خارطة طريق نحو أفضل أداء مالي في قطاع مواد البناء

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

مفاتيح التفوق

  • جودة التنفيذ أهم من الرهان على السوق: تُظهر البيانات أن الفجوة في العائد على رأس المال المستثمر داخل القطاع الواحد باتت أكبر من تلك الموجودة بين قطاعات الصناعة المختلفة؛ لذا فإن العائد الإجمالي للمساهمين يتحدد وفق النموذج التشغيلي الذي تتبعه الشركة وكيفية توظيف رأس مالها، وليس وفقًا للسوق النهائي الذي تستهدفه.
  • تغيّر مفهوم الحجم: لم يعد التفوّق مرتبطًا بعدد المصانع أو اتساع الطاقة الإنتاجية وحدهما، بل أصبح قائمًا على كفاءة المشتريات وتقنيات التسعير. فالشركات التي تمتلك رؤيةً أوضح لبياناتها، وتُقدّم عروض أسعار بسرعة عبر المنصّات الرقمية، إلى جانب تبنّيها مفهوم التسعير الديناميكي، هي الأقدر على تحويل "الحجم" إلى أفضليةٍ حقيقية.
  • الأثر الجغرافي على النتائج: عادةً ما تحقق الشركات التي تتمتع بحضورٍ قوي في أمريكا الشمالية عوائد أعلى للمساهمين. أما في أوروبا، فغالبًا ما يتراجع الأداء عندما تكون الشركات أقل من الحجم الذي يمنحها كفاءةً تشغيلية، أو تعمل في سوقٍ شديد التشتت. ومع ذلك، لا تزال بعض الشركات الأوروبية المتميزة تُسجّل أداءً لافتًا.

خلال العِقد الماضي، واجهت صناعة مواد البناء موجةً من التحديات التي زادت من عدم اليقين؛ فقد غيّرت جائحة "كوفيد-19" بصورةٍ جذرية العلاقة بين العرض والطلب على المدى القصير، بينما استمرت اضطرابات سلاسل الإمداد، ونقص العمالة، والتقلبات الحادّة في أسعار المواد الخام مما أدى إلى إرباك القطاع والضغط على وتيرة الأداء.1

وبرغم هذه الاضطرابات، نجحت بعض الشركات في التفوق على غيرها خلال العشر سنوات الماضية. وبينما تُعد ماكنزي دراساتٍ مرتقبة لفهم الاتجاهات الراهنة داخل القطاع والسمات التي تحدد الشركات الأقدر على النجاح خلال العِقد المقبل، تعرض هذه المقالة بياناتٍ جديدة للإجابة عن سؤالين حاسمين هما: كيف تَطوّر الأداء المالي لصناعة مواد البناء منذ عام 2015؟ وما هي عوامل نجاح الشركات ذات الأداء المتميّز خلال تلك الفترة؟

وقد كشف تحليلنا، الذي يركز على الأداء المالي لــ 102 شركةٍ مدرجةٍ في أسواق المال في كلٍ من أمريكا الشمالية وأوروبا خلال الفترة ما من 2015 وحتى 2024، أن صناعة مواد البناء ككل حققت أداءً قويًّا؛ حيث ظلّ العائد الذي حصل عليه المستثمرون مرتفعًا عند قياسه بمؤشر العائد الإجمالي للمساهمين، مع تحقيق معدل نموٍ سنويٍ مركّب يتراوح بين 12 إلى 13 في المائة خلال هذه الفترة. ولعلّ السبب الأساسي في هذا الأداء هو زيادة عدد مشاريع البناء الجديدة وأعمال التجديد والترميم، إلى جانب ارتفاع الأسعار الذي أعقب اضطرابات سلاسل الإمداد التي شهدها عام 2021.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

