رئيس هيلتون العالمية، كريس ناسيتا يسلّط الضوء على دور الثقافة والاستراتيجية في تحولهم الناجح

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

في هذه الحلقة من بودكاست "من داخل غرفة الاستراتيجية"، يتحدث كريس ناسيتا، الرئيس والمدير التنفيذي لدى "هيلتون" العالمية، مع إريك كوتشر الشريك الأول في "ماكنزي" ورئيسها في أمريكا الشمالية، مستعرضًا نهجه القيادي في توجيه الشركة عبر تحديات استثنائية نحو مسار النجاح. وبالعودة إلى عام 2007، حين انضم ناسيتا إلى "هيلتون"، كانت الشركة تمر بمرحلة تراجع وفقدان للاتجاه الصحيح، وتعتمد على نموذج تقليدي يقوم على استثمارات رأسمالية مرتفعة. ومن هنا، لم يتعامل مع الوضع كتحسينات تشغيلية محدودة، بل اتجه إلى إعادة بناء طريقة عمل الشركة من الأساس. فقد ركّز على تطوير نموذج نمو مستدام، يقوم على تعزيز قوة العلامة التجارية وتبسيط أسلوب التشغيل، بما يساعد الشركة على التوسع بشكل أسهل وأكثر كفاءة. ومع هذا التحول، بدأت "هيلتون" تستعيد توازنها تدريجيًا، وتعيد ترسيخ حضورها في السوق العالمية بأسلوب أكثر وضوحًا واستقرارًا. وانطلاقًا من هذا التوجه، نجحت "هيلتون" في تطوير محفظة تضم اليوم أكثر من 25 علامة تجارية، بالتوازي مع توسيع نطاق حضورها عالميًا، إذ يعمل لديها نحو 500 ألف موظف، وتخدم ما يقارب 250 مليون مسافر سنويًا. ولم يكن هذا التوسع كميًا فحسب، بل ارتبط أيضًا ببناء ثقافة مؤسسية راسخة عززت مكانتها كواحدة من "أفضل بيئات العمل". وفي هذا الإطار، يرى ناسيتا أن قطاع الضيافة لم يعد يعتمد على تقديم خدمة جيدة فقط، بل أصبح يركّز على التجربة الكاملة التي يعيشها الضيف منذ لحظة وصوله وحتى مغادرته. فالمسألة اليوم لم تعد غرفة فندقية فحسب، بل شعور متكامل يترك أثرًا لدى العميل. وعلى هذا الأساس، يولي أهمية كبيرة لدور الذكاء الاصطناعي والبيانات، إذ يراها أدوات تساعد على فهم احتياجات الضيوف بشكل أدق وتقديم تجربة أكثر تخصيصًا لهم. وبفضل ذلك، تسعى "هيلتون" إلى تعزيز موقعها لتكون الخيار الأول للإقامة على مستوى العالم.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

تم تعديل هذا الحوار لتبسيط الصياغة واختصار المحتوى دون الإخلال بالمعنى. ولمزيد من النقاشات حول أبرز القضايا الاستراتيجية، يمكنكم متابعة هذه السلسلة عبر منصة البودكاست التي تختارونها.

إريك كوتشر: تولّيت قيادة "هيلتون" في عام 2007، وما حققته منذ ذلك الحين يُعد، في كثير من الجوانب، تجربة لافتة أثّرت في القطاع بأكمله. هل يمكن أن تأخذنا في هذه الرحلة، وتحدثنا عن التحول الذي قُدته داخل الشركة؟

كريس ناسيتا: تعود قصة "هيلتون" إلى أكثر من 100 عام، ويمكن القول إنها ساهمت في تشكيل قطاع الضيافة كما نعرفه اليوم، إذ إن كثيرًا من الأسس التي يقوم عليها هذا القطاع اليوم بدأت من هناك، مثل برامج الولاء وأنظمة الحجز والفنادق متكاملة الخدمات. لكن، وعند الوصول إلى عام 2007، تغيّر الوضع. ففي ذلك العام استحوذت "بلاكستون" على "هيلتون" وحولتها إلى شركة خاصة، وانضممت أنا بعد ذلك بفترة قصيرة، لأجد شركة لم تعد تسير بنفس القوة التي عُرفت بها سابقًا، حيث بدأ أداؤها يتراجع، وبدت ثقافتها الداخلية وكأنها تفقد اتجاهها تدريجيًا. ومن هنا، ظهرت مجموعة من التحديات الواضحة. فقد كان لدينا ثماني علامات تجارية فقط، ولم نكن نغطي العديد من فئات السوق، كما أن حضورنا العالمي لم يكن مكتملًا. وبالتوازي مع ذلك، كان النمو يسير بوتيرة عادية في معظم الأسواق، وهو ما لا يعكس مكانة شركة كان لها دور أساسي في تأسيس هذا القطاع. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان أداء العلامات نفسها عاديًا، سواء من حيث جذب النزلاء أو نسب الإشغال أو مستوى الأسعار. ولهذا، اتفقنا مع فريق "بلاكستون" على نقطة واضحة، وهي أن التركيز على هذه الجوانب الأساسية يمكن أن يعيد للشركة قوتها ويضعها على الطريق الصحيح من جديد.

