ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
في أوائل القرن العشرين، غيّر "هنري فورد" مفهوم تصنيع السيارات بطريقة غير مسبوقة، بعدما قدّم نموذج "خط التجميع" الذي أعاد تشكيل آلية الإنتاج الصناعي بالكامل. ففي ذلك الوقت، كانت صناعة السيارة تعتمد على عمال مهرة يتولون تجميع أجزاء كبيرة من المركبة، أو العمل على تصنيعها بشكل شبه كامل، وهي عملية كانت تستغرق وقتاً طويلاً وتتطلب جهداً مرتفعاً وتكاليف كبيرة. لكن "فورد" قدّم فكرة مختلفة وأكثر بساطة في ظاهرها وأكثر تأثيراً في نتائجها. إذ قسّم عملية الإنتاج إلى سلسلة من المهام الصغيرة والمتكررة، بحيث يتولى كل عامل تنفيذ خطوة محددة على خط إنتاج متحرك، لينتقل المنتج تدريجياً من مرحلة إلى أخرى حتى يكتمل تصنيعه. هذا الأسلوب لم يسرّع عمليات الإنتاج فقط، وإنما أحدث تحولاً واسعاً في طريقة إدارة المصانع وتشغيلها، ورسّخ نموذجاً تشغيلياً جديداً أثّر لاحقاً في مختلف القطاعات الصناعية حول العالم. ونتيجة لذلك، انخفض الوقت اللازم لإنتاج سيارة "موديل تي" من أكثر من 12 ساعة إلى نحو 90 دقيقة فقط، بالتزامن مع تراجع واضح في تكاليف التصنيع. ومع هذا التحول، لم تعد السيارات منتجاً مخصصاً للأثرياء أو الفئات المحدودة، بل أصبحت متاحة لشريحة أوسع من الناس، ما غيّر علاقة المجتمع بالسيارات بشكل جذري. ورغم مرور أكثر من مئة عام على هذه التجربة، فإن النموذج الذي ابتكره "هنري فورد" لا يزال حتى اليوم حاضراً في طريقة تفكير المؤسسات في الإنتاج والكفاءة والتوسع.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
واليوم، يتكرر المشهد ذاته بصورة مختلفة، لكن هذه المرة في الوظائف والمهام التي تعتمد على التحليل والتفكير واتخاذ القرار. فكما غيّر "خط التجميع" الذي ابتكره "هنري فورد" مفهوم العمل اليدوي داخل المصانع، بدأت تقنيات " وكلاء الذكاء الاصطناعي" في إعادة تشكيل طبيعة الأعمال المعرفية التي كانت تعتمد لسنوات طويلة على الخبرات البشرية المتخصصة. ويقصد بـ "وكلاء الذكاء الاصطناعي" الأنظمة القادرة على تنفيذ المهام واتخاذ خطوات بصورة شبه مستقلة، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة المباشرة للأوامر أو التعليمات البشرية. وتشمل هذه القدرات مجالات معقدة مثل تصميم الحلول الهندسية، وتخطيط سلاسل الإمداد، وتقييم المخاطر، وهي مهام كانت تتطلب في السابق سنوات طويلة من الخبرة والمعرفة المتراكمة. ومن هذا المنطلق، لم تعد الشركات مضطرة للاعتماد الكامل على عدد محدود من الخبراء لاتخاذ القرارات المعقدة أو تطوير المنتجات المتقدمة. فمع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي، أصبحت المعرفة والخبرة الفنية أكثر قابلية للوصول والاستخدام داخل المؤسسات، ما يمنح عدداً أكبر من الموظفين القدرة على تنفيذ مهام كانت سابقاً حكراً على المختصين. ومع اتساع هذا التحول، بدأت المؤسسات تلاحظ تسارعاً في وتيرة اتخاذ القرار، إلى جانب ارتفاع القدرة على تخصيص المنتجات والخدمات وتطويرها بصورة أكثر مرونة وسرعة. كما أصبحت الكثير من العمليات التي كانت تحتاج إلى تدخل خبراء متخصصين تُنجز اليوم بكفاءة أعلى ووقت أقل، وهو ما يعكس بداية مرحلة جديدة في طريقة إدارة الأعمال والإنتاج المعرفي.
وعلى امتداد مختلف القطاعات، تدرك الشركات اليوم الإمكانات الكبيرة التي يحملها "الذكاء الاصطناعي"، وهو ما دفع كثيراً منها إلى إطلاق عدد واسع من المبادرات والمشاريع المرتبطة بهذه التقنيات، حتى إن بعض المؤسسات بات يدير عشرات، وربما مئات المبادرات في الوقت نفسه سعياً للاستفادة من هذا التحول المتسارع. ورغم هذا الزخم، لا تزال النتائج المحققة حتى الآن محدودة نسبياً في معظم الحالات، إذ تتركز المكاسب غالباً ضمن نطاقات تشغيلية ضيقة أو وظائف محددة داخل المؤسسة. فعلى سبيل المثال، نجحت بعض الشركات في خفض تكاليف المشتريات أو تسريع معالجة الفواتير وتحسين كفاءة بعض الإجراءات التشغيلية، إلا أن هذه التحسينات بقيت جزئية ومحصورة ضمن أقسام بعينها. لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن معظم الشركات لم تصل بعد إلى مرحلة توظيف "الذكاء الاصطناعي" لإحداث تغيير جذري في طريقة عمل المؤسسة بالكامل. بمعنى آخر، لا تزال هذه التقنيات تُستخدم لتحسين مهام منفصلة أو تسريع إجراءات محددة، بدلاً من إعادة بناء طريقة اتخاذ القرار أو تطوير المنتجات أو إدارة العمليات بصورة مترابطة وشاملة على مستوى الشركة ككل.
