ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
في وقتٍ تتسارع فيه استثمارات الشركات في تطوير أنظمة الإنتاج العالمية وتحديث مصانعها، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على كثير من المؤسسات: لماذا لم تنعكس هذه الاستثمارات الضخمة دائماً على مستوى الأداء التشغيلي بالشكل المأمول؟ فحتى الشركات التي وضعت معايير موحّدة للعمل، ووسّعت استخدام الأدوات الرقمية، وأطلقت العديد من مبادرات التطوير والتحسين عبر شبكاتها الإنتاجية، لا تزال في كثير من الأحيان عاجزة عن تحقيق نتائج تتناسب مع حجم الجهود والموارد التي سخّرتها لهذه المساعي.
ولعل السبب الرئيس وراء ذلك، بحسب ما توصلت إليه ماكنزي، أن كثيراً من هذه الأنظمة لا تتمتع فعلياً بالترابط والتكامل الذي يفترض أن يميزها، بل يقتصر ذلك على المسمّى فقط. فقد أظهر استطلاع أجرته الشركة وشمل أكثر من 100 مدير تنفيذي للعمليات في القطاع الصناعي أن 74 في المئة من الشركات تؤكد امتلاكها نظام إنتاج عالمياً موحداً، إلا أن 29 في المئة فقط أفادت بأن هذا النظام مطبّق بالكامل في جميع مواقعها التشغيلية. أما في الواقع العملي، فتكتفي معظم المؤسسات بتطبيق هذه الأنظمة في مصانع محددة أو ضمن وظائف تشغيلية بعينها، في حين يبقى تطبيقها جزئياً على مستوى المؤسسة ككل. ونتيجة لذلك، تتفاوت أساليب العمل ومستويات الأداء بين موقع وآخر، ما يحد من قدرة الشركات على تحقيق الفائدة المرجوة من هذه الأنظمة على امتداد شبكاتها الإنتاجية.
ولا يختلف الوضع كثيراً عندما يتعلق الأمر بالقدرات الرقمية المرتبطة بهذه الأنظمة. فعلى الرغم من أن ما يقارب ثلاثة أرباع مديري العمليات أفادوا بأن شركاتهم تستخدم أدوات رقمية موحّدة، فإن هذه الأدوات لا تزال في كثير من الحالات محصورة ضمن مواقع أو منشآت محددة، بدلاً من تعميمها وتوسيع نطاق الاستفادة منها على مستوى المؤسسة بأكملها. والأهم من ذلك أن أياً من المشاركين في الاستطلاع لم يشر إلى نجاح مؤسسته في دمج التحليلات المتقدمة أو الذكاء الاصطناعي أو الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل كامل ضمن عمليات اتخاذ القرار. ويُقصد بالذكاء الاصطناعي التوليدي الأنظمة القادرة على إنتاج محتوى أو توصيات أو حلول جديدة استناداً إلى البيانات والمعطيات المتاحة، بما يدعم اتخاذ قرارات أكثر سرعة ودقة. وفي ظل هذا الواقع، تجد الشركات نفسها تسعى إلى تحقيق التحسين المستمر في الأداء من دون امتلاك الرؤية المتواصلة والمترابطة التي تتيحها التقنيات الحديثة. فهذه الرؤية لا تقتصر على جمع البيانات فحسب، وإنما تشمل ربط المعلومات القادمة من مختلف المواقع والعمليات وتحويلها إلى مؤشرات عملية تساعد على اتخاذ قرارات أكثر فاعلية في الوقت المناسب. وهنا تحديداً تبرز القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي، الذي يتيح للمؤسسات فهماً أشمل لأدائها وقدرة أكبر على اكتشاف فرص التحسين قبل أن تتحول إلى تحديات تشغيلية.
