بودكاست ماكنزي

مسارات رأس المال ترسم العالم: كيف يعيد الاستثمار الأجنبي تشكيل الاقتصاد الدولي

| تدوينة صوتية

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

يحتل الاستثمار الأجنبي المباشر اليوم موقعًا أكثر حضورًا في فهم تحولات الاقتصاد العالمي. ففي السابق، كان يُنظر إليه كعامل مهم، لكنه لا يرتبط بشكل مباشر بالقرارات اليومية أو بالتوجهات الاستراتيجية. أما الآن، فقد تغيّر هذا الدور بشكل واضح. فالتدفقات الرأسمالية الكبيرة التي تتجه إلى مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة لا تعكس مجرد حركة استثمارية، بل تقدّم مؤشرات واضحة تساعد على فهم اتجاهات المرحلة المقبلة. فهي توضّح أي الصناعات تتجه إلى النمو، وأين ستتمركز سلاسل الإمداد، وأي المناطق مرشحة لقيادة المشهد الاقتصادي. وعليه، يسلّط هذا الحوار ضمن بودكاست ماكنزي الضوء على هذا التحول، حيث يوضح الشريكان في ماكنزي نيك ليونغ و أوليفيا وايت، في نقاش مع المديرة التحريرية روبرتا فوسارو، كيف أصبح الاستثمار الأجنبي المباشر مؤشرًا مبكرًا على تشكّل الميزة التنافسية، وما الذي ينبغي على القادة متابعته في المرحلة الراهنة.

يُقدَّم بودكاست ماكنزي بمشاركة لوسيا راهيلي وروبرتا فوسارو.

وقد خضع النص التالي للتحرير بهدف تعزيز الوضوح واختصار المحتوى، بما يضمن تقديم الأفكار بصورة أكثر تركيزًا وانسيابية.

الاستثمار الأجنبي المباشر في قلب التحولات العالمية

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

روبرتا فوسارو: سوف نتحدث اليوم عن تقرير حديث لمعهد ماكنزي العالمي يتناول في بحثه أبعاد الاستثمار الأجنبي المباشر، والتحوّل اللافت في موقعه داخل المشهد الاقتصادي. فبعد أن ظل لسنوات يُنظر إليه كمؤشر خلفي يُجسّد اتجاهات الاقتصاد دون أن يؤثر مباشرة في القرارات اليومية، بات اليوم يفرض نفسه كإشارة استراتيجية لا يمكن تجاهلها. وينطلق التساؤل من هذا التحول تحديدًا: ما الذي جعل الرؤساء التنفيذيين يعيدون النظر في الاستثمار الأجنبي المباشر، ليس كملف مالي أو شأن يرتبط بالعلاقات الحكومية، بل كأداة تساعد على قراءة اتجاهات المنافسة وتحديد مواقع الفرص المستقبلية؟

أوليفيا وايت: خلال الأعوام الثلاثة إلى الخمسة الماضية، برز تحول لافت في اتجاهات الاستثمار الأجنبي المباشر، يعكس إعادة تموضع واضحة لرأس المال عالميًا. فمن جهة، اتجهت الاستثمارات الجديدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإنشاء طاقات إنتاجية أو توسيع القائم منها، نحو ما يمكن وصفه بصناعات تشكيل المستقبل. وتتمثل هذه الصناعات في طليعتها في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مجالات التصنيع المتقدم بمختلف امتداداته، بما يشمل المركبات الكهربائية وتقنيات البطاريات، فضلًا عن موارد الطاقة الداعمة لهذه المنظومة. وهذا التحول لا يعبّر فقط عن تغيير في وجهة الاستثمار، بل يكشف عن قراءة استباقية لمراكز النمو المقبلة، حيث يتجه رأس المال إلى المواقع التي يُتوقع أن تُصاغ فيها ملامح الاقتصاد في المرحلة القادمة.

كما شهدت أحجام الاستثمارات قفزة نوعية، فلم تعد الصفقات تقتصر على أرقام تقليدية، بل اتجهت نحو مستويات غير مسبوقة، مع تزايد ملحوظ في عدد الصفقات الضخمة التي تتراوح قيمتها بين مليار وعشرة مليارات دولار، بل وتصل في بعض الحالات إلى مئة مليار دولار. وفي موازاة ذلك، باتت هذه التدفقات أكثر ارتباطًا بالاعتبارات الجيوسياسية، وهو ما يضفي عليها أبعادًا تتجاوز الحسابات الاقتصادية البحتة. ومن هنا، لا تُعبّر حركة رؤوس الأموال عن مجرد قرارات استثمارية، بل تكشف عن ديناميكيات تنافسية أعمق يمكن قراءتها من خلال اتجاه هذه التدفقات، وتتيح استشراف مواقع التنافس التجاري وشكله في المرحلة المقبلة.

ذلك أن كل دولار يُضخ أو يُعلن عنه اليوم يتجاوز أثره اللحظي، حاملاً إشارة واضحة إلى وجهات الإنتاج المقبلة ومن سيقود حركة التجارة ومن يمتلك مقومات المنافسة في السنوات القادمة. هنا، لا تُقاس أهمية هذه التدفقات بحجمها فحسب، بل بدلالتها الاستباقية كمرآة مبكرة لتحولات لم تكتمل بعد. ولهذا، تغدو قراءتها ضرورة لا خيارًا، خصوصًا لقادة الأعمال المعنيين بصياغة قراراتهم في لحظة يعاد فيها تعريف قواعد المنافسة.

كل دولار يُضخ أو يُعلن عنه اليوم يتجاوز أثره اللحظي، حاملاً إشارة واضحة إلى وجهات الإنتاج المقبلة ومن سيقود حركة التجارة ومن يمتلك مقومات المنافسة في السنوات القادمة.