ولا تبدو هذه النتائج المحدودة مفاجئة بالنسبة إلى كثير من الخبراء، إذ لا تزال مؤسسات عديدة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعاً تقنياً منفصلاً يقتصر على تحسين وظيفة أو قسم محدد، بدلاً من النظر إليه كأداة قادرة على إعادة تشكيل طريقة عمل المؤسسة بالكامل. وفي كثير من الحالات، يتوقف استخدام الذكاء الاصطناعي فقط على تحسين مهام محددة داخل أقسام منفصلة، مثل تسريع إعداد التقارير أو تقليل الوقت اللازم لإنجاز بعض الإجراءات اليومية. لكن هذا الاستخدام الجزئي لا يغيّر طريقة عمل المؤسسة فعلياً، لأنه يركّز على معالجة تفاصيل صغيرة، من دون إعادة النظر في الصورة الأكبر المرتبطة بطريقة اتخاذ القرار وإدارة العمليات وتنسيق العمل بين الفرق المختلفة. ولهذا السبب، تتجنب إدارات كثيرة الدخول في النقاشات التي تصنع الفارق الحقيقي في أي عملية تحول. فالقضية لم تعد مجرد إضافة أداة تقنية جديدة داخل الشركة، وإنما إعادة التفكير في طريقة إنجاز العمل من الأساس. فعلى سبيل المثال، كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختصر مراحل طويلة من التحليل والاجتماعات والمراجعات التي كانت تستهلك وقتاً كبيراً قبل الوصول إلى القرار النهائي؟. كما يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية يتعلق بطبيعة المهام التي يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذها تلقائياً اعتماداً على البيانات والمعايير المتاحة، مقابل المهام التي لا تزال تتطلب حكماً بشرياً وخبرة عملية، خصوصاً في القرارات المرتبطة بالأولويات أو تقييم المخاطر أو التعامل مع الحالات غير الواضحة والمعقدة. ومع تسارع هذه التحولات، تبرز أيضاً تساؤلات حول شكل بيئة العمل مستقبلاً، وكيف ستتغير مسؤوليات الموظفين والمديرين عندما تصبح أعمال كانت تستغرق أسابيع من الدراسة والتحليل قابلة للإنجاز خلال دقائق معدودة.
والإجابة عن هذه التساؤلات لا تحتاج إلى تحديث تقني محدود أو قرارات تشغيلية عابرة، بل تتطلب نمطاً قيادياً قادراً على إعادة تشكيل المؤسسة بالطريقة نفسها التي أعادت بها التحولات الصناعية الكبرى رسم ملامح المصانع وأساليب الإنتاج في بداية القرن الماضي. ومن هنا، لا يزال النموذج الذي أسسه "هنري فورد" يحمل دلالات واضحة للشركات الحديثة حتى اليوم. فالدور الحقيقي للرؤساء التنفيذيين لم يعد يقتصر على دعم استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما يتمثل في دفع فرق القيادة إلى إعادة التفكير في طريقة سير العمل بالكامل، بدءاً من توزيع المهام والمسؤوليات، وصولاً إلى آليات اتخاذ القرار وإدارة العمليات داخل المؤسسة. ويشمل ذلك إعادة تصميم طريقة العمل بين الأقسام المختلفة، وتحديد الأدوار المطلوبة مستقبلاً، وتطوير أساليب الحوكمة والتنظيم الإداري، إلى جانب بناء بيئة تشغيلية تجعل "الذكاء الاصطناعي" جزءاً أساسياً من طريقة عمل الشركة اليومية، وليس مجرد أداة إضافية تستخدم في بعض المهام المحددة. وفي الواقع، فإن هذا التحول يشبه عملية إعادة بناء شاملة للبنية الداخلية للمؤسسة، وهو ما يتطلب العمل ضمن إطار متكامل يرتكز على ستة محاور رئيسية تشمل وضع خارطة استراتيجية واضحة، وتطوير الكفاءات والمهارات، وإعادة بناء النموذج التشغيلي، وتحديث البنية التقنية، وتعزيز إدارة البيانات، إضافة إلى ضمان تبني هذه التقنيات وتوسيع استخدامها على نطاق المؤسسة. ويركز هذا المقال بصورة أساسية على جانبين محوريين في رحلة التحول هذه، هما كيفية وضع استراتيجية واضحة لتبني الذكاء الاصطناعي، والبنية التقنية التي تقوم عليها هذه التحولات داخل المؤسسات.
وعندما تنجح الشركات في تطبيق هذا الإطار بصورة مترابطة، يصبح بإمكانها بناء ما يشبه "خط إنتاج" قائم على "الذكاء الاصطناعي"، تعمل داخله مجموعة من الأنظمة الذكية المتخصصة بصورة متناسقة لتنفيذ المهام وتبادل المعلومات بين مختلف الأقسام والوظائف داخل المؤسسة. وبدلاً من تنفيذ كل فريق لعمله بصورة منفصلة، تتيح هذه المنظومة انتقال المهام والبيانات والتحليلات بشكل أسرع وأكثر انسيابية، ما يساهم في تقليل الوقت والجهد المطلوبين لإنجاز الأعمال، إلى جانب رفع مستوى الكفاءة والإنتاجية على نطاق أوسع. وتشير أبحاث مبكرة أجرتها شركة ماكنزي إلى أن التحولات الرقمية التي يقودها الرؤساء التنفيذيون بأنفسهم تحقق فرص نجاح أعلى بنحو مرة ونصف مقارنة بالمشاريع التي تُترك قيادتها للفرق التقنية وحدها. ويعكس ذلك حقيقة مهمة مفادها أن التحول المرتبط بالذكاء الاصطناعي لم يعد قضية تقنية فقط، وإنما قرار إداري واستراتيجي يرتبط بطريقة قيادة المؤسسة وتوجيهها بالكامل.
