كيف يبني مدير العمليات جسور التعاون مع أصحاب المصلحة لتحقيق نتائج ملموسة

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

كان مديرو العمليات في الماضي يشرفون مباشرة على معظم الأصول والعمليات وفرق العمل المؤثرة في مستوى الأداء، وهو ما منحهم قدرة واسعة على توجيه العمل وتحقيق الأهداف التشغيلية. أما اليوم، فلم تعد جميع أدوات التأثير في الأداء خاضعة لإدارتهم المباشرة، إذ توزعت المسؤوليات والقرارات بين قيادات ووحدات وأطراف متعددة داخل المؤسسة وخارجها. وأمام هذا التحول، أصبح نجاح مدير العمليات مرتبطاً بقدرته على أداء دور استراتيجي يربط أولوياته بأهداف أصحاب المصلحة، ويحدد مساحات التعاون التي تخدم الطرفين. ومن خلال هذا الدور، يستطيع بناء الثقة، وتقريب وجهات النظر، وتحسين التنسيق بين الفرق، بما يجعل المؤسسة أقدر على مواجهة الاضطرابات ومواصلة أعمالها بكفاءة.

ومع هذا التحول، أصبحت إدارة العلاقات مع أصحاب المصلحة إحدى الركائز الأساسية لعمل مدير العمليات، لما تؤديه من دور محوري في تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة. وتسهم هذه العلاقات في تمكين المؤسسة من التعامل بكفاءة مع تعقيدات بيئة الأعمال، مع الحفاظ على استمرارية الإنتاجية وجودة الأداء حتى في أكثر الظروف صعوبة. وتبرز أهمية هذا الدور بوضوح في العلاقة التي تجمع مدير العمليات بالرئيس التنفيذي. فكثير من مديري العمليات يستمدون قيمتهم الحقيقية من قدرتهم على تخفيف الأعباء التنفيذية عن الرئيس التنفيذي، عبر تحويل الاستراتيجية إلى خطط قابلة للتنفيذ، وتوجيه الموارد بما يتوافق مع أولويات المؤسسة، إلى جانب القيام بدور الشريك الموثوق في صناعة القرار. ويمنح ذلك الرئيس التنفيذي مساحة أوسع للتركيز على مسؤولياته المتنامية واتخاذ القرارات ذات الأثر البعيد. ومع نضج هذه الشراكة، يتسع حضور مدير العمليات داخل مجلس الإدارة، فيشارك في مناقشة القضايا الاستراتيجية ودعم قرارات المجلس، بما يعزز نطاق التأثير الذي يتيحه هذا المنصب ويرفع القيمة التي تحققها المؤسسة. ويستعرض المقال هذه العلاقة بمزيد من التفصيل في عمود جانبي بعنوان "مدير العمليات ومجلس الإدارة".

ويؤكد هذا المستوى من المشاركة اتساع نطاق مسؤوليات مدير العمليات، فأصبح يؤدي دورًا يتجاوز تنفيذ الاستراتيجية، ويشارك بفاعلية في رسم ملامح المرحلة المقبلة. ويظهر ذلك في القرارات التي يتخذها بشأن النموذج التشغيلي للمؤسسة وتطوير القدرات وتبني التقنيات وتنمية الكفاءات البشرية، وهي جميعًا عوامل ترسم مسار الأداء على المدى البعيد. وبفضل ما يتوافر لديه من مؤشرات ومعطيات من مختلف إدارات المؤسسة، إلى جانب قراءته للمتغيرات التي تشهدها بيئة الأعمال، يستطيع تحويل هذه المعلومات إلى بدائل عملية تدعم صناعة القرار. وتمكنه هذه الرؤية من تحديد الفرص الأكثر جدوى ومساعدة المؤسسة على اختيار المسار الذي يعزز فرصها في النمو والتقدم خلال المرحلة المقبلة.

يستند هذا المقال إلى سلسلة الأبحاث التي أعدتها ماكنزي حول التطور المتواصل لدور مدير العمليات، والتي تناولت الكيفية التي أصبح بها هذا المنصب ركيزة أساسية في تحويل الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة تنعكس على مختلف جوانب عمل المؤسسة. ويركز المقال على التحولات التي أعادت تشكيل هذا الدور والعوامل التي جعلت إدارة العلاقات مع أصحاب المصلحة أحد أبرز محددات الأداء المؤسسي، إلى جانب استعراض الممارسات التي أثبتت فاعليتها في المؤسسات الرائدة. ويخلص المقال إلى أن مديري العمليات في المؤسسات الأكثر تميزًا يتبعون نهجًا أكثر تنظيمًا ووضوحًا في إدارة علاقاتهم مع أصحاب المصلحة، مع تكييف هذا النهج بما يتوافق مع طبيعة نموذج الأعمال واحتياجات كل مؤسسة. ويمنحهم ذلك قدرة أكبر على توجيه جهودهم نحو الأولويات الأكثر تأثيرًا وتحقيق التوازن بين المصالح المتعددة وتعزيز القيمة التي تضيفها المؤسسة على المدى الطويل.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

نجاح مدير العمليات يتجاوز نطاق صلاحياته المباشرة

لم تعد القرارات التي تحدد كفاءة التكاليف وسرعة التنفيذ ومرونة المؤسسة وجودة تجربة العملاء، تندرج جميعها ضمن نطاق مسؤوليات مدير العمليات أو تخضع لسلطته المباشرة. فقد توزعت هذه القرارات بين إدارات وقيادات متعددة، وأصبحت تتأثر بجهات مختلفة داخل المؤسسة. ونتيجة لذلك، بات مستوى الأداء يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة مدير العمليات على توحيد الجهود وبناء شراكات فاعلة والتأثير في مختلف الأطراف المعنية، بما يكفل تنسيق القرارات وتوجيهها نحو تحقيق نتائج متكاملة تدعم أهداف المؤسسة.

وتتفاوت أهمية هذه العلاقات، غير أن أكثرها تأثيرًا يتركز في فئتين رئيسيتين. تضم الفئة الأولى القيادات التنفيذية المعنية داخل المؤسسة، إذ أصبحت القرارات التي تتخذها هذه القيادات تنعكس مباشرة على الأداء التشغيلي وتحدد قدرة المؤسسة على تنفيذ خططها بكفاءة. أما الفئة الثانية، فتشمل أصحاب المصلحة خارج المؤسسة، الذين تسهم توقعاتهم ومستوى متابعتهم وحجم تأثيرهم، في توسيع أو تضييق هامش الخيارات المتاحة أمام المؤسسة، بما ينعكس على قدرتها على التحرك واتخاذ القرارات في مختلف الظروف.

