الربع سنوية لماكنزي

كيف يغيّر الضغط الذهني في قرارتنا وطريقة حكمنا على الأمور

| مقابلة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

المعضلة

في لحظة مفصلية من مسيرتها، وجدت شركة صناعية متوسطة الحجم نفسها أمام قرار يتجاوز الحسابات المعتادة. فقد طُرح على طاولة القيادة مشروع ابتكاري كبير يتطلب استثمارًا طويل الأمد، يمكن أن يعيد رسم موقع الشركة في سوق يتسارع تنافسه يومًا بعد يوم. لم يكن النقاش جديدًا؛ إذ ظل المقترح يتداول داخل أروقة المؤسسة لأشهر، بين مؤيد يرى فيه رافعة للمستقبل، ومتحفّظ يخشى مغامرة غير مأمونة العواقب. غير أن جوهر التردد لم يكن ماليًا بحتًا. فالشركة اعتادت عبر تاريخها تبني نهج حذر في إدارة المخاطر، وتحقيق النمو عبر خطوات مدروسة ومحدودة الانكشاف. ومن ثم بدت هذه المبادرة، بحجمها وطبيعتها التحولية، أقرب إلى اختبار لثقافة المؤسسة ذاتها. لم يكن السؤال مقتصرًا على جدوى الاستثمار، بل تمحور حول مدى استعدادها لإعادة النظر في فلسفتها التقليدية تجاه المخاطرة والتغيير.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

وبينما كانت الأسئلة الكبرى حول المخاطرة والتحول لا تزال عالقة في الأذهان، جاء موعد الاجتماع الحاسم مساء الجمعة، في ختام أسبوع مثقل باجتماعات العملاء وضغط المواعيد. جلس فريق القيادة حول الطاولة وقد بدا الإرهاق واضحًا في الملامح ونبرة الحديث. وكانت الحواسيب مفتوحة أمامهم ولكن يبدو أن البعض انشغلوا بأمور هامشية لا تمت بصلة إلى الموضوع المطروح، في دلالة على تشتت يصعب إنكاره. ومع انطلاق النقاش، حاول الحضور استعادة تركيزهم، وذلك من خلال مراجعة واستعراض المقترح، وربطوه بالأهداف بعيدة المدى التي تسعى الشركة إلى تحقيقها، مستحضرين الدوافع التي قادتهم منذ البداية إلى طرح هذه المبادرة. لم يقتصر الحديث على تفاصيل التمويل، بل امتد إلى الصورة الكبرى؛ إلى موقع الشركة في السوق، وإلى ما يمكن أن يضيفه هذا الاستثمار إلى قدرتها على المنافسة في السنوات المقبلة.

ومع امتداد النقاش تحت وطأة الإرهاق وتعدد المشتتات، أخذ التردد يفرض حضوره تدريجيًا. تحفّظ بعض القادة على رصد استثمارات لتقنية لم يسبق اختبارها داخل الشركة، ورأى أحدهم أن وتيرة التغيير في الأشهر الماضية كانت كافية، ما فتح بابًا واسعًا للجدل حول كيفية قياس الابتكار وحدوده. وفي المقابل، استند آخرون إلى سجل الإنجازات السابقة باعتباره دليلًا على أن المسار الحالي لا يستدعي قفزة إضافية. ومع اتساع دائرة التحفظ، بدأ الزخم يتراجع داخل القاعة. خفّ الحماس، ومال النقاش إلى الحذر بدل الطموح. وفي ظل تراجع الطاقة الذهنية، تشكّل توافق ضمني على تأجيل الحسم، والاكتفاء بسياسة "الانتظار والترقب". وهكذا، تحوّل حوار انطلق بهدف استشراف المستقبل إلى قرار هادئ يحافظ على الوضع القائم، ويؤجل التغيير إلى موعد غير محدد.

