ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
وخلال العامين الماضيين، لم يعد السؤال الأساسي لدي قادة الرعاية الصحية هو مدى ملاءمة الذكاء الاصطناعي التوليدي لهذا المجال، أو المجالات التي يمكن استخدامه فيها، بقدر تركيزهم على كيفية توظيف هذه التقنيات بشكلٍ مسؤول، وتوسيع نطاق تطبيقها بصورةٍ فعّالة. وتوضح نتائج أحدث استطلاع أجرته ماكنزي بين قادة هذا القطاع الصحي في الولايات المتحدة ملامح هذا التحول؛ إذ أفاد نصف المشاركين بأن مؤسساتهم بدأت بالفعل في تطبيق الذكاء الاصطناعي التوليدي، بينما أتاح أكثر من 80 في المائة منهم أولى تطبيقاته للمستخدمين النهائيين. ورغم أن قضايا الأمان والحوكمة لا تزال تحظى بأولوية كبيرة، إلا أن التحدي الأبرز اليوم يتمثل في دمج هذه التقنية داخل الأنظمة التشغيلية للمؤسسات الصحية، حتى تصبح جزءًا فعليًا من سير العمل اليومي. "يُرجى الاطلاع على العمود الجانبي بعنوان: "منهجية البحث".
وفي مؤشرٍ آخر على اتساع استخدام هذه التقنية، أفاد نصف المشاركين بأن مؤسساتهم أطلقت أولى حالات استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي قبل أكثر من ستة أشهر. وهو ما يعكس تنامي الثقة في القدرات الداخلية لهذه المؤسسات، وجاهزيتها التشغيلية للتعامل مع هذه التقنية باعتبارها جزءًا أساسيًا من منظومة العمل، لا مجرد تجربةٍ مؤقتةٍ أو محدودة.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
ومع هذا التطور، بدأت التحديات التي تواجه قادة الرعاية الصحية تأخذ طابعًا أكثر تعقيدًا. فالمخاوف المرتبطة بالثقة والسلامة والحوكمة لم تعُد وحدها في صدارة الاهتمام، إذ باتت ترافقها تحدياتٌ عملية تتعلق بكيفية دمج التقنية ذاتها في منظومة العمل. ومن هنا، تدخل المؤسسات مرحلةً جديدةً من النضج، تنتقل فيها من استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنشاء المحتوى ودعم المهام الفردية، إلى الاعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي في تنفيذ الإجراءات وتنسيق العمليات المعقدة من البداية إلى النهاية.
الانتقال من التجارب الأولية إلى التطبيق الفعلي
كشف استطلاع "ماكنزي" للربع الرابع من عام 2025 عن دخول قطاع الرعاية الصحية مرحلةً أكثر تقدمًا في تبنّي الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ فقد بلغت نسبة المشاركين الذين أكدوا أن مؤسساتهم بدأت تطبيق هذه التقنية 50 في المائة، وهو رقم يعكس استمرار المسار التصاعدي في معدلات التبنّي خلال الأعوام الأخيرة؛ إذ سجّلت النسبة 25 في المائة في الربع الرابع من عام 2023، ثم ارتفعت إلى 47 في المائة في الربع الرابع من عام 2024. وتُظهر هذه الزيادة المتواصلة أن القطاع يمضي بثباتٍ من مرحلة التجارب الأولية وإثبات الفكرة إلى الاستخدام الفعلي والتطبيق على أرض الواقع. كما أكد جميع المشاركين، وللمرة الأولى، أن مؤسساتهم تمتلك خططًا لتبنّي الذكاء الاصطناعي التوليدي، وإن كانت بدرجاتٍ متفاوتة؛ مما يشير إلى تراجع التردد المؤسسي، وارتفاع مستوى الثقة في جدوى هذه التقنية وقدرتها على إحداث أثرٍ ملموس داخل منظومة الرعاية الصحية.
