ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
وعند الحديث عن التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، غالبًا ما يتجه التركيز إلى الأدوات والتقنيات، غير أن التجربة أثبتت أن العائق الحقيقي يظهر في مكان آخر تمامًا. فالتحدي الأكبر لا يكمن في نقص الحلول، بل في غياب قيادات قادرة على حمل هذا التحول وتحويله إلى أثر فعلي داخل العمل. ومن هنا تبدأ المشكلة بالظهور عندما تفتقر المؤسسات إلى قاعدة كافية من القيادات التشغيلية القريبة من التنفيذ. وفي هذا السياق، يبرز دور فئة محددة من التنفيذيين، أولئك الذين يعملون على بُعد مستويين أو ثلاثة من الرئيس التنفيذي، ويتولّون قيادة قطاع أو وظيفة بعينها. هؤلاء لا يضعون الخطط فحسب، بل يقودون التحول من بدايته إلى نهايته، ويقفون عند نقطة الالتقاء بين الاستراتيجية والتطبيق. ومن خلال هذا الموقع، يصبحون الحلقة التي تنقل الذكاء الاصطناعي من مستوى الرؤية إلى واقع الممارسة اليومية. لكن المفارقة أن وفرة أدوات الذكاء الاصطناعي لم تُترجم بالضرورة إلى نتائج ملموسة. فالتقنية متاحة، والحلول منتشرة، إلا أن المهارة المطلوبة لتطبيقها على مشكلات العمل الحقيقية لا تزال محدودة. إذ إن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين تجربة العملاء، وفي الوقت نفسه خفض التكاليف التشغيلية على نطاق واسع، يتطلب فهماً عميقاً للسياق التشغيلي لا مجرد معرفة تقنية. وعندما تغيب هذه القدرة القيادية، يتعثر المسار بأكمله.، وتتحول المبادرات إلى تجارب معزولة، ويتباطأ التحول، ويظل الأثر دون التوقعات، مهما بلغ حجم الاستثمار في التكنولوجيا. وهنا يتضح أن بناء القدرات القيادية ليس عنصرًا داعمًا للتحول الرقمي، بل شرطًا أساسيًا لنجاحه واستدامته.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
ومن هذه الفجوة تحديدًا يتضح سبب تعثّر كثير من تحولات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. فامتلاك قيادات المجالات التشغيلية ليس خيارًا تنظيميًا إضافيًا، بل هو الدور الأكثر حساسية في مسار التحول بأكمله. فبينما يتولى الرئيس التنفيذي قيادة الاتجاه العام، ويعمل فريق الإدارة العليا على توحيد الأولويات وبناء القدرات المؤسسية الداعمة، تبقى هذه الجهود ناقصة ما لم تجد من يحملها إلى مستوى التنفيذ. وهنا يأتي دور قائد المجال، باعتباره صاحب المسؤولية التشغيلية المباشرة. فهو من يترجم الرؤية والخطط إلى تغييرات فعلية داخل العمليات اليومية، ويتأكد من أن الذكاء الاصطناعي لا يبقى مبادرة استراتيجية على الهامش، بل يتحول إلى قيمة ملموسة تنعكس على الأداء والكلفة وتجربة العملاء. وبهذا المعنى، يشكّل قائد المجال نقطة التحوّل التي تنتقل عندها الأفكار من مستوى الطموح إلى مستوى الأثر .
ويزداد هذا التركيز على "المجال التشغيي" أهمية عندما ننظر إلى واقع التجربة العملية داخل الشركات. فبحسب ما رصدته الدراسات، فإن الغالبية العظمى من المؤسسات لا تحصد ثمار التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي من كل الاتجاهات بالتساوي، بل تستمد الجزء الأكبر من مكاسبها من عدد محدود من المجالات التي خضعت لتحول عميق ومدروس. ومن هنا تتضح الصورة أكثر؛ فالأثر الحقيقي لا يتوزع على عشرات المبادرات الصغيرة، بل يتكوّن حين تُعاد صياغة مجالات بعينها من الجذور، وتُدار فيها العمليات بعقلية مختلفة، ويُوظَّف الذكاء الاصطناعي كجزء أصيل من طريقة العمل. وعندما يتحقق هذا العمق في التحول، تنتقل الفوائد من كونها تحسينات جزئية إلى قيمة ملموسة تغيّر أداء المؤسسة بأكملها وتعيد تشكيل نتائجها على المدى الطويل.