وبعد أن بدأنا هذا التحول، واجهنا تحديات كبيرة في الطريق. فبعد عام واحد فقط، جاءت الأزمة المالية العالمية، في وقت كنا نعتمد فيه على صفقة استحواذ ممولة بالديون، ما وضع علينا ضغطًا كبيرًا بسبب حجم الالتزامات المالية. وخلال فترة قصيرة، انتقلنا من كوننا أكبر استثمار لشركات الملكية الخاصة إلى تصدّر الأخبار كواحدة من أكبر الخسائر في هذا المجال، حتى إن "بلاكستون" اضطرت إلى شطب نحو 70 في المئة من قيمة استثمارها. ورغم ذلك، كان علينا التعامل مع هذه الظروف الصعبة والاستمرار في إدارة الشركة بحذر، ومع مرور الوقت تجاوزنا تلك المرحلة، قبل أن نواجه تحديًا جديدًا مع جائحة "كوفيد-19".

ورغم كل هذه التحديات، مررنا بعدة مراحل شكّلت مسار الشركة، لكننا حرصنا في كل مرة على استغلال هذه الظروف للتركيز بشكل أكبر على تحسين الأداء وجعل العمل أكثر قوة وسرعة، وهو ما أستطيع القول إننا نجحنا في تحقيقه. وانعكس ذلك بوضوح على ثقافة الشركة، إذ أصبحت "هيلتون" اليوم في المرتبة الأولى كأفضل بيئة عمل على مستوى العالم، وكذلك في الولايات المتحدة ونحو 12 دولة أخرى. كما توسعنا من ثماني علامات تجارية إلى 25 علامة، مع وجود عدد من العلامات الجديدة قيد التطوير. ومع هذا التوسع، لم يكن الأداء عاديًا، بل أصبحت علامات "هيلتون" من بين الأفضل في القطاع، متفوقة على المنافسين في مختلف الفئات. كذلك شهد برنامج "هيلتون أونرز" نموًا كبيرًا، إذ ارتفع عدد أعضائه من 20 مليونًا إلى 240 مليون عضو. ونتيجة لهذا الزخم، أصبحت "هيلتون" اليوم من أسرع الشركات نموًا في العالم، مع افتتاح ما يقارب فندقين يوميًا. وهذا التقدم لم ينعكس فقط على العمليات، بل ظهر أيضًا في الأداء المالي، حيث حققت الشركة نتائج قوية في سوق الأسهم منذ إدراجها في عام 2013، لتكون ضمن الشريحة العليا من الشركات في مؤشر "إس آند بي 500".

وإذا نظرنا إلى وضعنا اليوم مقارنة بما كنا عليه قبل جائحة كوفيد من حيث هوامش الربح في أعمالنا الأساسية، سنجد أننا حققنا تحسنًا كبيرًا. فقد ارتفعت هذه الهوامش بنحو عشرة في المئة، وهو فارق واضح يعكس قوة الأداء. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل وصلنا إلى أعلى مستوى من الربحية في تاريخ "هيلتون"، كما سجلت مختلف مؤشرات الأداء أفضل نتائج لها على الإطلاق، رغم أن تلك الفترة التي امتدت لعامين أو ثلاثة كانت صعبة. ومع ذلك، ما ساعدنا على تجاوز هذه المرحلة هو وضوح الاستراتيجية، وقوة ثقافة العمل، والتركيز المستمر على الأولويات، إلى جانب وضع مالي متماسك قمنا ببنائه بعناية. ونتيجة لذلك، لم نكتفِ بتجاوز الأزمة، بل خرجنا منها ونحن في موقع أقوى من السابق.