غير أن الفريق لم يدرك في تلك اللحظة أن اختيار الحذر لا يعني بالضرورة تجنّب المخاطر. فبتأجيل الاستثمار، لم تحافظ الشركة على موقعها، بل منحت منافسيها فرصة للتقدم في مسار كانوا قد بدأوه بالفعل. وتحت تأثير الإرهاق وضغط القرار غير المألوف، مال النقاش بطبيعته إلى ما هو مريح ومعتاد. استند الحاضرون إلى تجاربهم السابقة، وتمسّكوا بالمسار الذي أثبت نجاحه في الماضي، من دون فحص كافٍ لما إذا كان هذا المسار سيظل صالحًا للمستقبل. بدا الحفاظ على الوضع القائم خيارًا منطقيًا في تلك اللحظة، لكنه في الواقع كان يحمل مخاطرة من نوع مختلف تحمل شعار خفي ألا وهو: خطر التراجع التدريجي وفقدان القدرة على المنافسة على المدى الطويل.

البحث

لم يكن ما حدث نتيجة خطأ واحد في التقدير يمكن تحديده بسهولة، بل كان انعكاسًا لحالة ذهنية عامة تجعل العقل أكثر عرضة لعدد من الميول الذهنية غير الدقيقة في الوقت نفسه. فعندما تتراكم الضغوط وتتزاحم المهام وتزداد المتطلبات، ترتفع الضغوط الذهنية إلى مستوى يضعف معه التفكير المتوازن. في مثل هذه الأجواء، لا يكون الخلل في فكرة بعينها، بل في طريقة عمل العقل نفسها. فعندما تتراجع القدرة على التركيز العميق ويقلّ الصفاء الذهني، يميل الإنسان إلى اتخاذ قرارات أسرع وأبسط، والاعتماد على ما هو مألوف أو مريح. وهنا تزيد احتمالات الوقوع في تقديرات غير دقيقة، ليس بسبب نقص في الكفاءة، بل بسبب الحالة الذهنية التي اتُّخذ فيها القرار.

وبناءً على ذلك، عندما يتعرض الذهن للإجهاد أو يُطلب منه إدارة عدة مهام في الوقت نفسه أو العمل تحت ضغط متواصل، تتراجع قدرته على التفكير العميق والمنظم. ومع هذا التراجع، يميل العقل بطبيعته إلى تبسيط الأمور واختيار الطريق الأسهل، فيلجأ إلى ما هو مألوف لأنه يتطلب جهداً أقل، حتى وإن لم يكن الخيار الأكثر دقة أو موضوعية. ومن هنا، تتقدم الأحكام السريعة على التحليل الهادئ، ويبدأ الاعتماد على أول معلومة تُطرح في النقاش، ويزداد الميل إلى الإبقاء على الوضع الحالي لأنه يبدو أكثر أمانًا وأقل مخاطرة. هكذا لا يكون القرار نتيجة تحليل شامل، بل نتيجة بحث عن الراحة الذهنية وتقليل الجهد. أما إذا نظرنا إلى الصورة الأكبر، فإن هذا الأسلوب في التفكير لم يكن دائمًا سلبيًا. ففي الماضي، كانت السرعة في اتخاذ القرار مسألة بقاء. لكن في بيئة العمل اليوم، لا يشكل التفكير البطيء خطرًا، بينما قد يؤدي التسرع إلى اتخاذ قرارات غير دقيقة. لذلك، كلما منحنا أنفسنا وقتًا كافيًا للتفكير، قلّت احتمالات الوقوع في تقديرات خاطئة.

