من إدارة التكنولوجيا إلى رسم مستقبل الشركات.. دورٌ جديد لقادة التكنولوجيا في عام 2026

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

ومع هذا التحول، يتسع دور مديري تكنولوجيا المعلومات ليشمل بناء نماذج عمل أكثر مرونةً وذكاءً وقدرةً على التكيّف مع المتغيرات. وفي هذا الإطار، يؤكد التقرير أن القيادات الأكثر تفوقًا في هذا المجال هي تلك التي تنجح في دمج الذكاء الاصطناعي والبيانات في صلب عملياتهم، ليحوّلوا شركاتهم إلى كيانات ذكية تعتمد على المعرفة في اتخاذ قراراتها، مما يمنحها ثقةً أكبر وقدرةً أعلى على استباق تحديات المستقبل.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

يستند بحثنا الأخير إلى استطلاعٍ عالمي أجرته ماكنزي، شمل أكثر من 600 من قادة التكنولوجيا والأعمال.1 وقد كشفت نتائجه عن فجوةٍ واضحة بين نمطين من قادة تكنولوجيا المعلومات؛ الأول يركّز على تحديث الأنظمة والتقنيات القائمة، بينما يتعامل الثاني مع التكنولوجيا بوصفها أداةً لإعادة تشكيل الشركة على نحوٍ يعزّز ميزتها التنافسية. كما أظهرت النتائج أن الشركات المتميزة2 باتت تتعامل مع التكنولوجيا كمصدرٍ لصناعة القيمة ودعم النمو، وليس كعبءٍ مالي. حيث يدرك قادة التكنولوجيا في هذه الشركات على وجه التحديد، أن تحقيق النجاح لا يرتبط بتحسين الكفاءة وحده، بل يتطلب أيضًا تسريع وتيرة تطوير التكنولوجيا وتوظيفها، فسرعة الإنجاز والتنفيذ أصبحت هي العامل الحاسم في دفع النمو.

وامتدادًا لهذا التحوّل، يتجه الذكاء الاصطناعي والبيانات إلى أن يصبحا المحرّك الرئيسي للنمو في المرحلة المقبلة، من خلال استثماراتٍ تقودها القيادات التكنولوجية الأقدر على استشراف المستقبل، والتي لا تكتفي بتحسين النماذج القائمة، بل تسعى إلى إعادة تشكيل طريقة عمل الشركات من جذورها. وانطلاقًا من هذه الرؤية، تركّز هذه القيادات على الأتمتة الذكية المعتمدة على "الوكلاء الذكيين" لتطوير أساليب تنفيذ الأعمال، بالتوازي مع تحويل البيانات إلى أصولٍ قابلةٍ للتوظيف التجاري، بما يفتح المجال أمام مصادر جديدة للإيرادات. وفي الوقت نفسه، تتجاوز هذه الشركات نماذج التخطيط السنوي التقليدية، وتتجه إلى أساليب عمل أكثر مرونة، تقوم على التطوير المستمر، والاستفادة المشتركة من الموارد التكنولوجية، وتسريع وتيرة اتخاذ القرار، ورفع جودة التنفيذ، والاعتماد على المهارات الفعلية للأفراد. وقد أظهرت النتائج أن هذه الاستثمارات التكنولوجية الموجّهة نحو الابتكار تسهم في تحقيق معدلاتٍ أعلى من النمو في الأرباح "قبل خصم الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك".

الشركات المتميّزة لا تنظر إلى التكنولوجيا كعبءٍ مالي، بل كمصدرٍ للقيمة.

