ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
مع اشتداد الازدحام وارتفاع تكاليف امتلاك السيارات، السيارات، تتجه الأنظار إلى وسائل نقل أصغر حجماً وأخف وزناً قد تمنح المدن حلاً عملياً لهذه التحديات. وتُعرف هذه الوسائل بالمركبات الصغيرة والخفيفة، وهي مركبات تعمل بالكهرباء كلياً أو تستعين بمحرك كهربائي مساعد، وتتميز بأنها أصغر حجماً وأخف وزناً من سيارات الركوب المعتادة، سواء كانت تلك السيارات تعمل بالوقود أو الكهرباء. وقد صُممت أساساً لنقل الأشخاص أو البضائع خلال الرحلات القصيرة داخل ضواحي المدن، وتقع من حيث حجمها وطبيعة استخدامها بين السيارة المعتادة والدراجة أو السكوتر الكهربائي. وكما أوضحت ماكنزي في دراسات سابقة، تحمل المركبات الصغيرة والخفيفة فرصاً واعدة لتخفيف الازدحام داخل المدن، وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتقليل تكاليف شراء المركبات وتشغيلها.1 وتشمل هذه الفئة السيارات الصغيرة المخصصة للتنقل داخل أروقة المدن، ومركبات كهربائية رباعية ذات مقصورة مغلقة، ومركبات كهربائية بأربع عجلات تعمل بنظام الدواسات، ودراجات شحن مصممة لنقل الأحمال الثقيلة. وبفضل صغر حجم هذه المركبات مقارنة بسيارات الركوب الكهربائية المعتادة، يحتاج إنتاجها إلى قدر أقل من الطاقة والمواد، ومن بينها بعض مكونات البطاريات التي يصعب توفيرها بالكميات المطلوبة. كما تنخفض تكلفة امتلاكها مقارنة بالمركبات الكهربائية الكبيرة، وتمنح مستخدميها راحة وحماية أفضل من تقلبات الطقس، فضلاً عن سهولة ملاحظتها على الطريق مقارنة بوسائل التنقل الفردي الخفيفة، مثل السكوترات الكهربائية والدراجات.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
ورغم ما تحمله المركبات الصغيرة والخفيفة من مزايا محتملة، يرى عدد من قادة الشركات العاملة في هذا المجال، ممن تحدثت إليهم ماكنزي مؤخراً، أن السوق لم تصبح مهيأة بعد للنمو على نطاق واسع. ويمكن الاطلاع على تفاصيل هذه المقابلات في الإطار العمود الجانبي بعنوان "منهجيتنا". ويؤكد مسار السوق هذه الرؤية، إذ لم ينمُ هذا القطاع عالمياً بالوتيرة التي تؤهله لبلوغ حجم السوق المحتملة، التي كان متوقعاً أن تصل قيمتها إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030 في الصين وأوروبا وأمريكا الشمالية.2
ويتفاوت انتشار المركبات الصغيرة والخفيفة بدرجة كبيرة من منطقة إلى أخرى، إذ يرتبط بالقواعد التي تضعها السلطات المحلية والظروف المناخية السائدة. ففي نهاية عام 2025، تجاوز عدد السيارات الصغيرة المخصصة للتنقل داخل ضواحي المدن والمسجلة في هولندا 32 ألف سيارة,3 فيما أصبحت دراجات الشحن التجارية المصممة لنقل الأحمال الثقيلة مشهداً مألوفاً في شوارع لندن. أما في الولايات المتحدة، فلا يزال استخدام هذه المركبات محدوداً؛ إذ تحظى السيارات الصغيرة بإقبال سكان المجمعات المخصصة للمتقاعدين في فلوريدا وتكساس وأريزونا، بينما ازداد استخدام دراجات الشحن التجارية في نيويورك منذ أن سمحت المدينة بتشغيلها عام 2024.4
وعلى الرغم من تفاوت انتشار هذه المركبات بين الأسواق، لا يتوقف الابتكار في هذا القطاع؛ إذ يجري تطوير أنواع جديدة من المركبات بصورة منتظمة، وإن كانت غالبيتها لا تزال في مراحلها الأولى. ويرى بعض قادة القطاع أن تنوع المركبات الجديدة وتعدد استخداماتها أديا إلى تشعب السوق وتوزع الطلب على فئات متعددة. ومع ذلك، يجمع هؤلاء القادة على أن انتشار المركبات الصغيرة والخفيفة على نطاق واسع يمكن أن يخفف بعض المشكلات الأساسية التي تواجه التنقل داخل المدن، من خلال خفض الانبعاثات وتقليل المساحات التي تشغلها المركبات التقليدية في الطرق ومواقف السيارات.