ولإيضاح هذه الفكرة بصورة عملية، يمكن الاستناد إلى دراسة نُشرت عام 1999 بعنوان "صراع القلب والعقل". فقد أجرى الباحثان "بابا شيف" و "ألكسندر فيدوريخين" تجربة بسيطة في ظاهرها,1 لكنها عميقة الدلالة. إذ طلب الباحثان من المشاركين أداء مهمة ذهنية. في البداية طُلب من المشاركين حفظ سلسلة قصيرة من الأرقام، بينما طُلب من آخرين حفظ سلسلة أطول وأكثر تعقيدًا. المقصود من ذلك كان إشغال جزء من طاقة التفكير لدى المجموعة الثانية، بحيث يصبح ذهنهم أقل قدرة على التحليل المتأني. بعد ذلك مباشرة، عُرض على الجميع خياران بسيطان: طبق فاكهة أو قطعة كعك بالشوكولاتة. وهنا ظهرت النتيجة بوضوح. المشاركون الذين كان ذهنهم أكثر انشغالًا بالمهمة الصعبة اختاروا الكعك بنسبة أعلى، لأنه يمنح إشباعًا سريعًا ولحظيًا. أما الذين لم يُستنزف تركيزهم بنفس الدرجة، فكانوا أكثر ميلًا لاختيار الفاكهة، الخيار الأكثر فائدة على المدى الطويل. المغزى من التجربة لا يتعلق بالطعام، بل بطريقة عمل العقل. فعندما يكون الذهن مثقلًا أو مشغولًا، تقل قدرته على التفكير العميق، فيميل إلى القرارات السريعة والمريحة. أما عندما يكون أكثر صفاءً، ترتفع فرص اختيار ما هو أفضل بعد موازنة هادئة بين البدائل.2

في المقابل، لا تساعد بيئات العمل الحديثة على كسر هذه الدائرة. فثقافة الاتصال الدائم، وسيل الإشعارات المتواصل، وضغوط الأداء المتصاعدة، تخلق مناخًا يستنزف الانتباه على مدار الساعة، ومع تسارع الإيقاع، تضيق مساحة التأمل. يتراجع التفكير المتأني، ويتقدم رد الفعل المباشر. وهكذا يتحول الحكم السريع إلى ممارسة يومية، لا إلى استثناء تفرضه الضرورة.

المعالجة

وبعد فهم كيف يؤثر الضغط الذهني في جودة القرار، يبرز سؤال طبيعي: ما الحل؟ الحل لا يكمن في أدوات معقدة أو إجراءات استثنائية، بل في ممارسة بسيطة يمكن تسميتها بالهدوء المقصود .المقصود بذلك أن يختار الفريق إبطاء الإيقاع عندما يشتد الضغط، بدل الاستسلام لسرعة اللحظة. فحين تتسارع الأحداث، يحتاج التفكير إلى مساحة، لا إلى مزيد من العجلة. إن إبطاء النقاش قليلًا يمنح العقل فرصة للتركيز، ويعيد وضوح الرؤية قبل حسم القرار. وهذه ليست مهارة فردية فحسب، بل يمكن أن تتحول إلى عادة تنظيمية داخل المؤسسة. ويمكن ترسيخها عبر خطوات عملية بسيطة. فعندما يواجه الفريق قرارًا مهمًا، يستطيع القادة أن يوقفوا النقاش لحظة، وأن يطرحوا على أنفسهم ثلاثة أسئلة أساسية تساعدهم على تقييم الموقف بوعي أكبر قبل المضي قدمًا:

  1. ما حجم الأثر الذي سيتركه هذا القرار في مسار العمل ونتائجه المستقبلية؟
  2. هل نتعامل مع نطاق مألوف نمتلك خبرة راسخة فيه، أم أننا ندخل مجالًا جديدًا يتطلب حذرًا مضاعفًا وفهمًا أعمق؟
  3. هل يتوافر لدينا هامش كافٍ للمراجعة والتصحيح إذا كشفت التطورات اللاحقة أن المسار المختار لم يكن الأنسب؟