ونتيجة لذلك، تقع المؤسسات عادةً في أحد مسارين لا يحققان النتائج المرجوة. فبعضها يلجأ إلى إطلاق مجموعة من المبادرات المتفرقة، مثل برامج تطوير الإنتاج، ومشروعات تحليل البيانات التجريبية، ومبادرات بناء القدرات والمهارات، إلا أن هذه الجهود تبقى منفصلة عن بعضها بعضاً ولا تتكامل ضمن منظومة موحدة تقود إلى تغيير مؤسسي حقيقي. في المقابل، تتجه مؤسسات أخرى إلى النقيض تماماً، فتسعى إلى فرض درجة عالية من المركزية بهدف توحيد الأداء وضمان الالتزام بالمعايير نفسها في جميع المواقع. غير أن هذا النهج غالباً ما يصطدم بواقع العمليات اليومية، إذ يصعب تطبيق معايير جامدة وآليات رقابة مركزية صارمة على بيئات تشغيلية تختلف ظروفها واحتياجاتها من موقع إلى آخر. وفي كلتا الحالتين، تضيع فرصة الاستفادة الكاملة من المعلومات المتاحة. فالمشكلات التي تكشفها البيانات لا تُعالج دائماً بالسرعة المطلوبة، كما أن النجاحات التي تحققها بعض المواقع لا يجري تعميمها والاستفادة منها على نطاق أوسع. لذلك تظهر نتائج إيجابية في أماكن محددة، لكنها تبقى حالات فردية يصعب تكرارها أو المحافظة عليها مع مرور الوقت.
والحقيقة أن نظام الإنتاج العالمي لا يصبح نظاماً متكاملاً بمجرد توحيد الأدوات أو اعتماد المعايير نفسها في مختلف المصانع. فقيمة هذا النظام تظهر عندما تتمكن المؤسسة من الاستفادة من المعلومات المتاحة لديها وتحويلها باستمرار إلى قرارات وإجراءات عملية على أرض الواقع. فعندما تكشف بيانات الأداء عن المشكلات والفرص التي تستحق الاهتمام، يصبح من الأسهل تحديد الأولويات وتوجيه الجهود نحو ما يحقق نتائج ملموسة. ومن هنا تنتقل هذه المعطيات إلى فرق العمل في صورة إجراءات واضحة وأساليب عمل يمكن تطبيقها بشكل يومي. ومع ظهور النتائج، تعود الخبرات والدروس المستفادة لتغذي المرحلة التالية من التطوير. كما تستفيد المواقع الأخرى من التجارب الناجحة بدلاً من البدء من الصفر في كل مرة. ومع استمرار هذه الدورة، تتراكم المعرفة داخل المؤسسة وتتسارع وتيرة التحسين، ليصبح التطوير عملية مستمرة تنمو قوتها بمرور الوقت.
وعندما ترسخ هذه الأسس داخل المؤسسة، يصبح من الممكن الانتقال إلى مستوى جديد من التطوير. فقد بدأت بعض الشركات دمج أدوات التحليل التنبئي والذكاء الاصطناعي التوليدي مباشرة في العمليات اليومية داخل المصانع، لتزويد فرق التشغيل بتوصيات فورية تستند إلى البيانات المتاحة، بما يساعدها على التعامل مع المشكلات واتخاذ القرارات في الوقت المناسب. كما تلجأ شركات أخرى إلى منصات رقمية تتيح مقارنة الأداء بين المصانع المختلفة، الأمر الذي يساعد على اكتشاف التجارب الناجحة والاستفادة منها في المواقع الأخرى، إلى جانب تسليط الضوء على الجوانب التي تحتاج إلى تحسين ومعالجتها بصورة أسرع. ومع ذلك، لا يعود الفضل في هذا التقدم إلى تقنية بعينها أو منهجية محددة. فالعامل الحاسم يتمثل في قدرة المؤسسة على جعل التحسين جزءاً من ثقافة العمل اليومية. فالبيانات توجه القرارات، والأدوات الرقمية تدعم التنفيذ، والموظفون في مختلف المستويات يشاركون في تطوير الأداء وتحمل مسؤولية نتائجه.
وتتناول هذه المقالة الكيفية التي يمكن للشركات من خلالها تحويل هذا التوجه إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. فالأمر لا يتعلق بأفكار نظرية أو تصورات مستقبلية، بل بممارسات أثبتت قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في الأداء. وتكشف التجارب العملية حجم الأثر الذي يمكن تحقيقه عند تطبيق هذه المبادئ بصورة متكاملة. فقد نجحت إحدى الشركات الصناعية العالمية في زيادة طاقتها الإنتاجية بنسبة تراوحت بين 40 إلى 50 في المئة. كما تمكنت شركة أوروبية متخصصة في علوم الحياة من خفض تكاليف التشغيل بأكثر من 60 مليون دولار خلال عام واحد فقط، بعد إعادة تصميم نظام الإنتاج وتطبيقه بصورة موحدة في مختلف مواقعها.
