Skip to main content

دور هيئات الجمارك في تعزيز منظومة المناطق الاقتصادية الخاصة

تزداد فرص المناطق الاقتصادية الخاصة في تعزيز النمو الاقتصادي، عندما تؤدي هيئات الجمارك دورًا في عملية صنع القرار وتساهم في شؤون الحوكمة وعلاقات الجهات المعنية.

تؤدي هيئات الجمارك دورًا رئيسيًا في ما يتعلق بالمناطق الاقتصادية الخاصة من خلال تسهيلها للتجارة وضمان الامتثال وتحصيل الإيرادات (في بعض الأحيان)، إلا أن هذه الهيئات غالبًا ما تواجه تحديات أمام تحقيق الأثر المرجو، وقد يُعزى هذا إلى افتقارها للصلاحيات والقوانين التي تتفرد هذه الهيئات بها دون سواها، الأمر الذي ينتج عنه إخفاق المناطق الاقتصادية الخاصة في تحقيق أفضل ما لديها من إمكانات.

تنطوي الهياكل التنظيمية للمناطق الاقتصادية الخاصة على بعض التعقيدات، فالكثير منها معفاة من الضرائب إذ أن الهدف من إنشائها هو تعزيز الممارسات الأبسط للتجارة، ولذلك، يجب على هيئات الجمارك أن تصمم نُهج عملها بالتماشي مع مثل هذه الأهداف. بالإضافة إلى ذلك، فإن المساهمة الاقتصادية لهذه المناطق غير محددة، ففي حين أن بعضها يُثري الاقتصاد ككل، يحتضن بعضها الآخر أنشطة التهريب والتزوير وغسيل الأموال.

ويجب ألا تحدث مثل هذه الأنشطة، لذا من شأن إشراك هيئات الجمارك في شؤون المناطق الاقتصادية الخاصة بشكل أكبر، أن يساعد على نجاح هذه المناطق في عملها. ولمساعدة المناطق الاقتصادية الخاصة على الازدهار، على هذه الهيئات أن تضطلع بأدوار تمكينية وتسهيلية أكثر وعدم الاكتفاء بدورها في إنفاذ القوانين. وتزداد فرص المناطق الاقتصادية الخاصة في تعزيز النمو الاقتصادي، عندما تؤدي هيئات الجمارك دورًا في عملية صنع القرار وتساهم في شؤون الحوكمة وعلاقات الجهات المعنية.

خمسة أسسٍ للنجاح

شهد عدد المناطق الاقتصادية الخاصة في العالم ارتفاعًا كبيرًا إذ قفز من 800 منطقة في منتصف التسعينيات إلى أكثر من 4000 منطقة حاليًا، وقد عملت هذه المناطق على توليد أكثر من 70 مليون وظيفة 1 ، الأمر الذي يعكس الدور المحوري الذي باتت هذه المناطق تؤديه في خطط التنمية الاقتصادية للعديد من الدول. ومن شأن الحكومات التي تدعم نجاح هذه المناطق أن تحقق نجاحات على صعيد خمسة مجالات (انظر الشكل أدناه):