وايت أوليفيا

نيك ليونغ: يكتسب الاستثمار الأجنبي المباشر أهمية خاصة بوصفه مؤشرًا مبكرًا يسبق تشكّل الاتجاهات الاقتصادية، لا سيما في ظل التحولات التي تشهدها أنماط التجارة نتيجة العوامل الجيوسياسية والاقتصادية الكلية وغيرها. ومن هذا المنطلق، برز توجه لإعادة النظر في نقطة البداية نفسها، عبر تتبّع حركة هذه الاستثمارات وفهم دلالاتها. فبدل الاكتفاء بقراءة النتائج التي تظهر في حركة التجارة، يطرح هذا المنظور مقاربة مختلفة تقوم على العودة إلى نقطة البداية، بحيث يصبح تتبّع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مدخلًا لفهم الإشارات التي تُبيّن وجهة رأس المال اليوم، وهو ما يتيح قراءة استباقية للمسارات التي قد تتجه إليها التجارة في المرحلة التالية.

وإذا نظرنا إلى ما كان يحدث قبل خمسة عشر عامًا، سنجد أن مسار الاستثمارات كان واضحًا ومباشرًا. فقد كانت رؤوس الأموال تتجه بكثافة نحو الصين، وهو ما أسهم في بناء قاعدة صناعية قوية هناك. ومع ترسّخ هذا الوجود الصناعي، بدأت حركة التجارة تنمو تدريجيًا حوله، فصارت الصين مركزًا للإنتاج ثم للتبادل التجاري. واليوم يتكرر هذا النمط من حيث الفكرة العامة، لكن نقطة الانطلاق تغيّرت. لم تعد الاستثمارات ترتبط بموقع جغرافي محدد كما كان الحال سابقًا، رغم أن الجغرافيا لا تزال عاملًا مهمًا في الحسابات. إلا أن التركيز بات يتجه بشكل أوضح نحو صناعات بعينها، وهي الصناعات التي تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد في المستقبل. وبهذا المعنى، أصبحت الاستثمارات تتحرك حيث توجد الفرص المرتبطة بالنمو والتقنية والتأثير طويل المدى، لا فقط حيث توجد الأسواق أو المواقع التقليدية. وهذا ما يفسّر تركيز المستثمرين اليوم على القطاعات التي أشارت إليها "أوليفيا"، بوصفها المحرك الأساسي للمنافسة في المستقبل.

فرص متنامية تعيد رسم المنافسة

روبرتا فوسارو: يشير التقرير إلى أن نحو ثلاثة أرباع إعلانات الاستثمار الأجنبي المباشر مؤخرًا تتجه إلى الصناعات التي تعيد تشكيل المستقبل، وهو ما يُشير إلى تمركزٍ واضحٍ لرأس المال في قطاعات بعينها. وعليه، يطرح هذا الواقع تساؤلًا أكثر عمقًا أمام الرؤساء التنفيذيين الذين لا يزالون خارج الدائرة الأولى عالميًا في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي أو التصنيع المتقدم أو المركبات الكهربائية: كيف ينبغي لهم إعادة التموضع في ظل هذا التحول؟ وما طبيعة الاستجابة المطلوبة لمواكبة خريطة تنافسية يعاد رسمها بوتيرة متسارعة؟

أوليفيا وايت: في الواقع، لا يقتصر النقاش على الشركات المنخرطة مباشرة في صناعات تشكيل المستقبل، وإنما يمتد ليشمل أيضًا تلك التي تقف خارج نطاقها المباشر. فهذا التحول لا يعني أنها بمنأى عن التأثير، بل يحمل في طياته دلالات قد تمس نماذج أعمالها بصورة غير مباشرة. لذلك يصبح من الضروري أن تنظر هذه الشركات بجدية إلى التداعيات المحتملة، وأن تضعها ضمن حساباتها الاستراتيجية، حتى وإن لم تكن في صلب هذه الصناعات اليوم.

وفي الحقيقة، الكثير من الاستثمارات الكبيرة لا تكون مجرد أموال تتحرك بين الأسواق، بل ترتبط بمكان محدد على أرض الواقع. فعندما تستثمر الشركات، فإنها غالبًا تبني مشاريع فعلية مثل محطة طاقة، أو منجم، أو مركز بيانات ضخم يُستخدم لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي من حيث الحوسبة والتدريب، أو حتى مصنع يمكن لعدة شركات العمل من خلاله والاستفادة منه. هذه المشاريع لا يمكن نقلها بسهولة، بل تبقى في موقعها، وتُنشئ حولها نشاطًا اقتصاديًا واضحًا، مثل توفير الوظائف ودعم الإنتاج والخدمات. لذلك، يمكن القول إن هذه الاستثمارات لا تتحرك بشكل عشوائي، وإنما تستقر في أماكن محددة وتتحول إلى بنية تحتية حقيقية تؤثر في الاقتصاد بشكل مباشر.

فإذا اتجهت شركة إلى إنشاء مصنع، فإن الأثر لا يقتصر على حدود المنشأة نفسها، وإنما يشمل شبكة واسعة من الموردين الذين سيدخلون على خط التشغيل. كما تتغير أنماط الطلب على الطاقة، ولا تتوقف التداعيات عند ذلك، بل تمتد إلى قطاعات خدمية مثل الضيافة والأغذية. وبذلك، يتضح أن هذه الاستثمارات تخلق سلسلة مترابطة من التأثيرات عبر قطاعات متعددة، وهو ما يفتح نطاقًا أوسع من الاعتبارات التي ينبغي على الشركات أخذه في الحسبان عند قراءة هذا التحول.