كما أظهرت نتائج تحليل البيانات حقيقتين جوهريتين: الأولى أن الفوارق في الأداء بين الشركات داخل القطاع الواحد تتجاوز الفوارق بين القطاعات المختلفة بشكلٍ ملحوظ، مما يعني أن النجاح المالي لا يرتبط بنوعية ما تبيعه الشركة بقدر ما يرتبط بنموذج التشغيل المُتّبع وكيفية توجيه رأس المال. فصناعة مواد البناء تضم آلاف الفئات من المنتجات، بدءًا من المواد الخام وصولًا إلى المنتجات النهائية وما بينهما، ولمزيدٍ من التفاصيل حول منهجيتنا في رصد الفروق الدقيقة في الأداء المالي بين الفئات، يُرجى الاطّلاع على العمود الجانبيّ بعنوان: "منهجية البحث ونظرةٌ عامة على القطاعات". وعلى سبيل المثال، نجد في كل قطاعٍ من قطاعات "المواد الخفيفة" شركةٌ واحدةٌ على الأقل تحقق عائدًا على رأس المال المستثمر أعلى بنحو عشر نقاطٍ مئوية من متوسط منافسيها. أما الحقيقة الثانية، فهي اتّساع الفجوة في الأداء بين الشركات بمرور الوقت؛ فخلال العِقد الماضي تحسّن العائد على رأس المال المستثمر لدى شركات الربع الأعلى التي تصدّرت الترتيب من حيث العائد الإجمالي للمساهمين، بينما واصلت شركات الربع الأدنى، التي حلّت في ذيل الترتيب، التراجع على المؤشر نفسه. وتضم مجموعة الربع الأعلى شركاتٌ من تسع فئاتٍ فرعية من أصل عشر (تسع فئات من "المواد الخفيفة" إضافةً إلى "المواد الثقيلة")، وهو ما يؤكد أن القدرة على الارتقاء بالأداء التشغيلي وحسن توجيه رأس المال تظل هي العامل الفارق بين مسارٍ يصعد بثباتٍ وآخرٌ يتراجع.

ومن النتائج اللافتة أيضًا ما شهده مفهوم أفضلية الحجم من تحوّل؛ إذ لم تعد الميزة التنافسية تُقاس بامتلاك مصانع أكبر أو طاقةٍ إنتاجيةٍ أعلى فقط. فبحسب ما تُظهره نتائج البحث، باتت الشركات الرائدة تُحسن توظيف حجمها بطرقٍ أكثر ذكاءً عبر قوةٍ تفاوضيةٍ أكبر مع المورّدين، ورؤيةٍ أدق للبيانات وقدرةٍ أفضل على تحليلها، وتطبيق أنظمة تسعيرٍ أكثر انضباطًا ودقة. وبعبارةٍ أخرى، أصبح التفوق مرتبطًا أكثر بـ"كيف تُنافس" لا بمجرد "أين تُنافس".

وتُسهم هذه العوامل مجتمعةً في تفسير أسباب نجاح بعض الشركات في مضاعفة العائد الإجمالي للمساهمين على نحوٍ تراكمي، حتى وإن كانت تعمل في القطاع ذاته الذي تعمل فيه شركاتٌ أخرى أقل نجاحًا. وتُسهم هذه العوامل مجتمعةً في تفسير كيف نجحت بعض الشركات في مضاعفة العائد الإجمالي للمساهمين بصورةٍ تراكمية، رغم عملها في المجال نفسه الذي تنشط فيه شركاتٌ أخرى أقل نجاحًا. كما يُظهر تحليلنا أن أكثر المؤشرات قدرةً على التنبؤ بوصول الشركة إلى قائمة الربع الأعلى أداءً تتمحور حول حجم الشركة مدعومًا بنشاط الاندماج والاستحواذ، ومدى تركيزها على فئاتٍ محددةٍ من المنتجات، إلى جانب كفاءة التوزيع الجغرافي لإيراداتها. ونختتم المقالة باستعراض قصص نجاح ثلاث شركاتٍ استطاعت رفع كفاءتها المالية عبر دمج هذه العوامل بما يتلاءم مع ظروفها الخاصة.

فهم الأداء المالي لقطاع مواد البناء

رغم الأداء القوي الذي حققه قطاع مواد البناء في العِقد الأخير، إلا أن الصورة الكلية تُخفي وراءها تفاوتًا ملحوظًا في النتائج؛ حيث يختلف مستوى الأداء من شركةٍ إلى أخرى أكثر مما يختلف من قطاعٍ إلى آخر.

اتساع فجوة الأداء بين الشركات

في الوقت الذي سجّل فيه قطاع مواد البناء عوائد قوية على نحوٍ إجمالي خلال العِقد الماضي، لم يكن أداء الشركات متقارباً؛ فقد رصد تحليل ماكنزي داخل كل قطاعٍ فرعي تفاوتًا واسعًا في العائد على رأس المال المستثمر، وغالبًا ما تجاوز الفارق بين شركات الربع الأعلى والربع الأدنى 20 نقطةٍ مئوية "الشكل1". كما تشير النتائج إلى أن الفجوة داخل القطاع الفرعي الواحد تفوق في معظم الحالات الفروق بين القطاعات المختلفة؛ بما يؤكد أن العامل الحاسم ليس في نوع المنتج الذي تبيعه الشركة، وإنما في طريقة إدارتها وتشغيلها، بما في ذلك: حوكمة التسعير، وكفاءة مصروفات البيع والمصروفات العامة والإدارية، والانضباط في إدارة رأس المال العامل والسيولة، بالإضافة إلى اختيار التوقيت المناسب لإعادة ضخّ الاستثمارات. وتُظهر البيانات أن هذه الفجوات اتسعت على مدار العِقد الماضي عبر مجموعةٍ متنوعةٍ من مؤشرات الأداء:

  • العائد على رأس المال المستثمر: حقّقت شركات الربع الأعلى قفزةً أوضح في العائد على رأس المال المستثمر مقارنةً بشركات الربع الأدنى خلال الفترة بين عامي 2015 إلى 2024، وذلك بفارقٍ بلغ نحو 16 نقطة مئوية؛ "إذ سجّلت الأولى تحسّنًا بنسبة 12 في المائة بينما تراجع أداء الربع الأدنى إلى 4 في المائة".
  • نمو الإيرادات: تُظهر النتائج أن شركات الربع الأعلى حققت نموًا في الإيرادات بمعدل نموٍ سنويٍ مركّب يفوق متوسط الشركات العاملة في القطاع الفرعي ذاته بنقطةٍ مئويةٍ واحدة، ويتجاوز شركات الربع الأدنى بخمس نقاطٍ مئوية.
  • هامش الربح: سجّلت شركات الربع الأعلى هامش ربحٍ يفوق نظيراتها في الربع الأدنى بنحو 6.2 نقطةٍ مئوية، حيث حقّقت شركات الربع الأعلى زيادةً سنوية في هوامش الربح بنسبةٍ بلغت 3.5 في المائة، في حين سجّلت شركات الربع الأدنى تراجعًا سنويًا بنسبة 2.7 في المائة.

تبايناتٌ طفيفة في أداء الشركات العاملة بقطاعي "المواد الثقيلة" و"المواد الخفيفة"

بوجهٍ عام، لم تكن الفوارق في الأداء المالي بين شركات قطاعَي المواد الثقيلة والمواد الخفيفة كبيرة؛ إذ حقّقت شركات مواد البناء المُدرجة في أسواق المال متوسط نموٍ سنويٍ للإيرادات بنحو 6 في المائة خلال الفترة من 2015 إلى 2022. غير أن الإيرادات بدأت تتباين بين القطاعين خلال الفترة من 2022 إلى 2024؛ إذ أسهم ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة تكاليف البناء في انخفاض متوسط إيرادات شركات المواد الخفيفة بشكلٍ طفيف، بينما واصلت إيرادات شركات المواد الثقيلة الارتفاع، وهي عواملٌ تؤثر بدرجةٍ أكبر على شركات المواد الخفيفة، في ظل استقرار التمويل العام لمشروعات البنية التحتية الثقيلة.

كما يتكرر المشهد ذاته على صعيد العائد على رأس المال المستثمر؛ فقد سجّل العائد لدى شركات المواد الخفيفة خلال الفترة من 2022 إلى 2024 تراجعًا بمقدار 4 نقاطٍ مئوية، لينخفض من 24 في المائة إلى 20 في المائة، بينما ارتفع لدى شركات المواد الثقيلة من 12 في المائة إلى 14 في المائة، بمقدار نقطتين مئويتين. "وسنناقش في مقالتنا القادمة من هذه السلسة كيف تؤثر التوجهات العالمية الخارجية على خلق القيمة في هذا القطاع".

وعند النظر إلى القطاعات الفرعية العشرة جميعها، يتضح بوضوح حجم التفاوت في الأداء داخل القطاع الواحد؛ ففي تسعة قطاعاتٍ من أصل عشرة، تظهر شركاتٌ ضمن الربع الأعلى إلى جانب شركاتٍ ضمن الربع الأدنى، مع اختلاف الحصص النسبية من قطاعٍ فرعي إلى آخر "الشكل 2".

ويشير ذلك إلى أن الفوارق في الأداء المالي بين القطاعات الفرعية المختلفة تعد ضئيلة جدًا إذا ما قورنت بالفوارق داخل القطاع الواحد. فغالبًا ما يتجاوز الفارق في العائد على رأس المال المستثمر داخل القطاع نفسه حاجز الـ 20 نقطة مئوية عند قياسه بنطاق ما بين الرُّبعين، أي الفارق بين الحد الأدنى للربع الأول والحد الأعلى للربع الرابع "الشكل 3".