  • وضع استراتيجيات متكاملة ومتناسقة: تبرز المناطق الناجحة عادة نتيجة لإجراء التحليلات المفصلة حول كيفية تحقيقها القيمة المرجوة في الاقتصاد على النطاق الأوسع، إذ تحدد هذه التحليلات القيمة التي تقدمها المناطق لإظهار مدى قدرتها على جذب الاستثمارات في ضوء التنافسية الشرسة التي يشهدها قطاع المناطق الاقتصادية الخاصة عالميًا. وتعد بعض هذه المناطق أكثر إنتاجية بسبب طبيعة تصميمها، فتلك التي تعمل كمراكز للشحن العابر لا تقدم الكثير من القيمة خارج نطاق توليد الوظائف في الموانئ نفسها. ولكن، إذا كان صنّاع القرار يرون في كون هذه المناطق مراكز للشحن العابر أساسًا لمنظومة أوسع، تصبح المناطق عندئذ قادرة على تقديم قيمة مختلفة، ويجب عليها تسليط الضوء على عوامل مثل سهولة الوصول إلى سلسلة التوريد والقدرة على جذب وتطوير الكفاءات المحلية.
  • تقليل القيود وتقديم الحوافز: يرتبط نطاق وحجم الحوافز بشكل عام ارتباطًا مباشرًا بقوة القيمة المقترحة، وتتمتع بعض المناطق بمزايا طبيعية كبيرة، منها على سبيل المثال سهولة الوصول إليها بحرًا، والقرب من الاقتصادات الإقليمية الكبيرة، والبيئة المناسبة للعيش والعمل، وتحتاج هذه المناطق إلى جهود أقل لجذب الاستثمار مقارنة بالمناطق التي تحتاج إلى المزيد من الجهد لإقناع المستثمرين بالاستثمار فيها.
  • جذب كبرى الجهات الاستثمارية: تتمثل هذه الجهات في الشركات التي تؤدي دورًا كبيرًا نسبيًا في سلسلة التوريد، والتي تجذب الموردين الموزعين والأعمال الثانوية. لذلك، على المناطق الاقتصادية الخاصة أن تجذب مثل هذه الجهات من خلال إقناعها بجودة البنية التحتية وروابط النقل الخاصة بها، ومن خلال عرضها للتكاليف التنافسية.
  • جذب القطاعات المتقاربة: تحدد المناطق الناجحة مواطن التقارب بين الموردين ومقدمي التدريب والشركات ذات الصلة، وعند النجاح في الحصول على كبار المستثمرين، ستؤدي الجهات المعنية المتقاربة أدوارًا بارزة في إيجاد منظومة قوية قائمة على المصالح المشتركة.
  • تطوير البنية التحتية وبناء مجتمعات مزدهرة: تركز المناطق التي تنجح في جذب المستثمرين على إيجاد أماكن جذابة للعيش والعمل، ولذلك، فهي تحرص على تحقيق العوامل الجاذبة بدءًا من التخطيط الدقيق للأراضي وحتى الاستثمار في المدارس وفرص الأنشطة الترفيهية.
We strive to provide individuals with disabilities equal access to our website. If you would like information about this content we will be happy to work with you. Please email us at: McKinsey_Website_Accessibility@mckinsey.com

تحقق المناطق الاقتصادية الخاصة الناجحة فوائد اقتصادية كبيرة. على سبيل المثال، شكّلت منطقة شينزين الاقتصادية الخاصة 338 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي للصين في عام 2017، متفوقة بذلك على المناطق الاقتصادية الخاصة بسنغافورة وهونج كونج. وتعد هذه الأرقام مثيرة للإعجاب، إذ كانت شينزين مجرد مقاطعة صغيرة في الثمانينيات. 2 ورفعت شينزين نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 25 في المئة سنويًا من عام 1978 إلى عام 2014 وضاعفت من ناتجها الاسمي خلال الفترة 2011-2018. أما في دبي، ارتفع إجمالي حجم التجارة في المناطق الاقتصادية الحرة بنسبة 22 في المئة سنويًا في الأشهر التسعة الأولى من عام 2018 فقط. 3 وفي بنغلاديش، وظّفت مناطق تجهيز الصادرات 481,000 عاملًا مباشرًا في عام 2017، وساهمت بنسبة 19 في المئة من إجمالي الصادرات. 4

بعض السلبيات

مع كل ما سبق، هناك جانب آخر لقصص النجاح هذه، فقد تحمل المناطق الاقتصادية الخاصة التي تُدار بشكل خاطئ تأثيرات سلبية كبيرة في طياتها. على سبيل المثال، من شأن الغياب النسبي للتنظيم والرقابة أن يوفر فرصًا للنشاطات غير المشروعة، مثل الاتجار بالسلع المزورة وغسيل الأموال والاتجار بالبشر والمخدرات والأسلحة. ففي دراسة حديثة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تبين أن وجود مناطق التجارة الحرة (وهي مجموعة فرعية من المناطق الاقتصادية الخاصة) وعددها وحجمها له علاقة بحجم المنتجات المزورة والمقرصنة، ووجدت الدراسة أيضَا أنه في المتوسط، ترتبط كل منطقة تجارة حرة إضافية بزيادة قدرها 5.9 في المئة في قيمة الصادرات المشبوهة. 5