وفي الوقت نفسه، يحظى الذكاء الاصطناعي الوكيل باهتمامٍ واسع، رغم حداثة ظهوره مقارنةً بالذكاء الاصطناعي التوليدي. ومع ذلك، لا يزال تطبيقه أقل انتشارًا؛ فقد أفاد 19 في المائة فقط من المشاركين بأن مؤسساتهم طبقت تقنية الذكاء الاصطناعي الوكيل. في المقابل، أكد 51 في المائة أن مؤسساتهم تعمل حاليًا على تجارب لإثبات جدوى استخدام هذه التقنية، بينما لا تتجاوز نسبة المؤسسات التي لا تمتلك أي خطط لتبنّي الذكاء الوكيل 1 في المائة فقط.
ولا يقتصر هذا التفاوت على المقارنة بين الذكاء الاصطناعي التوليدي والذكاء الاصطناعي الوكيل؛ إذ يمتد أيضًا إلى مجالات شتى ومختلفة داخل منظومة قطاع الرعاية الصحية. فشركات خدمات وتقنيات الرعاية الصحية تبدو الأكثر تقدمًا في تطبيق هذه الحلول، بينما لا تزال شركات التأمين والجهات المسؤولة عن تمويل الخدمات الصحية دون مستوى 50 في المائة. وينطبق النمط نفسه على أنظمة الوكلاء المتعددين؛ إذ تأتي شركات خدمات وتقنيات الرعاية الصحية في المقدمة، في حين لا تزال هذه الأنظمة أقل انتشارًا وتطبيقًا من الذكاء الاصطناعي التوليدي في مختلف مجالات وفئات القطاع الصحي.
فرص الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية
تُظهر نتائج الاستطلاع أن رفع الكفاءة الإدارية يأتي في مقدمة المجالات المرشحة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي التوليدي وأنظمة الوكلاء المتعددين. غير أنّ فرص الاستفادة لا تقف عند هذا الحد؛ إذ يرى المشاركون أنّ الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يقدم قيمةً حقيقيةً في مجالاتٍ أخرى، مثل تطوير الأنظمة الرقمية والبنية التحتية، وتحسين التواصل مع المرضى والمشتركين في خطط التأمين والرعاية، فضلًا عن رفع كفاءة العمل الطبي. وقد أشار أكثر من نصف المشاركين إلى أن هذه المجالات تحمل إمكاناتٍ كبيرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي. أما الأنظمة متعددة الوكلاء، والتي تعتمد على أكثر من وكيل ذكاء اصطناعي لتنفيذ مهامٍ مترابطة، فلا تزال فرص استخدامها في هذه المجالات أقل انتشارًا؛ إذ لم يرَ المشاركون أنها تحمل الإمكانات نفسها التي يقدمها الذكاء الاصطناعي التوليدي، مما يشير إلى أن تطبيقاتها العملية لم تتّضح بعد بالقدر الكافي.
مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي
على الرغم من تصدُّر الكفاءة الإدارية قائمة المجالات الأكثر استفادةً من الذكاء الاصطناعي، فإن التطبيق الفعلي داخل القطاع يكشف عن توجهٍ متزايد نحو استخداماتٍ أقرب إلى العمل الطبي والسريري المباشر. فقد بدأت مؤسسات الرعاية الطبية في توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي خارج نطاق المهام الإدارية التقليدية، ليصبح أداةً داعمةً لتحسين إنتاجية الأطباء وفِرق الرعاية. وفي هذا السياق، أكد 54 في المائة من المشاركين من هذه المؤسسات أنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي بالفعل في دعم الإنتاجية الطبية، مما يجعله المجال الأكثر انتشارًا بين فئات القطاع الصحي. أما بعض المجالات الواعدة الأخرى، مثل البرمجيات والبنية التحتية، وتحسين تفاعل المرضى والمشتركين في خطط الرعاية، فلا تزال أقل حضورًا في التطبيق العملي. ويكشف ذلك عن فجوةٍ يمكن أن ترسم جزءًا من أولويات المؤسسات الصحية في المرحلة المقبلة.