عوامل نجاح الشركات الرائدة

تشير القراءة المتأنية لنتائج السنوات الأخيرة إلى أن نوع القطاع الفرعي الذي تعمل فيه شركات مواد البناء لم يعد المؤشر الحاسم للتنبؤ بنجاحها المالي؛ إذ لم يعد كافيًا مجرد الانتماء لنشاطٍ معين لضمان التفوق. فبدلًا من اتباع نموذجٍ استراتيجيٍ موحد، رسمت الشركات الأفضل أداءً مساراتٍ متنوعة للوصول إلى الصدارة؛ فبينما اتجهت بعضها نحو تعزيز نمو الإيرادات لفرض سيطرتها على السوق، منحت شركاتٌ أخرى الأولوية القصوى لتوسيع هوامش الربح عبر تحقيق أقصى عائدٍ ممكن من كل عملية بيع. وبالتعمق في مسار الشركات التي استهدفت تعزيز الربحية، نجد أنها انقسمت إلى مدرستين تنفيذيتين مختلفتين تماماً؛ الأولى تعتمد على بناء علامةٍ تجاريةٍ مميزة تتيح تحقيق عائدٍ إجماليٍ مرتفع، في حين عوّضت شركاتٌ أخرى، تعمل بمحافظ أكثر سلعية وهوامش إجمالية أقل، ذلك عبر ضبطٍ أدق لهياكل مصروفات البيع والمصروفات العامة والإدارية، بما ضمن لها مستوياتٍ قوية من الربحية قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك.

ورغم تنوع هذه المسارات، تبرز سمة مشتركة لدى الشركات المتفوّقة تتمثل في قدرتها على استثمار نقاط قوتها بقدرٍ عالٍ من الانضباط والاستمرارية، وتحويل الخطط إلى نتائج ملموسة. ووفقًا لخبرتنا، يستند هذا التفوق التنفيذي عادةً إلى ثلاثة مرتكزات: تخصيصٍ فعّال لرأس المال، وانضباطٍ تشغيليٍ صارم، وممارساتٍ إداريةٍ حديثة. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا: هل توجد مقوماتٌ مشتركة أخرى للنجاح تتجاوز وضوح الاستراتيجية وقوة التنفيذ؟

وللإجابة على هذا التساؤل، قمنا بتحليل العوامل المؤثرة في تباين نتائج العائد الإجمالي للمساهمين بين الشركات، وربطناها بثلاثة محاور رئيسية: حجم أعمال الشركة وكثافة نشاطها في الاندماج والاستحواذ، ودرجة تركيزها في فئاتٍ محددة من المنتجات، وتوزيع إيراداتها جغرافيًا. وأظهرت النتائج أن الحجم، لا سيما عند دعمه باستحواذاتٍ صغيرة ٍمكملة وقريبة من النشاط الأساسي يرتبط بشكلٍ وثيق بتحسّنٍ مستدام في العائد على رأس المال المستثمر. وفي المقابل، يسهم تركّز المنتجات في تعزيز هامش الربح الإجمالي بما يساعد الشركة في الشركة على الحفاظ على مستويات الربحية حتى في فترات الضغط، بينما يساعد التوزيع الجغرافي للإيرادات على تقليل تأرجح النتائج مع صعود السوق وهبوطه، ويعزّز قدرة الشركة على تسعير منتجاتها بثبات أكبر. وفي الوقت نفسه، يخفف من تقلبات الأداء؛ فإذا تراجع الطلب في سوقٍ ما، قد يعوّضه تحسّنٌ في سوقٍ آخر. ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه النتائج بوصفها مؤشراتٍ عملية تحدد ترشد إلى "أين نبحث" عند توجيه الاستثمار وتخصيص رأس المال، فهي ليست قواعد حتمية؛ كما أن التقييم ليس شاملًا، حيث اقتصر على العوامل التي توافرت لها بياناتٌ كميةٌ متسقة وقابلةٌ للمقارنة.

حجم أعمال الشركة ونشاطها في الاندماج والاستحواذ

كشفت البيانات أن الشركات الأكبر حجمًا، والتي تتخطى إيراداتها 5 مليارات دولار سنويًا، كانت الأعلى ربحيةً خلال عام 2024؛ إذ شكّلت هذه الفئة وحدها 50 في المائة من شركات الربع الأعلى، كما هو موضح في "الشكل 4". وبوجهٍ عام، حققت الشركات الكبيرة التي تتجاوز إيراداتها مليار دولار سنويًا نموًا أسرع في الإيرادات، وارتفاعًا أكبر في العائد على رأس المال المستثمر، مقارنةً بنظيراتها الأصغر حجمًا.