غير أن الابتكار وحده لا يكفي، فالمقومات التي تحتاج إليها هذه المركبات للانتشار على نطاق واسع لا تزال غير مكتملة. فما الذي يعوق توسعها؟ حدد قادة القطاع أربعة تحديات رئيسية، هي غياب الأنظمة الواضحة، وارتفاع التكلفة، وتردد المستهلكين في شراء هذه المركبات واستخدامها، وعدم ملاءمة البنية التحتية الحالية لاحتياجاتها. ويرى هؤلاء القادة أن تركيز الجهود على معالجة هذه التحديات يمكن أن يحد من تشتت السوق بين أنواع واستخدامات متعددة، ويهيئ القطاع لنمو سريع يمكن الحفاظ عليه على المدى البعيد.
ما زالت المركبات الصغيرة والخفيفة في بداية طريقها، لكن التغيرات التي تشهدها المدن تجعل الحاجة إليها أكبر. فالشوارع تزداد ازدحاماً، وتسعى إدارات المدن إلى تقليل دخول السيارات الكبيرة إلى المراكز المكتظة لتخفيف حركة المرور وتوفير مساحة للمشاة ووسائل النقل الأخرى. كما أصبح شراء سيارة كبيرة وتحمل تكاليفها صعباً على كثير من الناس. وهذا يفتح المجال أمام المركبات الصغيرة، لأنها تشغل مساحة أقل وتوفر وسيلة مناسبة للرحلات القصيرة داخل المدن.
لماذا يحتاج انتشار المركبات الصغيرة والخفيفة إلى قواعد واضحة لتنظيم استخدامها
تبدأ المشكلة من غياب تصنيف قانوني واضح لهذه المركبات. فبحسب قادة الشركات الذين تحدثت إليهم ماكنزي، لا تعترف بعض الدول بالمركبات الصغيرة والخفيفة بوصفها فئة مستقلة، بينما تختلف طريقة تصنيفها من دولة إلى أخرى، أو تبقى القواعد المنظمة لها غير واضحة. وقد ساعدت السياسات الرامية إلى تحقيق أهداف خفض الانبعاثات في توسيع استخدام بعض هذه الوسائل، مثل دراجات الشحن، إلا أن قوانين النقل والحوافز الحكومية لا تزال تركز بصورة رئيسية، وأحياناً بصورة كاملة، على الانتقال من سيارات الركوب والمركبات التجارية التقليدية العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي إلى نظيراتها الكهربائية. ويرى بعض قادة القطاع أن المطلوب هو توسيع القوانين والأطر المنظمة لتشمل المركبات الصغيرة والخفيفة أيضاً، بما يشجع الأفراد والشركات على استخدامها ويمنح المصنعين مؤشرات واضحة إلى وجود طلب حقيقي عليها. ويمكن لهذا التوجه أن يقلل ما يستهلكه قطاع النقل من طاقة ومواد، ويسهم في خفض انبعاثاته.