إريك كوتشر: رحلة لافتة فعلًا. فقد كان "كونراد هيلتون" من أوائل من وضعوا فكرة سلسلة الفنادق الحديثة كما نعرفها اليوم. واليوم تعتمد "هيلتون" على نموذج عمل لا يتطلب استثمارات كبيرة في الأصول. هل يمكن أن تشرح لنا هذا النموذج؟

كريس ناسيتا: عندما أسّس "كونراد هيلتون" الشركة، كان نموذج العمل يعتمد بشكل كبير على استثمارات ضخمة، واستمر هذا الوضع حتى عندما تولّيت القيادة. فقد كانت الشركة تجمع بين نشاطها الأساسي المرتبط بالعلامات الفندقية، إلى جانب نشاط واسع في مجال العقارات. واعتمدت الشركة في ذلك الوقت على بناء الفنادق وامتلاكها وتشغيلها في الوقت نفسه، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من رأس المال كان مرتبطًا بالأصول العقارية. إلى جانب ذلك، كان لديها نظام يتيح للعملاء شراء حق الإقامة لفترة محددة من كل عام، بحيث يدفع العميل مرة واحدة ليحصل على إقامة تتكرر سنويًا، وهو نشاط مربح، لكنه يحتاج إلى استثمارات كبيرة لتجهيزه وتشغيله. و ذلك، وصل حجم الإنفاق السنوي على الاستثمارات الرأسمالية إلى نحو مليار دولار، وهو مستوى مرتفع حدّ من قدرة الشركة على التوسع بشكل مرن.

وبعد إدراج "هيلتون" في سوق الأسهم، اتخذنا خطوة مهمة لتغيير هذا الوضع. فقد قمنا بفصل هذين النشاطين عن الشركة. الأول هو نشاط العقارات، والذي أصبح شركة مستقلة مدرجة في بورصة نيويورك تحت اسم "بارك هوتيلز آند ريزورتس". أما الثاني فهو نشاط الإقامات بنظام الحصص الزمنية، والذي أصبح أيضًا شركة مستقلة باسم "هيلتون غراند فاكيشنز". وبهذه الخطوة، لم تعد "هيلتون" تدير هذه الأنشطة بشكل مباشر، بل احتفظت بدورها في إدارة العلامة وتشغيل الفنادق فقط. ومع ذلك، ما زالت هناك علاقة تعاقدية تربط بين هذه الشركات، ما يضمن استمرار التعاون بينها دون تحمّل الأعباء المالية السابقة.

ما تبقّى لدينا بعد هذا التحول كان نشاطًا قويًا يركز على العلامة التجارية والتعامل المباشر مع العملاء، دون الحاجة إلى استخدام أموال الشركة في امتلاك الأصول. وهذا ببساطة يعني أننا أصبحنا قادرين على التوسع دون أن نتحمّل تكاليف كبيرة. وبناءً على ذلك، يعتمد نمو "هيلتون" على أداء الفنادق نفسها، أي أن كل فندق يحقق نتائج أفضل عامًا بعد عام. وفي حين أن المعدل الطبيعي للنمو في هذا القطاع يتراوح بين 2.5 إلى 3 في المئة، فإن "هيلتون" تتجاوز ذلك بكثير، حيث تحقق نموًا يتراوح بين 6 إلى 7 في المئة، ما ينعكس على الأرباح التشغيلية التي تنمو بنسبة تتراوح بين 8 إلى 10 في المئة، ويؤدي في النهاية إلى نمو قوي في التدفقات النقدية. وبما أننا لا نحتاج إلى استثمار رأس مال كبير لتحقيق هذا النمو، فإن معظم هذه العوائد يتم توجيهها إلى المساهمين. ويتم ذلك من خلال توزيع أرباح بسيطة، بينما يذهب الجزء الأكبر إلى إعادة شراء الأسهم، وهو ما يعزز قيمة الشركة. وهنا تكمن قوة هذا النموذج. لكن استمراره يعتمد على إدارة الفنادق بكفاءة والحفاظ على مستوى أداء مرتفع، لأن ذلك يشجع المستثمرين على ضخ أموالهم لبناء فنادق جديدة. وعلى هذا الأساس نواصل التوسع، حيث نفتتح اليوم ما يقارب فندقين يوميًا حول العالم، وكل ذلك يتم بتمويل من مستثمرين، مع تحقيق المزيد من التدفقات النقدية للشركة.

إريك كوتشر: كثير من الرؤساء التنفيذيين يركّزون عادةً على الجوانب التي تقع ضمن نطاق عملهم المباشر، مثل تشغيل الشركة واتخاذ القرارات الداخلية، لكن الواقع اليوم يشهد متغيرات كثيرة تحدث خارج هذا النطاق ولا يمكن التحكم بها. ومن خلال تنقلك حول العالم، ما أبرز الاتجاهات أو العوامل الخارجية التي تلاحظها، والتي يجب على فريق القيادة فهمها والتعامل معها؟

كريس ناسيتا: يرى كثيرون أننا نمر بمرحلة استثنائية، وأتفق مع ذلك، فالتوترات الجيوسياسية، إلى جانب التسارع الكبير في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، تجعل هذه الفترة مختلفة عن غيرها. وفي مثل هذه الظروف، يبرز دور القيادة بشكل أوضح. لكن في المقابل، من المهم وضع كل هذه المتغيرات في سياقها الصحيح. فبعض القادة قد يقعون في خطأ الانشغال بملاحقة كل فكرة جديدة أو اتجاه لافت، وينجرفون خلف كل ما يبدو جذابًا في اللحظة. وعند حدوث ذلك، قد يبتعدون تدريجيًا عن جوهر عملهم، أي عن القيمة الأساسية التي يفترض أن يقدموها لعملائهم، وهو ما قد يشتت التركيز ويؤثر على أداء الشركة.