ومن وجهة نظر المستثمرين، لا تأتي ميزة "الحجم" من كِبر الشركة وحده، بل من ثلاث آلياتٍ تُحوِّله إلى تدفقاتٍ نقدية أقوى: أولًا، قوة التفاوض الشرائي وتحسين شبكات النقل والخدمات اللوجستية، مما يعزّز هوامش الربح الإجمالية. ثانيًا، التميّز التجاري والقدرة على ضبط الأسعار بذكاء، عبر أدواتٍ مثل التسعير الرقمي، ووضع حدودٍ واضحةٍ للتسعير، وإدارة تشكيلة المنتجات. ثالثًا، خفض مصروفات البيع والمصروفات العامة والإدارية كنسبةٍ من المبيعات، وهو عاملٌ شديد الأهمية في قطاع مواد البناء نظرًا لتعدد الأطراف المؤثرة فيه، من المقاولين والمهندسين المعماريين والموزعين إلى المستهلكين وغيرهم. وفي المقابل، لا تتحول كثافة نشاط الاندماج والاستحواذ إلى قيمةٍ مضافةٍ إلا إذا اقترنت بصرامةٍ بالغة في إدارة العوائد؛ مثل تحديد حدٍّ أدنى للعائد قبل إتمام الصفقة، وتسريع جني المنافع بعدها "عبر دمج القوة الشرائية للحصول على أسعارٍ أفضل من الموردين، أو تنظيم وتوحيد أصناف المنتجات المتشابهة لتقليل الهدر"، إضافةً إلى تفعيل دور مراكز التميّز؛ وهي فرقٌ متخصصةٌ تضمن نقل أفضل الخبرات والممارسات الفنية والإدارية إلى الشركات الجديدة، بما يدعم كفاءة الأداء بعد إتمام الصفقات. وقد أكدت تحليلاتنا أن الشركات الأقوى أداءً هي التي عرفت كيف توازن بين الاستمرار في النمو عبر إبرام صفقات استحواذٍ متوسطة إلى مرتفعة بوتيرةٍ نشطة، وبين حوكمةٍ دقيقةٍ لسياسات إعادة الاستثمار. في حين تراجع أداء الشركات التي اعتادت على إتمام عمليات الاستحواذ دون إدارةٍ محكمةٍ لما بعد الصفقة، رغم إنفاقها مبالغ ضخمة لا تقل عما أنفقته الشركات الناجحة.

وبما أن صفقات الاندماج والاستحواذ تُمكّن الشركات من النمو والتوسّع بشكلٍ أسرع، فقد أظهر تحليلنا أن وجود استراتيجيةٍ واضحةٍ لإدارة هذه الصفقات يُعدّ أحد عوامل النجاح في قطاع مواد البناء "الشكل 5". فقد أظهرت البيانات أن الشركات الأكثر نشاطاً والتي أتمّت أكثر من 18 صفقة استحواذٍ أو اندماج خلال الفترة من 2015 وحتى 2024 حققت في المتوسط عائدًا إجماليًا للمساهمين بلغ 13 في المائة، وهو أعلى بنحو 3 إلى 5 نقاطٍ مئوية مقارنةً بالشركات التي نفّذت عددًا أقل من الصفقات.

وبالطبع، لا يمكن افتراض أن كل صفقة اندماجٍ أو استحواذٍ ستنعكس تلقائيًا على الأداء المالي، سواء بالسلب أو الإيجاب؛ وإنما يتوقف أثرها على مجموعةٍ من العوامل المرتبطة بسياق كل حالة. ومن واقع خبرتنا، فإن هذه الصفقات تحقق نتائج مالية أقوى في قطاع مواد البناء عندما تُركز على تحسين الموقف التنافسي والاندماج الاستراتيجي الفعال. فعلى سبيل المثال، قد يكون التحرك بخطةٍ استباقيةٍ مدروسة لشراء شركاتٍ داخل القطاع نفسه، أو في مجالاتٍ أخرى مرتبطةٍ به، خيارًا ذكيًا وناجحًا؛ كأن يشتري أحد الموزّعين شركةً متخصصةً في البناء الخشبي لتطوير أعماله على سبيل المثال. وغالبًا ما تحقق هذه الصفقات أفضل نتائجها عندما تدعم خطة الشركة للتوسع والنمو بجهودها الذاتية، بينما تقل فرص نجاحها إذا كانت مجرد خطوةً اضطراريةً لحماية الشركة من تقلبات السوق، حتى لو كان الغرض منها فقط ضمان توافر المواد الأولية بانتظام.