وتقدم التجربة الألمانية مثالاً عملياً على كيفية استخدام الحوافز لزيادة الإقبال على وسائل النقل الجديدة. فقد أطلقت ألمانيا برنامجاً واسع الانتشار يمنح أصحاب العمل مزايا ضريبية عند توفير دراجات لموظفيهم بنظام التأجير، وهي تجربة يمكن الاستفادة منها لتشجيع الأفراد والشركات على استخدام المركبات الصغيرة والخفيفة. وبين عامي 2020 و2025، نما البرنامج بمتوسط سنوي بلغ 23 في المئة، وتجاوزت قيمة الدراجات المبيعة من خلال نظام التأجير 3.1 مليارات يورو.5 وامتد استخدام هذه الوسائل إلى قطاع توصيل الطرود، حيث أضافت شركات البريد السريع دراجات شحن مصممة لنقل الأحمال الثقيلة إلى أساطيلها للمساعدة في تحقيق أهداف خفض الانبعاثات. وتستخدم شركة "DHL"، على سبيل المثال، دراجات الشحن في مدن أوروبية مثل أمستردام وباريس، للالتزام بالقواعد المنظمة للانبعاثات وتخفيف أثر الازدحام على عمليات التوصيل داخل المدن.6
لن نتمكن من خفض انبعاثات قطاع السيارات إلى مستوى مقبول ما لم نتجه إلى تصنيع سيارات أصغر حجماً وأخف وزناً.
ويؤثر التصنيف القانوني للمركبات الصغيرة والخفيفة مباشرة في سهولة استخدامها داخل البيئات المختلفة، وهو ما يحدد بدوره مدى إقبال المستهلكين عليها. فعندما لا تنتمي المركبة إلى فئة قانونية واضحة، قد يظل المستخدم غير متأكد مما إذا كان مسموحاً له بقيادتها في شوارع المدينة. كما تؤثر الفئة التي توضع ضمنها في السرعة المسموح بها، وما إذا كانت تستطيع السير بسرعة تتناسب مع حركة المركبات الأخرى على الطريق. ويحدد هذا التصنيف أيضاً قدرة البلديات واستعدادها لتخصيص مواقف لهذه المركبات أو تعديل حارات السير بما يلائم حجمها وطريقة استخدامها.
وأمام هذا التأثير المباشر للتصنيف في استخدام المركبات وانتشارها، اتفق جميع قادة القطاع الذين تحدثت إليهم ماكنزي على أن نمو سوق المركبات الصغيرة والخفيفة يبدأ بقواعد واضحة تحدد كيفية تصنيف هذه المركبات وترخيصها واستخدامها. ويزداد أثر هذه القواعد عندما تتقارب بين الدول والمدن، فلا يضطر المصنعون إلى تعديل المركبة ومتطلبات تشغيلها كلما انتقلوا إلى سوق جديدة. ويؤكد المصنعون أن وجود قوانين مستقرة تراعي تطور القطاع مستقبلاً يساعدهم على التخطيط لاستثماراتهم، وإبرام اتفاقات طويلة الأجل مع الموردين، وكسب ثقة العملاء. كما أشار القادة إلى أهمية الحوافز والقوانين الداعمة، إلا أن استقرارها وإمكانية توقعها يظلان العامل الحاسم، لأن القرارات المؤقتة أو المتغيرة تدفع المشترين والمنتجين إلى التردد وتأجيل التزاماتهم.
وفي السياق ذاته، أشار عدد من قادة القطاع إلى الحاجة لإيجاد فئة قانونية جديدة تضم المركبات التي تقع بين الدراجات والسيارات من حيث الحجم والسرعة وطبيعة الاستخدام، حتى لا تخضع لقواعد لا تتناسب مع خصائصها. وشددوا في ختام حديثهم عن هذا الجانب على ضرورة معالجة مشكلات التصنيف والترخيص بسرعة، بما يتيح للشركات الأوروبية والأمريكية المنافسة في الأسواق العالمية، مع إبقاء عمليات التصنيع داخل بلدانها.