بعض القادة قد يقعون في خطأ الانشغال بملاحقة كل فكرة جديدة أو اتجاه لافت، وينجرفون خلف كل ما يبدو جذابًا في اللحظة. وعند حدوث ذلك، قد يبتعدون تدريجيًا عن جوهر عملهم، أي عن القيمة الأساسية التي يفترض أن يقدموها لعملائهم، وهو ما قد يشتت التركيز ويؤثر على أداء الشركة.

وعندما أنظر إلى هذه المرحلة، أرى أن التحدي الحقيقي هو الحفاظ على توازن واضح في طريقة التفكير. فمع كثرة التغيرات والتطورات السريعة، قد يندفع البعض وراء كل فكرة جديدة أو اتجاه حديث دون توقف للتفكير. لكن الأهم هو أن نميّز بين ما يستحق الاهتمام فعلًا وما هو مجرد موجة مؤقتة. لذلك، أحرص على أن يكون كل قرار نتخذه مرتبطًا بطبيعة عملنا الأساسية، وبما نقدّمه فعليًا للضيف، وليس مجرد محاولة لمواكبة كل جديد. فالفكرة ليست في اللحاق بكل شيء، بل في اختيار ما يفيدنا فعلًا ويخدم عملنا بشكل حقيقي. أما فيما يتعلق بالتوترات الجيوسياسية، فلا يمكننا التأثير عليها بشكل مباشر، لذلك ينصبّ تركيزنا على بناء شركة قوية وقادرة على التكيف مع أي تغيّرات مفاجئة. وفي المقابل، نملك مساحة أكبر للتعامل مع الجانب التقني، وهنا نبدأ من أسئلة واضحة مثل: كيف يمكن لهذه التقنيات أن تخدم عملنا؟ وماذا يتوقع الضيف منا؟ وكيف يمكننا تقديم تجربة أفضل؟ وبهذا الفهم، نتعامل مع التكنولوجيا كوسيلة لتحسين ما نقدّمه، لا كهدف بحد ذاته. وهذا ما فعلناه سابقًا مع الإنترنت، حين استخدمناه لتطوير أسلوب العمل وتقديم خدمات أفضل. واليوم، نتعامل مع الذكاء الاصطناعي بنفس الطريقة، كأداة تساعدنا على التقدم، لا كاتجاه نلاحقه دون هدف.

الحفاظ على ثبات الاتجاه وعدم التسرّع في تغيير المسار مع كل ظرف جديد. فنحن لا ندير شركة صغيرة، بل نقود مؤسسة يعمل فيها نحو 500 ألف شخص، ونخدم مئات الملايين من العملاء سنويًا، وهذا يتطلب قرارات مدروسة وليست ردود فعل متسرعة.

كما أنني أؤمن في قيادتي بفكرة بسيطة، وهي الحفاظ على ثبات الاتجاه وعدم التسرّع في تغيير المسار مع كل ظرف جديد. فنحن لا ندير شركة صغيرة، بل نقود مؤسسة يعمل فيها نحو 500 ألف شخص، ونخدم مئات الملايين من العملاء سنويًا، وهذا يتطلب قرارات مدروسة وليست ردود فعل متسرعة. لهذا، أحرص على اتباع نهج واضح ومركّز في العمل، يبدأ ببناء ثقافة قوية داخل الشركة، لأن هذه الثقافة هي التي تمنح الفريق القدرة على الصمود في الأوقات الصعبة. وعندما تكون بيئة العمل متماسكة، يصبح من الأسهل التعامل مع التحديات التي لا يمكن تجنبها. إلى جانب ذلك، من الضروري أن يكون الوضع المالي للشركة قويًا ومستقرًا، حتى تكون مستعدة لأي تغيرات مفاجئة. وهذا ما ساعدنا بالفعل على تجاوز جائحة كوفيد من الناحية المالية، لأننا كنا قد بنينا أساسًا متينًا قبلها. وفي النهاية، تبقى النقطة الأهم هي أن تكون الشركة قادرة على التكيّف والتغيّر عند الحاجة، بحيث تستطيع التعامل مع أي ظرف جديد دون أن تفقد توازنها أو اتجاهها.