كيف يصبح نظام الإنتاج العالمي نظاماً متكاملاً فعلاً
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
بناءً على تحليل الشركات التي نجحت في تحقيق النتائج المرجوة من أنظمة الإنتاج العالمية لديها، تبيّن أن الطريق إلى ذلك يقوم على ثلاث خطوات رئيسية. تبدأ بتوفير رؤية واضحة ودقيقة للأداء، تليها معالجة فجوات المهارات والقدرات داخل فرق العمل، ثم توظيف التكنولوجيا بوصفها الركيزة التي تدعم تنفيذ المبادرات وتساعد على نقل المعرفة والاستفادة من الخبرات المتراكمة بشكل مستمر.
رسم صورة متكاملة للأداء الحالي قبل البدء في التغيير
تبدأ الخطوة الأولى نحو بناء نظام إنتاج عالمي متكامل وفعّال بتكوين صورة واضحة ودقيقة عن مستوى الأداء الفعلي في مختلف المواقع. فغياب مرجع موحّد يمكن الاحتكام إليه يجعل جهود التطوير عرضة للتشتت مهما كانت النوايا جيدة. إذ قد تطلق الفرق المحلية مبادرات يصعب قياس نتائجها أو الاستفادة منها في مواقع أخرى، في حين تضع الإدارات المركزية معايير جديدة من دون امتلاك رؤية دقيقة تستند إلى حقائق ومعطيات واضحة. ولهذا السبب، تبدأ الشركات الصناعية التي تحقق نتائج ملموسة بتقييمات شاملة تعتمد على البيانات لقياس مستوى التطور في كل موقع. ويشمل ذلك الجوانب التشغيلية وأساليب العمل ومدى الاستفادة من التقنيات الرقمية، مع مقارنة النتائج بمعايير موحدة تحدد بوضوح ما الذي يُعد أداءً جيداً وما الذي يحتاج إلى تطوير. وتكمن قيمة هذه الخطوة في أنها تغيّر طبيعة النقاش داخل المؤسسة. فبدلاً من الاعتماد على الانطباعات الشخصية أو الآراء المتباينة، تصبح القرارات مبنية على حقائق قابلة للقياس. كما تمنح القيادات رؤية أوضح تساعدها على تحديد الأولويات، واختيار الجوانب التي تستحق التدخل أولاً، وتمييز الممارسات الناجحة التي يمكن تعميمها في المواقع الأخرى.
على سبيل المثال، بدأت إحدى الشركات العالمية العاملة في قطاع السلع الاستهلاكية بإجراء تقييم منهجي شمل 15 موقعاً إنتاجياً. وكشفت النتائج عن تفاوت كبير في الممارسات الأساسية بين موقع وآخر، بدءاً من اختلاف إجراءات الصيانة ووصولاً إلى غموض المسؤوليات المرتبطة بالأداء ومتابعة نتائجه. وعند مقارنة أداء كل مصنع استناداً إلى مجموعة موحدة من المؤشرات، حصلت الشركة للمرة الأولى على صورة دقيقة تكشف الفروقات الفعلية بين مواقعها المختلفة، وتحدد المجالات التي تستحق التركيز لتحقيق تحسينات ملموسة. وشكّلت هذه الرؤية الواضحة الأساس الذي استندت إليه الشركة في تنفيذ برنامج التحول. فقد ساعدت الإدارة على ترتيب أولويات العمل وتحديد الخطوات التي ينبغي البدء بها، كما كشفت الجوانب التي تتطلب تعزيز المهارات والقدرات، ووفرت مرجعاً موثوقاً لمتابعة التقدم وقياس النتائج مع مرور الوقت.
وفي إحدى شركات الأدوية العالمية، برزت فروقات واضحة بين مواقع الإنتاج في كفاءة تشغيل المعدات وفي قدرة فرق العمل على التعامل مع المشكلات وحلها. وكشف التقييم أن هذه الفجوات لم تنشأ بسبب اختلاف التقنيات وحدها، بل تأثرت أيضاً بطريقة إدارة العمليات اليومية ومتابعة الأداء في كل موقع.