وانطلاقًا من هذا الفهم، يصبح من الطبيعي التأكيد على أن رفع الوعي التقني داخل المؤسسة بأكملها يظل أمرًا مهمًا، لكنه لا يكفي وحده لصناعة التحول. لذلك يوجّه هذا المقال تركيزه نحو فئة محددة تمسك بزمام التنفيذ، وهي قيادات المجالات التشغيلية، بوصفها النقطة التي يتقاطع عندها الطموح مع الواقع، والاستراتيجية مع التطبيق. فأكثر قادة المجالات تأثيرًا لا يقتصر دورهم على الجانب التقني، بل يمتلكون ما يمكن وصفه بالقدرة التنفيذية التقليدية؛ فهم يفهمون احتياجات العملاء، ويجيدون قراءة الاستراتيجية، ويستوعبون تصميم المنظمة، ويتابعون الأداء التشغيلي عن قرب. هذه المهارات تشكّل الأساس الذي لا غنى عنه لأي قيادة فاعلة. لكن ما يميز هؤلاء القادة حقًا هو امتلاكهم لما يمكن تسميته "العضلة الثانية". فهي قدرة تقنية كافية تمكّنهم من رسم خارطة طريق لتحول قائم على الذكاء الاصطناعي، وفهم أساليب تطوير البرمجيات الحديثة، وتقييم جاهزية البيانات، وقوة المنصات التقنية، وكفاءة الفرق الهندسية. وعند التقاء هاتين العضلتين، التنفيذية والتقنية، يتحول الذكاء الاصطناعي من مبادرة واعدة إلى مسار واضح يقود التغيير ويصنع قيمة حقيقية داخل المؤسسة.
ومع ذلك، تكشف الصورة الحالية عن فجوة واضحة لا يمكن تجاهلها. فعدد قيادات المجالات القادرين على الجمع بين الفهم التشغيلي والقدرة التقنية لا يزال محدودًا. وتُظهر تحليلات واسعة لملفات القادة التنفيذيين في شركات "Fortune 500" أن المهارات التقنية لا تمثل سوى جزء ضئيل من خبراتهم المهنية. فبحسب هذه التحليلات، لا تتجاوز المهارات ذات الطابع التقني 17 في المئة من إجمالي المهارات التي يمتلكها كبار القادة، في حين أن 5 في المئة فقط من مسيرتهم الوظيفية تضمنت شغل مناصب تقنية فعلية. وشملت الدراسة أكثر من ثلاثة آلاف قائد في الإدارة العُليا، إلى جانب مئات الآلاف من القيادات التنفيذية في نحو خمسمئة شركة عالمية، مع التركيز على الخلفيات التعليمية التقنية، والمهارات الرقمية المتخصصة، ومدى الخبرة في أدوار تقنية مباشرة. وفي هذا السياق، لا تبدو هذه النتائج مفاجئة. فالتاريخ المهني لغالبية القادة يشير إلى أن المسارات التقنية كانت، في الغالب، محصورة داخل إدارات تقنية المعلومات، وليست جزءًا أصيلًا من المسار القيادي العام. وهو ما يفسّر سبب اتساع الفجوة اليوم بين الطموحات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والقدرة الفعلية على قيادته من داخل الأعمال نفسها، لا من أطرافها التقنية فقط.
ورغم هذا النقص الواضح في قيادات المجالات التي تمتلك "عضلة" قوية في الذكاء الاصطناعي، بدأت ملامح نموذج عملي تتشكل تدريجيًا يوضح ما الذي يجعل قائد المجال فعّالًا، وكيف يمكن بناء القدرات التقنية التي يحتاجها لأداء هذا الدور. فالتجربة المتراكمة داخل المؤسسات تشير إلى أن المسألة لم تعد رهينة الموهبة الفردية أو الخلفية التقنية المسبقة، بل أصبحت مسارًا يمكن تصميمه وتطويره بوعي، عبر تمكين القادة بالأدوات الصحيحة، وبناء فهم عملي للتقنية يوازي فهمهم العميق للأعمال. ومن هنا، ينتقل الحديث من تشخيص الفجوة إلى البحث عن الحل، ومن رصد المشكلة إلى رسم الطريق نحو إعداد جيل جديد من قادة المجالات القادرين على قيادة التحول بثقة وأثر ملموس.