العلاقات بين القيادات التنفيذية تصنع النتائج التشغيلية

لم يكن التعاون بين مدير العمليات والقيادات التنفيذية المعنية داخل المؤسسة أمرًا مستجدًا، فقد ظل على الدوام جزءًا أصيلًا من طبيعة هذا المنصب. إلا أن نطاق هذا التعاون وعمقه اتسعا بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد تشابك المسؤوليات وتداخل القرارات المؤثرة في الأداء المؤسسي. وفي ظل هذه المتغيرات، برزت أربع قيادات تنفيذية بوصفها الأكثر ارتباطًا بعمل مدير العمليات، بعدما أصبحت جودة العلاقة معها من العوامل الحاسمة في سرعة التنفيذ وكفاءة التنسيق وقدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها التشغيلية والاستراتيجية:

القيادة المالية: تبقى العلاقة مع المدير المالي من أهم العلاقات التي يعتمد عليها مدير العمليات. فقد اعتاد الطرفان العمل معاً لزيادة السيولة المتاحة من الأنشطة التشغيلية، وضبط النفقات، وتحسين كفاءة استخدام رأس المال. وتزداد أهمية هذه الشراكة اليوم، لأن القرارات المتعلقة بتوزيع رأس المال أصبحت تحدد بصورة متزايدة المبادرات التشغيلية التي ستحصل على التمويل وتدخل حيز التنفيذ. فالاستثمار في الأتمتة، ورفع قدرة العمليات على مواجهة الاضطرابات، ودعم الاستدامة، وتمويل النمو، كلها أولويات تتنافس على موارد محدودة. ولهذا أصبحت مسؤولية مدير العمليات تتجاوز مراقبة التكاليف، لتشمل التوصل مع المدير المالي إلى خيارات مدروسة عند توزيع الموارد بين هذه الأولويات. ويتطلب أداء هذا الدور فهماً واضحاً لما يسعى المدير المالي إلى تحقيقه، والمشكلات التي تحظى باهتمامه، والمؤشرات المطلوب من المؤسسة الوصول إليها، وفرص النمو التي تستحق التركيز عليها.

تقنية المعلومات: خلال السنوات الأخيرة، أدى التوسع في استخدام التقنيات المتقدمة في مختلف جوانب العمليات إلى تعزيز مكانة كل من مدير تقنية المعلومات ومدير التقنية، بعدما أصبحا شريكين رئيسيين في تطوير القدرات التشغيلية للمؤسسة. وتساعد الشراكة الوثيقة بين مدير العمليات وهذين المسؤولين على توجيه الاستثمارات المخصصة للذكاء الاصطناعي والتقنيات المرتبطة به نحو حلول تحقق عائدًا مستدامًا على الاستثمار، من خلال التركيز على معالجة أكثر التحديات التشغيلية تأثيرًا في أعمال المؤسسة، بدلًا من تطوير حلول تقنية لا ترتبط باحتياجات التشغيل الفعلية. ولم يعد النهج التقليدي، القائم على رصد مشكلة تشغيلية، مثل تعثر سداد مستحقات الموردين أو تأخر إطلاق المنتجات الجديدة، ثم إحالتها إلى إدارة تقنية المعلومات لتتولى معالجتها بصورة منفردة، كافيًا لمواكبة متطلبات المرحلة الحالية، إن كان مناسبًا في الأساس. وتزداد أهمية هذا التوجه مع تنامي استثمارات المؤسسات في الذكاء الاصطناعي، إذ لا مجال لتطوير حلول يعزف المستخدمون عن تبنيها بسبب تعقيدها أو غموض آلية عملها أو ضعف الثقة في نتائجها. فالنجاح يقوم على تطوير التقنية، إلى جانب تصميم حلول سهلة الاستخدام، واضحة، وقادرة على تلبية الاحتياجات التشغيلية بكفاءة وموثوقية.

الموارد البشرية: اكتسبت الشراكة مع مدير الموارد البشرية أهمية غير مسبوقة، بعدما أصبحت قضايا القوى العاملة من أبرز العوامل المؤثرة في قدرة المؤسسات على تحقيق أهدافها التشغيلية. فقد أدت التحولات الديموغرافية واشتداد المنافسة على استقطاب الكفاءات والتغير المتسارع في المهارات المطلوبة، إلى جعل توافر المواهب وامتلاكها للقدرات المناسبة أحد أهم محددات الأداء في مختلف مستويات المؤسسة، وليس على مستوى القيادات العليا أو أصحاب التخصصات الدقيقة فحسب. وتتجلى هذه التحديات بوضوح في عدد من القطاعات. فعندما يصل معدل دوران الموظفين في إحدى شركات الخدمات الصناعية إلى 70 في المئة، أو تعجز إحدى شركات التصنيع عن استقطاب أكثر من 200 عامل من أصل 700 عامل مؤقت إلى وظائف دائمة، يصبح من الواضح أن أساليب التوظيف التقليدية، القائمة على تلبية احتياجات كل موقع عمل على حدة، باتت غير كافية لمواكبة متطلبات المرحلة. واكتسبت استراتيجية القوى العاملة، في ظل هذه المتغيرات، أهمية متزايدة، بعدما اتسع نطاقها ليشمل استقطاب الكفاءات وإعادة تأهيل المهارات بما يواكب الاحتياجات الجديدة ورفع الإنتاجية وتعزيز ارتباط الموظفين بالمؤسسة. وتنعكس هذه الجوانب مباشرة على الطاقة التشغيلية وجودة المخرجات واستقرار الأداء في مختلف الظروف. ويتولى مدير الموارد البشرية قيادة المبادرات الخاصة بتنمية الكفاءات، في حين تقع مسؤولية إدارة الكوادر التشغيلية والمساءلة عن نتائج هذه المبادرات، في كثير من الأحيان، على عاتق مدير العمليات، ولا سيما في خطوط الإنتاج ومراكز تقديم الخدمات، حيث يتجلى أثرها الفعلي. وتفرض هذه المسؤولية شراكة وثيقة بين مدير العمليات وإدارة الموارد البشرية لتصميم استراتيجية متكاملة لإدارة المواهب، تستجيب لاحتياجات الأعمال وتدعم أهداف المؤسسة على المدى الطويل.