أقول دائمًا لمجلس الإدارة إن اللحظة التي أفقد فيها القدرة على تطوير نفسي، أو أتردد في إعادة تشكيل فريقي، هي اللحظة التي يجب أن أتنحّى فيها.

لكن ماذا يتطلب ذلك من القادة؟ أقول دائمًا لمجلس الإدارة إن اللحظة التي أفقد فيها القدرة على تطوير نفسي، أو أتردد في إعادة تشكيل فريقي، هي اللحظة التي يجب أن أتنحّى فيها. فالقيادة هنا لا تتوقف عند إدارة العمل اليومي، بل تبدأ بعقلية منفتحة تسعى للفهم والتعلّم باستمرار، ورغبة حقيقية في التحسن والمنافسة. وفي الوقت نفسه، من المهم إدراك أن الأساليب التي أوصلتك إلى موقعك الحالي قد لا تكون كافية للاستمرار في التقدم. ومن هذا المنطلق، يحتاج القائد إلى مراجعة نفسه باستمرار، وأن يكون مستعدًا لتجديد أسلوبه وتطوير طريقته في العمل. وينطبق الأمر ذاته على الفريق، إذ يتطلب أحيانًا إعادة توزيع الأدوار، أو تطوير القدرات، أو إجراء تغييرات، لضمان جاهزية الفريق للمرحلة المقبلة. وبناءً على ذلك، أخصص وقتًا كبيرًا للعمل مع مسؤولي الموارد البشرية ومجلس الإدارة، للتفكير بشكل مستمر في كيفية بناء فريق قادر على مواكبة المرحلة القادمة والاستمرار في تحقيق النتائج.

وبهذا النهج، إذا نجحنا في ترسيخ هذه المرونة داخل الشركة، سنحافظ على قدرتنا على التقدم مهما تغيّرت الظروف، سواء مع تطورات الذكاء الاصطناعي أو أي تحوّل جديد قد يظهر لاحقًا. فالقضية لا تتعلق بطبيعة التغيير، بل بمدى استعدادنا للتعامل معه. وعندما تكون الشركة قادرة على التكيّف بسرعة، وتعيد توجيه قدرات فريقها بالشكل الصحيح، وتستثمر خبراته بفعالية، فإنها تظل قادرة على تحقيق نتائج قوية في مختلف المراحل.

الذكاء الاصطناعي أعظم أداة رأيتها تمكّننا من تحقيق تميّز فعلي في الارتقاء بخدماتنا وتلبية توقعات عملائنا، وهذا هو جوهر عملنا.

إريك كوتشر: كما ذكرت، التكنولوجيا تتغير بشكل مستمر وسريع. وإذا نظرنا إلى السنوات الخمس أو العشر القادمة، ما أبرز التغيّرات التي تعتقد أننا سنلمسها كمستهلكين في هذا القطاع؟

كريس ناسيتا: الطريقة التي نصل بها إلى العملاء ستتغير بشكل كبير خلال الفترة المقبلة. ففي السابق، وقبل انتشار الإنترنت، كانت الحجوزات تتم إما عبر مراكز الاتصال أو من خلال الاتصال المباشر بالفنادق. ثم جاء الإنترنت وغيّر هذه المعادلة بالكامل، واليوم نشهد تحولًا جديدًا مع تقنيات الذكاء الاصطناعي. وخلال السنوات القادمة، سيعتمد المسافر بشكل أكبر على ما يمكن وصفه بمساعد شخصي رقمي يتولى تنظيم رحلاته، ويتعرّف على تفضيلاته مع الوقت، ويتعلم من سلوكه ليقدّم له خيارات تناسبه بشكل أدق. وبالنسبة لنا، يشكّل ذلك فرصة مهمة. فعندما نقدّم تجربة جيدة ونحافظ على مستوى عالٍ من الخدمة، ستتمكن هذه الأنظمة من الوصول إلينا واختيارنا ضمن الخيارات المطروحة للمستخدم. ومع الوقت، سيؤدي ذلك إلى زيادة الحجوزات المباشرة، والتي تمثل اليوم الجزء الأكبر من أعمالنا.