ما المهارات التي تميّز قادة المجالات التشغيلية؟
لكي تتضح الفكرة بصورة أقرب إلى الواقع، يمكن النظر إلى تجربة عملية تجسّد هذا الدور. هنا نلتقي "آدم بويد"، أحد كبار التنفيذيين في بنك "Citizens"، والذي كان قبل سنوات يقود خط أعمال متخصصًا في قروض حقوق الملكية العقارية، وهي الخدمة التي تتيح للعملاء الاقتراض بضمان قيمة منازلهم. في ذلك الوقت، لم ينظر "آدم" إلى هذا النشاط بوصفه منتجًا مصرفيًا تقليديًا، بل رآه تجربة يمكن إعادة ابتكارها بالكامل. كانت رؤيته واضحة وبسيطة: استخدام التكنولوجيا لتخفيف العبء عن العملاء وتسريع حصولهم على التمويل. وقد ترجمت هذه الرؤية إلى خطوات عملية، تبدأ بتوفير خطوط ائتمان معتمدة مسبقًا لأصحاب المنازل، مرورًا بإجراءات طلب مبسطة وسلسة، وصولًا إلى أتمتة العمليات الخلفية داخل البنك. والنتيجة كانت تحولًا ملموسًا في تجربة العميل. فبدلًا من انتظار يمتد لأسابيع، كما هو الحال في معظم السوق حيث قد تصل المدة إلى 35 يومًا أو أكثر، أصبح بإمكان العملاء الحصول على أموالهم خلال أيام معدودة. وفي هذا المثال، يتضح كيف يمكن لقائد مجال يمتلك رؤية واضحة وفهمًا للتقنية أن يحوّل فكرة طموحة إلى تغيير حقيقي يشعر به العميل منذ أول خطوة.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، لم يكن الطريق مختصرًا أو فرديًا. فقد تطلّب الأمر من "آدم" أن يعمل جنبًا إلى جنب مع فرق متعددة داخل البنك، شملت التقنية والائتمان والمخاطر والامتثال والاستراتيجية والمالية، بهدف بناء خارطة طريق واضحة لحالات استخدام قادرة على تقديم هذا النموذج الجديد من الخدمة. ومن خلال هذا التعاون، انتقلت الفكرة من تصور طموح إلى برنامج تنفيذي متكامل المعالم. وفي صميم هذه الخارطة، برزت مجموعة من الركائز العملية التي شكّلت أساس التحول. تمثلت أولًا في توظيف البيانات والذكاء الاصطناعي لأتمتة تحليل الخلفيات الائتمانية للعملاء، بما يسمح بإعداد عروض مبدئية مسبقة قبل مرحلة التقديم. وتوازى ذلك مع إطلاق حملات تسويق رقمية مخصصة، تخاطب العملاء وفق احتياجاتهم وسلوكهم، لا بصيغة عامة واحدة. وفي الوقت نفسه، جرى تبسيط رحلة التقديم نفسها لتتحول إلى تجربة رقمية لا تتطلب سوى بضع نقرات، بعد أن كانت سلسلة طويلة من الإجراءات. أما على مستوى العمليات الداخلية، فقد أسهمت أتمتة الإجراءات في تقليص زمن المعالجة في المكاتب الخلفية بشكل كبير. وبهذا التكامل بين الرؤية والتنفيذ، وبين التقنية والعملية، اكتملت معالم التحول، وتحولت تجربة الإقراض من مسار معقّد وبطيء إلى خدمة سريعة وسلسة يشعر بأثرها العميل منذ اللحظة الأولى.