بناء منظومة ذكاء اصطناعي قادرة على إحداث تحول واسع داخل المؤسسة
رغم أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحسين المهام المتكررة مثل معالجة الفواتير أو إدارة الرواتب، فإن التأثير الأكبر لهذه التقنيات يظهر في جانب أكثر عمقاً، يتمثل في طريقة اتخاذ القرارات داخل الشركات من بدايتها وحتى تنفيذها. فعلى مدى سنوات طويلة، اعتمدت المؤسسات على مجموعة محدودة من القيادات والمديرين والخبراء لتحليل الخيارات واتخاذ القرارات المهمة، إلا أن نقل المعرفة والخبرات بين فرق العمل المختلفة لم يكن دائماً أمراً سهلاً، خصوصاً داخل الشركات الكبيرة التي تتوزع عملياتها وموظفوها بين عدة مدن أو دول. إلى جانب ذلك، تبقى القرارات البشرية عرضة للتفاوت والأخطاء واختلاف وجهات النظر، سواء بسبب التقديرات الشخصية أو اختلاف الخبرات أو حتى التحيزات غير المقصودة. وفي كثير من الأحيان، يؤدي هذا التباين إلى إطالة النقاشات وعقد اجتماعات إضافية وإعادة مراجعة القرارات أكثر من مرة، ما يبطئ سرعة التحرك ويؤخر تنفيذ الخطوات المطلوبة داخل المؤسسة.
ومع مرور الوقت، تبدأ هذه التحديات في خلق حالة من البطء داخل المؤسسات، خصوصاً في الجوانب المرتبطة بتحليل المعلومات واتخاذ القرارات. فكلما ازدادت طبقات المراجعة وكثرت الاجتماعات وتعقدت آليات اعتماد القرارات، تراجعت قدرة الشركات على التعلم السريع والتكيف مع المتغيرات والاستجابة في الوقت المناسب. ويزداد هذا التحدي وضوحاً مع ارتفاع تعقيد المنتجات والخدمات، إلى جانب النمو الهائل في حجم البيانات التي تتعامل معها الشركات يومياً. وفي حالات عديدة، تصبح كمية المعلومات المطلوبة لاتخاذ القرار أكبر من قدرة عدد محدود من الخبراء على تحليلها ومراجعتها بالسرعة المطلوبة، ما يخلق فجوة متزايدة بين حجم المعرفة المتاحة داخل المؤسسة والقدرة الفعلية على الاستفادة منها. ومن هنا، لا تكمن القيمة الحقيقية لـ "الذكاء الاصطناعي" في مجرد أتمتة المهام الروتينية، وإنما في توسيع القدرة على اتخاذ القرار وإتاحة المعرفة والتحليلات لشريحة أوسع داخل المؤسسة. فعلى سبيل المثال، يمكن للتقنيات الذكية جمع البيانات المطلوبة وتحليلها وتجهيز المستندات الداعمة للقرار خلال دقائق، بعدما كانت هذه العملية تستغرق أياماً من العمل والمراجعات والتنسيق بين الفرق المختلفة.
واليوم، بدأت شركات كثيرة بإدخال الذكاء الاصطناعي إلى عمليات اتخاذ القرار، إلا أن عدداً كبيراً من هذه المبادرات يتعثر قبل أن يحقق تأثيراً حقيقياً على مستوى المؤسسة. ويعود ذلك في كثير من الحالات إلى تركيز الفرق المسؤولة على الجوانب التقنية وحدها، مثل اختيار الأنظمة والأدوات والمنصات، من دون إعادة تهيئة طريقة العمل داخل الشركة بما يتناسب مع نموذج يعتمد على "خط إنتاج" متكامل للذكاء الاصطناعي. فنجاح هذا التحول لا يرتبط بالتقنية فقط، وإنما بقدرة المؤسسة على إعادة تنظيم العمليات وتوزيع الأدوار وتنسيق طريقة انتقال المعلومات والقرارات بين الفرق المختلفة. ولهذا السبب، ورغم أن مديري التقنية أو أقسام تكنولوجيا المعلومات يتولون إدارة القرارات التقنية الأساسية، فإن الدور المحوري في قيادة هذا التحول يجب أن يأتي من الرئيس التنفيذي نفسه، باعتباره المسؤول عن إعادة رسم طريقة عمل المؤسسة وتوجيهها نحو نموذج جديد أكثر تكاملاً واعتماداً على الذكاء الاصطناعي.
الاستراتيجية: إعادة تنظيم الأدوار والعمليات داخل المؤسسة لمواكبة المرحلة الجديدة
في إطار هذه التحولات، يصبح من الضروري أن يضع الرؤساء التنفيذيون رؤية واضحة ومقنعة تحدد الاتجاه الذي تسعى المؤسسة للوصول إليه من خلال الذكاء الاصطناعي، بحيث لا تقتصر الخطة على الشعارات العامة أو الطموحات النظرية، بل تتضمن أهدافاً عملية قابلة للقياس وتصوراً واضحاً للأثر المتوقع على أداء الشركة. فعلى سبيل المثال، قد يتمثل أحد الأهداف في تقليص المدة الزمنية اللازمة لتطوير المنتجات بنسبة 50 في المئة على مستوى المؤسسة بالكامل، أو تسريع دورة اتخاذ القرار وتحسين كفاءة العمليات بين مختلف الإدارات. وفي المقابل، لا يوجد نموذج موحد يمكن تطبيقه على جميع الشركات عند بناء ما يشبه "خط إنتاج" قائم على الذكاء الاصطناعي، لأن طبيعة الأنظمة الذكية المستخدمة تختلف من مؤسسة إلى أخرى بحسب احتياجاتها وأولوياتها وطبيعة أعمالها. ولهذا السبب، تقوم كل شركة بتصميم منظومتها الخاصة من الأدوات والأنظمة الذكية بما يتناسب مع أهدافها التشغيلية والاستراتيجية.