كيف تُستخدم الأنظمة متعددة الوكلاء؟
تختلف طريقة استخدام الأنظمة متعددة الوكلاء بين المجالات أو الفئات المختلفة داخل منظومة قطاع الرعاية الصحية، بحسب طبيعة كل مجال وأولوياته. فقد أفاد المشاركون من مؤسسات الرعاية، مثل المستشفيات والعيادات، باستخدامهم حلولًا مخصصة لوظائف محددة، تتناسب مع طبيعة العمل الطبي المتخصص. أما المشاركون من جهات الدفع المسؤولة عن تمويل الخدمات الصحية، فأكدوا أن مؤسساتهم تستهدف أتمتة سير العمل من البداية إلى النهاية، خاصةً في العمليات المتكررة والمنظمة، بهدف رفع الكفاءة وتسريع الإجراءات. في المقابل، يركّز قادة شركات خدمات وتقنيات الرعاية الصحية على استخداماتٍ أوسع يمكن تطبيقها في أكثر من قسم، وإعادة استخدامها وتوسيع نطاقها لخدمة عملاء وسياقاتٍ تشغيلية مختلفة.
وتخلُص أبحاث "ماكنزي" في العديد من القطاعات إلى أن المؤسسات الأكثر تقدمًا في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكيل تتّبع نهجًا شاملًا يبدأ بتحديد مجال عملٍ واضح، وفهم سير العمل داخله من البداية إلى النهاية، ثم توظيف وكلاء الذكاء الاصطناعي لتنسيق المهام وتنفيذها ضمن هذا المسار، بما يحقق قيمةً أكبر من الحلول العامة أو التطبيقات المحدودة بمهمةٍ واحدة.
تحديات التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي
لا تزال المخاطر والسلامة من أبرز التحديات التي يتعامل معها قادة الرعاية الصحية بجديةٍ عند توسيع استخدام حلول الذكاء الاصطناعي التوليدي، تمامًا كما أظهرت الاستطلاعات السابقة. فقد أشار 43 في المائة من المشاركين إلى أن هذه القضايا تمثل عائقًا أمام التطبيق، وجاءت المخاوف من عدم دقة النتائج أو تحيزها، والمخاطر الأمنية، والامتثال للمتطلبات التنظيمية ضمن أبرز ثلاثة هواجس لديهم، إلى جانب مخاوف أخرى تتعلق بالأخلاقيات وحماية الخصوصية.
لكنّ التحديات لا تقف عند هذه المخاوف وحدها؛ فمع انتقال المؤسسات من مرحلة التخطيط والتجارب الأولية إلى التطبيق العملي، بدأت تظهر عقباتٌ تشغيليةٌ أكثر وضوحًا، من أبرزها صعوبة دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل أنظمة العمل القائمة، ونقص الخبرات والقدرات الداخلية اللازمة لإدارته وتطويره. فلم يعُد التحدي اليوم مقتصرًا على ضمان الاستخدام الآمن والمسؤول، إذ أصبح مرتبطًا أيضًا بقدرة المؤسسات على إدخال هذه التقنية في أنظمةٍ صحيةٍ معقدة، وإعادة تنظيم سير العمل حتى تحقق قيمةً فعليةً في العمليات اليومية.
آليات قياس العائد على الاستثمار
على الرغم من أن كثيرًا من القطاعات لا تزال تتساءل عن جدوى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن نتائج استطلاع "ماكنزي" الأخير تكشف عن تفاؤلٍ واضحٍ بين قادة الرعاية الصحية. فقد توقع معظمهم أن يحقق استخدام هذه التقنية عائدًا إيجابيًا داخل مؤسساتهم. وأكدت نتائج الاستطلاع هذا الاتجاه؛ إذ بلغت نسبة القادة الذين يتوقعون عائدًا إيجابيًا 82 في المائة، وهي أعلى نسبة تُسجَّل منذ بدء هذه الاستطلاعات. كما وصلت نسبة القادة الذين تمكنوا من تقدير هذا العائد بالأرقام إلى 45 في المائة، وهي أيضًا النسبة الأعلى منذ انطلاق الاستطلاع. وبحسب المشاركين الذين حددوا حجم العائد المتوقع، فإن العائد على الاستثمار يتراوح غالبًا بين أقل من ضعف قيمة الاستثمار الأولي وحتى أربعة أضعافه.