تطوير الكفاءات وفق متطلبات العمل الفعلية
بعد تكوين صورة واضحة عن مستوى الأداء وتحديد الجوانب التي تحتاج إلى تطوير، تنتقل الشركات إلى مرحلة لا تقل أهمية، وهي بناء المهارات والقدرات اللازمة لمعالجة هذه الفجوات. غير أن كثيراً من المؤسسات تفترض أن هذه الخطوة ستسير تلقائياً بمجرد معرفة المشكلة وتحديد أسبابها. ومن هنا تبدأ أخطاء تتكرر في العديد من الشركات. فبعضها يكتفي بتنظيم برامج تدريبية أو إطلاق مبادرات قصيرة الأجل، على أمل أن ينعكس ما يتعلمه الموظفون تلقائياً على أعمالهم اليومية. في المقابل، تتجه مؤسسات أخرى إلى وضع معايير وتعليمات واضحة وتعميمها على فرق العمل، لكنها لا تُحدث تغييراً فعلياً في طريقة إدارة العمل أو متابعة التنفيذ. وعندها يعرف الموظفون ما هو مطلوب منهم نظرياً، لكنهم لا يحصلون على الدعم والتوجيه اللذين يساعدانهم على تحويل هذه التوجيهات إلى ممارسات يومية. وفي ظل هذا الواقع، تظهر فروقات واضحة في مستوى المهارات بين موقع وآخر، ويصبح التقدم مرتبطاً بجهود أفراد محددين يقودون عملية التطوير. ومع انتقال الاهتمام إلى أولويات أخرى، أو مغادرة هؤلاء الأشخاص مواقعهم، تبدأ النتائج المحققة بالتراجع تدريجياً وتفقد زخمها بمرور الوقت.
غير أن الشركات التي تنجح في تطوير مهارات فرقها على نطاق واسع تدرك أن معرفة الواقع وحدها لا تكفي لإحداث تغيير حقيقي. فامتلاك بيانات دقيقة عن الأداء أو تحديد جوانب القصور لا يؤدي تلقائياً إلى تحسين النتائج، ما لم ينعكس ذلك على طريقة العمل اليومية داخل المواقع المختلفة. ولهذا تعتمد هذه الشركات أسلوباً واضحاً يساعد على تحويل ما تكشفه التحليلات والبيانات إلى ممارسات عمل ثابتة يمكن تطبيقها بشكل يومي. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في المؤسسات التي تدير عدداً كبيراً من المواقع والفرق، حيث يصبح من الضروري توحيد أسلوب العمل من دون سحب صلاحيات اتخاذ القرار من العاملين في الميدان أو حصر معالجة المشكلات في جهة مركزية واحدة. ومن هذا المنطلق، توفر المؤسسات التي تحقق تقدماً ملموساً أطر عمل وإرشادات عملية تساعد الموظفين على أداء مهامهم بالطريقة المطلوبة منذ وقت مبكر. ويسهم ذلك في تسريع اكتساب الخبرة والمهارات اللازمة للأدوار التشغيلية، الأمر الذي ينعكس على رفع الإنتاجية وتحسين الجودة وتعزيز مستويات السلامة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مساحة كافية تتيح لكل موقع التعامل مع ظروفه واحتياجاته الخاصة.
ويتضح ذلك في تجربة شركة السلع الاستهلاكية العالمية التي أشرنا إليها سابقاً. فبعد الانتهاء من تقييم مواقعها المختلفة، وضعت الشركة إطاراً عملياً يحدد بصورة واضحة شكل الأداء المطلوب في مختلف جوانب العمل. وشمل هذا الإطار أكثر من 20 جانباً تشغيلياً، بدءاً من أساليب قيادة فرق الإنتاج وطريقة التعامل مع المشكلات اليومية، وصولاً إلى كفاءة استهلاك الطاقة. ولدعم تطبيق هذا النهج، أنشأت الشركة فريقاً مركزياً لمساندة المواقع المختلفة ومتابعة تنفيذ المبادرات المتفق عليها. وتولى هذا الفريق تقديم التوجيه والدعم لفرق العمل، إلى جانب متابعة التقدم المحرز والتأكد من سير التنفيذ وفق المسار المطلوب. وسرعان ما بدأت النتائج بالظهور في المواقع التي بادرت إلى تطبيق هذا النهج. فقد ارتفعت الإنتاجية بنحو 25 في المئة، وهو ما قدم دليلاً عملياً على فاعلية التجربة وشجع مواقع أخرى داخل الشركة على اعتماد الأسلوب نفسه.