التكنولوجيا تصنع القرار

لم تعد القيادة التكنولوجية محصورةً في تشغيل الأنظمة وصيانة البنية التحتية، بل أصبحت طرفًا مؤثرًا في رسم اتجاه الشركة وتحسين نتائجها. ويعكس الاستطلاع هذا التحول بوضوح؛ إذ أفاد ما يقرب من ثلثي الشركات ذات الأداء المتميز بأن قادة التكنولوجيا لديها يشاركون بدرجةٍ كبيرةٍ في صياغة الاستراتيجية، مقابل 52 في المائة فقط لدى الشركات الأخرى، كما هو موضح في "الشكل 1". وبهذا، يتّسع دور مدير تكنولوجيا المعلومات ليتحمل مسؤوليةً أكبر في دعم النمو وتحسين النتائج المالية، بعدما أصبحت الخبرة التكنولوجية جزءًا لا يتجزأ من الخبرة الاستراتيجية.

كما تشير النتائج إلى أن تحويل التكنولوجيا إلى محركٍ فعليٍّ للنمو لا يتحقق دون شراكةٍ وثيقةٍ ومستدامة بين قيادات إدارة الأعمال وقيادات التكنولوجيا. فقد أفاد نحو 29 في المائة من المشاركين بأن فِرق إدارة الأعمال والتكنولوجيا في شركاتهم تتعاون في إعداد الخطط الاستراتيجية معًا على مدار العام، وهي نسبةٌ تقارب ضعف ما سُجل في الاستطلاع السابق. أما في الشركات المتميزة، فقد أفاد ما يقارب نصف المشاركين بأن هذا التعاون المتكرر أصبح نهجًا قائمًا بالفعل، كما هو موضح في "الشكل 2". وهو ما يُعد مؤشرًا على تحولٍ ثقافيٍّ عميق في طريقة عمل قادة التكنولوجيا، من نمط التخطيط السنوي التقليدي إلى منهجيةٍ مستمرة لتطوير الاستراتيجية.

ورغم أهمية إشراك قادة التكنولوجيا في صياغة الاستراتيجية، إلا أنه لا يُعد كافيًا وحده. إذ تُظهر النتائج أن الشركات المتميزة تتجه أيضًا إلى إحداث تغييراتٍ هيكليةٍ عميقة داخل فِرق التكنولوجيا، من خلال اعتماد نماذج تشغيلٍ تقوم على تطوير الخدمات الرقمية والمنصات التكنولوجية المشتركة، بما يضمن توافق الحلول التقنية مع الأهداف الاستراتيجية. فهذه النماذج تمهّد الطريق لبناء منظومة متكاملة وموحدة داخل الشركة، تجمع بين البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي وأنظمة اتخاذ القرار، بما يعزز كفاءة الأداء المؤسسي.

وتؤكد النتائج أن شركةً واحدةً من كل عشر شركاتٍ متميزة الأداء طبّقت بالفعل نماذج الخدمات الرقمية والمنصات المشتركة بصورةٍ كاملة عبر جميع فِرقها، وهي نسبةٌ تزيد بأكثر من أربعة أضعاف مقارنةً بالشركات الأخرى. كما أفاد نحو نصف هذه الشركات بأن ما لا يقل عن نصف فِرق العمل لديها باتت تعمل اليوم وفق هذا النهج.

ومع اعتماد هذه النماذج، تصبح فِرق المنتجات أكثر تكاملًا من خلال جمع تخصصاتٍ متعددة ضمن فريقٍ واحد، كما تُتخذ القرارات بوتيرةٍ أسرع، مما يسهم في تقليص مراحل تسليم العمل بين الفِرق، وتحسين تدفق المعلومات، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على ارتفاع العائد من الإنفاق التقنيّ وتسارع وتيرة الابتكار.

ويُعد بنك "DBS" مثالًا واضحًا على هذا التحوّل؛ فقد أعاد تنظيم عملياته استنادًا إلى نموذج الخدمات الرقمية والمنصات المشتركة، عبر إنشاء أكثر من 30 منصة تخدم بعضها احتياجات العملاء، بينما تدعم أخرى الوظائف الأساسية، في إطار قيادةٍ مشتركة بين فِرق الأعمال والتكنولوجيا. وقد أسهم هذا التحوّل في تسريع تنفيذ العمليات، وتعزيز التعاون بين الفِرق، وبناء بنيةٍ تكنولوجيةٍ معيارية مهيّأة لبيئات الحوسبة السحابية، إلى جانب إرساء قاعدةٍ مؤسسيةٍ للبيانات والذكاء الاصطناعي ساعدت على دفع الابتكار بوتيرةٍ أسرع. وأتاح ذلك للبنك تطوير منتجاته الرقمية والارتقاء بها على نحوٍ متواصل، بما رسّخ مكانته كأحد أبرز البنوك الرقمية على مستوى العالم.