التسويق: مع تنامي توقعات العملاء واتساع متطلباتهم، ازدادت أهمية العلاقة بين مدير العمليات وكل من مدير التسويق والمدير التجاري أو كليهما بحسب هيكل المؤسسة. فقد أصبحت دورات تطوير المنتجات أقصر وارتفع الطلب على الحلول المصممة وفق احتياجات العملاء، في وقت تزايدت فيه التوقعات المتعلقة بجودة الخدمة وسرعة تقديمها. ويفرض ذلك تدفقًا مستمرًا للمعلومات بين السوق والعمليات، بما يضمن استجابة المؤسسة للمتغيرات بالسرعة المطلوبة. ويمتلك فريق التسويق فهمًا أعمق لما يقدره العملاء ورؤية أوضح لكيفية تفاعل الأسواق مع منتجات المؤسسة وخدماتها. وتشكل هذه المعلومات مرجعًا أساسيًا عند تحديد الأولويات التشغيلية والمفاضلة بين البدائل وتوزيع الموارد واتخاذ القرارات. وعندما يعمل قطاع العمليات والقطاع التجاري بروح الفريق الواحد، ينعكس أثر هذا التكامل على أداء المؤسسة بأكملها. فيصبح قطاع التسويق أكثر قدرة على توجيه الطلب بما يتوافق مع الإمكانات التشغيلية المتاحة، بينما تتمكن إدارة العمليات من تعديل خططها بوتيرة أسرع استجابةً لتغيرات السوق وتفضيلات العملاء. وبذلك، تتحول العلاقة بين الجانبين إلى محرك يعزز الكفاءة التشغيلية ويرتقي بتجربة العملاء ويدعم النمو المستدام.

وتبرز هذه العلاقات، بمجملها، أن التميز التشغيلي لا يتحقق إلا من خلال عمل مؤسسي متكامل، يقوم على تنسيق مستمر بين إدارة رأس المال والتقنية والموارد البشرية، والأنشطة التجارية، بما يضمن تكامل الأدوار وتوجيهها نحو أهداف مشتركة. ويقتضي هذا النهج ترسيخ التعاون بين إدارات اعتادت العمل سنوات طويلة بصورة مستقلة، حتى تصبح قراراتها أكثر انسجامًا وتتكامل خبراتها في خدمة هدف واحد. وعندما يتحقق هذا التكامل، تزداد قدرة المؤسسة على رفع كفاءة الأداء وتسريع وتيرة التنفيذ وتحقيق قيمة مستدامة يصعب بلوغها في بيئة يعمل فيها كل قطاع بمعزل عن الآخر.

أصحاب المصلحة خارج المؤسسة يوسعون دائرة تفاعل مدير العمليات

أدى تطور نماذج الأعمال واتساع متطلبات الشفافية إلى تنامي تأثير الجهات الخارجية في النتائج التشغيلية للمؤسسات، وهو ما وسّع نطاق العلاقات التي يتعين على مدير العمليات إدارتها والحفاظ على فاعليتها. وتشمل هذه العلاقات، منذ سنوات، الموردين والنقابات العمالية والجهات التنظيمية والرقابية. وفي بعض القطاعات، تفرض طبيعة النشاط التنسيق مع أكثر من جهة رقابية في الوقت نفسه، مع ضمان استقرار العمليات وجودة الخدمات وتقديمها بكفاءة وتكلفة مناسبة. إلا أن هذا المشهد ازداد تعقيدًا في السنوات الأخيرة. فمع الحضور المتواصل لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المؤسسات تخضع لمتابعة مستمرة تشمل عملياتها الداخلية ومختلف حلقات سلسلة الإمداد. وفي ظل هذه البيئة، قد يتحول أي خلل أو ممارسة غير ملائمة لدى أحد الموردين أو الشركاء، في وقت قصير، إلى قضية تمس سمعة المؤسسة وتقوض ثقة عملائها.

وفي ذات الوقت، ازدادت أهمية العلاقات القائمة على الثقة والمعرفة المتبادلة مع الموردين والشركاء، مع امتداد سلاسل الإمداد عبر الأسواق العالمية وتزايد تخصصها وارتفاع مستوى تعرضها للاضطرابات. وبات نجاح المؤسسة يعتمد على كفاءة عملياتها الداخلية ومتانة شراكاتها الخارجية، بما يعزز مرونتها وقدرتها على مواجهة المتغيرات. وتكتسب هذه العلاقات أهمية متزايدة، لأن أي اضطراب، سواء كان ناجمًا عن توترات جيوسياسية أو ظواهر مناخية أو محدودية في القدرات الإنتاجية، قد ينتقل سريعًا عبر حلقات سلسلة الإمداد، لينعكس على مختلف مراحل التشغيل. ومن هنا، أصبحت المبادرة إلى التواصل المستمر مع الموردين والشركاء والتعاون معهم في استشراف المخاطر وإدارتها، أحد المقومات الأساسية للحفاظ على استقرار العمليات واستمرارية الأعمال.

وإلى جانب ذلك، ازداد تأثير وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية في القرارات التي تتخذها المؤسسات، حتى غدت هذه الأطراف طرفًا فاعلًا في توجيه مسار كثير من المبادرات التشغيلية والاستثمارية. فقد حظيت قضايا السلامة والاستدامة وممارسات العمل والأثر الاجتماعي باهتمام متزايد من الرأي العام، الأمر الذي منحها قدرة حقيقية على تسريع تنفيذ المشروعات أو إبطائها، وإعادة تشكيل هيكل التكاليف، وقد يدفع المؤسسات إلى إدخال تغييرات جوهرية على عملياتها التشغيلية عندما تفرض الظروف ذلك. وأمام هذا الواقع، يتعامل مدير العمليات مع هذه الجهات باعتبارها شركاء مؤثرين في البيئة التشغيلية، لما لها من أثر مباشر في كفاءة الأداء وسرعة التنفيذ وقدرة المؤسسة على التكيف مع المتغيرات، فضلًا عن دورها في تعزيز السمعة المؤسسية وتحقيق قيمة مستدامة على المدى الطويل.