إلى جانب ذلك، تظل طريقة "تخصيص واستثمار رؤوس الأموال" هي الفارق الجوهري الذي ميز شركات الربع الأعلى عن غيرها. فقد أظهرت البيانات أن الشركات الناجحة عرفت كيف تستغل سيولتها النقدية عبر مزيج متوازن يشمل: صفقات استحواذٍ تكميلية ومحددة، ومشاريع داخلية لتطوير أعمالها الحالية بما يحقق لها عوائد مرتفعة، مثل زيادة الطاقة الإنتاجية أو الاعتماد على الأنظمة الذكية، بالإضافة إلى الالتزام بتوزيع الأرباح على المساهمين عندما ينخفض العائد الإضافي على رأس المال المستثمر إلى ما دون الحدود المقررة سلفًا. في المقابل، تميل شركات الربع الأدنى إلى زيادة حجم المبيعات على حساب الجودة، سواء عبر التوسع في مجالات وأسواق متعددة لا ترتبط بنشاطها الأساسي ولا تستند إلى منطقٍ استراتيجيٍ واضح، أو عبر المبالغة في دفع قيمة أصولٍ لا تمنح الشركة مزايا واضحة في المشتريات ولا تضيف تكاملًا فعّالًا في قنوات التوزيع. لذلك، ينبغي على المستثمرين مراقبة ثلاثة مؤشراتٍ رئيسية تساعدهم مبكرًا على تقييم جودة قرارات تخصيص رأس المال وقدرة الشركة على تحويل الصفقات إلى قيمةٍ حقيقية، وهي: وجود إطاٍر مُعلن لحدود الدنيا للعوائد المطلوبة قبل الاستثمار، واتساق عمليات إعادة شراء الأسهم عبر دورات الأعمال، وإيقاع التشغيل بعد إتمام الاندماج، بما يضمن ترجمة فرص التكامل إلى نتائج ملموسة.

التركيز على فئاتٍ محددة من المنتجات

كلما ازداد تركيز الشركة على فئةٍ محددةٍ من المنتجات، ارتفعت فرصها في تحقيق النجاح المالي. ويُظهر تحليلنا أن متوسط العائد الإجمالي للمساهمين لدى الشركات التي تكتفي بالعمل في قطاعٍ فرعيٍ واحد أو في مجالاتٍ قريبةٍ منه يزيد بنحو 6 نقاطٍ مئوية مقارنةً بالشركات التي توزّع نشاطها بين قطاعاتٍ فرعيةٍ متعددة، أو تمتد بأعمالها خارج سوق مواد البناء.2

ويصبح التخصص أكثر فاعليةً حين يغذي قدرات الشركة ويُنمّيها مع الوقت؛ فكلما ضاقت محفظة المنتجات، سهُل تعميق الثقة مع شركاء قنوات التوزيع، وتسارعت عملية ترتيب أصناف المنتجات وتقليص تكرارها، وازدادت دقة المواءمة بين السعر والحجم وطريقة طرح المنتج.3 أما تنويع المنتجات، فلا يصنع قيمةً حقيقية إلا إذا كان التوسع نحو مجالاتٍ قريبةٍ تشترك مع النشاط الأساسي في ركائز تشغيلية ملموسة، مثل قاعدة مورّدين مشتركة، أو منصات تصنيعٍ متقاربة، أو قنوات وصولٍ متشابهة إلى السوق. فإذا غاب هذا الرابط، اتّسع التعقيد، وارتفعت مصروفات البيع والمصروفات العامة والإدارية، وتراجعت القدرة على تثبيت الأسعار وتحقيقها كما هو مخطط. وللتأكد من أن التوسع لا يبدد التركيز، ينبغي على المستثمرين الإجابة عن سؤالٍ بسيط: هل يشترك المجال الجديد مع النشاط الحالي في قاعدة المورّدين، أو عملية الإنتاج، أو قناة البيع؟ أو في اثنتين منها على الأقل؟

التوزيع الجغرافي للإيرادات

لا يُمثّل التواجد الجغرافي في حد ذاته عائقًا للنمو، إلا إذا اقترن بهيكلٍ محدود الحجم وبصمةٍ تشغيليةٍ ضيقة. وقد كشف تحليلنا عن وجود ارتباطٍ بين التوزيع الجغرافي للإيرادات وتحقيق الشركات أداءً ماليًا يضمن تواجدها في الربع الأعلى "الشكل 6". حيث جاءت 76 في المائة من إيرادات شركات الربع الأعلى في عام 2024 من أمريكا الشمالية، بينما اعتمدت شركات الربع الأدنى بدرجةٍ أكبر على الأسواق الأوروبية، لتسجّل إيراداتهامن هذه المنطقة 61 في المائة في العام نفسه. ويُلاحظ كذلك أن شركات الربع الأعلى وحدها هي التي رفعت حصتها النسبية من الإيرادات القادمة من أسواق خارج أوروبا وأمريكا الشمالية، خلال الفترة من 2015 وحتى 2024، بما في ذلك أسواق النمو في آسيا وأمريكا اللاتينية.