ومع انتقال الخطة من التصور إلى التنفيذ، وجدت القيادة العليا في البنك أن هذه الرؤية تستحق الدعم الكامل، فوفّرت لـــ"آدم" أربع فرق تطوير متعددة التخصصات تعمل بشكل متوازٍ. وهنا بدأ فصل جديد في تجربته القيادية، إذ إن قيادة فرق تقنية للتطوير لم تكن جزءًا من خبرته السابقة، ما فرض عليه أن يتعلّم بسرعة أساليب العمل المرنة وتوزيع الأدوار داخل هذه الفرق. ومع هذا التعلّم، اتسعت دائرة فهمه لتشمل البنية المعمارية للبيانات داخل البنك، إضافة إلى منظومة التقنيات والمنصات التي يقوم عليها العمل، حتى يتمكن من بناء هذا العرض الجديد على أسس متينة. غير أن دور "آدم" لم يقتصر على الإشراف من بعيد، بل ظل حاضرًا في قلب العمل اليومي، يتدخل عند ظهور العقبات، ويعيد توجيه مسار التطوير حين تدعو الحاجة، ويتابع مراحل الاختبار المتكرر خطوة بخطوة. ومن خلال هذا الانخراط المباشر، ضمن أن التقنية التي تُبنى لا تخدم الخطة على الورق فقط، بل تستجيب فعليًا لاحتياجات العملاء وتوقعاتهم. وبهذا الأسلوب، تحولت قيادة فرق التطوير من مهمة جديدة إلى امتداد طبيعي لدوره كقائد في المجال التشغيلي، يجمع بين الفهم التشغيلي والمتابعة التقنية، ويقود التغيير من الفكرة حتى لحظة الاستخدام الفعلي.
وفي المرحلة الأخيرة، انتقلت المسؤولية كاملة إلى "آدم"، ليس بوصفه قائد مشروع، بل كمالك فعلي للتغيير من بدايته إلى نهايته. فقد تولّى إدارة التحول التنظيمي بكل تفاصيله، من معالجة تعارض القنوات القائمة، إلى إعادة ترتيب مسارات العمل التشغيلية، وصولًا إلى رفع مهارات الزملاء في مراكز الاتصال والفروع، حتى يصبح النموذج الجديد جزءًا من الممارسة اليومية لا استثناءً مؤقتًا. ولتحقيق ذلك، كان لا بد من تنسيق وثيق ومستمر مع القيادات العليا في مجالات التوزيع والتسويق وإدارة المخاطر والتقنية والعمليات. ومن خلال هذا التعاون، لم يُنظر إلى التغيير بوصفه مبادرة تقنية معزولة، بل كتحول مؤسسي متكامل يعيد ضبط طريقة العمل عبر مختلف الوحدات. وهنا، يبرز دور قائد المجال في أوضح صوره، لا كمنفذ لحلول جاهزة، بل كقائد يقود التغيير، ويتحمل تبعاته، ويضمن استقراره داخل المؤسسة على المدى الطويل.
ولم يكن هذا المسار خاليًا من التحديات. فالتنفيذ لم يجرِ دائمًا بسلاسة، إذ تطلّب في مراحل متعددة اتخاذ قرارات صعبة على مستوى الإدارة العليا، شملت إعادة توجيه الإنفاق التسويقي نحو القنوات الرقمية، وإعادة النظر في بعض سياسات الائتمان بما يتماشى مع النموذج الجديد. وكانت هذه المفاضلات العابرة للإدارات ضرورية لدفع التحول إلى الأمام، حتى وإن بدت مكلفة أو معقّدة في لحظتها. غير أن الصورة اتضحت مع مرور الوقت. فبعد عامين من العمل المتواصل، نجح "آدم" وفريقه في تقديم تجربة عملاء نوعية تجاوزت ما اعتاد عليه السوق بكثير، وفي الوقت نفسه تمكّن البنك من خفض تكاليف البيع وخدمة العملاء. وهكذا، أثبتت التجربة أن الجرأة في القرار، عندما تقترن بقيادة واضحة وتنفيذ منضبط، قادرة على تحويل التحديات إلى نتائج تتفوق على معايير القطاع وتعيد تعريف مستوى الأداء المتوقع.