وفي الحقيقة، إن الفرصة الكبرى التي تتيحها هذه القفزة المتسارعة في التكنولوجيا تتمثل في القدرة على تقديم تجربة مصممة لكل عميل بشكل دقيق. أي الانتقال من خدمة عامة إلى خدمة تناسب كل شخص على حدة. ولتحقيق ذلك، نحتاج إلى أدوات تمكّننا من تحويل كل ما نقدمه إلى عناصر واضحة يمكن التعامل معها بسهولة، سواء كانت تفاصيل الغرف في مختلف الفنادق، أو الخدمات المتاحة، أو أي إضافة قد يرغب بها الضيف خلال إقامته. وعندما تصبح هذه التفاصيل منظمة ومفهومة بهذه الطريقة، يمكن للأنظمة الذكية الاستفادة منها بشكل أفضل. وعندها، ستتمكن هذه الأنظمة من ترشيح "هيلتون" بثقة، لأنها قادرة على تلبية احتياجات كل عميل بدقة، وتقديم تجربة تتوافق مع ما يبحث عنه بالفعل.

ولا يقتصر هذا التحول على مرحلة الحجز فقط، بل يمتد أيضًا إلى تجربة الضيف داخل الفندق نفسه. فبمجرد وصوله، تصبح لدينا القدرة على تحسين تجربته بشكل لحظي. وقد بدأنا بالفعل في بناء هذه الإمكانات ضمن أنظمتنا، حيث نستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات كبيرة من البيانات، سواء كانت معلومات واضحة مثل تفضيلات الحجز، أو بيانات غير مباشرة مثل سلوك المستخدم وتفاعلاته. كما نوفر قنوات تواصل مستمرة مع الضيف من خلال التطبيق، ما يتيح لنا فهم احتياجاته والتفاعل معه بشكل أسرع. وبفضل ذلك، نستطيع تعديل تفاصيل التجربة أثناء إقامة الضيف، بحيث تكون أقرب إلى ما يفضله، وفي الوقت الفعلي، دون الحاجة إلى انتظار أو إجراءات معقدة.

ومن هذا المنظور، أرى أن القيمة الحقيقية تظهر في كيفية التعامل مع المشكلات أثناء إقامة الضيف. ففي كثير من الحالات، قد يواجه الضيف مشكلة ولا يبلغ عنها، فيغادر وهو غير راضٍ، أو يتواصل لاحقًا بعد انتهاء إقامته، وفي هذه الحالة تكتفي الفنادق غالبًا بتعويضه بنقاط أو إقامة مجانية. لكن مع توفر هذا الكم من البيانات، أصبح بالإمكان التعامل مع المشكلة في لحظتها. فعلى سبيل المثال، يمكننا معرفة وجود خلل في التكييف داخل غرفة معينة، أو نقص في بعض المستلزمات في غرفة أخرى، دون انتظار شكوى مباشرة من الضيف. ويتم ذلك من خلال أنظمة ذكية مرتبطة بالأجهزة داخل الغرفة نفسها، حيث تقوم هذه الأنظمة بمراقبة الأداء بشكل مستمر. فإذا انخفضت كفاءة التكييف أو توقّف عن العمل بالشكل الطبيعي، يتم تسجيل ذلك تلقائيًا وإرساله إلى نظام التشغيل، الذي بدوره يحدد نوع المشكلة ويحوّلها مباشرة إلى طلب صيانة لفريق العمل. وقد أصبحت هذه الآلية جزءًا من أنظمة التشغيل داخل الفنادق، حيث يتم رصد المشكلة وتحويلها تلقائيًا إلى مهمة واضحة للتعامل معها فورًا. وهذه الأنظمة بدأت بالفعل في التطبيق والتجربة. فعندما نتمكن من تحويل البيانات إلى إجراءات مباشرة تعالج المشكلة أو تحسّن التجربة في نفس اللحظة، فإن ذلك يغيّر طريقة العمل بشكل جذري. والأهم أن هذا التحول ليس فكرة بعيدة، بل هو واقع بدأ يتشكل بالفعل، حتى وإن كان تطبيقه لا يزال في مراحله الأولى.

في النهاية، المسألة كلها تتعلق بقدرتنا على تنفيذ ما نعد به الضيف بشكل فعلي. وهذا هو جوهر عملنا. ومن هذا المنطلق، أرى أن الذكاء الاصطناعي هو أهم أداة يمكن أن تساعدنا على مواصلة رحلتنا لنكون الوجهة الأولى. وفي الواقع، بدأت رحلتنا من الداخل، حين ركّزنا على أن نصبح أفضل بيئة عمل، ونجحنا في تحقيق ذلك. أما اليوم، فالهدف التالي هو أن يرانا العميل كأفضل مكان للإقامة. وفي هذا الإطار، يظل عملنا قائمًا على الإنسان، حيث يقدم فريقنا الخدمة للضيوف بشكل مباشر. لكن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية تمكين هذا الفريق وتزويده بالأدوات التي تساعده على تقديم تجربة أفضل. وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي، باعتباره أعظم أداة رأيتها تمكّننا من تحقيق تميّز فعلي في الارتقاء بخدماتنا وتلبية توقعات عملائنا.