ويُعزى جانبٌ من هذا التفاوت، إلى تباين الأداء الاقتصادي بين المناطق الجغرافية خلال الفترة محل الدراسة؛ إذ حققت الولايات المتحدة — إلى جانب بعض الأسواق الناشئة — وتيرة نموٍ أعلى وأكثر استقرارًا مقارنةً بـأوروبا خلال الفترة من 2015 وحتى 2024.4 ذلك فضلًا عن أن اتّساع نطاق أعمال الشركات أصبح عاملًا مؤثرًا في تعزيز قدرتها التنافسية، وهو ما يضع الشركات الأوروبية أمام تحدٍ إضافي؛ فالسوق الأوروبية أكثر تشتتًا من الأمريكية. وهو ما يظهر جليًا عند مقارنة حجم الإيرادات؛ إذ تقل إيرادات الشركات الأوروبية بنحو الثلث عن نظيراتها في الولايات المتحدة عند مقارنة كل قطاعٍ بنظيره. 5

ورغم أن أثر الجغرافيا كان واضحًا، لكنه لم يكن متساويًا بين المناطق؛ فقد ارتبط التواجد في أمريكا الشمالية بتحقيق عائدٍ إجمالٍي أعلى للمساهمين، مدفوعًا بقوة الطلب وسرعة استجابة الأسعار للمتغيرات. في المقابل، جاء أداء الشركات العاملة في الأسواق الأوروبية أضعف، خاصةً مع المحافظ الاستثمارية صغيرة الحجم أو الموزعة بشكلٍ مبالغٍ فيه عبر أسواق شديدة التشتت. ومع ذلك، نجحت الشركات الأوروبية الكبرى والتي غالبًا ما تمتلك علاماتٍ تجاريةٍ موجهة للتصدير أو متخصصةٍ في الأنظمة المتكاملة في تحقيق معدلات نموٍ تفوق نظيراتها.

أمثلةٌ على الأداء المالي لشركات الربع الأعلى

يبقى السؤال الأهم: ما الذي تفعله الشركات الرائدة في قطاع مواد البناء لترتقي بأدائها إلى الربع الأعلى؟ في هذا القسم من المقالة، نستعرض ثلاث نماذج ملهمة لشركاتٍ نجحت خلال العِقد الماضي في إحداث نقلةٍ واضحة في أدائها المالي مكّنتها من الانضمام إلى فئة الربع الأعلى، مع توضيح كيف اعتمدت كل شركةٍ على مزيجٍ مختلف من عوامل النجاح لتحقيق هذا التحول.

النمو الذاتي عبر التوسع الجغرافي ونموذج تشغيل مرن

نجحت إحدى شركات أنظمة الصرف الصحي في أمريكا الشمالية في مضاعفة العائد الإجمالي للمساهمين إلى ثمانية أضعافٍ خلال الفترة من 2015 إلى 2024، مع رفع قيمتها السوقية إلى ما يتجاوز 9 مليارات دولار. ولم تكن صفقات الاندماج والاستحواذ محورًا رئيسيًا في مسارها؛ إذ اكتفت بصفقةٍ كبيرةٍ واحدة، وفضّلت التركيز على نموها الذاتي. فقد تمحورت استراتيجيتها حول تعزيز وجودها في الأسواق المحلية التي شهدت أعلى معدلاتٍ لبناء المنازل وأسرع نموٍ بفعل الهجرة الداخلية، إلى جانب إبرامها اتفاقياتٍ مع كبرى شركات البناء في الولايات المتحدة. ولتعزيز الهوامش الربحية والعائد الإجمالي للمساهمين، أولَت الشركة أيضًا اهتمامًا بالغًا بضبط النفقات وكفاءة الأداء، عبر تبنّي نموذج تشغيلٍ رشيد، وتحقيق أقصى استفادة من الاستثمارات في الأصول، وتحسين عمليات المشتريات. وقد أظهرت هذه الاستراتيجية أن الشركات ليست مضطرةً إلى الاعتماد على سلسلةٍ متواصلةٍ من الاستحواذات، متى نجحت في تحسين تحصيل الأسعار، وضبط وتيرة التكاليف، واستهداف الأسواق الأكثر جدوى.