ومع تنامي توقعات الجهات الخارجية وتسارع تدفق المعلومات، بات التواصل مع أصحاب المصلحة يعتمد نهجًا استباقيًا يقوم على استشراف المتغيرات والاستعداد لها قبل أن تتحول إلى تحديات فعلية، مع ضمان سرعة الاستجابة عند حدوثها. ويكون مديرو العمليات الذين يحرصون على بناء الثقة وفهم مصادر القلق المحتملة والحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف أصحاب المصلحة، أكثر قدرة على احتواء الاضطرابات والحد من آثارها والحفاظ على استمرارية العمليات واستقرارها، حتى في البيئات الأكثر تقلبًا.

ومع اتساع دائرة العلاقات وتزايد المسؤوليات، يبرز سؤال جوهري: كيف يستطيع مدير العمليات إدارة هذا العدد الكبير من العلاقات داخل المؤسسة وخارجها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على كفاءة القيادة التشغيلية اليومية، من دون أن تتشتت جهوده أو يفقد تركيزه على الأولويات؟

تحقيق التوازن بين الأولويات وعمق العلاقات والمرونة اللازمة

كلما اتسعت دائرة أصحاب المصلحة المؤثرين، ازدادت صعوبة تحديد العلاقات التي تستحق النصيب الأكبر من اهتمام مدير العمليات. فالوقت والقدرة على التركيز وحجم التأثير الذي يستطيع ممارسته داخل المؤسسة وخارجها، جميعها موارد محدودة، مما يجعل توزيع القدر نفسه من الاهتمام على جميع الأطراف نهجًا يصعب الحفاظ عليه مع مرور الوقت. وتبرز كفاءة مدير العمليات في قدرته على اختيار العلاقات الأكثر تأثيرًا، وتحديد مستوى المشاركة المناسب لكل منها، مع توجيه وقته وجهوده إلى المجالات التي تحقق أكبر قيمة للمؤسسة.

ويتعامل مديرو العمليات الأكثر تميزًا مع إدارة العلاقات مع أصحاب المصلحة بوصفها جزءًا أساسيًا من النموذج التشغيلي للمؤسسة، لا مهمة تفرضها الظروف. ويستند هذا النهج إلى إطار واضح يساعدهم على ترتيب الأولويات وتوجيه الجهود، مع الحفاظ على المرونة اللازمة لمواكبة تغير الاستراتيجية وضغوط الأداء والمتغيرات المتسارعة في بيئة الأعمال. ويهتمون بفهم ما يسعى إليه أصحاب المصلحة، إلى جانب استيعاب الدوافع التي تقف وراء مواقفهم وتوجهاتهم، لأن إدراك هذه الدوافع يمنحهم قدرة أكبر على بناء علاقات أكثر فاعلية واستدامة. وينظر هؤلاء المديرون إلى التواصل مع أصحاب المصلحة بوصفه عملية مستمرة من التعلم والتطوير، تتعمق مع مرور الوقت وتراكم الخبرات. وفي كثير من الأحيان، لا يمتلك أصحاب المصلحة تصورًا كاملًا عن أولويات مدير العمليات ومتطلبات دوره، فيما لا يحيط مدير العمليات بجميع الاعتبارات التي تشكل مواقفهم وقراراتهم. ومن هنا، يهيئ التواصل الصادق والبناء مساحة للحوار والاستماع، تتيح مراجعة الافتراضات واختبارها، وصولًا إلى بناء فهم مشترك قبل أن تتحول اختلافات وجهات النظر إلى مواقف يصعب تغييرها.

ترتيب الأولويات بوضوح

تبدأ هذه العملية بمراجعة منهجية تساعد مدير العمليات على الانتقال من قائمة طويلة بأصحاب المصلحة إلى تحديد مجموعة محدودة من العلاقات الأكثر تأثيرًا في تنفيذ أولوياته الاستراتيجية وتحقيق أهداف المؤسسة. ولهذا الغرض، يقدم تمرين تحليلي مستوحى من دليل ماكنزي بعنوان "أنجز خطواتك الأولى بنجاح: دليل الرئيس التنفيذي الجديد لتعزيز أثره لدى أصحاب المصلحة" نموذجًا عمليًا ييسر هذه المهمة، كما يوضحه الجدول المرفق. ويرتكز هذا التمرين على سؤالين رئيسيين يساعدان مدير العمليات على ترتيب أولوياته خلال مرحلة زمنية محددة، بدلًا من الانشغال بمحاولة حصر جميع أصحاب المصلحة أو تصنيفهم بصورة شاملة. ويتمثل السؤال الأول في: من هم أصحاب المصلحة الذين يمتلكون اليوم التأثير الأكبر في قدرة مدير العمليات على تنفيذ أولوياته؟ أما السؤال الثاني فهو: كيف يمكن تطوير أسلوب التعامل مع هؤلاء بما يعزز التوافق بين أهداف المؤسسة والأهداف التي يسعون إلى تحقيقها؟

ويبدأ هذا التمرين بتصنيف أصحاب المصلحة وفق أهمية التعاون معهم خلال المرحلة التي تنفذ فيها المؤسسة أولوياتها الاستراتيجية. ويعتمد هذا التقييم على حجم القيمة التي قد تفقدها المؤسسة في حال غياب هذا التعاون، بما يتيح ترتيب أصحاب المصلحة على مقياس يمتد من الأعلى تأثيرًا إلى من لا يملكون تأثيرًا يُذكر. ثم تُقيَّم قوة العلاقة مع كل طرف، وفق درجة متانتها، بدءًا من علاقة راسخة وقوية، وصولًا إلى غياب العلاقة تمامًا. ويمنح هذا التقييم مدير العمليات رؤية أوضح للعلاقات التي تستدعي مزيدًا من الاهتمام، وتلك التي تتطلب الحفاظ على قوتها، بما يساعده على توجيه وقته وجهوده نحو الأولويات الأكثر تأثيرًا.

تلي ذلك مرحلة إعداد خطة عمل واضحة، تقوم على المقارنة المباشرة بين أهداف أصحاب المصلحة وأولويات مدير العمليات، بهدف تحديد نقاط الالتقاء التي يمكن البناء عليها لتعزيز التعاون. ويكشف هذا التحليل، في كثير من الحالات، الأسباب الحقيقية وراء تعثر بعض العلاقات. فقد يكون التواصل مستمرًا ومنتظمًا، لكنه لا يركز على القضايا التي تمثل أولوية فعلية للطرفين. وعند غياب هذا التوافق، تتراجع فاعلية التواصل مهما بلغت كثافته ويصعب تحويله إلى نتائج عملية تدعم تنفيذ الأهداف الاستراتيجية.