ما زلت حتى اليوم أكرّس جزءًا كبيرًا من وقتي لمواصلة بناء الاستراتيجية، والعمل بشكل مستمر على ترسيخ ثقافة الشركة وتطويرها.

إريك كوتشر: تحدثت عن رحلتك خلال السنوات الثماني عشرة الماضية، وكيف تحولت "هيلتون" من شركة كانت تعمل بنموذج مختلف تمامًا عمّا هي عليه اليوم، مرورًا بعدد من المحطات الصعبة. وبصفتك قائدًا، ما أبرز الدروس التي خرجت بها من هذه التجربة؟ وما الأمور التي كنت تتمنى لو عرفتها منذ البداية؟

كريس ناسيتا: إذا عدت إلى البداية قبل 18 عامًا، فأهم ما كنت سأؤكد عليه لنفسي هو أن دور القائد يتركّز في أمرين أساسيين: بناء ثقافة قوية داخل الشركة، ووضع استراتيجية واضحة تقود العمل. وغالبًا ما يُقال إن الثقافة هي التي تحسم النتيجة في النهاية، لأن وجود فريق يعمل بروح مشتركة وقيم واضحة يجعل تنفيذ أي خطة أكثر نجاحًا. ولهذا، ما زلت حتى اليوم أخصص جزءًا كبيرًا من وقتي لتطوير الاستراتيجية بشكل مستمر، والعمل على تعزيز ثقافة الشركة والحفاظ عليها. ومع تسارع التغيّرات، أصبحت القدرة على التكيّف وسرعة الاستجابة أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنها العامل الذي يساعد الشركة على الاستمرار والتقدم في بيئة متغيرة.

تأثير القائد لا يقتصر على قراراته، بل يمتد إلى كلماته أيضًا. فكل كلمة يقولها تحمل وزنًا كبيرًا داخل المؤسسة. كنت أدرك ذلك عندما بدأت، لكنني لم أكن أعي حجمه بالشكل الذي أراه اليوم. فكلما طالت مدة قيادتك، زاد تأثير ما تقوله، وأصبح لكل كلمة صدى أوسع داخل الشركة.

أما الدور الأهم للرئيس التنفيذي، والمرتبط مباشرة بالاستراتيجية والثقافة، فهو الحفاظ على نهج ثابت في القيادة، مع القدرة على النظر إلى الصورة الكبيرة دون الانشغال بردود الفعل السريعة. فعندما تدير مؤسسة بهذا الحجم، تضم مئات الآلاف من الموظفين، فإن أي تغيير مفاجئ يمتد أثره عبر جميع المستويات. ومع انتقال هذا الأثر من الإدارة العُليا إلى الصفوف الأمامية، قد يتغير شكله ويصبح غير واضح، ما يسبب ارتباكًا في التنفيذ. ولهذا، فإن الاستقرار في القرارات والوضوح في التوجه يعدّان عاملين أساسيين لضمان أن تصل الرسالة بشكل صحيح، وأن يعمل الجميع في اتجاه واحد دون تشويش.

واستكمالًا لهذه الفكرة، فإن تأثير القائد لا يقتصر على قراراته، بل يمتد إلى كلماته أيضًا. فكل كلمة يقولها تحمل وزنًا كبيرًا داخل المؤسسة. كنت أدرك ذلك عندما بدأت، لكنني لم أكن أعي حجمه بالشكل الذي أراه اليوم. فكلما طالت مدة قيادتك، زاد تأثير ما تقوله، وأصبح لكل كلمة صدى أوسع داخل الشركة. ومن هذا المنطلق، من المهم أن يكون القائد صادقًا وواضحًا في تواصله، مع الحرص على اختيار كلماته بعناية. فالتواصل لا يكفي منه قدر معين، بل يحتاج إلى الاستمرار والتوضيح بشكل دائم، حتى تبقى الصورة واضحة للجميع. ومع مرور الوقت، لا يقتصر دور القائد على وضع الاستراتيجية وبناء ثقافة قوية فقط، بل يمتد إلى التأكد من أن الفريق يمتلك المهارات اللازمة لتنفيذ هذه الرؤية. والأهم من ذلك، أن يكون قادرًا على كسب ثقة الناس، بحيث يؤمنون بالهدف الذي يقودهم نحوه، ويثقون به كقائد.