كما تُظهر النتائج أن نجاح هذا النموذج لا يعتمد على الهيكل التشغيلي وحده، بل يرتبط أيضًا بنوعية الكفاءات داخل المؤسسة، خاصةً أولئك القادرين على الجمع بين الخبرة التكنولوجية وفهم طبيعة الأعمال. ووفقًا للاستطلاع، توظّف الشركات المتميزة قياداتٍ تكنولوجيةً تنفيذية بمعدلٍ يقارب ضعف نظيراتها "37 في المائة مقابل 19 في المائة"، كما توسّع حضور المديرين الماليين لضمان ترجمة الاستثمارات التكنولوجية إلى عوائد مالية واضحة وقابلةٍ للقياس. ويؤكد ذلك أن المؤسسة الذكية لا تنظر إلى التكنولوجيا والإدارة بوصفهما مسارين منفصلين، بل باعتبارهما عنصرين متكاملين في منظومةٍ واحدة.

الذكاء الاصطناعي... محرك النمو المقبل

أصبح الذكاء الاصطناعي داخل الشركات أولويةً استثماريةً متقدمة، بعد أن تجاوز كونه مجرد تجربةٍ تكنولوجيةٍ أو مسارٍ تجريبي، ليتقدّم على ملفاتٍ شغلت حيزًا كبيرًا من الاهتمام في السابق، مثل الأمن السيبراني وتحديث البنية التحتية. وتُظهر نتائج الاستطلاع أن نصف الشركات المشاركة تتوقع أن تتصدر هذه التقنيات أولوياتها الاستثمارية خلال العامين المقبلين، فيما ترتفع هذه النسبة إلى 54 في المائة بين الشركات متميزة الأداء، كما هو موضح في "الشكل 3". وتؤكد هذه المؤشرات تحوّلًا واضحًا في نظرة الشركات إلى هذه التقنيات الذكية، من مجرد وسيلةٍ لتحسين الأداء إلى ضرورةٍ لا يمكن تأجيلها أو الاستغناء عنها.

غير أن هذا التوجه، رغم ما يفتحه من آفاقٍ للنمو على المدى الطويل، يفرض في الوقت نفسه ضغوطًا مباشرة على ميزانيات التكنولوجيا في الأجل القصير. فبحسب النتائج، يخطط نصف المشاركين لزيادة ميزانياتهم التكنولوجية بأكثر من 4 في المائة في عام 2026 مقارنةً بعام 2025، بينما تمضي الشركات المتميزة نحو زياداتٍ أكبر بكثير؛ إذ تخطط 28 في المائة منها لرفع هذه الميزانيات بأكثر من 10 في المائة، مقابل 3 في المائة فقط من الشركات الأخرى، اطّلع على "الشكل 4". ويعكس هذا التفاوت استعداد الشركات المتميزة لتوجيه استثماراتٍ أكبر نحو توسيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل، بما تتيحه من قدراتٍ متقدمة على التخطيط واتخاذ القرار وتنفيذ العمليات بصورةٍ ذاتيةٍ عبر مسارات العمل المختلفة.