على الرغم من جهود الحكومات، فإن عددًا كبيرًا من المناطق الاقتصادية الخاصة تفشل في تحقيق الكثير من أهدافها. ووجدت دراسة أجرتها ماكنزي حول 30 منطقة مماثلة، أن نصف هذه المناطق شكل نقطة ضعف في اقتصادات دولها. لماذا تفشل المناطق الاقتصادية الخاصة؟ في بعض الأحيان، تكون القيمة التي تقدمها غير مناسبة، أو قد تكون المنطقة غير قادرة على المنافسة مع أقرانها الإقليميين. في حالات أخرى، يتعثر التنفيذ، خاصة إذا كان واضعو السياسات في حكومات هذه المناطق يؤمنون أن تقديم امتيازات ضريبية وامتيازات في الرسوم هو عامل كافٍ لجذب المستثمرين. بيد أنه في الواقع قد تكون الامتيازات مفيدة إلا أنها غير كافية في حد ذاتها، إذ يجب أن تمتلك المناطق الاقتصادية الخاصة أيضًا بنية تحتية ممتازة، وعمليات مبسطة في الجمارك والموانئ، إلى جانب إجراءات تخليص مبسطة، ومجموعة كبيرة من المزايا غير النقدية التي تشكل ككل حزَم جاذبة للمستثمرين.

ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الجمارك؟

عندما تفكر الشركات في الاستثمار في المناطق الاقتصادية الخاصة، فإنها تطلب معلومات حول مجموعة من العوامل، بما في ذلك الحوكمة والبنية التحتية، ومدى توافر الكفاءات المحلية، وإمكانية الوصول إلى المدارس والمستشفيات. وفيما يلي أبرز الأسئلة التي قد تطرحها هذه الشركات:

  • هل نحن واثقون من أن إدارة المنطقة مستقرة وأن السياسات التأسيسية لن تتغير بتغير الإدارة؟ هل لدى الدولة المعنية الاتفاقيات التجارية المناسبة؟ هل ستلتزم السلطات بالوعود المقدمة بشأن التخفيضات الضريبية وتسهيل التجارة؟
  • هل البنية التحتية للميناء والطرق القريبة ومرافق السكك الحديدية كافية لدعم العمليات؟ هل سيكون الوصول إلى المنطقة وخارجها سريعًا بما فيه الكفاية؟ هل سيستطيع مورّدونا أن يؤدوا دورهم في المنطقة على أكمل وجه؟
  • هل سنكون قادرين على جذب وتطوير الكفاءات المحلية؟ هل يمكن لنا أن نجلب مديرين ذوي خبرة لدعم العمليات لعدد من السنوات؟
  • إذا جلبنا هؤلاء المديرين، فهل سيجدون أماكن جذابة بشكل معقول للعيش مع أسرهم؟ هل هناك مدارس للأطفال الأجانب؟

يمكن أن تؤدي هيئات الجمارك دورًا رئيسيًا في المساعدة على تحقيق هذه الأهداف، وبإمكانها أن تحدث فرقًا في خمسة مجالات رئيسية. 6

تحقيق الوعود: يجب على هيئات الجمارك أن تفي بوعود تسهيل التجارة التي تعطيها للمستثمرين. يريد المستثمرون ويحتاجون إلى أن يروا أن الجمارك جزءًا من عملية إنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة لضمان وجود حوافز لتشجيع التجارة وتسهيلها. ومن المهم السعي لتحقيق مستهدفات أخرى غير مذكرات التفاهم، مثل إبرام اتفاقيات مستوى الخدمة مع الجهات المشغلة للموانئ وتلك التي تدير المنشآت ذات الصلة (حيث تخضع المناطق الاقتصادية الخاصة للإدارة الخاصة)، بالإضافة إلى هيئات الجمارك التي من شأنها أن تسهّل إحراز التقدم من خلال تحديدها لمواقع الوحدات المحلية القريبة من المناطق الاقتصادية الخاصة.