ومع بدء المؤسسات في إعادة تنظيم طريقة عملها بما يتناسب مع النماذج الجديدة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، تبرز مجموعة من الخطوات العملية التي يمكن أن تساعد الشركات على تنفيذ هذا التحول بصورة أكثر فاعلية واستدامة:
- تفكيك الحواجز بين الإدارات لتعزيز التعاون: في كثير من المؤسسات، تظهر الفجوة الأكبر بين الفرق التقنية التي تطور حلول الذكاء الاصطناعي وبين الإدارات التشغيلية أو التجارية المسؤولة عن تطبيق هذه الحلول والاستفادة منها على أرض الواقع. وغالباً ما يؤدي هذا الانفصال إلى ضعف التنسيق وتباين الأولويات بين الجانبين. وفي بعض الحالات، تنجح الفرق التقنية في تطوير أنظمة متقدمة من الناحية التقنية، لكنها لا تحقق قيمة حقيقية للأعمال لأنها لا تعالج التحديات الفعلية التي تواجه المؤسسة أو لا تنسجم مع احتياجات الفرق المختلفة داخل الشركة. ومن هنا، يهدف النموذج الذي يقوده الرئيس التنفيذي إلى تقليص هذه الفجوات وتعزيز التعاون المباشر بين الفرق التقنية والإدارات الأخرى، بما يضمن تطوير حلول أكثر ارتباطاً بالأهداف التشغيلية والتجارية للمؤسسة، بدلاً من الاكتفاء ببناء تقنيات متطورة يصعب توظيفها بصورة فعالة داخل بيئة العمل.
- تقليص التعقيدات الإدارية غير الضرورية: ومن الجوانب الأساسية في هذا التحول، مراجعة الإجراءات الإدارية التي تؤخر سير العمل وتبطئ اتخاذ القرار داخل المؤسسات. ولهذا، يحتاج الرؤساء التنفيذيون أو القيادات المسؤولة عن الإدارات المختلفة إلى تحديد النقاط التي تتسبب في أكبر قدر من التعطيل داخل دورة العمل اليومية. وفي كثير من الأحيان، ترتبط هذه التعقيدات بتعدد مستويات الموافقات الإدارية، أو كثرة انتقال المهام بين الأقسام، أو الاعتماد المفرط على الإجراءات اليدوية والمراجعات المتكررة قبل تنفيذ أي خطوة. وبعد تحديد هذه العقبات بصورة واضحة، يصبح بإمكان فرق القيادة عقد جلسات عمل مركزة لإعادة تبسيط الإجراءات، وإلغاء الخطوات التي لا تضيف قيمة فعلية، مع الحفاظ من جهة أخرى على مستويات الرقابة والمتابعة المطلوبة لضمان عمل الأنظمة الذكية بصورة دقيقة وآمنة داخل المؤسسة.
- توحيد البيانات وربط أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة واحدة: ولكي تتمكن المؤسسات من تحقيق استفادة حقيقية من الذكاء الاصطناعي، لا يكفي استخدام مجموعة من الأدوات المتفرقة التي تعمل بصورة منفصلة عن بعضها. إذ تحتاج الشركات إلى بناء قاعدة بيانات موحدة وإطار تشغيلي مشترك يسمح للأنظمة المختلفة بالعمل معاً وتبادل المعلومات بصورة سلسة. وعندما تعتمد المؤسسة على مصدر بيانات موحد، يصبح بإمكان أدوات الذكاء الاصطناعي الاستفادة من المعلومات نفسها والتكامل فيما بينها أثناء تنفيذ المهام وتحليل البيانات ودعم القرارات، بدلاً من عمل كل نظام بصورة معزولة. وهذا التكامل يرفع القيمة التي تحققها الشركات من استخدام هذه التقنيات، لأن الجمع بين عدة أدوات مترابطة غالباً ما يحقق نتائج وتأثيراً أكبر مقارنة باستخدام كل أداة بشكل منفصل داخل المؤسسة.
- إعادة صياغة الأدوار الوظيفية وتوقعات الأداء: ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، ستبرز الحاجة إلى أدوار جديدة لم تكن موجودة سابقاً، من بينها مسؤولون وفرق متخصصة تتولى الإشراف على الأنظمة الذكية والتأكد من أنها تحقق النتائج والأهداف المطلوبة فعلياً داخل بيئة العمل. وفي الوقت نفسه، ستحتاج الشركات إلى إعادة النظر في طريقة تقييم أداء الموظفين وطبيعة المهام المطلوبة منهم. فمع تولي الأنظمة الذكية جزءاً كبيراً من الأعمال الروتينية أو التحليلية، سيصبح لدى الموظفين وقت أكبر للتركيز على المهام التي تتطلب تفكيراً أعمق وقدرة على الابتكار واتخاذ القرار. كما قد يفرض هذا التحول تطوير أساليب جديدة لتأهيل الموظفين وتدريبهم، خصوصاً عند انضمام كوادر جديدة إلى المؤسسة. فعوضاً عن برامج تأهيل طويلة تمتد لأشهر لفهم الإجراءات والعمليات الداخلية، قد تعتمد الشركات على برامج تدريبية أقصر وأكثر تركيزاً تساعد الموظفين على فهم آليات العمل المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والتعامل معها بسرعة وكفاءة.