وهنا تأتي تجربة شركة التأمين البريطانية "أفيفا"، كمثالٍ عمليٍ على هذا التحول، حيث نشرت الشركة أكثر من 80 نموذجًا للذكاء الاصطناعي عبر مختلف مراحل التعامل مع طلبات التأمين من بدايتها إلى نهايتها. ولم يقتصر التحول على الجانب التقنيّ وحده، بل جاء متزامنًا مع تغييرٍ شاملٍ في نموذج التشغيل والثقافة المؤسسية، مما مكّن فِرق خدمة العملاء والفِرق الأمامية من اتخاذ قراراتٍ أسرع وأكثر دقةً في مختلف مراحل فحص الطلبات وتسويتها. ووفقًا لنتائج الاستطلاع، انعكس هذا النهج بوضوحٍ على أداء الشركة وتجربة عملائها؛ إذ انخفض الوقت اللازم لتحديد الطرف المسؤول عن طلبات التأمين بمقدار 23 يومًا، وتحسنت دقة توجيه الحالات بنسبة 30 في المائة، وتراجعت شكاوى العملاء بنسبة 65 في المائة، فيما ارتفع مستوى رضا العملاء إلى سبعة أضعاف.

ومع ذلك، تُظهر النتائج أن وتيرة تبنّي الذكاء الاصطناعي لا تزال أقل من مستوى الطموح، حتى لدى الشركات الأعلى أداءً، ولا سيما فيما يتعلق بالنماذج القائمة على "الوكلاء الذكيين". فقد أفاد ربع هذه الشركات بعدم توافر قواعد البيانات والبنية الأساسية اللازمة لتوسيع هذا النوع من الحلول بصورةٍ آمنةٍ وموثوقة، في حين تواجه قرابة ثلث الشركات نقصًا في الكفاءات والقدرات المرتبطة بهذا المجال، إلى جانب تحدياتٍ أخرى تتصل بدمج هذه التقنيات في أنظمة التشغيل الحالية، اطلع على "الشكل 5".

ولا تقف العقبات عند حدود التكنولوجيا وحدها، بل تمتد إلى الأفراد وآليات العمل داخل المؤسسة. فالتحدي لا يتمثل فقط في إدخال الأداة إلى الأنظمة، بل في تمكين الموظفين من استخدامها بثقة، وجعلها واحدةً من ممارسات العمل اليومية. ولهذا، ترى قرابة 25 في المائة من الشركات المتميزة أن إدارة التغيير تمثل التحدي الأكبر أمام التوسع في هذا النوع من الذكاء الاصطناعي، مقابل 15 في المائة فقط من الشركات الأخرى يرون الأمر ذاته.

ولتجاوز هذه الفجوة، تتحرك الشركات المتميزة على ثلاثة مساراتٍ متوازية في آنٍ واحد: تنمية قدرات موظفيها، وإعادة تأهيلهم بالمهارات المطلوبة، واستقطاب كفاءاتٍ متخصصة لسد العجز القائم. وهي تدرك أن الاعتماد على جهاتٍ خارجية قد يزيد من وتيرة الإنجاز على المدى القصير، لكنه لا يكفي لبناء خبراتٍ استراتيجيةٍ راسخة داخل المؤسسة. لذلك، يخطط ما يقرب من نصف هذه الشركات لزيادة الاعتماد على الكفاءات الداخلية خلال العامين المقبلين، بما يتيح استعادة الخبرات التكنولوجية الاستراتيجية إلى داخل المؤسسة، مقارنةً بـ 37 في المائة فقط من الشركات الأخرى. كما تستثمر قرابة نصف هذه الشركات في رفع مهارات موظفيها الحاليين، لضمان أن تتولى الكفاءات الأساسية داخل المؤسسة قيادة المرحلة التالية من التحوّل، بدلًا من الاكتفاء بالاعتماد على الأطراف الخارجية وحدها.