خفض تكاليف الإنتاج يمهد لانتشار المركبات الصغيرة والخفيفة
ترتبط مشكلة ارتفاع تكاليف الإنتاج بالعقبات التنظيمية التي تناولها المقال سابقاً، إذ يدفع غموض القوانين وغياب مؤشرات واضحة على حجم الطلب شركات السيارات الكبرى إلى التردد في إقامة شراكات فعلية مع الشركات الناشئة المتخصصة في المركبات الصغيرة والخفيفة. وبحسب قادة القطاع الذين تحدثت إليهم ماكنزي، تجري مناقشات منتظمة مع شركات السيارات الكبرى حول فرص التعاون، إلا أن هذه الشركات تبدو في انتظار أدلة أقوى تثبت وجود عدد كافٍ من العملاء المستعدين لشراء تلك المركبات. ومن دون هذه الشراكات، يصعب على الشركات الناشئة شراء المكونات وتصنيع المركبات بكميات كبيرة تخفض تكلفة إنتاج المركبة الواحدة. ونتيجة لذلك، تبقى الأسعار مرتفعة ويصبح الوصول إلى شريحة واسعة من المستهلكين أكثر صعوبة.
يمثل التعاون بين الشركات الكبرى في قطاع النقل والشركات الناشئة المتخصصة في المركبات الصغيرة والخفيفة عاملاً أساسياً لنمو السوق. ويمكن أن يشمل هذا التعاون التصنيع والتوريد والتوزيع، إلى جانب التمويل ومنح تراخيص استخدام التقنيات، أو تأسيس شركات مشتركة وتنفيذ صفقات اندماج واستحواذ. وستسهم هذه الشراكات في تسريع نمو خدمات توصيل البضائع إلى وجهتها النهائية.
وهنا تبرز أهمية بناء شراكات مع شركات تصنيع المركبات الرائدة والموردين الرئيسيين الذين يزودونها بالمكونات الأساسية، لأن هذه الشراكات تساعد الشركات الناشئة على إنتاج المركبات الصغيرة والخفيفة بكميات واسعة وأسعار قادرة على المنافسة. ويمكن لهذه الشركات أيضاً التعاون مع مصنعي الدراجات والمركبات ذات العجلتين، أو الاستعانة بمصانع من قطاعات أخرى تتولى الإنتاج لحسابها. غير أن نجاح هذه الشراكات ليس مضموناً؛ فقد تجد شركات السيارات الكبرى صعوبة في تحقيق جدوى مالية ضمن هياكل تكاليفها الحالية، بينما قد لا يمتلك مصنعو الدراجات الخبرات الفنية اللازمة لإنتاج مركبات مغلقة تتطلب تصميماً وهندسة أكثر تعقيداً. ولهذا لا يزال على الطرفين إيجاد نموذج تعاون يوازن بين الخبرة الصناعية والتكلفة والقدرة على الإنتاج.
ويمتد دور هذه الشراكات إلى مرحلة ما بعد تصنيع المركبة وبيعها. فالعملاء، ولا سيما الشركات التي تدير أساطيل من المركبات والبلديات، يريدون مركبات صغيرة وخفيفة تضاهي السيارات المعتادة في موثوقيتها، مع سهولة الوصول إلى خدمات الصيانة والإصلاح وقطع الغيار. ولتحقيق ذلك، تحتاج الشركات الناشئة إلى الاستفادة من شبكات قطاع السيارات القائمة، حتى تضمن استمرار تشغيل مركباتها وصيانتها على المدى البعيد. وعملياً، تستطيع الشركات الناشئة خفض تكاليفها من خلال التعاون في شراء الأجزاء اللازمة لتصنيع المركبات بكميات كبيرة، والاستفادة من مراكز الصيانة وخدمات ما بعد البيع الموجودة بالفعل. كما يمكنها استخدام المصانع وشبكات التوزيع والنقل القائمة، من دون أن تتحمل تكلفة إنشاء منظومة جديدة من الصفر. وفي بداية نمو السوق، قد يكون الحل الأنسب هو تجميع المركبات محلياً، مع شراء الأجزاء مرتفعة التكلفة من الموردين حول العالم. وتتيح هذه الطريقة طرح المركبات بأسعار مناسبة إلى أن ترتفع المبيعات بدرجة تجعل تصنيع تلك الأجزاء محلياً أمراً مجدياً. فالشركة الناشئة وحدها لا تملك عادة الموارد اللازمة لإنشاء مراكز خدمة وشبكات لتوفير قطع الغيار وقنوات توزيع تغطي قارة كاملة.