بناء المنظومة التقنية التي تنقل المعرفة والقرارات عبر المؤسسة
مع انتقال الشركات نحو نماذج عمل أكثر اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، يصبح الجانب التقني عاملاً حاسماً في نجاح هذا التحول واستمراريته. فمهما بلغت قدرات الأنظمة الذكية، فإنها تحتاج إلى بنية تقنية وبيانات قوية تستطيع المؤسسات الاعتماد عليها بصورة مستقرة ومرنة. كما تحتاج الشركات إلى تصميم هذه البنية بطريقة تسمح بإعادة استخدام الأدوات والأنظمة نفسها في أكثر من تطبيق وحالة تشغيلية، بدلاً من بناء حلول منفصلة لكل مهمة جديدة. وفي قلب هذا النموذج، تظهر طبقة تشغيلية مركزية تتولى تنظيم العلاقة بين البيانات والنماذج الذكية والأنظمة المختلفة داخل المؤسسة، بحيث تتمكن هذه العناصر من العمل معاً بصورة مترابطة ومنسقة، من دون الحاجة في كل مرة إلى إنشاء حلول تقنية معقدة لربط الأنظمة ببعضها. وتتمثل أهمية هذه الطبقة في قدرتها على إدارة المهام متعددة المراحل بصورة شبه ذاتية، بدءاً من تحليل المعلومات وفهم المطلوب، وصولاً إلى تنفيذ الخطوات واتخاذ الإجراءات المناسبة، مع تقليل الحاجة إلى التدخل البشري المباشر في كل مرحلة. وداخل ما يشبه "خط إنتاج" الذكاء الاصطناعي، تؤدي هذه المنظومة دوراً قريباً من الحزام الناقل في المصانع، إذ تتولى تنظيم انتقال المهام والبيانات والقرارات بين الإدارات والأنظمة المختلفة داخل المؤسسة، بما يضمن استمرار تدفق العمل بصورة أكثر سرعة وترابطاً وانسيابية.
وتعتمد هذه الطبقة التشغيلية على مجموعة من الأنظمة الذكية التي تعمل معاً بصورة مترابطة داخل المؤسسة، لكن لكل منها دور مختلف. فبعض هذه الأنظمة يكون مسؤولاً عن مهام محددة داخل قسم أو مجال معين، مثل تحليل البيانات المالية أو مراجعة المعلومات الطبية أو متابعة سلاسل الإمداد. وفي المقابل، توجد أنظمة أخرى تتولى تنسيق تدفق المعلومات والنتائج بين مختلف الإدارات، لضمان انتقال المعرفة والقرارات بصورة سلسة عبر المؤسسة بالكامل. وبمعنى أبسط، لا تعمل هذه الأنظمة كأدوات منفصلة يؤدي كل منها مهمة معزولة، وإنما كشبكة مترابطة تتبادل المعلومات باستمرار، بحيث تستطيع الشركة الاستفادة من البيانات والتحليلات في الوقت المناسب ومن دون تأخير أو تكرار في العمل. وفي قطاع الرعاية الصحية على سبيل المثال، قد يقوم أحد الأنظمة الذكية بتحليل نتائج الفحوصات والتقارير الطبية لاكتشاف مؤشرات مرتبطة بحالة المريض، ثم ينقل هذه النتائج مباشرة إلى نظام آخر مسؤول عن إيصال المعلومات للطبيب المعني أو الفريق الطبي المختص في اللحظة المناسبة. وهذا الترابط يساعد الأطباء على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة، ويمنح المستشفيات قدرة أفضل على متابعة حالة المرضى وتحسين جودة الرعاية الصحية بصورة مستمرة.
ومن خلال تولي المهام الروتينية وتنظيم كميات ضخمة من البيانات وتحليلها، تمنح هذه المنظومة الذكية الموظفين مساحة أكبر للتركيز على الجوانب التي تتطلب التفكير والتحليل والخبرة البشرية، مثل الابتكار، وفهم السياقات المعقدة، والتعامل مع القرارات الحساسة التي تحتاج إلى تقدير إنساني لا تستطيع الأنظمة الذكية حسمه بمفردها. وفي ذات الوقت، لا تعمل هذه الأنظمة باعتبارها بديلاً كاملاً عن الإنسان، إذ تمتلك القدرة على التمييز بين الحالات الواضحة التي يمكن التعامل معها تلقائياً، والحالات الأكثر تعقيداً التي تستدعي تدخلاً بشرياً ومراجعة مباشرة قبل اتخاذ القرار النهائي. فعلى سبيل المثال، قد تتمكن مؤسسة مالية من استخدام هذه الأنظمة لمعالجة النسبة الأكبر من طلبات القروض بصورة آلية وسريعة اعتماداً على البيانات والمعايير المحددة مسبقاً، بينما تُحال الطلبات التي تتضمن معلومات غير مكتملة أو حالات مالية معقدة أو مؤشرات غير واضحة إلى الموظفين المختصين لمراجعتها واتخاذ القرار المناسب بشأنها. ويمنح هذا النموذج المؤسسات قدرة أكبر على رفع الكفاءة وتسريع الإجراءات، مع الحفاظ في السياق ذاته على الرقابة البشرية ومستوى الثقة المطلوب في القرارات المهمة.