في المقابل، يتزايد اعتماد الشركات الأقل أداءً على الشركات المتعاقدة والفِرق الخارجية لتنفيذ الأعمال التكنولوجية؛ إذ يتوقع نحو 40 في المائة منها توسيع هذا الاعتماد خلال العامين المقبلين، خاصةً في المهام التكنولوجية الأقل تعقيدًا. وعلى الرغم من أن هذا النهج قد يمنح فِرق التكنولوجيا قدرًا أكبر من المرونة على المدى القصير، إلا إنه لا يدعم بناء تحولٍ مؤسسي راسخٍ ومستدام على المدى الطويل. كما تكشف النتائج عن اتساع فجوة الاستقرار والثقة بين الشركات؛ فبينما تواصل المؤسسات الأكثر نجاحًا الاستثمار في تطوير قدراتها الداخلية بصورةٍ مستمرة، لا تزال مؤسساتٌ أخرى تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها وظيفةً يمكن إسنادها إلى أطرافٍ خارجية. ومن ناحيةٍ أخرى، يتجه نحو 40 في المائة من الشركات، بمختلف فئاتها، إلى إنشاء مراكز عالمية لتقديم الخدمات، بهدف الوصول إلى قاعدةٍ أوسع من الكفاءات في مختلف أنحاء العالم، بما قد يخفف جزئيًا من الاعتماد التقليدي على التعاقدات الخارجية.

سرعة الإنجاز... معيارٌ جديد للتفوق التنافسي

كشفت النتائج عن تحوّلٍ جوهري في نظرة الشركات المتميزة إلى التكنولوجيا؛ فهي لا تتعامل معها بوصفها أداةً لتحسين الكفاءة وخفض التكاليف فحسب، بل تنظر إليها باعتبارها عنصرًا حاسمًا في تسريع الإنجاز، وتعجيل اتخاذ القرار، وتحويل المبادرات التكنولوجية إلى أثرٍ مؤسسٍي ملموس. ومن هذا المنطلق، لم يعد تحديث البنية التحتية التكنولوجية وحده كافيًا لتحقيق النمو أو تعزيز القدرة التنافسية، لا سيما أن هذا المسار قد يستهلك الكثير من الوقت والموارد من دون أن يحقق نتائج واضحة. لذلك، تتجه الشركات الناجحة إلى دمج التكنولوجيا في صميم نموذج التشغيل، بدلًا من التعامل معها كوظيفةٍ منفصلة. وقد أظهرت نتائج الاستطلاع هذا التوجّه بوضوح؛ إذ أعادت ثلاثة أرباع الشركات المتميزة توجيه إنفاقها التقنيّ نحو المجالات الأكثر قدرةً على توليد القيمة، مثل دعم الابتكار، وتسريع تقديم الخدمات، وتحسين القرارات، وتلبية احتياجات مختلف الإدارات. بينما في المقابل، لا تزال نحو نصف الشركات الأخرى تتبنى منظورًا تقليديًا للتكنولوجيا، يركّز بالأساس على تحديث البنية التحتية وخفض التكاليف.

ويزداد هذا التحوّل وضوحًا عند النظر إلى أولويات الإنفاق وتحسين الكفاءة داخل هذه الشركات. فالتركيز على الابتكار لا يعني التوسع في الإنفاق بلا ضوابط، بل يقوم على تعظيم العائد من رأس المال المستثمر. ولهذا، لا تنصرف هذه الشركات إلى حلولٍ سريعة تحقق وفرًا محدودًا ومؤقتًا، بل تميل إلى إجراء تحسيناتٍ أعمق وأكثر استدامة. فبعد أن كانت نصف الشركات المشاركة في الاستطلاع السابق تعتمد على إعادة التفاوض مع موردي الخدمات الخارجيين لخفض التكاليف على المدى القصير، اتجهت جهودها هذا العام بدرجةٍ أكبر نحو تسريع إنجاز العمل نفسه. وفي هذا السياق، تعمل الشركات على رفع إنتاجية الفِرق العاملة، وتبسيط مسارات العمل، وإعادة هيكلة البنية التكنولوجية ونماذج التشغيل، كما هو موضح في "الشكل 6". وتبرهن هذه التحولات أن توسيع نطاق الابتكار لا يقوم على تطوير الأدوات وحده، بل يتطلب إعادة تصميم طريقة عمل المؤسسة بأكملها، خاصةً بعدما أصبحت السرعة العامل الفاصل في ترجمة الأفكار المبتكرة إلى نتائج مؤسسية ملموسة.