ولا تقل هذه المرحلة أهمية، لأنها تدفع مدير العمليات إلى التعامل مع العلاقات بعقلية منفتحة، بعيدًا عن افتراض امتلاكه صورة مكتملة منذ البداية. فأولويات أصحاب المصلحة ودوافعهم لا تتضح بصورة كاملة في المراحل الأولى، لذلك يتعامل مدير العمليات مع هذا التمرين بوصفه فرصة للإصغاء والفهم ومراجعة تصوراته عن دوافع الأطراف الأخرى والتحديات التي تواجهها، لا وسيلة لتأكيد قناعاته المسبقة. وتنبع فاعلية التواصل من الصدق والشفافية في بناء العلاقات، لا من الاكتفاء بعقد اللقاءات أو تبادل الرسائل المعدة سلفًا. فالعلاقات القائمة على المصداقية والفهم المتبادل هي الأقدر على ترسيخ الثقة وتعزيز التعاون وتوجيه العمل المشترك نحو نتائج ملموسة.

وتختتم هذه المنهجية بالمراجعة الدورية لهذا التمرين، ولا سيما خلال المراحل الأولى من تولي مدير العمليات مهامه أو عندما تمر المؤسسة بتحولات متسارعة في توجهاتها الاستراتيجية أو عملياتها التشغيلية. فالمراجعة المنتظمة للعلاقات مع أصحاب المصلحة تتيح رصد أي تغير في مستوى التوافق أو توقعات الأطراف المعنية، قبل أن يتطور إلى فجوات تؤثر في جودة التعاون. ويظل التواصل المستمر، إلى جانب التقييم الدوري لهذه العلاقات، أكثر فاعلية من تركها تضعف بمرور الوقت نتيجة غياب المتابعة أو تراكم سوء الفهم، بما قد يحولها إلى عائق أمام تنفيذ الأولويات وتحقيق النتائج.

ومع مرور الوقت، تتكشف أمام مدير العمليات طبيعة العلاقات التي تستنزف وقته وجهده، وتلك التي تمنحه رؤية أوضح وتساعده على اتخاذ قرارات أفضل. وتكتسب العلاقات من النوع الثاني أهمية خاصة، لأنها تقوم غالبًا على الاحترام المتبادل والمصارحة والثقة، وهي مقومات تجعل التعاون أكثر فاعلية وتعزز القدرة على مواجهة التحديات. ويؤكد ذلك ما قاله أحد مديري العمليات الذين أجرت ماكنزي مقابلات معهم: أصبح المدير المالي شريكًا حقيقيًا في التفكير. كان يثق بقدراتي، ويتحدث معي بصراحة تامة، ويقدم لي ملاحظات صادقة أسهمت في تطوير أدائي. وكان لهذه العلاقة أثر كبير في نجاحي مديرًا للعمليات، حتى إنني أصبحت أؤمن بأن كل مدير عمليات يحتاج إلى شخص يشاركه التفكير بهذا القدر من الثقة والانفتاح.

فهم دوافع أصحاب المصلحة أساس بناء العلاقات الناجحة

ومع تطور علاقات مدير العمليات، يبدأ في التمييز بين العلاقات التي تستنزف طاقته، وتلك التي تمنحه الدعم والحافز. وتحظى الفئة الثانية بقيمة خاصة، لأنها تقوم غالباً على الاحترام المتبادل والصراحة. وقال أحد مديري العمليات الذين قابلتهم ماكنزي: "أصبح المدير المالي شريكاً حقيقياً لي في التفكير. فقد كان يؤمن بقدراتي، ويصارحني دون تحفظ، ويقدم لي ملاحظات قيّمة. وكان لهذه العلاقة أثر أساسي في فاعليتي مديراً للعمليات، ولهذا أرى أن على كل مدير عمليات أن يبحث عن زميل قيادي يستطيع أن يتبادل معه الأفكار بهذه الصورة".

وتتجاوز فاعلية هذا النهج تحديد نقاط الالتقاء، لتشمل توضيح نقاط الاختلاف بصراحة، لأن تجاهلها لا يؤدي إلى زوالها. فعندما ينشغل أحد القادة بالدفاع عن أولوياته، من دون أن يفهم أولويات الأطراف الأخرى، تزداد احتمالات الخلاف ويتراجع مستوى التعاون. وتشير الدراسات المتخصصة في القيادة إلى أن تحقيق تقدم حقيقي يتطلب مراجعة الافتراضات التي تستند إليها القرارات وفهم المفاضلات التي تفرضها ضغوط العمل، لأن هذه العوامل كثيرًا ما تحسم اتجاه القرار النهائي. ويمكن توضيح هذه الفكرة من خلال نموذج بسيط يعتمد على دائرتين متداخلتين؛ تمثل الأولى مسؤوليات مدير العمليات، بينما تمثل الثانية مسؤوليات أحد أصحاب المصلحة. وتشير منطقة التداخل إلى الأهداف المشتركة بين الطرفين، في حين تعبر الأجزاء غير المتداخلة عن مسؤوليات كل طرف، وهي المساحة التي قد تظهر فيها اختلافات في الأولويات أو وجهات النظر. ويدرك مديرو العمليات الأكثر فاعلية أن هذه الاختلافات ليست عبئًا ينبغي تجنبه، ولا مسائل ثانوية يمكن إغفالها. فعندما تُفهم أسبابها بعمق، تتحول إلى فرصة لتطوير حلول أكثر تكاملًا، تعزز أداء المؤسسة وتخدم مصالحها على مستوى الأعمال بأكملها.

تحديد المسؤوليات وإدارة التفويض بفاعلية

يساعد التمرين الموضح في الجدول مدير العمليات على التمييز بين العلاقات التي تستدعي تدخله المباشر، وتلك التي يمكن للقيادات والفرق الأخرى داخل المؤسسة إدارتها بكفاءة. فعندما يصبح مدير العمليات حلقة الوصل الرئيسة مع عدد كبير من أصحاب المصلحة، تتباطأ وتيرة اتخاذ القرار وتتراجع فاعلية دوره، لأن انشغاله بملفات يمكن تفويضها إلى غيره يحد من قدرته على التركيز في القضايا التي تتطلب حضوره الشخصي، وتترك الأثر الأكبر في أداء المؤسسة.