ومع توسع الشركات في استخدام الذكاء الاصطناعي، تواجه الإدارات التنفيذية قراراً بالغ الأهمية يتعلق بطريقة بناء القدرات التقنية المطلوبة لهذا التحول. ويتمثل هذا القرار في الاختيار بين تطوير هذه الإمكانات داخل الشركة نفسها أو الاعتماد على مزودي خدمات وتقنيات خارجيين. وغالباً ما تتميز الشركات التقنية المتخصصة بسرعة التطوير وانخفاض التكلفة مقارنة ببناء الأنظمة داخلياً، وهي ميزة مهمة في مجال يتغير بوتيرة متسارعة وتظهر فيه أدوات وتقنيات جديدة بشكل شبه مستمر. لكن بناء القدرات التقنية داخل المؤسسة قد يكون الخيار الأفضل عندما تصبح تطبيقات الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من الميزة التنافسية للشركة أو من طبيعة القيمة التي تقدمها في السوق. ففي هذه الحالة، لا ترغب المؤسسات في الاعتماد الكامل على حلول متاحة للجميع ويمكن للمنافسين الوصول إليها بسهولة. وقد تلجأ بعض الشركات إلى تطوير نظام داخلي خاص لتحليل سلوك العملاء وفهم اهتماماتهم وأنماط الشراء الخاصة بهم بصورة تفصيلية، ثم استخدام هذه المعلومات لتقديم توجيهات دقيقة لفرق المبيعات حول أفضل طريقة للتعامل مع كل فئة من العملاء، اعتماداً على بيانات داخلية حصرية لا تتوافر لدى أي جهة أخرى. ويساعد امتلاك هذه الأنظمة والحقوق الفكرية المرتبطة بها على حماية المعرفة المتولدة عنها ومنع المنافسين من تقليدها بسهولة أو الوصول إلى النتائج نفسها. وفي موازاة ذلك، تحتاج الشركات أيضاً إلى تحديد المهام والخدمات التي يمكن الاستعانة بجهات خارجية لتنفيذها، مثل تكييف أنظمة الذكاء الاصطناعي بما يتناسب مع آليات العمل الداخلية للشركة، أو معالجة البيانات وإخفاء المعلومات الحساسة قبل إدخالها إلى النماذج الذكية المستخدمة داخل المؤسسة.
المكاسب التي تحققها المؤسسات من توظيف منظومة للذكاء الاصطناعي
لم يكن تفوق "هنري فورد" نابعاً من كونه صنع سيارة أفضل من المنافسين فحسب، وإنما لأنه غيّر المعادلة الاقتصادية المرتبطة بتكلفة الإنتاج بصورة جذرية. فقد أدرك مبكراً أن النجاح الحقيقي لا يعتمد فقط على جودة المنتج، بل على القدرة على إنتاجه بسرعة أكبر وبتكلفة أقل وعلى نطاق أوسع. ومع انتقال "فورد" إلى نموذج الإنتاج القائم على "خط التجميع"، بدأت النتائج تظهر بصورة غير مسبوقة على مستوى السرعة والتكلفة وحجم الإنتاج. فقبل تطبيق هذا النموذج، كان مصنع الشركة ينتج نحو 12 ألف سيارة سنوياً، بتكلفة تصل إلى 825 دولاراً للسيارة الواحدة. لكن بعد إعادة تنظيم عملية التصنيع بصورة متكاملة، ارتفع الإنتاج بحلول عام 1925 إلى نحو مليوني سيارة سنوياً، بالتزامن مع انخفاض تكلفة السيارة الواحدة إلى 260 دولاراً فقط. وهكذا، تمكن "فورد" من إنتاج أعداد ضخمة من السيارات خلال وقت أقصر وبتكلفة أقل، الأمر الذي غيّر طريقة المنافسة في سوق السيارات وجعل الإنتاج الكبير أكثر سرعة وأسهل من السابق.
واليوم، تواجه الشركات الصناعية التقليدية تحدياً متزايداً مع ازدياد تعقيد المنتجات الحديثة. فكل إضافة جديدة إلى المنتج، سواء كانت أجهزة استشعار إضافية أو برمجيات مدمجة أو متطلبات تنظيمية وتشريعية جديدة، تعني الحاجة إلى مزيد من الخبرات المتخصصة لمراجعة هذه العناصر وربطها ببعضها والتأكد من أنها تعمل بصورة سليمة ومتوافقة. ومع هذا التعقيد، تبدأ الشركات في استهلاك وقت وجهد هائلين في التنسيق والاجتماعات والمراسلات والاختبارات اليدوية بين الفرق المختلفة، وهي عمليات قد تستنزف آلاف الساعات قبل الوصول إلى المنتج النهائي. ويظهر هذا التحدي بصورة أوضح في القطاعات الصناعية التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على البرمجيات داخل منتجاتها، مثل شركات الروبوتات وأشباه الموصلات والسيارات. فكلما ارتفع الاعتماد على البرمجيات، أصبحت عمليات التطوير أكثر بطئاً وتشابكاً، بسبب الحاجة المستمرة إلى اختبار الأنظمة وربط المكونات المختلفة والتأكد من توافقها. وفي قطاع الطيران على سبيل المثال، أصبحت البرمجيات تمثل اليوم نحو 40 في المئة من قيمة المنتج، بعدما كانت لا تتجاوز 10 في المئة فقط في عام 2010، وهو ما يعكس حجم التحول الذي تشهده الصناعات الحديثة واعتمادها المتزايد على الأنظمة الرقمية والبرمجية.
