الشركة نفسها تتعامل مع كل حالة على حدة، بارتجال، وكأنها المرة الأولى التي تواجه فيها موقفًا كهذا، وهو ما يستنزف وقتها وموظفيها وأموالها في آن واحد. ولتجنب هذه التحدي، يمكن لشركات تنظيم الرحلات أن تعيد تصميم آلية عملها في التعامل مع طلبات إعادة الحجز وتغيير خطط الإقامة، بحيث تكون جاهزة مسبقًا لمواجهة الأزمات قبل وقوعها، لا بعد حدوثها. فبدلاً من أن يضطر كل موظف للارتجال في كل مرة، يمكن للشركة أن تضع خطة عمل واضحة المعالم، تحدد فيها كيفية التعامل مع كل نوع من الحالات الاستثنائية مسبقًا، بما يشبه دليلاً جاهزًا يمكن الرجوع إليه فور وقوع أي طارئ، بدلاً من إعادة اختراع الحل في كل مرة تحدث فيها مشكلة جديدة.
  • وإلى جانب هذا التحدي، تبرز مشكلة أخرى تخص مراكز خدمة العملاء تحديدًا. فحين يشعر المسافر بالقلق وعدم اليقين جراء ما يجري حوله، يزداد اتصاله بهذه المراكز طلبًا للطمأنينة والمساعدة، وهو ما يرفع من أعباء العمل على الموظفين، ويطيل مدة الانتظار قبل أن يحصل المتصل على إجابة، بل ويرفع أيضًا التكلفة التشغيلية لهذه المراكز في وقت تحتاج فيه الشركات أصلاً لضبط نفقاتها. ولتخفيف هذا الضغط، يمكن لشركات تنظيم الرحلات أن تستعين بمساعدين رقميين مدعومين بالذكاء الاصطناعي، قادرين على التعامل مع جزء كبير من استفسارات المسافرين تلقائيًا ودون تدخل بشري مباشر، بما يخفف الازدحام عن الموظفين، ويمنح المسافر إجابة سريعة في اللحظة التي يحتاجها فيها، خصوصًا في هذه الرحلات المشحونة بالتوتر والحاجة الملحة للتواصل.
  • وثمة تحدٍ أخير يواجه شركات تنظيم الرحلات في هذه المرحلة، يتعلق هذه المرة بطبيعة نفقاتها الثابتة. فكثير من هذه الشركات تحمّلت على مدى سنوات التزامات مالية جامدة، لا يمكنها التخلي عنها بسهولة أو تعديلها بسرعة، مثل عقود إيجار طويلة الأمد، أو رواتب فرق عمل كبيرة، وهذه الالتزامات تصبح عبئًا ثقيلاً بشكل خاص حين يتراجع الطلب على السفر، إذ تستمر الشركة في دفع التكاليف ذاتها رغم انخفاض إيراداتها. ولمواجهة هذا الواقع، يمكن لشركات تنظيم الرحلات أن تعيد النظر في هيكل تكاليفها من الأساس، عبر برنامج شامل يهدف لخفض هذه النفقات بشكل جذري لا مؤقت، بما يدعم في الوقت ذاته أي جهود آنية تسعى لرفع كفاءة العمل وإنتاجيته خلال هذه الفترة الحرجة.

وفي الختام، يتضح جليًا أن السياسة لم تعد أمرًا بعيدًا عن عالم السفر، بل باتت تتغلغل يومًا بعد يوم في صميم قراراته، الاقتصادية منها والنفسية على حد سواء. فرغم أن شغف الإنسان باكتشاف العالم لا يزال حيًا لم يخبُ بريقه، إلا أن المسافر اليوم أصبح أكثر حذرًا مما كان عليه بالأمس، فتراه يؤجل قراره، ويعيد التفكير مرارًا في وجهته قبل أن يحسم أمره نهائيًا. ومن هنا، فإن الجهات الفاعلة في قطاع السفر، القادرة على التحرك بمرونة في عملياتها، وصياغة استراتيجيات تلامس احتياج المسافر الحقيقي، وضبط أسعارها بحكمة تراعي الظرف الراهن، هي وحدها من ستجد نفسها في موقع أفضل، لا لمجرد الصمود أمام هذه العاصفة فحسب، وإنما لاقتناص الفرص أيضًا، في ظل خريطة السفر العالمية التي تعاد رسمة ملامحها الآن، لحظة بلحظة.

Explore a career with us