إريك كوتشر: وبالنظر إلى المرحلة المقبلة، ما أكثر ما يثير حماسك في المرحلة القادمة؟

كريس ناسيتا: حققنا الكثير، وأنا فخور بما وصلنا إليه حتى الآن. لكن ما أراه أمامنا من فرص في هذا القطاع أكبر بكثير. فإذا نظرنا إلى الاتجاهات العالمية، نجد أن الطبقة المتوسطة في توسع مستمر، ومعها يزداد دخل الأفراد وقدرتهم على الإنفاق. ومع هذا التغير، لم يعد الإنفاق يتركّز على شراء الأشياء فقط، بل أصبح الناس يميلون أكثر إلى إنفاق أموالهم على التجارب، مثل السفر والمطاعم والفعاليات. وفي معظم هذه التجارب، خصوصًا عندما يكون الشخص خارج مدينته، تكون "هيلتون" جزءًا أساسيًا من هذه الرحلة. وانطلاقًا من ذلك، أرى أننا في بداية مرحلة قوية جدًا لقطاع السفر، قد تمتد لسنوات طويلة. فخلال السنوات القادمة، سيصبح هذا القطاع من أكبر مصادر التوظيف في العالم، وهو بالفعل يشكّل اليوم نحو وظيفة من كل عشر وظائف. كما أتوقع أن يكون من بين أكثر القطاعات نموًا خلال العقد أو العقدين المقبلين. وباختصار، الصورة العامة مشجعة للغاية، والفرص المتاحة أمامنا كبيرة.

وبالانتقال من الصورة العامة إلى وضع "هيلتون" تحديدًا، فرغم كل ما حققناه، وما يستحقه فريق العمل من تقدير على هذا الإنجاز، ما زال أمامنا الكثير لنقوم به. فعندما ننظر إلى انتشارنا حول العالم، نجد أن هناك أسواقًا عديدة لا نزال في بداياتنا فيها. لدينا اليوم نحو 25 علامة تجارية، وقد يصل العدد قريبًا إلى 30، ومعظم هذه العلامات متوفرة داخل الولايات المتحدة، حيث نملك حضورًا قويًا يضم أكثر من 6,000 فندق. ومع ذلك، ما زلنا نعمل على تطوير علامات جديدة تغطي فئات مختلفة حتى داخل السوق الأمريكية. أما خارج الولايات المتحدة، فالصورة تبدو مختلفة، وهو ما يوضح حجم الفرص المتاحة أمامنا. ففي معظم الأسواق العالمية، لا يتجاوز حضورنا عددًا محدودًا من العلامات، ما يعني أننا لم نستفد بعد من كامل إمكانات هذه الأسواق. ففي الصين، نواصل تحقيق نمو قوي، بينما لا يزال وجودنا في دول مثل الهند محدودًا مقارنة بحجمها السكاني الكبير، وينطبق الأمر ذاته على مناطق مثل جنوب شرق آسيا وأفريقيا ومنطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية، حيث لا يزال مجال التوسع واسعًا. وفي الوقت نفسه، تبرز منطقة الشرق الأوسط كنموذج مختلف، إذ تشهد استثمارات كبيرة في قطاع السفر والسياحة، ضمن جهود واضحة لتنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة، إلى جانب تنشيط السياحة الداخلية وجذب الزوار من الخارج. وهذا التوجه يفتح أمام "هيلتون" فرصًا كبيرة لتعزيز حضورها في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

وفي ختام هذه الرحلة، وعند النظر إلى ما حققناه حتى اليوم، أستطيع القول إن "هيلتون" أصبحت اليوم أكبر بنحو مرتين إلى ثلاث مرات مقارنة بما كانت عليه قبل 18 عامًا. ومع ذلك، فإن ما ينتظرنا لا يقل طموحًا، إذ أتوقع أنه خلال السنوات العشر القادمة سنواصل هذا النمو، لنصبح أكبر بالوتيرة نفسها مرة أخرى، مع شبكة عالمية أكثر قوة وانتشارًا. ويأتي هذا التوسع في إطار هدف واضح، يتمثل في أن نكون قادرين على تلبية احتياجات أي عميل، في أي مكان حول العالم، وبالشكل الذي يتناسب مع توقعاته. أما ما يزيد من حماسي تجاه المرحلة المقبلة، فهو الدور الذي سيلعبه الذكاء الاصطناعي، سواء في تحسين تجربة الضيف أو في تطوير مستوى الخدمة التي نقدمها. فهذا التقدم يمنحنا فرصة حقيقية لتعزيز موقعنا، ليس فقط كأفضل بيئة عمل، بل كأفضل وجهة للإقامة. وبذلك، لا تبدو الرحلة وكأنها وصلت إلى نهايتها، بل على العكس، ما زالت في بدايتها، مع آفاق أوسع وفرص أكبر ترسم ملامح المرحلة القادمة.

Explore a career with us