تعزيز الأداء عبر تقليص نطاق المنتجات وتركيز التواجد الجغرافي

اتبعت إحدى الشركات الأوروبية المتخصصة في أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء استراتيجيةً قائمةً على تقليص حجم الأعمال، حيث قامت ببيع قطاع أنظمة البناء التابع لها، بهدف التركيز على أنشطتها الأساسية التي تشترك في بنيةٍ تحتيةٍ واحدة، كما اتخذت قرارًا جريئًا بالخروج من نحو 40 في المائة من الأسواق الجغرافية التي كانت تعمل فيها خلال السنوات الثلاث السابقة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تبنّت استراتيجية استحواذٍ واندماجٍ ذكية استهدفت من خلالها الاستحواذ على منافسين ضمن أنشطتها الأساسية، بالتوازي مع مواصلة التخارج من الأنشطة غير الجوهرية أو ضعيفة الأداء. وأسفرت هذه الخطوات عن محفظةٍ أكثر تركيزًا عززت قدرة الشركة على تحقيق هوامش أعلى وتحسين العائد على رأس المال المستثمر بوتيرةٍ أسرع، بما انعكس إيجابيًا على العائد الإجمالي للمساهمين. ويُعدّ هذا مثالًا واضحًا على إعادة بناء القوة التنافسية من خلال تقليص المحفظة الاستثمارية واستخدام الاستحواذات الموجَّهة لإعادة صياغة البنية التحتية للشركة ورفع العوائد بصورةٍ أكثر استدامةً عبر دورات الأعمال المختلفة.

تعظيم العائد الإجمالي للمساهمين عبر التخصص وتوسيع نطاق الأعمال — بما في ذلك عمليات الاندماج والاستحواذ

حققت شركةٌ أمريكيةٌ تعمل في توزيع مواد البناء، وتخدم قطاعَي إصلاح المنازل والإنشاءات الجديدة، نموًا لافتًا على مستوى العائد الإجمالي للمساهمين؛ إذ ارتفع هذا العائد بمقدار 11 مرة خلال الفترة من 2015 إلى 2024، مع نمو قيمتها السوقية إلى نحو 700 مليون دولار. ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، بل قام على استراتيجيةٍ لإعادة هيكلة محفظة المنتجات؛ إذ انتقلت الشركة من التركيز على المنتجات الإنشائية التقليدية إلى التركيز على خمس فئاتٍ من المنتجات المتخصصة، بهدف رفع حصتها من 70 إلى 80 في المائة من إجمالي الإيرادات. وقد عزّز هذا التوجه — إلى جانب استحواذها في عام 2018 على منافسٍ بلغت إيراداته 1.4 مليار دولار — قدرتها على دفع الابتكار والحفاظ على ميزتها التنافسية في السوق، مما أهّلها لاقتناص طفرة الطلب التي أعقبت جائحة "كوفيد-19"، مدفوعةً بانتعاش أعمال الترميم والتحديث وانخفاض أسعار الرهن العقاري. وفي المحصلة، أسهم هذا التحول نحو المنتجات المتخصصة، بالتوازي مع تعظيم قدرات الشراء، في خلق آليةٍ فعّالة للتسعير وتحويل التدفقات النقدية؛ إذ إن طفرة الطلب التي شهدتها الشركة خلال الفترة من 2020 إلى 2022 لم تكن سوى عاملٍ محفزٍ للنمو كانت الشركة قد أعدّته مسبقًا.


في النهاية، نتوقع أن تظل عوامل النجاح الثلاثة الأساسية هي المحرّك للسوق في دورته القادمة، ولكن عبر آلياتٍ تنفيذيةٍ أكثر حداثةً ودقة؛ فميزة "الحجم" لن تُقاس بعدد المصانع أو اتساع الطاقة الإنتاجية بقدر ما ستُبنى على تحليل بيانات المشتريات وقراءتها بعمق، وترسيخ حوكمة التسعير بما يحمي الهوامش الربحية. بينما سيمنح التركيز على التخصص النوعي في المنتجات الأفضلية للشركات التي تمتلك منصاتٍ مرنة قادرة على الابتكار وتقليص قائمة المنتجات الزائدة عن الحاجة، بما يضمن الحفاظ على هوامش أرباحها في ظل تباطؤ النمو. أما على صعيد التواجد الجغرافي، فستكون الغلبة للشركات التي ترسّخ حضورها في الأسواق الأساسية، مع تنويعٍ مقصود في عددٍ محدودٍ من نقاط النمو الأعلى وتيرة. ومع تبدّل آليات التفوّق، تتضح أمام فِرق الإدارة خارطةُ طريقٍ لتحقيق أداءٍ ماليٍ متميّز، تقوم على بناء نموٍ منضبط عبر استحواذاتٍ تكميليةٍ موجّهة، واعتماد أُطرٍ مُعلنة لحدود العائد قبل توظيف النقد أو إعادته للمساهمين، إلى جانب تطوير نماذج التشغيل في مجالات التسعير والمشتريات وإدارة رأس المال العامل، بما يضمن تحويل الاستراتيجية إلى تدفقاتٍ نقدية ونتائج قابلة للاستدامة عبر دورات السوق المختلفة.

Explore a career with us