غير أن نجاح أي إطار عمل لا يتوقف على ما يتضمنه من مبادئ وإرشادات فحسب، بل يرتبط بدرجة كبيرة بطريقة تطبيقه على أرض الواقع. فقد أظهرت دراسات عديدة أن الموظفين يكتسبون المهارات بصورة أفضل عندما يكون التعلم جزءاً من العمل اليومي، لا نشاطاً منفصلاً يُمارس داخل قاعات التدريب. فالعاملون والمهندسون والمشرفون يطورون قدراتهم بوتيرة أسرع عندما يستخدمون الأدوات الجديدة لمعالجة تحديات حقيقية يواجهونها في أعمالهم، بدلاً من الاكتفاء بالتدريب النظري. وتجسد تجربتان حديثتان لشركتين عالميتين في قطاع السلع الاستهلاكية هذه الفكرة بوضوح. فعند توسيع برامج التميز التشغيلي لتشمل ما بين 15 إلى 20 موقعاً، اعتمدت كل شركة منصة رقمية موحدة أتاحت للفرق استخدام منهجية واحدة لتقييم الأداء، وفهم جوانب القصور، ومتابعة التقدم المحرز في تحقيق الأهداف الخاصة بكل موقع. وخلال بضعة أشهر فقط، بدأ أكثر من 3000 موظف باستخدام هذه المنصة. ولم يقتصر أثر ذلك على تسهيل متابعة الأداء، بل أسهم أيضاً في توحيد أسلوب العمل والمفاهيم المستخدمة بين الفرق المختلفة، ما عزز قدرة المواقع المتعددة على تبادل الخبرات والعمل وفق رؤية مشتركة رغم اختلاف وظائفها ومواقعها الجغرافية.
ولضمان ترسخ هذه الممارسات واستمرارها، تتجه بعض الشركات إلى تعزيز قدراتها في مجال التوجيه العملي ونقل الخبرات داخل مواقع العمل. فبدلاً من الاعتماد على التدريب التقليدي وحده، تحرص هذه المؤسسات على توفير أشخاص يمتلكون الخبرة الكافية لمرافقة فرق العمل ومساعدتها على تطبيق الأساليب الجديدة في بيئة التشغيل اليومية. وتوضح تجربة إحدى شركات الأدوية الآسيوية هذا التوجه. فمع إطلاق نظامها الإنتاجي الجديد، أنشأت الشركة برنامجاً حمل اسم "المسرّع الرقمي"، بهدف دعم بناء المهارات داخل مواقعها المختلفة. وشمل البرنامج تدريب وتوجيه أكثر من 50 موظفاً متفرغاً يعملون في خمسة مواقع موزعة على قارتين. ومع مرور الوقت، تحول هؤلاء الموظفون إلى نواة لقدرات جديدة داخل الشركة تقود جهود التطوير والتغيير. وأسهم وجودهم في تسريع تبني أساليب العمل الجديدة، الأمر الذي انعكس على رفع كفاءة تشغيل المعدات وتحسين مستوى التميز التشغيلي بصورة لافتة خلال عام واحد فقط.
ومع اتساع نطاق التطبيق داخل المؤسسة، لا يعود تطوير المهارات مجرد برامج تدريبية أو دورات تُعقد بين الحين والآخر. بل يتحول إلى أسلوب عمل راسخ يوجّه طريقة التفكير والتعامل مع التحديات اليومية في مختلف المواقع. وفي هذه المرحلة، تتبنى الفرق نهجاً موحداً في رصد المشكلات وتحليل أسبابها ومعالجتها، بحيث لا تبقى معالجة التحديات رهناً باجتهادات فردية أو خبرات متفرقة. ويعزز هذا النهج التعلم المستمر من خلال الممارسات اليومية المتكررة، فتتحول الخبرات المتراكمة إلى جزء من العمل اليومي بدلاً من أن تبقى حبيسة التقارير أو الاجتماعات. وبذلك تصبح المعلومات المستخلصة من الأداء أساساً للقرارات والإجراءات المتخذة في مختلف المواقع، ما يساعد على تحويل المعرفة إلى نتائج عملية بصورة منتظمة، ويضمن أن تستفيد المؤسسة بأكملها من الدروس والخبرات التي تتولد في أي موقع من مواقعها.
توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في المواضع التي تحقق قيمة حقيقية
بعد بناء أسس واضحة للأداء وتطوير المهارات اللازمة لدعم التحسين، يبرز دور التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تسريع وتيرة التغيير وتوسيع أثره. غير أن النتائج لا تتحقق بمجرد تبني أحدث التقنيات، بل تعتمد على اختيار المجالات التي يمكن أن تضيف فيها قيمة حقيقية للأعمال. وتشير أحدث أبحاث ماكنزي حول واقع الذكاء الاصطناعي إلى أن وتيرة تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء الرقميين تشهد تسارعاً ملحوظاً، بما في ذلك داخل القطاع الصناعي. ويُقصد بالوكلاء الرقميين أنظمة قادرة على تنفيذ مهام واتخاذ إجراءات بصورة شبه مستقلة، اعتماداً على الأهداف والتعليمات الموكلة إليها. وتعكس الأرقام هذا التوجه بوضوح. فقد أفادت 88 في المئة من المؤسسات بأنها تستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة منتظمة في وظيفة أعمال واحدة على الأقل، مقارنة بنحو 78 في المئة قبل عام واحد فقط. كذلك أشار 23 في المئة من المشاركين في الاستطلاع إلى أنهم بدأوا توسيع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء داخل مؤسساتهم، في حين أوضح 39 في المئة أنهم لا يزالون في مرحلة التجربة واختبار إمكانات هذه التقنيات.
غير أن الفارق لا يزال كبيراً بين تجربة الذكاء الاصطناعي في بعض المجالات وبين دمجه بصورة كاملة في العمليات التشغيلية. فقد أظهر استطلاع مديري العمليات الذي أجرته ماكنزي أن 2 في المئة فقط من الشركات نجحت في إدماج هذه التقنيات على امتداد عملياتها التشغيلية. ومع ذلك، بدأت تطبيقات عملية جديدة تكشف الإمكانات المتنامية للذكاء الاصطناعي داخل بيئات الإنتاج. فشركات رائدة في قطاعات مثل صناعة السيارات والدفاع شرعت بالفعل في استخدام أدوات تعتمد على الوكلاء الرقميين لرصد العيوب أثناء الإنتاج وإدارة بعض المهام اللوجستية، مثل توجيه الشحنات وتنظيم الجداول التشغيلية بصورة آلية. وتشير النتائج الأولية إلى أثر ملموس في سرعة الإنجاز، إذ نجحت بعض المؤسسات في تقليص مدة تنفيذ عدد من العمليات من عدة أيام إلى بضع ساعات فقط بفضل الأنظمة الذكية التي تتولى تنسيق المهام ومتابعة سير العمل بين الأنظمة المختلفة.
وتبرز قيمة الذكاء الاصطناعي أيضاً في دعم التعلم وتطوير المهارات داخل المؤسسات. فهذه التقنيات لا تساعد على تحليل البيانات وتحسين العمليات فحسب، بل تسهم في تسريع اكتساب الخبرات ونقل المعرفة بين الفرق المختلفة. وتوضح تجربة إحدى الشركات العالمية العاملة في قطاع الكيماويات هذا التوجه. فقد نفذت الشركة برنامج تحول شمل عدة مواقع، تولت خلاله تدريب مجموعة من الموظفين الذين قادوا جهود التغيير داخل مواقعهم المختلفة. وربط البرنامج بصورة مباشرة بين نتائج التقييم وخطط التنفيذ، بحيث تتحول المشكلات التي يجري اكتشافها إلى خطوات عمل واضحة ومحددة. ومن خلال الجمع بين التحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية، تمكنت الشركة من نقل ثلاثة مواقع رئيسية من مرحلة التقييم إلى مرحلة التنفيذ خلال نحو عشرة أشهر فقط. وكانت هذه العملية تستغرق في السابق سنوات قبل الوصول إلى المستوى نفسه من التقدم.