نماذج التشغيل والشراكات
أما فيما يتعلّق بنماذج العمل، فلا يزال التعاون مع الموردين الخارجيين الخيار الأكثر شيوعًا بين مؤسسات الرعاية الصحية في مسارها نحو تطوير حلول الذكاء الاصطناعي التوليدي، غير أن درجة الاعتماد على هذا الخيار تختلف من مجال إلى آخر داخل القطاع الصحي. فقد أبدى 36 في المائة من قادة شركات خدمات وتقنيات الرعاية الصحية استعدادًا لبناء حلولٍ داخلية، مقابل 19 في المائة من قادة مؤسسات تقديم الرعاية، و12 في المائة من قادة شركات التأمين وجهات التمويل الصحي. وقد يعكس هذا التباين امتلاك شركات خدمات وتقنيات الرعاية الصحية خبرةً أكبر في تطبيق هذه التقنية، أو رغبتها في تطوير حلولٍ داخليةٍ تمنح خدماتها ميزةً تنافسيةً في السوق. وفي المقابل، يدرس عددٌ أكبر من قادة مؤسسات تقديم الرعاية وجهات التمويل الصحي الاعتماد على حلولٍ جاهزة؛ إذ بلغت النسبة 36 في المائة بين مؤسسات الرعاية، و39 في المائة بين الجهات المسؤولة عن تمويل الخدمات الصحية. وقد يعود ذلك إلى رغبة هذه المؤسسات في سرعة إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى بيئة العمل، أو إلى عدم امتلاكها القدرات الداخلية الكافية لبناء حلولٍ خاصة من البداية.
وتشير النتائج أيضًا إلى أن شراء حلول الذكاء الاصطناعي التوليدي بات خيارًا أكثر شيوعًا خلال عامٍ واحد فقط؛ إذ ارتفعت نسبة المؤسسات التي تفضّل شراء هذه الحلول، سواء كانت في مرحلة التجارب الأولية أو تدرس تطبيقها، من 19 في المائة في الربع الرابع من عام 2024 إلى 33 في المائة في الربع الرابع من عام 2025.
وفي المجمل، تشير نتائج استطلاع "ماكنزي" الأخير إلى أن قطاع الرعاية الصحية قد يكون مقبلًا على مرحلةٍ أكثر تأثيرًا في استخدام الذكاء الاصطناعي؛ مرحلةٍ لا يُقاس فيها النجاح بمجرد استخدام التقنية، وإنما بمدى قدرة المؤسسات على دمجها في مسارات العمل الرئيسية، وقياس ما تحققه هذه التقنية من قيمة، وتحويلها إلى نتائج واضحة، وإدارة المخاطر التي قد تظهر نتيجة التوسع في استخدام التطبيقات وزيادة استقلاليتها. ويعكس الاهتمام المتزايد بالذكاء الاصطناعي الوكيل ملامح هذا التحول؛ إذ إن الانتقال من تطبيقاتٍ محدودة تؤدي مهامًا منفصلة إلى أنظمةٍ مترابطة قادرة على تنسيق عملياتٍ أكثر تعقيدًا سيجعل تصميم هذه الأنظمة وإدارتها وتطبيقها بصورة صحيحة أكثر أهميةً من أي وقت مضى.
ومن هذا المنطلق، لن يقف النجاح عند سرعة مواكبة الذكاء الاصطناعي، بقدر ما يعتمد على بناء القدرات المؤسسية التي تضمن استمرارية استخدامه وتوسيع نطاقه بثبات. فكلما نجحت المؤسسات في تنمية هذه القدرات وترسيخها، أصبحت أكثر قدرةً على تحويل التقدم التقني إلى أثرٍ مستدام ينعكس على كفاءة التشغيل، وجودة الرعاية السريرية، ومستقبل الرعاية الصحية ككل.