ويمتد نطاق التأثير أيضًا إلى اعتبارات تنافسية أوسع. فحين تراقب الشركات أين يوجّه منافسوها استثماراتهم على أرض الواقع، لا تعود المسألة مجرد متابعة، بل تتحول إلى وسيلة لفهم تموضعهم المستقبلي. وفي ضوء ذلك، يبرز تساؤل محوري يتعلق بمدى جاهزية الشركة لمواكبة هذا التحول؛ هل تمتلك موطئ قدم إنتاجي في الأسواق التي تعمل فيها أو تستهدف دخولها، أم أن استثمارات المنافسين تسبقها في بناء هذا الحضور؟ وهذا ما يؤكد أن قرارات الاستثمار لم تعد خيارًا توسعيًا فحسب، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلة الحفاظ على القدرة التنافسية.

فعندما يوجّه أحد المنافسين استثمارات إلى إنشاء مصنع للمركبات الكهربائية أو البطاريات في أسواق مثل البرازيل أو إسبانيا أو المجر، لا يمرّ ذلك كتحرك معزول، بل يفرض قراءة أعمق لدلالاته. وهنا يبرز التساؤل الاستراتيجي: هل يستدعي هذا التمركز وجودًا مماثلًا على الأرض؟ وما الذي يمهّد له هذا الاستثمار من توسّع أو إعادة تشكيل للسوق؟ وكيف ينبغي صياغة الاستجابة بما يواكب هذا التحول؟

ولا يقتصر هذا التفكير على الشركة المستثمِرة وحدها، إذ يشمل المنظومة بأكملها. فالمسألة لا تتعلق بقرار فردي، وإنما بتحول أوسع في البيئة التي تعمل ضمنها الشركات. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل آخر مهم حول الكيفية التي سيتغير بها شكل هذا النظام؟ وما الذي سيعنيه ذلك لإعادة توزيع موازين المنافسة؟ وهذا بدوره يدفع الشركات إلى قراءة أعمق لتأثير هذه التحركات على قاعدة منافسيها وموقعها.

نيك ليونغ: يشير التحليل الذي أجريناه إلى مقارنة مرحلتين زمنيتين لفهم ما تغيّر في طريقة تفكير الشركات. فقد نظرنا إلى الفترة التي سبقت جائحة كوفيد-19، وتحديدًا بين عامي 2015 إلى 2019، ثم إلى الفترة الأحدث بين 2022 إلى 2025، بهدف المقارنة بين ما كان يُعرف بالعالم السابق والعالم الحالي. وفي تلك المرحلة، لم يكن موقع تنفيذ الأعمال عاملًا حاسمًا في قرارات الاستثمار. فقد كان التفكير السائد يقوم على فكرة أن العالم مفتوح، بحيث يمكن إنشاء المصنع في أي مكان يحقق أقل تكلفة ممكنة وأعلى كفاءة تشغيلية. وبمعنى أوضح، لم يكن موقع الإنتاج هو العامل الأهم، إذ كان هذا النهج يتجاهل إلى حد كبير مسألة أين يتم الإنتاج.

لكن ما شهدناه خلال السنوات القليلة الماضية هو تحوّل واضح في طريقة فهم هذه المعادلة؛ فقد انتقل النظر إلى موقع الإنتاج من كونه قرارًا تشغيليًا بحتًا إلى عنصر يحمل أبعادًا أوسع تتعلق بالوظائف وبالاعتبارات الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، برز البعد الجيو-اقتصادي بوصفه عاملًا حاسمًا، حيث تحوّل السؤال من مجرد تحديد مكان التصنيع إلى فهم ما يحمله ذلك من دلالات استراتيجية. فمواقع الإنتاج باتت ترتبط مباشرة بتداعيات أوسع تمس الاقتصاد والسياسة وموازين القوة، وهو ما يعيد تعريف أهمية المكان داخل منظومة اتخاذ القرار.

وفي موازاة ذلك، يتجه صناع القرار إلى إعادة النظر في مواقع الإنتاج بما يتوافق مع متطلبات المرحلة. فهناك توجه متزايد إلى توطين صناعات مثل البطاريات بالقرب من أسواق استخدامها، كما يبرز سعي واضح إلى توزيع إنتاج أشباه الموصلات عبر نطاق جغرافي أوسع مقارنة بما كان عليه الوضع سابقًا. ويكشف ذلك عن تحول جوهري في الأولويات، حيث انتقل التركيز من الكلفة والكفاءة وحدهما إلى الموقع ذاته بوصفه عنصرًا استراتيجيًا قائمًا بذاته، يحظى بتركيز غير مسبوق في صياغة القرارات.

التكنولوجيا تعيد تشكيل المعادلة

روبرتا فوسارو: ما الدور الذي تؤديه التكنولوجيا في إعادة تشكيل هذه المعادلة؟

أوليفيا وايت: لطالما لعبت التكنولوجيا دورًا مُمكّنًا في تحديد مسارات التجارة، وكانت عنصرًا محوريًا في التحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي على مدى العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية. فقد أتاحت هذه التطورات فصل بعض الأنشطة الصناعية عن المكونات البرمجية التي تقف وراء التصميم والتطوير، وهو ما مكّن الشركات من توزيع عملياتها جغرافيًا بطريقة أكثر مرونة. وبهذا المعنى، لم تكن التكنولوجيا مجرد أداة داعمة، بل كانت عاملًا أساسيًا في إعادة تشكيل كيفية تنظيم الإنتاج عبر الحدود.

وبهذا، أصبح بالإمكان توزيع الأنشطة المختلفة وفق اعتبارات الكفاءة والتكلفة ومستويات الإنتاجية الإجمالية، بدل الارتباط بموقع واحد يجمع كل مراحل العمل. ولتوضيح ذلك، بات من الممكن تشغيل برامج التصميم الهندسي مثل "أوتوكاد" من أي موقع تقريبًا، واستخدامها لتطوير منتج محدد، كتصميم محرك على سبيل المثال، دون الحاجة إلى التواجد في الموقع نفسه الذي تتم فيه عمليات التصنيع. وهو ما يُفسّر كيف أتاحت التكنولوجيا فصل مراحل التصميم عن التنفيذ، ومنحت الشركات مرونة غير مسبوقة في تحديد مواقع أنشطتها عبر سلاسل القيمة.