أما في شركة السلع الاستهلاكية العالمية التي تناولنا تجربتها سابقاً، فقد لعبت الأدوات الرقمية دوراً محورياً في تسريع وتيرة التحول وترسيخ أساليب العمل الجديدة. وسعياً إلى تعميم الممارسات الناجحة والمحافظة على زخم التحسين، أطلقت الشركة منصة مركزية جمعت في مكان واحد مؤشرات الأداء، والخبرات المتراكمة، وأدوات ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي. وساعدت هذه الأدوات فرق العمل على اكتشاف فرص التحسين السريعة، ووضع خطط عملية لمعالجة التحديات، إلى جانب الاستفادة من تجارب فرق أخرى واجهت مشكلات مشابهة في مواقع مختلفة داخل الشركة. وفي الوقت ذاته، أصبح بإمكان المديرين في المواقع المختلفة متابعة الأداء لحظة بلحظة واتخاذ قرارات أسرع استناداً إلى بيانات محدثة باستمرار. وعلى مستوى الإدارة العليا، وفرت المنصة رؤية أوضح لمسار التنفيذ، وكشفت الجوانب التي تتقدم وفق الخطة والمجالات التي تعيق التقدم وتتطلب تدخلاً إضافياً. وانعكست هذه الجهود على النتائج بصورة مباشرة. فقد انخفضت التكاليف بنسبة تراوحت بين 15 إلى 20 في المئة، فيما أبدى أكثر من 85 في المئة من الموظفين رضاهم عن أسلوب العمل الجديد، وهو ما عكس قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة على مستوى الأداء وتجربة الموظفين في الوقت نفسه.
بناء نموذج إدارة يواكب متطلبات المستقبل
بعد أن تبدأ نتائج التحول بالظهور ويتحسن الأداء، يبرز تحدٍّ جديد لا يقل أهمية عن التحديات السابقة، وهو الحفاظ على هذا التقدم ومنع العودة إلى الأساليب القديمة. فكثير من الشركات تنجح في تحقيق نتائج جيدة خلال المراحل الأولى، لكنها تجد صعوبة في المحافظة عليها مع مرور الوقت. ولهذا تحرص المؤسسات التي تنجح في ترسيخ التحسين على إيجاد قنوات مستمرة لتبادل الخبرات والتجارب بين مواقعها المختلفة. ويشمل ذلك مراجعات دورية لقياس مستوى التقدم، ومجتمعات مهنية تجمع أصحاب الخبرات المتشابهة، وبرامج تتيح للفرق الاستفادة من تجارب مواقع أخرى واجهت تحديات مماثلة. وتزداد أهمية هذه الممارسات مع ظهور تقنيات جديدة، أو انتقال القيادات إلى أدوار مختلفة، أو تغير أولويات العمل بمرور الوقت. فهي تساعد المؤسسة على الحفاظ على المعرفة المتراكمة وعدم فقدانها مع تغير الظروف. ومع استمرار هذا النهج، يتحول نظام الإنتاج تدريجياً من مجموعة أدوات ومبادرات منفصلة إلى إطار إداري متكامل يدعم التطوير بصورة مستمرة. ويستمد هذا الإطار قدرته على التجدد من البيانات التي توفر رؤية واضحة للأداء، ومن التعاون بين الفرق المختلفة، ومن الخبرات والأفكار التي يطورها العاملون أثناء ممارستهم اليومية لأعمالهم.
ويؤدي هذا التحول إلى تغيير جوهري في دور قادة العمليات داخل المؤسسات. فبدلاً من تركيز جهودهم على تحسين أداء كل موقع بصورة منفصلة، يصبح دورهم موجهاً نحو تعزيز التعاون بين المواقع المختلفة وتسريع تبادل الخبرات والممارسات الناجحة بينها، بما يساعد على نشر التحسينات والاستفادة منها على نطاق أوسع. ويتطلب ذلك فهماً دقيقاً لما ينبغي توحيده على مستوى المؤسسة بأكملها، وما يجب تركه لكل موقع ليتعامل معه وفق ظروفه ومتطلباته الخاصة. فنجاح الشركات لا يعتمد على فرض نموذج موحد في كل التفاصيل، كما لا يتحقق بترك كل موقع يعمل بمعزل عن الآخرين، وإنما يقوم على إيجاد التوازن المناسب بين الأمرين. ومن هنا تبرز أهمية آليات الإدارة والمتابعة التي تحافظ على استمرارية التحول وتدعمه مع مرور الوقت. فمتابعة التقدم، وتطوير المهارات، وتبادل الخبرات بين المواقع المختلفة تشكل الأساس الذي تقوم عليه جهود التطوير. ومن خلالها يتحدد ما إذا كانت التحسينات ستتلاشى مع مرور الوقت أم ستتحول إلى ممارسة مستدامة داخل المؤسسة.