ويحرص مديرو العمليات المتميزون على توضيح الجوانب التالية:

  • أصحاب المصلحة الذين يتولى مدير العمليات مسؤولية إدارة العلاقة معهم بصورة مباشرة.
  • أصحاب المصلحة الذين تتولى قيادات موثوقة إدارة العلاقة معهم.
  • الآلية التي تضمن إبلاغه بالمستجدات عند تصاعد القضايا التي تستدعي تدخله.

ويسهم هذا الوضوح أيضًا في توجيه الوقت والجهد إلى ما يحقق أكبر أثر. فالعلاقات ليست جميعها بالقدر نفسه من الأهمية؛ إذ يمنح بعضها مدير العمليات رؤية أعمق، ويساعده على تسريع الإنجاز وتحسين جودة التنفيذ، بينما تستنزف علاقات أخرى قدرًا كبيرًا من الاهتمام من دون أن تضيف قيمة حقيقية للمؤسسة. لذلك، يوجه مديرو العمليات الأكثر تميزًا مشاركتهم المباشرة إلى العلاقات التي يصنع وجودهم فيها فارقًا حقيقيًا، لما لذلك من أثر في جودة القرارات وسرعة التنفيذ والنتائج التي تحققها المؤسسة، مع تفويض بقية العلاقات إلى القيادات القادرة على إدارتها بكفاءة.

وعلاوة على ذلك، يدرك مديرو العمليات الأكثر فاعلية أن نطاق مشاركتهم المباشرة يتغير بتغير احتياجات المؤسسة، وهو ما يستدعي إعادة النظر في أدوارهم وأولوياتهم بصورة مستمرة. فمع تصاعد ضغوط العمل أو تغير الأولويات الاستراتيجية أو تبدل الظروف المحيطة، قد يصبح من الأنسب تفويض بعض العلاقات التي كانت تستلزم متابعة مباشرة إلى قيادات أخرى، مقابل تولي الإشراف على علاقات جديدة اكتسبت أهمية أكبر. ويعد هذا التكيف المستمر في توزيع المسؤوليات جزءًا طبيعيًا من الإدارة الفاعلة، لا دليلًا على وجود خلل تنظيمي أو تراجع في الأداء. فإعادة تقييم الأولويات وتكييف أسلوب العمل مع المتغيرات، من الركائز الأساسية التي تمكّن مدير العمليات من الحفاظ على فاعليته وتحقيق أفضل النتائج في بيئة أعمال لا تكف عن التغير.

اجعل النتائج معيارًا لإدارة العلاقات وراجعها بانتظام

في نهاية المطاف، يقيس مديرو العمليات المتميزون فاعلية التواصل مع أصحاب المصلحة بما يحققه من نتائج تشغيلية، لا بعدد الاجتماعات أو كثافة التواصل. فالمعيار الحقيقي لنجاح هذه العلاقات هو قدرتها على تسريع اتخاذ القرارات والحد من المفاجآت وتعزيز مرونة العمليات، لا مجرد انتظام اللقاءات أو كثرة الرسائل المتبادلة. ويوفر الجدول أداة عملية تساعد مدير العمليات على متابعة هذا الجانب بصورة منهجية، من خلال إعادة تقييم قوة العلاقات وطبيعة تأثيرها ومدى توافقها مع أولوياته مع مرور الوقت. وتمنحه هذه المراجعة المستمرة رؤية أوضح لأثر تواصله مع أصحاب المصلحة، بما يساعده على توجيه هذه العلاقات نحو نتائج ملموسة تعزز الأداء وتدعم تحقيق الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.

ومع تغير تأثير أصحاب المصلحة تبعًا لتطور الاستراتيجية وتبدل ظروف الأعمال، ينبغي أن يخضع هذا التقييم للمراجعة بصورة دورية، حتى يواكب المتغيرات ويعيد ترتيب الأولويات كلما دعت الحاجة. ومع مرور الوقت، يتحول إلى مرجع عملي متجدد يوضح أين ينبغي لمدير العمليات أن يوجه اهتمامه، ولماذا تحظى بعض العلاقات بأولوية أكبر من غيرها. ويحافظ هذا المرجع على قيمته مع تحديثه المستمر، كما يوفر أساسًا يمكن البناء عليه عند انتقال المسؤوليات أو تعاقب القيادات، بما يضمن استمرارية المعرفة المؤسسية ويدعم قدرة المؤسسة على تنفيذ أولوياتها بكفاءة.

كيف تتكيف إدارة أصحاب المصلحة مع نموذج الأعمال؟

على الرغم من ثبات المبادئ الأساسية لإدارة العلاقات مع أصحاب المصلحة، فإن تطبيقها يختلف باختلاف نموذج الأعمال وطبيعة دور مدير العمليات والمسؤوليات التي يضطلع بها. لذلك، لا توجد صيغة واحدة تناسب جميع المؤسسات؛ فما يحقق نتائج فعالة في مؤسسة صناعية قد لا يكون الخيار الأمثل لشركة تقنية أو لمؤسسة خدمية. ويعود ذلك إلى اختلاف أولويات الأعمال وطبيعة العمليات والأطراف الأكثر تأثيرًا في كل نموذج، الأمر الذي يستدعي من مدير العمليات تكييف أسلوبه بما ينسجم مع واقع مؤسسته واحتياجاتها.

وتشير الخبرات المتراكمة في مختلف القطاعات إلى ثلاثة نماذج رئيسية تعكس الأساليب التي يتبعها مديرو العمليات المتميزون في إدارة علاقاتهم مع أصحاب المصلحة. وتمثل هذه النماذج أطرًا عملية مرنة يمكن الجمع بين عناصرها بقدر يتناسب مع أولويات المؤسسة في كل مرحلة، سواء على المستوى الاستراتيجي أو التشغيلي.

المؤسسات الخدمية: الإنسان والعمليات المرتبطة بالعملاء في صدارة الأولويات

في القطاعات التي يرتكز نشاطها على تقديم الخدمات، مثل الخدمات المالية والاتصالات والإعلام، يعتمد الأداء التشغيلي بدرجة كبيرة على العنصر البشري، ولا سيما في الجوانب المرتبطة بتجربة العملاء وجودة الأداء في الصفوف الأمامية. ولم يعد هذا الواقع مقصورًا على القطاعات الخدمية، إذ امتد إلى قطاعات اعتادت أن تُصنف صناعية، مثل التعدين وتصنيع المعدات، حيث ازدادت أهمية هذه العوامل في تحديد مستوى الأداء. وفي مثل هذه البيئات، يوجه مدير العمليات جانبًا كبيرًا من جهوده نحو أصحاب المصلحة داخل المؤسسة، مع التركيز على القيادات والزملاء الذين يمتلكون تأثيرًا مباشرًا في تنمية الكفاءات وتصميم الحوافز وتطوير العمليات المرتبطة بتجربة العملاء. فهذه الجوانب أصبحت من أبرز العوامل التي تحدد جودة الأداء وتعزز قدرة المؤسسة على تحقيق نتائج مستدامة.