الذكاء الاصطناعي وحده ليس كافيًا؛ فالاستثمار في الإنسان هو ما يُطلق الابتكار إلى آفاقٍ أوسع.

دليل "مدير تكنولوجيا المعلومات" لعام 2026

لن يقف الجيل الجديد من قادة التكنولوجيا عند إدارة الأنظمة والتقنيات، بل من المتوقع أن يتجاوز الدور التقليدي نحو دورٍ أوسع يقوم على إعادة تشكيل الشركات بحيث تصبح التكنولوجيا جزءًا متداخلًا في بنيتها التشغيلية والاستراتيجية. غير أن الوصول إلى هذا الدور لا يتحقق بالشعارات، بل يتطلب إنفاقًا تقنيًا موجَّهًا إلى أهدافٍ محددة، من أبرزها الاستثمار في الأتمتة الذكية القائمة على "الوكلاء"، واستقطاب الكفاءات المتميزة، وبناء قدرات الفِرق الداخلية. وانطلاقًا من ذلك، يحدد التقرير أربعة مساراتٍ استراتيجية ينبغي لمديري تكنولوجيا المعلومات الراغبين في تحقيق نموٍ مستدام أن يبدؤوا العمل عليها خلال عام 2026.

1. وضع التكنولوجيا في صميم الاستراتيجية

يتجاوز دور مدير تكنولوجيا المعلومات في الشركات الأكثر نجاحًا حدود الإشراف على الجوانب التكنولوجية، ليصبح شريكًا في رسم توجهات الشركة ودعم خطط نموها. وتُظهر النتائج أن نحو ثلث الشركات المتميزة يعتزم، خلال العامين المقبلين، إعطاء الأولوية لابتكار وتطوير نماذج أعمالٍ جديدة تقودها التكنولوجيا، بما يعكس ارتباطها الوثيق بخطط التوسع وتحقيق النمو. أما الشركات التي لا يزال فيها دور مدير التكنولوجيا محصورًا في الجوانب التقنيّة، فهي بحاجةٍ إلى إشراكه بصورةٍ أعمق في صياغة استراتيجية الأعمال وصنع القرار، بدلًا من الاكتفاء بوضع الخطط التكنولوجية. وذلك لضمان توظيف التكنولوجيا على نحوٍ يخدم أهداف الشركة بصورةٍ مباشرة، بحيث تتوحّد الأولويات التكنولوجية وأهداف المؤسسة ضمن مسارٍ واحد يحقق أكبر قيمةٍ ممكنة للمؤسسة.

2. التنسيق المستمر لتطوير الاستراتيجية

تحقق المؤسسات نموًا أسرع عندما تُراجع استراتيجيتها العامة وخططها التكنولوجية، وتعمل على تحديثها بصورةٍ مستمرة على مدار العام، بدلًا من الاكتفاء بخطةٍ واحدة تُوضع كل عام. وتُظهر النتائج أن ما يقرب من نصف الشركات المتميزة باتت تربط خططها التكنولوجية مباشرةً بالاستراتيجية العامة، مقارنةً بـ 18 في المائة فقط في الاستطلاع السابق، بما يؤكد أن التنسيق بين الجانبين لم يعد مجرد إجراءٍ تنظيمي، بل أصبح جزءًا أساسيًا من أسلوب الإدارة والتطوير. أمّا الشركات التي لا تزال تعتمد على التخطيط التكنولوجي السنوي وحده، فيمكنها البدء بخطوةٍ عملية تتمثل في عقد مراجعاتٍ مشتركة كل ثلاثة أشهرٍ بين فِرق إدارة الأعمال والفِرق التكنولوجية. ومع مرور الوقت، يمكن توسيع هذا النهج بالتعاون مع الإدارة العليا، بحيث يتحول التخطيط التكنولوجي من مهمةٍ سنويةٍ محدودة إلى عمليةٍ مستمرة تدعم نمو المؤسسة وتساعدها على التكيّف مع المتغيرات.