وإذا تمكنت منظومات الذكاء الاصطناعي من استيعاب هذا المستوى المتزايد من التعقيد في المنتجات والعمليات، فقد تصبح الشركات قادرة على التوسع وتحقيق عوائد أكبر من دون الحاجة إلى زيادة كبيرة في أعداد الموظفين. فالقدرات البشرية، مهما بلغت كفاءتها، تبقى محدودة بحجم معين من المهام التي يمكن إدارتها في الوقت نفسه. أما منظومات الذكاء الاصطناعي، فتستطيع التعامل مع عدد هائل من العمليات والتحليلات المتزامنة بصورة تفوق الإمكانات البشرية بمراحل، وهو ما يمنح الشركات قدرة غير مسبوقة على إدارة التعقيد والسرعة في آن واحد. كما أن هذه المنظومات تمنح الشركات مرونة كبيرة في التوسع عند ارتفاع حجم العمل أو زيادة تعقيد المنتجات والخدمات. ففي النماذج التقليدية، يتطلب التوسع عادة توظيف مزيد من الموظفين أو إنشاء فرق جديدة أو زيادة الموارد التشغيلية، وهي خطوات تحتاج إلى وقت وتكلفة مرتفعة. أما مع الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، فيمكن زيادة القدرة على تنفيذ المهام وتحليل البيانات بصورة سريعة جداً ومن دون التعقيدات نفسها، لأن هذه الأنظمة تعمل رقمياً ولا ترتبط بالقيود المعتادة المرتبطة بعدد الموظفين أو المساحات أو القدرة التشغيلية التقليدية داخل الشركات. ولتقريب الصورة، إذا تمكن نظام ذكي في شركة سيارات من إرسال تحديث أمني جديد للمركبات خلال 12 ثانية فقط عبر الإنترنت، بينما يحتاج المنافسون إلى 12 شهراً لتنفيذ التحديث نفسه، فإن الفارق هنا لا يتعلق بالسرعة فقط، وإنما بقدرة الشركة على الاستجابة الفورية والتفوق على المنافسين في تطوير المنتجات وخدمة العملاء.
ومثلما تختلف طريقة تصميم منظومات الذكاء الاصطناعي من شركة إلى أخرى، تتفاوت أيضاً طبيعة النتائج والمكاسب التي يمكن تحقيقها من استخدامها، بحسب التحديات التي تواجه كل مؤسسة وطريقة توظيف هذه التقنيات داخل أعمالها. وقد تجد بعض الشركات نفسها بحاجة إلى إعادة تنظيم تجربة العملاء بالكامل بعدما تبدأ المشكلات التشغيلية بالتأثير على سرعة العمل وجودة الخدمة والعوائد المالية. ويحدث ذلك عندما تصبح العمليات معقدة ومتشعبة بصورة تربك فرق العمل وتؤدي إلى هدر الوقت والموارد داخل المؤسسة. وتظهر هذه المشكلات بأشكال متعددة، مثل تقديم منتجات أو خدمات متشابهة للغاية من دون حاجة فعلية، أو التوسع في طرح خيارات كثيرة تربك الإدارة والعملاء معاً، إلى جانب ضعف الاستفادة من البيانات المتوافرة لدى الشركة لفهم العملاء بشكل أدق وتحسين عمليات التحصيل والمتابعة واتخاذ القرارات المرتبطة بالأولويات التجارية. ومع تزايد هذا التعقيد، تبدأ الشركات في مواجهة بطء واضح في طريقة تنفيذ الأعمال، لأن كل مرحلة من مراحل العمل تنتقل بشكل منفصل بين الإدارات والفرق المختلفة، حيث يتولى كل فريق جزءاً محدداً من المهمة قبل تحويلها إلى فريق آخر. وهذا الأسلوب التقليدي يستهلك وقتاً كبيراً ويؤدي غالباً إلى تكرار العمل وكثرة المراجعات وتأخر اتخاذ القرار. أما عند الاعتماد على منظومة متكاملة من الذكاء الاصطناعي، فيصبح بالإمكان تنفيذ عدد كبير من المهام بصورة مترابطة ومتزامنة، ما يساعد على تسريع الإجراءات وتقليل التعقيدات التشغيلية بين الأقسام المختلفة. وقد تتولى الأنظمة الذكية مهام مثل جدولة الاجتماعات الأولية مع العملاء، وفرز الاستفسارات وتوجيهها تلقائياً إلى الجهة المناسبة، إلى جانب إعداد التسعير أو التوصيات التجارية بصورة أسرع وأكثر دقة اعتماداً على البيانات المتاحة.
ومع التطور المتسارع لقدرات الذكاء الاصطناعي، بدأت كلفة الأعمال المرتبطة بالتحليل ودراسة البيانات واتخاذ القرار تنخفض بصورة كبيرة، وهو ما يفتح المجال أمام الشركات لتقديم خدمات أكثر تطوراً وتعقيداً كانت في السابق تحتاج إلى وقت طويل وخبرات متخصصة وموارد مكلفة. ويعني ذلك أن المؤسسات في قطاعات متعددة قد تصبح قادرة على تنفيذ مهام معقدة بسرعة ودقة أعلى من السابق. ففي القطاع المصرفي مثلاً، يمكن للبنوك العالمية تحديث نماذج تقييم المخاطر بشكل فوري مع تغير الأسواق والبيانات، بينما تستطيع شركات الأدوية تطوير علاجات أكثر دقة تناسب حالة كل مريض على حدة، أو تقليص السنوات الطويلة التي كانت تستغرقها عملية تطوير الأدوية الجديدة. كما قد تصبح خدمات كانت تُعتبر حكراً على فئات محدودة متاحة لشريحة أوسع من الناس مع تراجع تكلفتها. وينطبق ذلك على خدمات مثل إدارة الثروات والاستشارات المالية الشخصية، التي كانت تحتاج سابقاً إلى خبراء متخصصين وتكاليف مرتفعة لتقديمها بصورة فردية لكل عميل. ولا تقتصر هذه التحولات على تحسينات بسيطة في الأداء أو السرعة، إذ تعيد تشكيل توقعات العملاء وطريقة عمل الشركات ومعايير المنافسة داخل الأسواق، ما يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تماماً في طبيعة الخدمات والأعمال.