وفي هذا النموذج من المؤسسات، تكتسب العلاقات مع القيادات التنفيذية المعنية داخل المؤسسة أهمية استثنائية، وفي مقدمتها العلاقة مع مدير الموارد البشرية، إلى جانب مدير التسويق أو المدير التجاري، بحسب طبيعة النشاط. فتوفر الكفاءات ومستوى المهارات ودرجة اندماج الموظفين، عوامل تؤثر مباشرة في الطاقة التشغيلية وجودة المخرجات، في وقت تتغير فيه توقعات العملاء بوتيرة متسارعة، بما يستلزم تنسيقًا مستمرًا بين الجهات المسؤولة عن توليد الطلب والفرق التي تتولى تقديم الخدمات أو إنتاج المنتجات. وفي هذه البيئة، يدرك مديرو العمليات المتميزون أن نجاحهم يعتمد بدرجة كبيرة على شبكة الداعمين داخل المؤسسة، لما لهم من دور محوري في نقل الأولويات إلى مختلف المستويات التنظيمية وترسيخ أساليب العمل الجديدة، بما يضمن تحول التوجهات الاستراتيجية إلى ممارسات يومية تنعكس على الأداء والنتائج.

وتظل الجهات الخارجية من الأطراف المؤثرة في هذه المؤسسات، لما لها من دور مباشر في ترسيخ الثقة وحماية سمعة المؤسسة. فالجهات التنظيمية ووسائل الإعلام وجماعات المناصرة، قادرة على تضخيم أثر أي قصور في مستوى الخدمة أو أي ممارسات لا تتوافق مع المعايير المهنية، بما ينعكس سريعًا على صورة المؤسسة وثقة عملائها. لذلك، يحرص مدير العمليات على بناء آليات سريعة للاستجابة، إلى جانب مسارات واضحة لتصعيد القضايا واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، بما يساعد على احتواء المشكلات قبل تفاقمها والحفاظ على استمرارية الأداء وثقة أصحاب المصلحة.

المؤسسات التي تتمحور أعمالها حول المنتجات: التركيز على الأصول وسلاسل الإمداد واستقرار القوى العاملة.

في المؤسسات التي يقوم نموذج أعمالها على إنتاج السلع، وتعتمد على أصول تشغيلية كبيرة، مثل الصناعات الاستهلاكية والطاقة والنقل والبنية التحتية، يتحدد الأداء التشغيلي إلى حد كبير بكفاءة الأصول واستقرار سلاسل الإمداد وقدرة القوى العاملة المنظمة على ضمان استمرارية التشغيل. لذلك، تمثل هذه العناصر من أبرز العوامل التي تحدد قدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها. وفي هذا النوع من المؤسسات، يتعامل مدير العمليات مع نطاق أوسع من أصحاب المصلحة خارج المؤسسة، يمتلك كثير منهم قدرة مباشرة على التأثير في سير العمليات. وقد يؤدي أي تغير في مواقف هذه الجهات أو القرارات التي تتخذها إلى اضطرابات ملموسة في الأداء التشغيلي، وهو ما يستدعي توسيع اهتمام مدير العمليات بالعلاقات الخارجية وإدارتها بالقدر نفسه من الاهتمام الذي يوليه للعمليات الداخلية.

وفي هذا النموذج، تأتي النقابات العمالية والجهات التنظيمية والموردون الرئيسيون والمجتمعات المحلية، في مقدمة أصحاب المصلحة الأكثر تأثيرًا، حتى وإن تفاوتت قوة العلاقة مع بعض هذه الأطراف. ويرجع ذلك إلى أن الخلافات تنشأ، في الغالب، من تباين المصالح أو من الالتزامات التنظيمية والتشريعية التي تحكم عمل كل طرف، أكثر مما ترتبط بظروف مؤقتة. لذلك، يحرص مديرو العمليات الأكثر تميزًا على بناء علاقات مبكرة مع هذه الجهات، وفق نهج مدروس يقوم على وضوح الأهداف وفهم المصالح المتبادلة. وهم يدركون أن الوصول إلى توافق كامل ليس ممكنًا في جميع الحالات، وأن التقدم يتحقق غالبًا عبر خطوات متدرجة تتراكم آثارها مع مرور الوقت، بما يسهم في الحد من الخلافات وتعزيز استقرار الأداء التشغيلي.

وعلى الصعيد الداخلي، تمثل الشراكة مع المدير المالي أهم العلاقات الداخلية، ولا سيما في القضايا المرتبطة بتخصيص رأس المال واستراتيجيات الصيانة والاستثمارات الموجهة إلى تعزيز مرونة العمليات ورفع قدرتها على مواجهة المتغيرات. ويحظى الداعمون داخل إدارات الهندسة والمشتريات بأهمية خاصة، لما يؤدونه من دور رئيسي في تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى خطط قابلة للتنفيذ، مع مراعاة القيود التي تفرضها البيئة الداخلية والمتغيرات الخارجية. استنادًا إلى ذلك، يصبح التواصل الفاعل مع أصحاب المصلحة عنصرًا أساسيًا في إدارة المفاوضات والحد من المخاطر وضمان استمرارية العمليات، بما يعزز قدرة المؤسسة على تنفيذ خططها وتحقيق أهدافها في مختلف الظروف.

المؤسسات القائمة على الابتكار: تسريع الإنجاز وتعزيز الشراكات الخارجية

في المؤسسات التي يقود الابتكار نموها، سواء كانت شركات رقمية نشأت في البيئة الرقمية أو مؤسسات تعتمد على نماذج المنصات أو تعمل في قطاعات سريعة التطور، مثل الصناعات الدوائية والتقنيات الاستهلاكية والإعلام، يشهد دور مدير العمليات تحولًا متسارعًا يقربه من أدوار القيادة التقنية. وفي عدد متزايد من هذه المؤسسات، تتجه المسؤوليات إلى الاندماج ضمن نطاق قيادي واحد يجمع بين مهام مدير العمليات ومدير تقنية المعلومات أو مدير التقنية. ويعكس هذا التحول المكانة المتنامية للبرمجيات والبيانات والأنظمة الرقمية، بعدما أصبحت تمثل الأساس الذي تقوم عليه العمليات اليومية والمحرك الرئيس لنموذج تشغيل المؤسسة.