وتنعكس هذه التحديات مباشرة على سعر المركبة. فغالبية قادة القطاع الذين تحدثت إليهم ماكنزي يرون أن الأسعار الحالية لا تستطيع منافسة خيارات النقل المتاحة في السوق التي تستهدف عامة المستهلكين. ويعتقدون أن خفض الأسعار يحتاج إلى دعم مالي وحوافز من الجهات الحكومية، فضلاً عن استثمارات مشتركة تجمع القطاعين الحكومي والخاص. ويرى هؤلاء القادة أن الدعم الحكومي والاستثمار المشترك سيساعدان الشركات على إنتاج أعداد أكبر من المركبات، وهو ما يخفض تكلفة تصنيع المركبة الواحدة. ويمكن تقليل التكلفة أيضاً من خلال استخدام البطارية أو المحرك أو غيرهما من أجزاء التصنيع في أنواع مختلفة من المركبات، عوضاً عن تصميم أجزاء جديدة لكل طراز. فعندما تحتاج الشركات إلى القطعة نفسها بكميات كبيرة، تستطيع شراءها بسعر أقل، كما يصبح الموردون أقدر على توفيرها بانتظام وفي المواعيد المطلوبة. ويساعد ذلك كله على خفض سعر المركبة وجعلها في متناول عدد أكبر من المشترين. أما من دون هذا الدعم، فقد يبقى تصنيع هذه المركبات في أوروبا وأمريكا الشمالية مكلفاً بسبب ارتفاع أجور العمال وأسعار الطاقة والرسوم الجمركية.
انتشار المركبات الصغيرة يبدأ من فهم احتياجات المستهلكين
في الواقع، خفض السعر وحده لا يضمن إقبال الناس على المركبات الصغيرة والخفيفة، فقبول المستهلكين لها يمثل تحدياً آخر. وكثيراً ما تعجبهم هذه المركبات بعد تجربتها، إلا أن بعضهم يتردد في استخدامها بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة والراحة وقدرتها على حمايتهم من تقلبات الطقس. كما ينظر إليها كثيرون بوصفها مركبة إضافية للاستخدام المحدود أو الترفيهي، لا وسيلة رئيسية يعتمدون عليها في تنقلاتهم اليومية. وينظر المستهلكون عموماً إلى المركبات محدودة السرعة على أنها وسيلة ممتعة للرحلات القصيرة، مقارنة بسيارات الركوب المعتادة. غير أن هذه المركبات تختلف عن عربات الغولف، إذ تزود بوسائل سلامة تتيح قيادتها على الطرق العامة، وقد تكون هذه ميزة مهمة لجذب المشترين في بعض الأسواق. ومع ذلك، لا يعتاد المستهلكون في أسواق عديدة، وخاصة في مناطق واسعة من أمريكا الشمالية، على استخدام مركبات تشغل مساحة صغيرة من الطريق، وتسير بسرعات محدودة، ولا تقطع مسافات طويلة قبل الحاجة إلى شحنها. ولهذا تحتاج الشركات إلى تطوير مركبات تلائم طرق الاستخدام المختلفة واحتياجات كل شريحة من المستهلكين. ويتغير الإقبال على هذه المركبات من مدينة إلى أخرى، لأن نجاحها يرتبط بظروف المكان الذي تستخدم فيه. فحركة المرور، وتوافر مواقف السيارات، والطقس، والكثافة السكانية، وتصميم الشوارع، وعادات السكان في التنقل، كلها عوامل تحدد مدى ملاءمتها للسوق. وبحسب قادة القطاع، لن يغير المستهلك وسيلة تنقله المعتادة ما لم تمنحه المركبة الصغيرة فائدة واضحة في حياته اليومية، مثل سهولة الحركة أو سهولة العثور على موقف أو خفض التكلفة.