في الوقت نفسه، أصبح بالإمكان نقل عملية التصنيع إلى مواقع توفر مزيجًا أفضل من القدرات الإنتاجية والعوامل الاقتصادية. فاختيار موقع إنتاج المحرك، على سبيل المثال، انتقل من الارتباط بمكان تصميمه إلى التركيز على الموقع الذي يحقق أعلى كفاءة من حيث توافر المهارات، وتكلفة العمالة، ورأس المال، والطاقة، وغيرها من عناصر الجدوى الاقتصادية. ويُظهر هذا التحول كيف أسهمت التكنولوجيا في فك الارتباط بين مراحل العمل، وأتاحت إعادة توزيعها جغرافيًا وفق اعتبارات الكفاءة والميزة التنافسية.

أما اليوم، فإذا فكرت في إنشاء نشاط إنتاجي في موقع لم يسبق لك العمل فيه، فإن المعادلة تصبح أكثر تعقيدًا. إذ لم يعد القرار يقتصر على الجدوى الاقتصادية، بل يفرض سؤالًا مباشرًا حول الجاهزية التقنية، فعلى سبيل المثال: هل تتوافر لديك القدرات التكنولوجية اللازمة لتنفيذ ذلك؟ ومن جهة أخرى، ومع التقدم الذي شهدته التكنولوجيا، قد تبدو هذه الخطوة أكثر قابلية للتنفيذ عبر نطاق جغرافي أوسع، وهو ما يفتح المجال أمام خيارات جديدة، لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى التدقيق في متطلبات التنفيذ.

وعند النظر إلى التكنولوجيا عن قرب، يتضح أنها لا تقوم على المعرفة النظرية وحدها، بل تعتمد بدرجة كبيرة على خبرات عملية متراكمة وأساليب تنفيذية دقيقة يصعب نقلها بسهولة من مكان إلى آخر. فبينما توحي بعض التقنيات الحديثة، مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد، بإمكانية الإنتاج في أي موقع، يفرض الواقع أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق بقدرة التنفيذ الفعلي. فعلى سبيل المثال، توجد في الصين مصانع تمتلك خبرات عميقة في إنتاج سلع محددة بكميات كبيرة وبكفاءة عالية. وهنا يبرز تساؤل جوهري، من يستطيع إعادة إنتاج هذا المستوى من الخبرة والكفاءة، وبالسرعة نفسها، وعلى النطاق ذاته. هذه المقارنة توضح أن التفوق الصناعي لا يعتمد على امتلاك التقنية فقط، بل يقوم على منظومة متكاملة من المعرفة التطبيقية والخبرة التشغيلية التي يصعب تكرارها في وقت قصير.

نيك ليونغ: أعتقد أن الكلمة الأكثر تأثيرًا في هذا النقاش، بعد كل ما سبق، هي التكنولوجيا. فهي ليست مجرد عنصر ضمن المعادلة، بل تمثل المحرك الذي يُعاد على أساسه تشكيل المشهد بأكمله. فعندما نتحدث عن العالم الجديد، فإننا نشير إلى منظومة تتشكل حول تقنيات الطاقة النظيفة، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وما تتطلبه من بنية تحتية، إلى جانب صناعة أشباه الموصلات، ومواقع إنتاجها. وهو ما يكرّس حقيقة أن التكنولوجيا لم تعد فقط أداة دعم، بل أصبحت الإطار الذي يُعاد ضمنه تحديد أين تُبنى القدرات، وأين تتركز الاستثمارات، وأي الدول أو المناطق ستقود النمو في المرحلة المقبلة.

وهنا تتجه التدفقات الرأسمالية بوتيرة متسارعة، إذ تتركز الاستثمارات في هذه المجالات تحديدًا، بالتوازي مع تصاعد الاهتمام بها على مستوى الشركات وصنّاع السياسات على حد سواء. فهذا التحول لا يقتصر على كونه توجهًا استثماريًا، بل يُجسّد إجماعًا متزايدًا على أهمية هذه القطاعات في تشكيل المرحلة المقبلة. وهو ما يؤدي إلى ضخ كميات كبيرة من رأس المال في مشروعات مادية على الأرض، تتطلب بنية تحتية واستثمارات كثيفة لتفعيلها.

وإذا أردنا فهم ما تكشفه تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل عملي، فإنها تبيّن كيف يجري بناء هذا العالم الجديد، وأين يتم ذلك فعليًا على الأرض. فهي لا تكتفي برصد حركة الأموال، بل توضح اتجاهها، وما الذي يُبنى بها، وأين تتركز القدرات الجديدة. ولتقريب الصورة، يكفي النظر إلى قطاع التقنيات الخضراء. فانتشار مصانع البطاريات في عدد متزايد من الدول، إلى جانب توسّع إنتاج مكونات الطاقة الشمسية في مناطق مختلفة حول العالم، يُظهر حجم التوسع الجاري في هذه الصناعات. وهذا التوسع لا يقوم على مشاريع بسيطة أو خفيفة، وإنما يعتمد على استثمارات كبيرة تتطلب بنية تحتية متقدمة ورؤوس أموال ضخمة. وبهذا المعنى، تكشف هذه التدفقات أن ما يحدث ليس مجرد نمو تدريجي، بل عملية إعادة تشكيل واسعة لخريطة الصناعة، تتحدد من خلالها مواقع الإنتاج الجديدة، وتُعاد فيها صياغة موازين القوة الاقتصادية.