ونتيجة لهذا التحول، يرتفع مستوى التنسيق بين القيادات داخل المؤسسة، ولا سيما في القرارات المتعلقة بالمنتجات والهندسة وبنية الأنظمة. كما يضطلع كثير من أصحاب المصلحة الداخليين، بحكم أدوارهم، بدور الداعمين والشركاء في تنفيذ التوجهات الاستراتيجية، بما يسهم في تسريع التنسيق واتخاذ القرارات. وفي المقابل، يتمثل التحدي الأبرز أمام مدير العمليات في عدم إيلاء العلاقات مع أصحاب المصلحة خارج المؤسسة القدر الكافي من الاهتمام، ولا سيما الجهات التي تقع خارج سلسلة القيمة التقليدية. فعلى الرغم من ابتعاد هذه الأطراف عن العمليات اليومية، فإن تأثيرها في قدرة المؤسسة على الابتكار وتسريع النمو وتعزيز حضورها في الأسواق، يزداد بصورة متواصلة.

وفي المؤسسات التي يشكل الابتكار محركها الرئيس، تكتسب العلاقات مع الجهات التنظيمية وصناع السياسات ومنظمات المجتمع المدني، أهمية متزايدة. فكثيرًا ما تتدخل هذه الجهات في مراحل متأخرة من دورة اتخاذ القرار، حين تصبح كلفة التغيير مرتفعة وتتقلص الخيارات المتاحة أمام المؤسسة. لذلك، يحرص مديرو العمليات الأكثر تميزًا على بناء هذه العلاقات منذ المراحل الأولى، وفق نهج استباقي لا ينتظر ظهور التحديات. وحتى عندما يبدو تأثير هذه الجهات في العمليات محدودًا، فإن بناء الثقة مبكرًا، والحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة، يمنحان المؤسسة مساحة أوسع للتحرك ويعززان قدرتها على التعامل مع المتغيرات المستقبلية بكفاءة أكبر.

وفي ظل هذه المعطيات، تمثل إدارة أصحاب المصلحة أحد عناصر الوقاية التي تساعد المؤسسة على الحد من آثار المتغيرات التنظيمية المفاجئة وحماية سمعتها وتقليل احتمالات ظهور عوائق غير متوقعة قد تعرقل نموها أو تبطئ وتيرته. فكلما كانت العلاقات مع الجهات المؤثرة أكثر رسوخًا، ازدادت قدرة المؤسسة على التكيف مع المتغيرات والاستجابة للمتطلبات الجديدة ومواصلة النمو بثقة، حتى في بيئات الأعمال التي تتسم بسرعة التحول وارتفاع مستوى عدم اليقين.

إدارة العلاقات مع أصحاب المصلحة مسؤولية مستمرة

لأن تأثير أصحاب المصلحة يتغير مع تطور الاستراتيجية وتبدل ظروف الأعمال، فإن بناء العلاقات معهم عملية لا تعرف الاكتمال، وتتطلب مراجعةً وتطويرًا مستمرين، حتى تظل منسجمة مع أهداف المؤسسة وأولوياتها المتجددة. لذلك، يحرص مدير العمليات على تحديث خريطة أصحاب المصلحة باستمرار، لتبقى أداة عملية تساعده على تحديد العلاقات الأكثر تأثيرًا ودعم اتخاذ قرارات أكثر دقة، بما يتوافق مع احتياجات المؤسسة وتطور أعمالها.

ويستهل مديرو العمليات المتميزون عملهم بإجراء تقييم منهجي منذ الأيام الأولى لتولي المنصب، يحددون من خلاله العلاقات التي تستحق الأولوية والجوانب التي تحتاج إلى تعزيز التوافق والمجالات التي تتطلب توسيع نطاق التأثير. ويعيدون مراجعة هذا التقييم بصورة دورية، ولا سيما عند تصاعد ضغوط الأداء أو تغير فريق القيادة أو ظهور متغيرات جديدة في بيئة الأعمال. ومع مرور الوقت، تصبح هذه المراجعة جزءًا راسخًا من أسلوب عمل مدير العمليات وممارسة إدارية مستمرة تسهم في تحسين جودة القرارات والحفاظ على فاعلية العلاقات وتعزيز قدرة المؤسسة على التكيف مع التحولات المتلاحقة.

ومع تراكم الخبرات، ينظر مديرو العمليات الأكثر تميزًا إلى إدارة أصحاب المصلحة بوصفها رصيدًا مؤسسيًا ينبغي الحفاظ عليه وتنميته. لذلك، يحرصون على توثيق الأولويات وأسس التعامل مع مختلف الأطراف والدروس المستفادة من التجارب السابقة، بما يسهم في بناء مرجع معرفي تنتقل من خلاله الخبرات بسلاسة إلى من يتولى المسؤولية من بعدهم. وتزداد أهمية هذه الممارسة في المناصب القيادية التي تتسارع فيها وتيرة التغيير، ولا تتزامن مدة شغل المنصب فيها بالضرورة مع اكتمال دورات التحول التي تمر بها المؤسسة. ومن ثم، تصبح استمرارية المعرفة والخبرة عاملًا أساسيًا في الحفاظ على استمرارية العمل وضمان مواصلة تنفيذ الأولويات، من دون أن تتأثر المؤسسة بتغير القيادات أو انتقال المسؤوليات.

لقد ارتبط التميز التشغيلي دائمًا بقدرة المؤسسة على العمل بروح الفريق، ولم يكن في يوم من الأيام نتاج جهود فردية. لذلك، يحرص مديرو العمليات الأكثر تميزًا على إدارة منظومة العلاقات مع أصحاب المصلحة برؤية واضحة ونهج منظم، من خلال بناء علاقات راسخة وترسيخ فهم مشترك للأهداف على امتداد نموذج التشغيل. وعندما يصبح هذا النهج جزءًا من ثقافة المؤسسة وآليات عملها، يتحول إلى قدرة مؤسسية مستدامة تتجاوز الأفراد وتواصل دعم الأداء وتعزز القدرة على تنفيذ الاستراتيجية وتحقيق النتائج، مهما تعاقبت القيادات أو تغيرت الظروف.

Explore a career with us