ورغم أن تجربة "آدم" تبدو استثنائية، فإنها ليست حالة منفردة. فهناك نماذج أخرى تؤكد أن بناء "العضلة التقنية" ممكن حتى لمن لم يبدأ مسيرته من بوابة التكنولوجيا. ومن بين هذه النماذج "نيشا هاثي"، التي تقود حلول الثروات والاستشارات في "Charles Schwab" لم تكن "نيشا" متخصصة في التقنية بحكم دراستها، لكنها راكمت هذا الفهم عبر محطات مهنية سابقة، من بينها إدارة شركة برمجيات تابعة، وتوليها منصب الرئيس التنفيذي الرقمي. ومع الوقت، أصبحت قادرة على إعادة تصميم رحلات العملاء والعمليات التشغيلية باستخدام التكنولوجيا بكفاءة عالية. ويظهر المسار نفسه في تجربة مختلفة تمامًا من حيث القطاع والسياق. فقد استطاع "مينو فان دير ويندن"، عندما كان مسؤولًا عن الجودة وتطوير المنتجات في "Tata Steel"، أن يبني هذه العضلة عبر توظيف التحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي لتحسين جودة المنتجات ورفع الإنتاجية في أحد أكبر مصانع الصلب في العالم. ولم تكن النتائج تحسينات تدريجية محدودة، بل قفزات نوعية في مستوى الجودة وسرعة الإنتاج. ومن خلال هذه الأمثلة، تتضح الرسالة الأساسية، وهي: قيادة التحول بالذكاء الاصطناعي لا تشترط خلفية تقنية تقليدية، بقدر ما تتطلب استعدادًا للتعلّم، وانخراطًا عمليًا، وقدرة على ربط التكنولوجيا بجوهر العمل. وعندما تتوافر هذه العناصر، يصبح التحول ممكنًا في أي قطاع، وبأثر يتجاوز الحدود المتوقعة.
وتجسّد هذه النماذج مجتمعة مجموعة المهارات الجوهرية التي يطوّرها قادة الأعمال القادرون على التعامل بفاعلية مع الذكاء الاصطناعي والتقنية، وهي المهارات التي يمكن وصفها بما أسميناه "العضلة الثانية". فحين يتمكّن القائد من إتقان هذه الحِرفة الجديدة، لا يعود الذكاء الاصطناعي عنصرًا داعمًا على الهامش، بل يتحول إلى أداة قيادة حقيقية توسّع نطاق تأثيره وتمنحه قدرة عملية على إحداث التغيير. وعند الوصول إلى هذا المستوى من النضج، يصبح قادة الأعمال قادرين على القيام بعدد من الأدوار المحورية التي تتجاوز الإدارة التقليدية، وتشمل على وجه الخصوص ما يلي:
- أول هذه القدرات يتمثل في إعادة تخيّل المجال من جذوره، وصياغة رؤية تحويلية تنطلق من العميل بوصفه نقطة الارتكاز. فالقائد هنا لا ينظر إلى العمليات كما هي، بل يفهم بعمق نقاط الألم التي يواجهها العملاء، ويكشف الاحتياجات غير الملبّاة التي لا تظهر في التقارير التقليدية. ومن هذا الفهم، تتضح أمامه مكامن الهدر داخل العمليات، سواء في الوقت أو الجهد أو التكلفة، فيتعامل معها بوصفها فرصًا لإعادة التصميم لا مجرد مشكلات تشغيلية. وهو في ذلك لا يكتفي بتحسين المسار القائم أو أتمتة إجراء قديم، بل يوظّف الإبداع والقدرة على قراءة الأنماط لإعادة تصور طريقة عمل المجال بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي. وبهذا النهج، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تنفيذية إلى محرك لإعادة الابتكار، ويصبح الهدف ليس تسريع ما هو موجود، بل بناء نموذج جديد أكثر ذكاءً، وأكثر قربًا من العميل، وأكثر قدرة على خلق قيمة مستدامة
- وتتجسّد القدرة الثانية في بناء خارطة طريق واضحة لتحول قائم على الذكاء الاصطناعي، لا بوصفها وثيقة تقنية، بل كمسار تنفيذي يقود التغيير خطوة بخطوة. فالقائد هنا يعمل عن قرب مع خبراء المجال والمتخصصين في الوظائف المختلفة، لإعادة تصور العمليات من بدايتها إلى نهايتها باستخدام التقنية، لا لتجميلها، بل لإعادة تصميمها على أسس جديدة. ومن هذا التفاعل، يحوّل الأفكار والرؤى إلى خارطة طريق متكاملة لحالات استخدام متسلسلة، لكل منها مؤشرات أداء واضحة ومرتبطة مباشرة بالنتائج المرجوة. الأهم من ذلك أن هذه المهمة لا تُرحَّل إلى تقنية المعلومات أو تُترك لمستويات أدنى في التنظيم، لأن القائد يدرك أن هذا المسار ليس تفصيلاً تشغيليًا، بل مهمة محورية تمس جوهر العمل، ومسؤولية لا يمكن التنازل عنها إذا أُريد للتحول أن ينجح ويُحدث أثرًا حقيقيًا.