تتسم هذه الاستثمارات بضخامة غير مسبوقة، فهي ليست صفقات اعتيادية، بل التزامات رأسمالية كبرى تُظهر بوضوح حجم التحول الجاري. وفي هذا الإطار، تقدّم الصين مثالًا لافتًا على إعادة توجيه التدفقات. فمع تراجع الاستثمارات الأجنبية الواردة إليها نتيجة التحديات الاقتصادية التي واجهتها خلال السنوات الأخيرة، بدأت في المقابل بتصدير رأس المال إلى الخارج. ويأتي هذا التحول في إطار سعيها إلى بناء بنية تحتية للتقنيات الخضراء خارج حدودها، تلبيةً لطلب متنامٍ في أسواق متعددة حول العالم، بما يبرز انتقال دورها من وجهة للاستثمار إلى مصدر رئيسي له في قطاعات المستقبل.

وفي سياق التحولات الأوسع في تدفقات الاستثمار، تؤدي صناعة أشباه الموصلات دورًا محوريًا في بناء منظومات إنتاجية متكاملة عالية القيمة، لكنها لا تزال تميل إلى التمركز في نطاقات جغرافية محددة. غير أن هذا النمط يشهد تغيرًا متسارعًا، مع جهود متزايدة لإعادة تشكيل هذه المنظومات في مواقع جديدة. وتبرز ملامح هذا التحول في الإعلانات الضخمة المتعلقة بتوسيع القدرات الإنتاجية داخل الولايات المتحدة، بما يعزز الاتجاه نحو إعادة توزيع هذه الصناعة الحساسة جغرافيًا. ولا تتوقف دلالات هذا التوجه عند الجانب الصناعي فقط، إذ يحمل في طياته أبعادًا استراتيجية أوسع تتصل بالأمن الاقتصادي وإعادة رسم موازين القوة في هذه الصناعة الحيوية.

ويمثل هذا التوجه أحد أبرز محركات المرحلة الحالية، إذ تتشكل ملامح العالم المقبل عبر هذه الاستثمارات بعينها. فخلال العام الأخير تحديدًا، تصدّرت الإعلانات المرتبطة بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي المشهد، مدفوعة بحجمها الاستثماري الضخم، وباختيار مواقعها بناءً على اعتبارات الطلب المتوقع. وهو ما يُرسّخ أن ما نشهده اليوم ليس مجرد توسع في البنية التحتية، بل عملية بناء فعلية لاقتصاد المستقبل، تتجسد من خلال التزامات رأسمالية هائلة تُضخ على نطاق عالمي.

إذا أردنا فهم ما تكشفه تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل عملي، فإنها تبيّن كيف يجري بناء هذا العالم الجديد، وأين يتم ذلك فعليًا على الأرض. فهي لا تكتفي برصد حركة الأموال، بل توضح اتجاهها، وما الذي يُبنى بها، وأين تتركز القدرات الجديدة.

نيك ليونغ

أوروبا أمام اختبار التنافسية

روبرتا فوسارو: "أوليفيا"، إذا نظرنا إلى المشهد من زاوية أكثر اتساعًا، كيف تبدو الصورة في أوروبا؟ وما الذي تشهده القارة في ظل هذه التحولات في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر؟

أوليفيا وايت: تقف أوروبا اليوم في موقع ملتبس إلى حدٍّ ما. فعلى الرغم من نجاحها في جذب قدر معتبر من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فإن حصتها من تلك المتجهة إلى صناعات تشكيل المستقبل تبقى أدنى بكثير مقارنة بأميركا الشمالية. وهذا الفارق يقدّم قراءة أعمق لمستوى التنافسية، إذ تميل التدفقات الرأسمالية بطبيعتها إلى التوجه نحو البيئات التي يُنظر إليها على أنها الأقدر على احتضان هذه الصناعات في المرحلة المقبلة.

كما تكشف التدفقات الاستثمارية الوافدة إلى أوروبا عن تركّز واضح في قطاع الطاقة الخضراء، وهو توجه مهم، إلا أنه لا يكفي لسد فجوة الاحتياجات الاقتصادية للقارة. فالتحدي لا يقتصر على التحول في مجال الطاقة، بل يمتد إلى ضرورة إعادة تنشيط النمو ورفع الإنتاجية في بيئة تنافسية تزداد صعوبة. ولتحقيق ذلك، يتطلب الأمر توسيع نطاق الاستثمار ليشمل مجالات قادرة على إحداث نقلة حقيقية في الكفاءة، وفي مقدمتها التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز مستويات الاستثمار العام عبر الاقتصاد ككل. فتركيز الزخم الاستثماري في قطاع واحد يحدّ من أثره على الأداء الاقتصادي العام. وفي الوقت نفسه، تظهر مفارقة لافتة تتمثل في تراجع نسبي في القدرة التنافسية بالتوازي مع استمرار تدفق الاستثمارات. وهذا التباين يوضح أن حجم التدفقات وحده لا يكفي لإعادة الحيوية الاقتصادية، إذ تبقى استعادة الزخم مشروطة بعوامل أعمق تتعلق بإصلاحات هيكلية حقيقية، وبسياسات وبيئة أعمال أكثر قدرة على تحفيز الاستثمار ودعم النمو المستدام.

ما الذي تكشفه أرقام الاستثمار الأجنبي المباشر؟

روبرتا فوسارو: "نيك"، هل كشفت البيانات عن قطاع بعينه، مثل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي أو أشباه الموصلات أو البطاريات أو الطاقة، يمكن أن يكون له التأثير الأكبر في إعادة تشكيل التجارة العالمية؟

نيك ليونغ: جميع هذه القطاعات التي أشرنا إليها مرشحة لأن يكون لها تأثير كبير، فهي لا تتميز فقط بضخامة الاستثمارات، بل بترابط وثيق فيما بينها. فمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن غيرها، إذ تحتاج إلى مصادر طاقة، لا سيما النظيفة منها لتشغيلها، كما تعتمد على أشباه الموصلات بوصفها البنية الأساسية التي تُمكّنها من العمل. وبذلك يتضح أن التأثير لا يصدر عن قطاع واحد بعينه، بل عن تفاعل منظومة متكاملة تُعيد تشكيل ملامح الاقتصاد والتجارة معًا.