ولتشجيع شريحة أوسع من المستهلكين على استخدام هذه المركبات، لا يكفي توجيه الرسائل إلى المهتمين بالمناخ وحماية البيئة وحدهم. فاتساع الإقبال يتطلب تقديم المركبات الصغيرة والخفيفة بوصفها وسيلة ممتعة وجذابة يرغب الناس في امتلاكها واستخدامها، لا مجرد خيار عملي يوفر الطاقة ويخفض الأثر البيئي. فقرار الشراء لا تحكمه الحسابات المنطقية وحدها، وإنما يتأثر أيضاً بشكل المركبة ومتعة قيادتها والصورة التي تمنحها لصاحبها.
إذا أراد القطاع إقناع الناس باستخدام هذه المركبات، فعليه أن يقدم لهم تجربة أفضل من السيارة التقليدية كبيرة الحجم. وإذا كانت المركبات المتاحة حالياً لا تحقق ذلك، فعلى الشركات تطويرها لتلبي احتياجات المستخدمين، أو خفض توقعاتها بشأن حجم المبيعات.
ويمكن تشجيع الناس على تجربة هذه المركبات من خلال توفير طرق مرنة لاستخدامها من دون شرائها. فقد تمتلك إحدى الشركات عدداً من المركبات وتضعها في مواقع محددة داخل المدينة، ثم تتيح للعميل حجز إحداها عبر تطبيق ودفع أجرة الرحلة أو مدة الاستخدام. ويمكن أيضاً تقديم خدمة اشتراك شهري تمنح المشترك حق استخدام مركبة عند تنقلاته من دون أن تصبح ملكاً له. ومن الخيارات المستقبلية توفير مركبات تسير آلياً من دون سائق، ويطلبها الراكب عبر تطبيق لتقله إلى وجهته. كما يمكن وضع المركبات الصغيرة قرب محطات الحافلات والقطارات، حتى يستخدمها الراكب في المسافة بين المحطة ووجهته النهائية، أو إضافتها إلى تطبيقات تأجير الدراجات والسكوترات، ليتمكن المستخدم من حجزها ودفع أجرتها من خلال الخدمة التي يستخدمها بالفعل. هذه الطرق تساعد على إتاحة المركبات لعدد أكبر من المستخدمين وتشغيلها لساعات أطول عوض بقائها متوقفة، كما تجعل رؤيتها واستخدامها أمراً مألوفاً في الحياة اليومية. ومع تكرار التجربة وازدياد ثقة المستهلك بها، قد ينتقل لاحقاً من استخدامها عند الحاجة إلى شراء مركبته الخاصة.
انتشار المركبات الصغيرة يبدأ من شوارع مهيأة لاستخدامها
يظهر تحدي انتشار هذه المركبات بوضوح في الطرق وحارات السير ومواقف المركبات ومحطات الشحن، إذ صُممت معظمها لخدمة السيارات والشاحنات، ولم تراع احتياجات الدراجات والسكوترات والمركبات الصغيرة والخفيفة. وأكد جميع قادة القطاع الذين تحدثت إليهم ماكنزي أن هذه المركبات تضطر إلى استخدام طرق ومرافق لا تتناسب مع حجمها أو الغرض الذي صُممت من أجله. كما تكشف عمليات التوصيل داخل المدن جانباً من المشكلة. فشاحنات التوصيل تستطيع التوقف بمحاذاة الرصيف لتحميل الطرود وتفريغها، بينما لا يُسمح لدراجات الشحن المخصصة للأحمال الثقيلة باستخدام المساحات نفسها. كما تفتقر مدن كثيرة إلى مواقف وأماكن شحن مخصصة للسيارات الصغيرة والمركبات الكهربائية رباعية العجلات. ونتيجة لغياب حارات تناسب حجمها، تبقى هذه المركبات عالقة وسط حركة السيارات المعتادة، رغم أنها تشغل مساحة أصغر على الطريق.