- وتبرز القدرة الثالثة في الإشراف الفعلي على تنفيذ الحلول التقنية، حتى وإن لم يكن القائد خبيرًا تقنيًا عميقًا. فامتلاكه حدًا كافيًا من الفهم التقني يمكّنه من متابعة التطوير عن قرب، ومساعدة الفرق على ترتيب الأولويات، والتدخل عند تعثر المسار لتجاوز العقبات، بل ومساءلة الفرق بشكل بنّاء يدفعها إلى التفكير بصورة أفضل. وفي هذا الإطار، يعتمد هؤلاء القادة على وتيرة عمل سريعة وتكرارية، تسمح ببناء حلول قابلة للتوسع خطوة بعد أخرى، مع اختبارها وتحسينها باستمرار لضمان أنها تلبي توقعات العملاء وتفوقها. كما يستثمرون وجود فرق متعددة التخصصات تعمل تحت قيادتهم، لا بوصفه تنوعًا تنظيميًا فحسب، بل كرافعة حقيقية لرفع كفاءة التطوير وتسريع الإنجاز. وبهذا الأسلوب، يتحول التنفيذ التقني من مسار بطيء ومجزأ إلى عملية متماسكة تصنع قيمة واضحة في وقت أقصر.
- وتتجلّى القدرة الرابعة في قيادة إدارة التغيير من البداية إلى النهاية بوصفها مسؤولية أصيلة لا تُفوض. فالقادة القادرون تقنيًا لا يكتفون بتبنّي حلول الذكاء الاصطناعي، ولا يتركون مهمة تطبيقها وتوسيع نطاقها لجهات أخرى، بل يمتلكون هذا المسار بالكامل ويتحملون نتائجه. وهم يُحاسَبون ليس فقط على تطوير الحلول، بل على التأكد من أنها تُستخدم فعليًا وتُحقق القيمة الموعودة. ومن موقعهم هذا، وبحكم امتلاكهم الرؤية الأشمل لسلسلة العمل كاملة، يصبحون الأقدر على تصميم جهود إدارة تغيير متكاملة ومنسجمة. فهم ينسّقون بين العمليات والفرق والأنظمة، ويضبطون الإيقاع بين التقنية والتنفيذ، بما يضمن أن التحول لا يتعثر عند حدود الإطلاق، بل يستمر ويتوسع ويترسخ في طريقة العمل اليومية. وهكذا، تتحول إدارة التغيير من نشاط داعم إلى ركيزة أساسية تضمن انتقال الذكاء الاصطناعي من الحل إلى الأثر، ومن التجربة إلى القيمة المستدامة.
وفي نهاية المطاف، يتضح أن قادة الأعمال الذين ينجحون في بناء هذه "العضلة الثانية" هم من يمتلكون مفاتيح مستقبل المؤسسة مع الذكاء الاصطناعي. فهم ليسوا مجرد مستخدمين للتقنية، بل قادة قادرون على توجيهها وصياغة أثرها وربطها بجوهر العمل ونتائجه. ومن هنا، تبرز أمام الرؤساء التنفيذيين وأعضاء مجالس الإدارة مسألة لا تحتمل التأجيل: فكم قائدًا من طراز "آدم"، و "نيشا"، و "مينو" تمتلكه المؤسسة اليوم؟ وكم من هذه النماذج يمكن بناؤها ورعايتها داخليًا؟ فهذا السؤال، في جوهره، لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بقدرة المؤسسة على صناعة قيادتها المستقبلية، وعلى تحويل الذكاء الاصطناعي من وعد تقني إلى واقع تنافسي مستدام يصنع الفارق لسنوات قادمة.