ففي جوهر هذه الاستثمارات، تتقاطع هذه القطاعات وتتكامل ضمن منظومة واحدة، حيث لا يعمل أي منها بمعزل عن الآخر، بل تتضافر جميعها لتشكّل بنية متماسكة تقود هذا التحول.

أوليفيا وايت: عندما نصف هذه القطاعات بأنها كبيرة، فنحن لا نتحدث عن حجم تقليدي، بل عن استثمارات ضخمة وغير مسبوقة ترسم ملامح المستقبل وهي تتشكل الآن. ولتقدير حجم هذا التحول بشكل أدق، يكفي أن ننظر إلى تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عبر مختلف المناطق، ثم نطرح سؤالًا مباشرًا، ماذا تعني هذه التدفقات لمستوى القدرات الإنتاجية في المستقبل؟ وإلى أي مدى ستسهم في توسيعها؟ ومن خلال هذا الربط، تتضح صورة أعمق لاتجاهات الاقتصاد في المرحلة المقبلة.

وفي سياق قراءة أثر هذه التدفقات على القدرات الإنتاجية، تكشف مشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر منذ عام 2022 في قطاع البطاريات عن إمكانات كبيرة لرفع الطاقة الإنتاجية خارج الصين إلى أكثر من أربعة أضعاف. ولا يتوقف هذا الزخم عند قطاع بعينه، وإنما يتجه إلى مجالات أخرى تدعم نمو مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، مع توقعات بمضاعفة قدراتها تقريبًا خارج الولايات المتحدة والصين. وبناءً على ذلك، لا يقتصر ما يجري على زيادة في حجم الإنتاج، إذ يشير إلى تحوّل أوسع في توزيع القدرات على الخريطة العالمية، حيث تتجه مراكز الصناعة والتقنية إلى مواقع جديدة، وتتغير معها ملامح التوازن الاقتصادي.

وامتدادًا لهذه المؤشرات، تُظهر الأرقام طفرات استثمارية غير مسبوقة في مواقع محددة. ففي قطاع أشباه الموصلات، ولا سيما الشرائح المتقدمة، تتجه تدفقات رأسمالية ضخمة نحو الولايات المتحدة، في مسار يعيد صياغة موازين الريادة ويفتح المجال أمامها للدخول بقوة إلى قائمة المنتجين المتقدمين. ولا تقتصر أهمية هذه التحركات على حجمها، بل على طبيعة التحول الذي تقوده، مدعومة بقطاع الطاقة المرتبط بها. ومع هذا التصاعد، لم تعد المسألة زيادات تدريجية في حدود 10% أو 20%، وإنما قفزات تصل إلى 200% وإلى 400%، في تحول هيكلي يعيد تشكيل المشهد الصناعي والتقني من جذوره.

الاستثمار الأجنبي المباشر من التدفقات العالمية إلى الأثر المحلي

روبرتا فوسارو: يبرز عامل الموقع هنا بوصفه عنصرًا حاسمًا في تفسير اتجاهات الاستثمار، إذ تكشف النتائج عن صعود واضح للولايات المتحدة كأحد أبرز المستفيدين من التحولات الأخيرة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. في المقابل، تميل الصين بشكل متزايد إلى ترسيخ موقعها كمصدر لهذه الاستثمارات في الخارج في تحولٍ يُعيد رسم توزيع الأدوار داخل المشهد الاستثماري العالمي. فكيف يمكن قراءة هذا التحول في موازين التدفقات؟ وما الذي يعنيه ذلك عمليًا للرؤساء التنفيذيين وهم يعيدون تقييم استراتيجياتهم في ضوء هذه الاتجاهات المتغيرة؟

أوليفيا وايت: لا تنطوي هذه الأرقام على قدر كبير من التعقيد بقدر ما تكشف عن اتجاهٍ واضح. ففي حالة الولايات المتحدة، لا تزال ملامح الدور المقبل قيد التشكل، كما تظل تساؤلات إعادة تموضع الشركات متعددة الجنسيات مطروحة بقوة في ضوء هذا الدور. ومع ذلك، يظل المؤشر الأبرز هو الارتفاع الملحوظ في حجم الاستثمارات المعلنة والمتجهة إلى السوق الأمريكية، بما يُبرز تحولًا صريحًا في وجهة رأس المال.

وعند النظر بشكل أدق إلى توزيع هذه الاستثمارات، يتجلى هذا الارتفاع بوضوح أكبر في قطاع تصنيع أشباه الموصلات، إلى جانب عدد من مجالات التصنيع المتقدم على نطاق أوسع. في حين لا يظهر الزخم نفسه في تدفقات الاستثمار الأجنبي الموجهة إلى إنشاء مراكز البيانات داخل الولايات المتحدة، ويعود ذلك إلى أن الشركات التقنية الكبرى التي تقود الاستثمار في بنية الذكاء الاصطناعي هي في الأساس شركات أمريكية. ويكشف هذا التباين عن اختلاف في طبيعة التدفقات بين القطاعات، إذ تتصدر بعض المجالات كوجهة رئيسية لرأس المال الخارجي، بينما تعتمد مجالات أخرى بدرجة أكبر على استثمارات محلية تقودها شركاتها الوطنية.