وتوضح تجربة شركة السلع الاستهلاكية التي تناولناها كيف يمكن الحفاظ على زخم التحول بعد تحقيق النتائج الأولية. فقد اعتمدت الشركة في البداية على مراجعات ربع سنوية منتظمة لقياس مستوى التقدم، وهو ما أتاح لها تحديث معايير المقارنة بصورة مستمرة واكتشاف مجالات جديدة تستحق الاهتمام والتطوير. وفي موازاة ذلك، وفرت الشركة جلسات توجيه رقمية ومنصات لتبادل الخبرات بين فرق العمل في المواقع المختلفة. وأتاحت هذه المبادرات للمواقع الاستفادة من الدروس المستخلصة من تجارب بعضها بعضاً، إلى جانب تطوير أساليب العمل كلما ظهرت تقنيات أو ممارسات جديدة. ومع مرور الوقت، ساعد هذا النهج على ترسيخ ثقافة مشتركة للعمل والتطوير بين مواقع الشركة المنتشرة حول العالم. واليوم تواصل أكثر من 30 موقعاً العمل ضمن إطار موحد لفهم الأداء وقياسه، يجمعها هدف مشترك يتمثل في مواصلة التحسين والتطوير بصورة مستمرة.
وتكشف هذه التجربة حقيقة تتجاوز حدود هذا المثال بعينه. فنجاح الشركات في الانتقال من جهود متفرقة ومبادرات متباعدة إلى نتائج مستقرة ومستدامة لا يرتبط بالأدوات أو أساليب العمل وحدها. فاستمرار التحسن يعتمد أيضاً على وجود بيئة عمل تشجع على التعلم، وآليات واضحة تضمن متابعة التقدم وتبادل الخبرات والمحافظة على الزخم بعد انتهاء مراحل التحول الأولى. ولهذا السبب، تنظر المؤسسات الرائدة إلى التحول باعتباره مساراً متواصلاً يتطلب المتابعة والتطوير بصورة دائمة. فكلما ترسخت الممارسات التي تدعم التعلم والتحسين داخل المؤسسة، ازدادت قدرتها على البناء على ما تحقق من نتائج، ومواصلة التقدم من نقطة أقوى في كل مرحلة جديدة. وعندها تصبح الشركات في موقع أفضل للاستفادة من الإمكانات التي تتيحها التقنيات الحديثة مع تطورها بمرور الوقت. فالمؤسسات التي ترسخ هذه الأسس داخل أعمالها اليومية تكون أقدر على تحويل التقدم في الرقمنة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى نتائج ملموسة تدعم الأداء والنمو على المدى الطويل.
ومع ازدياد تعقيد شبكات الإنتاج وتطور القدرات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة، ترتفع كلفة العمل من دون نظام متكامل يربط بين المواقع والفرق والعمليات المختلفة. وفي الوقت نفسه، تضيق الفرصة المتاحة أمام الشركات التي لم تبدأ بعد في بناء هذا النوع من الأنظمة، مع تسارع وتيرة التغيير واتساع الفجوة بينها وبين المؤسسات التي قطعت شوطاً في هذا المجال. وفي المقابل، تتميز الشركات التي تنجح في الحفاظ على أداء قوي على المدى الطويل بقدرتها على إيجاد دورة مستمرة تدعم نفسها بنفسها. فالمعلومات والبيانات تساعد على تحديد الأولويات، وفرق العمل تحوّل هذه المعطيات إلى خطوات عملية، ثم تعود النتائج لتوفر معرفة جديدة تساعد على اكتشاف فرص إضافية للتحسين والتطوير. ومع ترسخ هذه الممارسات، يصبح التحسين جزءاً طبيعياً من طريقة عمل المؤسسة. فلا يعود مرتبطاً بمبادرة محددة أو مشروع مؤقت، ولا يُنظر إليه بوصفه هدفاً نهائياً يتم الوصول إليه ثم التوقف عنده. بل يتحول إلى سمة راسخة في طريقة إدارة العمل، تدفع المؤسسة إلى التطور والتعلم والتحسين بصورة مستمرة.
صدر هذا المقال للمرة الأولى في يناير 2026.