3. استخدام الذكاء الاصطناعي لدفع الابتكار

مع توسّع الشركات الرائدة في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد دوره يقتصر على الدعم التقنيّ أو تحسين بعض المهام الجزئية، بل أصبح أداةً فاعلة في تطوير العمل وتحفيز الابتكار داخل المؤسسة. وتُظهر النتائج أن الشركات ذات الأداء المتميز هي الأكثر اقتناعًا بأن جهود التحول التقني أسهمت فعليًا في بناء بيئةٍ أكثر قدرةً على الابتكار. غير أن هذا التحول لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يرتبط أيضًا بمدى جاهزية الأفراد للتعامل مع هذه الأدوات وتوظيفها بفاعلية. ومن هنا، تتجه هذه الشركات إلى استقطاب كفاءاتٍ جديدة تمتلك عقلية التعلّم والتطور المستمر، بالتوازي مع تأهيل موظفيها الحاليين لاستخدام هذه التقنيات ضمن مهامهم اليومية. وفي هذا الإطار، لم يعد المطلوب الاكتفاء بالاستخدامات المحدودة للذكاء الاصطناعي التوليدي، بل التوسع في دمج النماذج القائمة على "الوكلاء" داخل مسارات العمل، بما يعزز الإنتاجية، ويُسرّع الإنجاز، ويرفع جودة القرارات على نطاقٍ أوسع.

4. إعادة هيكلة الأعمال ليقودها الذكاء الاصطناعي

لم يعد أثر التكنولوجيا يُقاس بما توفره من تكاليف، بل بما تحدثه من تغييرٍ حقيقيٍ في طريقة عمل المؤسسة. ولهذا، باتت تتجه الشركات المتميزة اليوم إلى إعادة تصميم أعمالها بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا محوريًا من روتين العمل اليومي، بما يساعدها على تحقيق عوائد واضحة وملموسة. وتُظهر النتائج أن أكثر من نصف هذه الشركات أعاد بالفعل تطوير وظيفة تكنولوجيا المعلومات باستخدام هذه التقنيات خلال العامين الماضيين، مقابل 38 في المائة فقط من الشركات الأخرى. وهو ما يظهر أثره في مجالاتٍ عدة، من بينها تبسيط سير العمل، وتسريع وتيرة التطوير، وتحسين الكفاءة التشغيلية، فضلًا عن منح الموظفين مساحةً أكبر للتركيز على المهام ذات الطابع الإبداعي. كما تؤكد النتائج أن بإمكان قادة تكنولوجيا المعلومات البدء بخطواتٍ عمليةٍ واضحة في هذا الاتجاه، من أبرزها أتمتة بعض العمليات الحيوية المتكاملة باستخدام النماذج القائمة على "الوكلاء"، بالتوازي مع تنمية القدرات التكنولوجية داخل المؤسسة، بما يمكّن الفِرق من العمل بسرعةٍ أكبر وفاعليةٍ أعلى.


إن القيمة الحقيقية لا تكمن في حجم الإنفاق، بل في العقلية الاستراتيجية التي توجّه هذا الإنفاق نحو أولوياتٍ تولّد قيمةً حقيقيةً للمؤسسة. فالقادة الأكثر نجاحًا لا يتعاملون مع التكنولوجيا باعتبارها تكلفةً ينبغي احتواؤها، بل ينظرون إليها كمنظومةٍ متكاملة تجمع بين الأفراد والبيانات والقرارات لدعم أهداف المؤسسة وتعزيز نموها. وعندما تُدار التكنولوجيا بهذه الرؤية، فإنها تتجاوز دورها التشغيلي التقليدي لتصبح محركًا رئيسيًا للنمو المستدام.

Explore a career with us