واستكمالًا لهذه الصورة، تُظهر السياسات الأمريكية توجهًا صريحًا نحو إعادة بناء القاعدة التصنيعية، خصوصًا في القطاعات ذات الأهمية الاستراتيجية. وقد جرى تفعيل هذا التوجه عبر حزمة من الحوافز والأدوات التي تستهدف استقطاب الاستثمارات، في مسار لم يعد نظريًا. وفي المحصلة، تشير المؤشرات إلى انتقال هذه الجهود من مستوى الإعلان إلى حيز التنفيذ، مع تقدم مشروعات فعلية على الأرض. ما يعني أن إعادة ترسيخ القاعدة الصناعية لم تعد مجرد نوايا سياسية، بل أصبحت مسارًا عمليًا يتشكل تدريجيًا.

وفي ضوء ذلك، تجد الشركات نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم موقعها داخل السوق الأمريكية، وتحديد الدور الذي تسعى إلى ترسيخه، وما إذا كان يتطلب توسيع حضورها التصنيعي على الأرض. غير أن هذا المسار لا يخلو من التعقيد؛ إذ تحيط به عوامل متعددة قد تعرقل تقدمه، ما يفرض قراءة أكثر حذرًا للفرص وبناء قرارات تستند إلى تقدير دقيق للمخاطر.

وفي الواقع، لا تُنفَّذ هذه التحولات بسهولة، خصوصًا في البيئات التي تآكلت فيها القدرات أو لم تتشكل أصلًا. فبناء قاعدة إنتاجية جديدة لا يقتصر على ضخ الاستثمارات، بل يتطلب تأسيسًا حقيقيًا لرأس المال البشري وتطويرًا منهجيًا للمهارات على مختلف المستويات. ولا يتعلق الأمر بالكفاءات المتقدمة وحدها، وإنما يمتد إلى المهارات الحرفية الدقيقة، مثل أعمال اللحام وغيرها من الحرف التي تقوم عليها العمليات الصناعية. ما يعني أن إعادة بناء القدرات ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي منظومة متكاملة من المهارات، تشكل مجتمعة الأساس الفعلي لخلق القيمة داخل السوق.

نيك ليونغ: تعزّز التدفقات المتزايدة لرؤوس الأموال إلى السوق الأمريكية قناعة مستقرة لدى المستثمرين بقدرتها على تحقيق عوائد تتفوق، على المدى الطويل، على نظيراتها في الأسواق الأخرى. هذه القناعة لا تفسر فقط استمرار جاذبية الولايات المتحدة كوجهة استثمارية، بل تعزز موقعها كرهان ممتد على توليد قيمة أعلى مقارنة بغيرها عالميًا.

وقد تجلّى هذا المسار في اتساع فجوة النمو الاقتصادي، حيث تقدم أداء الاقتصاد الأمريكي بفارق واضح عن كل من اليابان وأوروبا، بعد مراحل من تقارب نسبي. ولم يعد هذا التباين عابرًا، بل بات يُشير إلى تحوّلٍ أعمق في موازين الأداء بين هذه الاقتصادات. في صلب هذا التحول يبرز عامل العوائد بوصفه المحرك الأساسي، إذ يتجه رأس المال نحو الأسواق التي تثبت قدرتها على تحقيق نتائج أعلى وأكثر استدامة. وفي المقابل، يتعزز إدراك متزايد بأن العوائد في الصين، خصوصًا خلال السنوات الأخيرة، لم تعد بالزخم أو الوضوح اللذين ميّزاها سابقًا، ما يعيد توجيه بوصلة التدفقات الاستثمارية عالميًا.

وفي هذا الإطار، خضعت جاذبية العوائد الاستثمارية لإعادة تقييم أعمق، دفعت بمزيد من رؤوس الأموال والالتزامات نحو السوق الأمريكية، لا كخيار تكتيكي عابر، بل كتحول يعكس قراءة مختلفة لمصادر القيمة على المدى الطويل. هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن التحولات الأوسع في البيئة الاقتصادية، وإنما ارتبط بإدراك متزايد لمزايا السوق وقدرته على توليد عوائد مستقرة نسبيًا. ولا يقتصر هذا التوجه على أثر السياسات، رغم أهميتها، بل يستند أيضًا إلى منطق اقتصادي واضح يمنح المستثمرين أساسًا مقنعًا لقراراتهم. وعندما تتجه السياسات الاقتصادية والحوافز الحكومية في المسار نفسه الذي تدعمه مؤشرات السوق وأسس الربحية، تتعزز ثقة المستثمرين بشكل أكبر. فالتوافق بين ما تدفع إليه السياسات وما تبرره الحسابات الاقتصادية يخلق بيئة أكثر وضوحًا واستقرارًا، وهو ما يشجع على زيادة تدفق الاستثمارات ويجعل جاذبية السوق الأمريكية أكثر رسوخًا على المدى الطويل.

الخطوات التالية

روبرتا فوسارو: إذا كانت الدول والشركات تسعى إلى تعظيم الاستفادة من الاستثمار الأجنبي المباشر، فإن ذلك يرتبط بامتلاك مجموعة من القدرات الأساسية. فهل أظهرت نتائج البحث ممارسات ناجحة يمكن البناء عليها؟ وما الذي يمكن اعتباره إطارًا عمليًا لتوظيف هذه التدفقات بكفاءة؟

أوليفيا وايت: تُظهر النتائج أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، عندما تبلغ حجمًا معتبرًا، ترتبط بنمو القطاع المعني في نحو 60 في المائة من الحالات. وهي نسبة تعكس فرصة واضحة، لكنها تظل بعيدة عن أن تكون ضمانًا تلقائيًا لتحقيق النمو. هذا التفاوت يطرح سؤالًا جوهريًا حول الفارق بين التجارب التي نجحت في تحويل هذه التدفقات إلى أثر اقتصادي ملموس، وتلك التي لم تتجاوز حدود الأثر المحدود. وفي الحقيقة، الإجابة تتمحور حول عنصر حاسم يتمثل في منظومة رأس المال البشري. فحين تتوافر كوادر قادرة على استيعاب التكنولوجيا وتطبيقها بكفاءة، مدعومة بمهارات متخصصة تدعم العمليات التشغيلية داخل المصانع وعبر سلاسل التوريد، ترتفع احتمالات ترجمة الاستثمار إلى نمو فعلي ومستدام. وبخلاف ذلك، يبقى رأس المال، مهما تضخم حجمه، عاجزًا عن تحقيق أثره الكامل ما لم يجد قاعدة بشرية قادرة على تحويله إلى قيمة إنتاجية حقيقية.