استخدام المعلومات لإثراء الاستراتيجية: تواجه هيئات الجمارك تحديات يتمثل أبرزها بقلة الاطلاع على بيانات البضائع الواردة والصادرة، وخاصة في المناطق الاقتصادية الخاصة. بالإضافة إلى ذلك، تمارس الجهات الحكومية الأخرى ومجتمع الأعمال ضغوطًا عليها لتحسين تسهيل الأعمال من خلال تقليل أوقات معالجة البضائع والمعاملات. وفي الوقت نفسه، تتسارع وتيرة التحول الآلي لسلاسل التوريد اللوجستية، إلى جانب استحداث ابتكارات مثل أنظمة منصات البضائع الآلية التي تقلل أوقات معالجة الشحنات بنسبة تصل إلى 50 في المئة. 7 ولكي تتسم عمليات هيئات الجمارك بالفعالية والكفاءة المطلوبة، فإنها تحتاج إلى زيادة موارد المعلومات الخاصة بها ومواكبة هذه التغييرات من خلال إنشاء مجموعات البيانات واستخدام التحليلات المتطورة لأنشطة مثل التيسير وفحص المخاطر وإنفاذ القوانين، ويمكن لهذه الهيئات بعد ذلك تركيز تدخلاتها بما لا يتجاوز الحد الأدنى لعدد الشحنات، مع الاستمرار في تحقيق أهداف الإيرادات والأمان.

المشاركة في عملية صنع القرار: تدعو الحاجة إلى أن تشارك هيئات الجمارك في عملية صنع القرار من لحظة تلقي عرض إنشاء منطقة اقتصادية خاصة ومرورًا بإدارة العمليات التشغيلية اليومية في المنطقة، وهذا حتى تتمكن هذه الهيئات من الانخراط بانتظام وفعالية مع بقية الجهات الحكومية والقطاعية. ومن خبرتنا في هذا المجال، نرى أنه تتسم هيئات الجمارك بعقلية حل المشكلات، وعادة ما تحظى آراؤها وخبراتها بالقبول والترحيب.

ضمان الحوكمة الجيدة: يجب أن تأخذ هيئات الجمارك زمام المبادرة في تصميم ودعم أطر الحوكمة السليمة لضمان إدارة المناطق وفقًا للمتطلبات التنظيمية المحلية والإقليمية والعالمية.

سعي الجهات لتغدو كسفراء دوليين: يجب على هيئات الجمارك الرائدة التواصل مع نظيراتها حول العالم لمناقشة التحديات المشتركة وتطوير أفضل الممارسات من خلال المناقشات الثنائية والشراكات والتعاون مع الهيئات الإقليمية مثل منظمة الجمارك العالمية، إذ يتمثل المحور الرئيسي لعمل هيئات الجمارك في عدم الاكتفاء بالتركيز على التحديات، بل تجاوز ذلك ليشمل مشاركة قصص النجاح.


يمكن أن تكون المناطق الاقتصادية الخاصة بمثابة محركات قوية للنمو الاقتصادي، ولكن إذا تم التخطيط لها أو تنفيذها بشكل سيئ، قد يؤدي هذا إلى تعزيز النشاطات غير المشروعة. لذلك، عندما تفكر الحكومات في خياراتها، تؤدي هيئات الجمارك دورًا مهمًا في هذا السياق. يمكن للعناصر الخمسة الرئيسية للمناطق الاقتصادية الخاصة الناجحة، وهي الاستراتيجية والحوافز والمستثمرين الرئيسيين والقطاعات المتقاربة المجاورة والبنية التحتية، أن تستفيد جميعًا من المشاركة الوثيقة لهيئات الجمارك في عملية صنع القرار، فهذا يمّكنها من تحقيق الاتصال بين الحكومات والمستثمرين وحل المشكلات وضمان الالتزام بالقواعد والقوانين الأساسية.

يجب أن تضمن هيئات الجمارك قدرتها على تقديم مساهمة قيمة من خلال مشاركتها في صنع القرار وهي مزودة بالمعرفة والبيانات التي تساعد على تبسيط عملية إنشاء مناطق اقتصادية خاصة ناجحة. ويمكن أن تؤدي الهيئات التي لديها القدرة على الاستفادة بأكبر قدر ممكن من إمكاناتها دورًا حيويًا في نجاح المناطق الاقتصادية الخاصة التي تقدم فوائد طويلة الأجل.

نبذة عن الكتّاب

جوناثان ديفيس هو شريك في مكتب ماكنزي في واشنطن، وجون سبانر يعمل معنا كمستشار، وتوم إشروود ورشيد معلولي هما شريكين في مكتب ماكنزي في دبي، ورينير فان دير ليلي هو مستشار في مكتب ماكنزي في أمستردام.