كيف يطوّر القادة عضلتهم الثانية لقيادة المجال التشغيلي؟
ويجدر هنا التنبيه إلى أن رفع مستوى الوعي والكفاءة في الذكاء الاصطناعي ليس مهمة عابرة تُنجز بدورة مكثفة أو لقاءات متقطعة مع شركات ناشئة. فبناء ما يمسى بالـــ "العضلة الثانية"والحفاظ على فاعليتها، هو مسار مستمر يتطلب نية واضحة، وانضباطًا في الممارسة، وتركيزًا طويل الأمد. فالقدرات التقنية، شأنها شأن أي مهارة قيادية، تضعف إذا لم تُغذَّ بالتعلّم والتجربة والتطبيق العملي. ومن ثمّ، لا يتحقق النضج في الذكاء الاصطناعي عبر مبادرات متفرقة، بل عبر التزام واعٍ يجعل من التطوير المستمر جزءًا من دور القائد اليومي، ويضمن أن تظل هذه العضلة حاضرة وفاعلة وقادرة على مواكبة التحولات المتسارعة، لا مجرد معرفة نظرية سرعان ما تفقد أثرها.
اجعل التعلّم جزءًا من مسؤوليتك
ورغم أن كثيرًا من الشركات تمتلك برامج تدريب متقدمة ومصممة بعناية، يدرك قادة المجالات في النهاية أن التعلم الحقيقي لا يُفوَّض ولا يُستورد جاهزًا. فهم يعلمون أن عليهم امتلاك مسار تعلّمهم بأنفسهم، لا الاكتفاء بما يُقدَّم لهم ضمن الأطر المؤسسية. ولهذا يوصف هؤلاء القادة بأنهم "يتعلّمون بلا خوف". ما يحركهم ليس المتطلب الوظيفي، بل فضول حقيقي ورغبة صادقة في توسيع معارفهم وتعميق فهمهم. إنهم لا يتوقفون عند حدود ما يعرفونه، بل يواصلون التعلم بدافع داخلي، لأنهم يدركون أن القيادة في عصر الذكاء الاصطناعي تبدأ من عقل منفتح، وتساؤل دائم، وشغف لا يهدأ بالمعرفة.
وفي هذا الإطار العملي، يخصص "آدم بويد" من بنك "Citizens"ما بين ست إلى عشر ساعات أسبوعيًا للتعلّم والنقاش حول القضايا التقنية. هذا الالتزام لا يأخذ شكل نشاط واحد، بل يتوزع على مسارات متعددة تعكس وعيه بأن بناء المعرفة عملية مستمرة لا تُختزل في قالب واحد. فهو يحمي وقتًا مخصصًا للاطلاع على أحدث التطورات، ويتبادل الآراء مع قادة التقنية داخل البنك، ويعقد لقاءات منتظمة مع مزودي الحلول والمستشارين. كما يشارك في مراجعات دورات التطوير السريعة، ويحضر المؤتمرات المتخصصة، ويزور مؤسسات مالية سبقت بتجارب مبتكرة، إلى جانب لقاءاته مع شركات التكنولوجيا المالية الناشئة، والتحاقه بدورات تعليمية عبر الإنترنت. ومن خلال هذا التنوع، يتحول التعلّم من نشاط جانبي إلى ممارسة قيادية واعية، تُغذّي الفهم التقني وتبقيه حيًا ومتجددًا، وتضمن أن تظل "العضلة الثانية" في حالة نمو مستمر، قادرة على مواكبة التحول وتسخيره لخدمة العمل بفعالية.