أما العامل الثاني، فتمثل في توازي تدفقات الاستثمار الأجنبي مع استثمارات محلية بدأت تتراكم بدورها، بما يعزز الزخم ويعمّق الأثر داخل الاقتصاد. في حين ارتبط العامل الثالث بقدرة هذه الصناعات على الاندماج في سلاسل الإمداد العالمية، بحيث لا تظل محصورة في تلبية الطلب المحلي أو الإقليمي الضيق، بل تنفتح على أسواق أوسع وتبدأ في المنافسة على نطاق عالمي. وهو ما يُرسّخ أن نجاح الاستثمار لا يتوقف عند حجمه، وإنما يتحدد بقدرته على توليد منظومة متكاملة تجمع بين رأس المال المحلي والدولي، وترتبط في الوقت نفسه بشبكات الإنتاج والتجارة العالمية.

نيك ليونغ: يبدو أن كثيرين يشعرون اليوم بأن مستوى عدم الاستقرار أصبح أعلى مقارنة بما كان عليه قبل بضع سنوات، لا سيما في ظل تغير عدد من المعطيات الأساسية التي كانت أكثر استقرارًا سابقًا. ويتجلى ذلك في التحولات الأخيرة، مثل تغييرات الرسوم الجمركية وإعادة الاصطفاف الجيوسياسي واحتمالات استمرار هذه التحولات في المستقبل. وهذا يفرض واقعًا أكثر تعقيدًا، يتطلب قراءة مستمرة لمتغيراته بدل الاعتماد على افتراضات ثابتة.

ومن هنا يبرز السؤال: لماذا تسارعت هذه القفزة نحو صناعات تشكيل المستقبل؟ الواقع أن طبيعة هذه الصناعات لا تحتمل التأجيل. ففي مجالات مثل أشباه الموصلات، تتغير المعطيات بوتيرة متسارعة، بحيث قد تبدو القرارات المؤجلة خارج السياق خلال سنوات قليلة. وعليه، لا يعود التريث خيارًا آمنًا، بل قد يتحول إلى مخاطرة بحد ذاته. فالتأخر في التحرك اليوم قد يعني ببساطة فقدان الموقع غدًا، في سباق تتحدد ملامحه بسرعة غير مسبوقة.

روبرتا فوسارو: في المحصلة، ما أبرز رسالتين أو ثلاث ينبغي على الرؤساء التنفيذيين استخلاصها من هذا التقرير حول الاستثمار الأجنبي المباشر؟

أوليفيا وايت: ما يجري اليوم يتجاوز كونه تحولات ظرفية؛ إنه مسار يعيد تشكيل قواعد المنافسة والخريطة الجيو-اقتصادية للمستقبل، بما يجعل الانتظار خيارًا مكلفًا لا ينسجم مع طبيعة المرحلة. فالتغيرات الجارية تفرض تحركًا استباقيًا، لا الاكتفاء بترقب مآلاتها. في موازاة ذلك، تبرز صناعات لا تحتمل مقاربات تدريجية أو تجريبية، لأنها تتطلب دخولًا واسع النطاق منذ البداية، حيث يصبح الحجم شرطًا أساسيًا للقدرة على المنافسة، وإن اختلفت معاييره من سوق إلى أخرى. كما تظل موارد الطاقة عنصرًا محوريًا في معادلة الاستثمار، في تأكيد على أن الأسس التقليدية للاستثمار الأجنبي المباشر لم تتراجع، بل تستمر فاعلة إلى جانب التحولات الجديدة.

ما يجري اليوم يتجاوز كونه تحولات ظرفية؛ إنه مسار يعيد تشكيل قواعد المنافسة والخريطة الجيو-اقتصادية للمستقبل، بما يجعل الانتظار خيارًا مكلفًا لا ينسجم مع طبيعة المرحلة. فالتغيرات الجارية تفرض تحركًا استباقيًا، لا الاكتفاء بترقب مآلاتها.

أوليفيا وايت

روبرتا فوسارو: "نيك"، هل لديك رسالة ختامية أو خلاصة توجهها للقادة في ضوء هذه التحولات؟

نيك ليونغ: يكمن التحدي الحقيقي أمام صُنّاع القرار في أن الافتراضات التي بُنيت عليها قراراتهم لم تعد قادرة على تفسير الواقع كما كانت في السابق. فالتغير لا يقتصر على المشهد الاقتصادي نفسه، بل يشمل طريقة قراءته وفهم آليات تحرّكه والعوامل التي تدفعه في ظل تحولات متسارعة تعيد ترتيب الأولويات وتغيّر مصادر القوة. ولهذا، لم يعد تحديث البيانات أو تعديل التقديرات ضمن الأطر نفسها كافيًا، وإنما يفرض الواقع مراجعة المنهج الذي تُفهم من خلاله هذه المعطيات، أي إعادة النظر بشكل أعمق في الافتراضات التي قامت عليها قرارات العقد الماضي، والتي لم تعد تعبّر بدقة عن تعقيدات المرحلة الحالية ولا عن اتجاهاتها المتغيرة.

Explore a career with us