عندما تأتي الإجابات على الأسئلة الثلاثة "بنعم، لا، ولا"، فإن ذلك يشير بوضوح إلى أن القرار بالغ الحساسية ويتطلب طاقة ذهنية مرتفعة. وفي هذا المستوى من التعقيد، ترتفع احتمالات الانزلاق إلى الانحياز من دون انتباه مباشر إليه. لذلك يحتاج الفريق إلى تدخل واعٍ يضبط الإيقاع قبل أن يضبط النتيجة، ويمكن أن يبدأ الاجتماع برسالة واضحة تحدد طبيعة اللحظة: نحن أمام نقاش محوري، فلنحضر إليه بكامل تركيزنا. يترجم هذا الالتزام عمليًا بإغلاق الحواسيب، وإبعاد الهواتف، ووقف تعدد المهام، سواء انعقد اللقاء حضوريًا أو عبر منصة افتراضية. فحتى المقاطعات العابرة، كنظرة سريعة إلى شاشة الهاتف، تكفي لإضعاف التركيز وتشويش مسار التفكير،3 كما تلجأ بعض الفرق إلى تعيين ميسّر يتابع ديناميكيات الحوار. يراقب مستوى التوتر، يرصد تراجع الانتباه، ويقترح توقفًا قصيرًا عند الحاجة. لا يُنظر إلى هذا التوقف بوصفه تعطيلًا للنقاش، بل كآلية لإعادة التوازن. وخلال الاستراحة، يستعيد كل مشارك صفاءه بالطريقة الأنسب له؛ عبر مراجعة البيانات بهدوء، أو المشي لبضع دقائق، أو ممارسة تمارين تنفس وتأمل تعيد تنظيم الذهن.

ويمكن للمؤسسات أن تمهد الطريق لقرارات أكثر تركيزًا عبر إعادة ضبط بيئة العمل نفسها. إذ البداية تكون من مراجعة ثقافة الاتصال خارج أوقات الدوام، وتقليص المهام التي تمتد إلى عطلات نهاية الأسبوع أو الساعات المتأخرة. فاستدامة الأداء لا تُقاس بعدد الساعات، بل بصفاء الذهن وجودة الحضور الذهني، ومن المهم كذلك الحد من التنقل المتواصل بين الملفات، لا سيما على مستوى القيادات التنفيذية. الإفراط في تبديل السياق يستنزف الطاقة المعرفية ويبعثر الانتباه، وأما حين يُمنح المسؤول وقتًا مخصصًا لمشروع واحد، فإنه يستعيد قدرته على الغوص في التفاصيل، ويقترب من قرار أكثر توازنًا ودقة.

وعندما بدأت الشركة الصناعية في تطبيق بعض هذه الخطوات، تغيّرت طريقة تعاملها مع القرارات المهمة. لم يعد الاجتماع مجرد مساحة يزداد فيها الضغط، بل أصبح وقتًا مخصصًا للتفكير الهادئ والمنظم. وفي القرار المصيري التالي، بدا الفرق واضحًا. جاء النقاش أكثر تركيزًا، وأكثر انسجامًا مع الأهداف طويلة المدى للشركة. تراجعت ردود الفعل السريعة، وحلّ محلها تحليل أعمق ونقاش أكثر توازنًا. وبذلك لم يعد القرار استجابة لضغط اللحظة، بل أصبح اختيارًا واعيًا يعكس طموحات الشركة ومسارها المستقبلي.

الهدوء المقصود لا يعني التباطؤ غير المبرر، بل يعني حماية الذهن من الوصول إلى حالة تشبع ذهني تُضعف جودة التفكير. فعندما يُمنح العقل مساحة كافية، يستعيد قدرته على التحليل المنظم ومقارنة البدائل بهدوء. ولهذا يمكن للقادة أن يتعلموا تجنب طرح قرارات مهمة في أوقات يكون فيها الفريق مرهقًا أو مشتتًا. فاختيار اللحظة المناسبة لا يقل أهمية عن مضمون القرار نفسه. ومن خلال تقليل الضغط الذهني، وإتاحة وقت كافٍ للنقاش، وخلق مساحة حقيقية للتفكير، تستطيع المؤسسات بناء وسيلة عملية للحد من الأخطاء في التقدير. فكلما كان الذهن أكثر صفاءً، قلت احتمالات الوقوع في قرارات متسرعة أو غير دقيقة.

Explore a career with us