ولكي تُستخدم المركبات الصغيرة والخفيفة على نطاق واسع في نقل الطرود والبضائع، تحتاج المدن إلى نقاط توزيع صغيرة بالقرب من مراكزها، بحيث تصل الشاحنات الكبيرة إلى هذه النقاط محملة بالطرود، ثم تُنقل الشحنات منها إلى دراجات الشحن أو المركبات الصغيرة التي تتولى توصيلها إلى وجهتها النهائية. وبهذه الطريقة، لا تضطر الشاحنات الكبيرة إلى دخول الشوارع المزدحمة، كما تبدأ مركبات التوصيل الصغيرة رحلاتها من موقع قريب من العملاء. وتزداد أهمية هذه النقاط عند استخدام دراجات الشحن المخصصة للأحمال الثقيلة، لأن غيابها قرب مراكز المدن يجعل عمليات التوصيل أبطأ وأصعب. كما تحتاج هذه الدراجات والمركبات إلى السماح لها بالتوقف بمحاذاة الرصيف لتحميل الطرود وتسليمها، حتى تستطيع شركات التوصيل الاعتماد عليها وتقديم خدماتها بسرعة وكفاءة.
وفي موازاة الدعوة إلى تطوير الطرق والمواقف ومحطات الشحن، اتفق قادة القطاع على أن تصميم المركبات نفسها يجب أن يتلاءم مع ما هو متاح حالياً في المدن. ويعني ذلك أن تراعي المركبات عرض الشوارع وحجم المواقف ومسافات التنقل المعتادة، فلا تعتمد في انتشارها على تغييرات كبيرة قد تستغرق المدن سنوات لتنفيذها. ويرى هؤلاء القادة أن أوروبا مهيأة لهذا النوع من المركبات، لأن مدنها كثيفة ومتقاربة، ولأن معظم الرحلات اليومية فيها قصيرة ولا تحتاج إلى بطاريات تقطع مسافات طويلة. ولهذا تعد المركبات الكهربائية الخفيفة التي تعمل بالبطاريات خياراً مناسباً على المدى البعيد، إذ تستطيع تلبية احتياجات التنقل اليومي من دون حجم السيارات الكهربائية الكبيرة أو بطارياتها الثقيلة.
كما أكد قادة القطاع أن استخدام هذه المركبات لا يتطلب إعادة تصميم المدن من الصفر ، لأن تعديلات محدودة على الطرق والمواقف يمكن أن تجعل المركبات الصغيرة والخفيفة أفضل وأوضح لمستخدمي الطريق، وأكثر أماناً وأسهل في الاستخدام. ومن أمثلة ذلك توسيع بعض مسارات الدراجات حتى تستوعب المركبات ذات الثلاث أو الأربع عجلات، عوض اضطرارها إلى السير وسط السيارات الكبيرة. ويمكن للبلديات أيضاً تخصيص مواقف تناسب حجم هذه المركبات، والسماح لها بالوقوف والسير في مناطق يُحظر دخول السيارات الكبيرة إليها. كما تستطيع المدن إطلاق تجارب عملية تعرض هذه المركبات في الشوارع وتوضح قدرتها على نقل الأشخاص والبضائع بكفاءة. وقد تشجع رؤية هذه المركبات واستخدامها في الحياة اليومية السكان والشركات على اعتمادها بصورة أوسع، وهو ما يساعد بدوره على تخفيف الازدحام وخفض الانبعاثات.
يمكن لدراجات الشحن أن تحل سريعاً محل عدد كبير من شاحنات التوصيل التي تجوب المدن، شرط أن تهيئ لها الجهات المحلية مسارات مناسبة، ومواقع قريبة لتحميل البضائع وتفريغها. فالدراجات قادرة على إنجاز هذه المهمة، لكن الطرق والمرافق الحالية لا تساعد على استخدامها بكفاءة.