وفي هذه المرحلة، لا يزال الذكاء الاصطناعي يُعد تقنية حديثة نسبياً مقارنة بحجم التحولات التي يُتوقع أن يُحدثها مستقبلاً، إلا أن تأثيره بدأ يظهر بالفعل داخل عدد من الشركات والقطاعات بصورة عملية وواضحة. فمع قدرة هذه التقنيات على تسريع تحليل البيانات ودعم اتخاذ القرار، أصبحت المؤسسات أكثر قدرة على تطوير منتجاتها وخدماتها بسرعة أكبر، كما باتت تملك مرونة أعلى في التعامل مع التغيرات المفاجئة في الأسواق واحتياجات العملاء. وتشير بعض الدراسات أيضاً إلى أن إحدى الشركات التي بادرت إلى تبني الذكاء الاصطناعي في مرحلة مبكرة حققت مستوى ربحية أعلى بنحو 20 في المئة مقارنة بالشركات المنافسة، وهو ما يوضح كيف يمكن لهذه التقنيات أن تتحول إلى عامل مؤثر في الأداء والنمو عندما تُوظف بصورة صحيحة داخل المؤسسة.
ومع بدء بعض القطاعات في توظيف الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، بدأت نتائج هذا التحول تظهر بصورة أوضح في الصناعات التي تعتمد على السرعة والابتكار والتطوير المستمر للمنتجات. ويبرز قطاع السيارات في الصين كأحد أبرز الأمثلة على ذلك، بعدما ساهم استخدام الذكاء الاصطناعي في تسريع عمليات البحث والتطوير ودمج البرمجيات داخل المركبات، ما أدى إلى تقليص دورة تطوير السيارات الجديدة إلى نحو 24 شهراً فقط. وساعدت هذه السرعة في التطوير على خفض التكاليف وتقليل التعقيدات المرتبطة بإطلاق السيارات الجديدة، الأمر الذي سهّل دخول شركات وعلامات تجارية جديدة إلى السوق بوتيرة غير مسبوقة. وخلال السنوات الخمس الماضية، شهد السوق الصيني دخول أكثر من 50 علامة جديدة متخصصة في السيارات الكهربائية. كما منح الذكاء الاصطناعي شركات السيارات الصينية القدرة على تطوير مزايا وتقنيات أكثر تقدماً داخل المركبات، مع الحفاظ على تكاليف أقل مقارنة بما كان يتطلبه تطوير هذه الأنظمة في السابق.
ونتيجة لهذه السرعة في التطوير والإنتاج، تمكنت العلامات التجارية الصينية من تعزيز حضورها داخل السوق المحلية بصورة غير مسبوقة، بعدما تجاوزت حصتها أكثر من 50 في المئة من سوق السيارات في الصين للمرة الأولى. في حين شهدت الشركات العالمية والتحالفات غير الصينية تراجعاً واضحاً في حصتها السوقية، إذ انخفضت من 64 في المئة عام 2020 إلى نحو 43 في المئة حالياً. ويعكس هذا التحول حجم الضغوط التي قد تواجهها شركات السيارات التقليدية إذا استمرت في الاعتماد على أساليب التطوير الهندسية القديمة والبطيئة التي تعتمد بصورة كبيرة على العمل اليدوي والتسلسل الطويل في الاختبارات والمراجعات. فمع التوسع العالمي السريع للشركات الصينية، قد تجد الشركات التقليدية نفسها أمام تراجع مستمر في هوامش الأرباح وصعوبة أكبر في الحفاظ على قدرتها التنافسية.
وفي المحصلة، لن يكون دور منظومة العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي مجرد تحسين طريقة اتخاذ القرار داخل الشركات، إذ سيحوّل هذه العملية إلى منظومة متكاملة تعمل بصورة منظمة وعلى نطاق واسع، من خلال أنظمة ذكية مصممة خصيصاً بما يتناسب مع طبيعة كل مؤسسة واحتياجاتها. وفي ظل انخفاض تكلفة التحليل واتخاذ القرار، واتساع قدرة المؤسسات على الوصول إلى هذه الإمكانات بوتيرة أسرع، ستصبح الخدمات والتجارب المخصصة جزءاً طبيعياً من الأعمال اليومية، كما ستتمكن الشركات من تحديث توقعاتها وقراراتها بصورة مستمرة بدلاً من الاعتماد على مراجعات متباعدة وبطيئة. وهذا سيمنح المؤسسات قدرة أعلى على التكيف السريع مع المتغيرات والتحرك بصورة شبه فورية عند تغير ظروف السوق أو احتياجات العملاء. لكن الوصول إلى هذه المرحلة لا يعتمد على التقنية وحدها. فنجاح هذا التحول يتطلب من الرؤساء التنفيذيين إعادة تصميم طريقة عمل المؤسسات بالكامل، بما يشمل سير العمل والأدوار الوظيفية وآليات الحوكمة واتخاذ القرار، لضمان أن تصبح سرعة العمليات داخل الشركة قادرة على مواكبة السرعة الهائلة التي توفرها الأنظمة الذكية في تحليل المعلومات والاستجابة للمتغيرات.