كيف يبدو مستقبل المركبات الصغيرة والخفيفة
إذا نجحت المدن والشركات في معالجة العقبات المرتبطة بالقوانين والتكلفة وتهيئة الطرق، يتوقع قادة القطاع أن تتغير طريقة تفكير الناس في التنقل خلال العقد المقبل. ففي رؤيتهم، تصبح المركبات الصغيرة والخفيفة الخيار الأول للرحلات القصيرة، وينظر إليها الناس بوصفها وسيلة ممتعة وعملية تسهل الحركة في شوارع الأحياء والمدن. ويتخيل هؤلاء القادة مدناً تتولى فيها المركبات الخفيفة، التي تشغل مساحة محدودة، جزءاً كبيراً من الرحلات اليومية، وتساعد الناس على الوصول إلى محطات النقل العام ومتابعة رحلاتهم منها، وتحل محل عدد ملموس من السيارات والشاحنات الكبيرة. وفي هذه المدن، تصبح المركبات الصغيرة جزءاً طبيعياً من حركة الشوارع؛ فتُركن بشكل عمودي على الرصيف حتى تتسع المساحة لعدد أكبر منها، وتتحرك بسهولة في الحارات الضيقة، وتوفر وسيلة مريحة للتنقل طوال العام بانبعاثات محدودة.
أحلم بوسط مدينة يخلو من السيارات الكبيرة، ويكون الوصول إليه عبر السيارات الصغيرة.
أما في مجال نقل البضائع، فتقوم الرؤية على إحلال دراجات ومركبات الشحن الكهربائية المخصصة للأحمال الثقيلة محل نسبة كبيرة من شاحنات التوصيل التي تعمل بالبنزين أو الديزل. ويتطلب ذلك إنشاء مراكز توزيع صغيرة قرب المدن، والسماح لهذه المركبات بالتوقف بمحاذاة الأرصفة لتحميل الطرود وتسليمها بسهولة. وبهذه الطريقة، تتولى المركبات الصغيرة المرحلة الأخيرة من رحلة الشحنة، أي نقلها من مركز التوزيع القريب إلى منزل العميل أو مقر الشركة، وهي المهمة التي تنفذها حالياً شاحنات التوصيل الكبيرة داخل المدن.
وليست فكرة الاعتماد على سيارات أصغر حجماً جديدة تماماً، فقد سبقتها تجربة ناجحة في اليابان مع سيارات صغيرة وخفيفة تُعرف باسم سيارات "Kei". وقد شهد هذا النوع إقبالاً واسعاً حتى استحوذ على 38 في المئة من تسجيلات السيارات الجديدة في اليابان خلال عام 2024. وأسهم في هذا الانتشار انخفاض الضرائب المفروضة عليها، والمزايا المرتبطة بالتأمين، والقواعد التي تسهّل على أصحابها العثور على مواقف واستخدامها.7
وتقدم التجربة اليابانية دليلاً على أن المركبات الصغيرة يمكن أن تجد مكاناً واسعاً في السوق عندما تدعمها القوانين والحوافز المناسبة. غير أن قادة القطاع يؤكدون أن تحويل الرؤية المطروحة إلى واقع يحتاج إلى تحرك سريع ومتكامل لمعالجة العقبات التي تناولها المقال، بدءاً من غموض التصنيف والترخيص، مروراً بارتفاع تكاليف الإنتاج وتردد المستهلكين، وصولاً إلى عدم ملاءمة الطرق والمواقف ومحطات الشحن. ولا تستطيع الشركات المصنعة والناشئة قيادة هذا التحول بمفردها، إذ سيكون لتعاون الحكومات والبلديات والمستثمرين والقطاع الخاص دور حاسم في تمويله وتهيئة الظروف اللازمة لنجاحه. وكلما بادرت هذه الجهات إلى العمل، اقتربت المدن من تحقيق الفوائد التي تعد بها المركبات الصغيرة والخفيفة، بما يشمل خفض الانبعاثات واستهلاك الموارد، وتخفيف الازدحام، وجعل التنقل داخل أروقة المدن أسهل وأكثر متعة.