وفي السياق نفسه، شددت "نيشا هاثي" من "Charles Schwab" على أهمية البحث الواعي والمستمر عن فرص تعميق التعلّم، لا انتظار أن تأتي هذه الفرص من تلقاء نفسها. فهي ترى أن بناء المعرفة يتطلب مبادرة شخصية وقرارات مقصودة، خصوصًا لدى القادة الذين يجلسون في مواقع التأثير. فعلى سبيل المثال، وبحكم عضويتها في مجلس إدارة إحدى شركات الرعاية الصحية، انضمت إلى "NACD" الرابطة الوطنية لمديري مجالس الإدارة "هي منظمة أمريكية مهنية غير ربحية تُعنى بتطوير كفاءة أعضاء مجالس الإدارة وتعزيز ممارسات الحوكمة الرشيدة داخل الشركات والمؤسسات". وعندما درست خيارات التعليم المستمر المتاحة أمامها، اختارت أن تعمّق فهمها للأمن السيبراني، فالتحقت بدورة متخصصة استغرقت 30 ساعة ركّزت على مخاطر الأمن السيبراني وإدارتها. ومن خلال هذا الاختيار، يتضح أن التعلّم لدى قادة المجالات لا يقوم على التوسّع الأفقي فقط، بل على تعميق المعرفة في المجالات التي تمس جوهر القرار والمسؤولية. وهنا، يتحول التعلّم من نشاط تكميلي إلى أداة قيادية تعزّز القدرة على الحكم السليم، وتدعم التعامل الواعي مع المخاطر في عالم تتداخل فيه التقنية مع كل قرار استراتيجي.
التركيز على القيمة وإعادة التفكير في كيفية تحقيقها
وفي هذا السياق، يتضح الفارق بين من يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه واجهة شكلية، ومن يتخذه أداة حقيقية لصناعة القيمة. فهناك من يلهث وراء نموذج أولي سريع، لا لشيء سوى لتسجيل إنجاز في تقرير الأداء، حيث تقود الفكرة التقنية التفكير بدل أن تخدمه. أما "مينو فان دير ويندن"، فيسلك طريقًا مختلفًا تمامًا. فهو لا يبدأ من التقنية أصلًا، بل من السؤال الأهم: ما أكبر المشكلات التي تواجه العمل فعلًا؟ ومن هناك فقط يبحث عمّا إذا كان للتكنولوجيا دور في حلّها. وقد لخّص هذه الفلسفة بوضوح حين قال إنه ليس عالم بيانات، لكن ما تعلّمه هو القدرة على تحديد المشكلات الجاذبة، تلك التي تستحق أن يُستثمر الجهد والوقت في حلّها. ومن هذا المنطلق، يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لا غاية، ويغدو التركيز منصبًّا على القيمة قبل الأداة. فحين ينطلق القائد من المشكلة الصحيحة، تتضح تلقائيًا حدود الحل، ويتحوّل الاستخدام الذكي للتقنية من استعراض عابر إلى أثر ملموس يعيد تشكيل الأداء ويصنع فرقًا حقيقيًا داخل المؤسسة.
وبمعنى أوضح، فإن قادة المجالات لا يطاردون أي مشكلة عابرة، بل يختارون القضايا التي تستحق الجهد والانتباه فعلًا. فالمعيار العملي هنا بسيط: أي مبادرة تحويلية ينبغي أن تحمل قدرة واقعية على توليد قيمة إضافية تقارب 20 في المئة. هذا هو المستوى الذي يجعل التحول مجديًا، ويبرّر الاستثمار فيه، ويمنحه وزنًا حقيقيًا داخل المؤسسة. ومن أجل الوصول إلى هذه القيمة، يُظهر قادة المجالات استعدادًا أكبر لتبنّي طرق جديدة في العمل، والابتعاد عن الأساليب المألوفة عندما تفرض الحاجة ذلك. فهم لا يكتفون بتحسين العمليات القائمة، بل يتجهون إلى إعادة ابتكار الرحلات كاملة، ويكسرون المسلّمات التنظيمية التي اعتاد عليها العمل لسنوات. وبهذا التفكير، لا يصبح التحول مجرد تحسين تدريجي، بل قفزة واعية تعيد رسم التجربة من أساسها، وتفتح مسارات جديدة لصناعة القيمة والأثر.
وتتجلى أحدث صور أهمية هذه العقلية اليوم مع صعود وكلاء الذكاء الاصطناعي. فالشركات التي تحقق نجاحًا حقيقيًا في هذا المجال لا تنشغل بحالات استخدام منفردة، ولا تكتفي بأتمتة ما هو قائم بالفعل، بل تنطلق إلى مستوى أعمق من التفكير. إذ تعيد هذه الشركات تخيّل مسارات العمل كاملة من البداية إلى النهاية، مستفيدة من قدرات الوكلاء بوصفهم عنصرًا قادرًا على التنسيق واتخاذ القرار والتنفيذ عبر مراحل متعددة. ومن هذا المنظور، لا يكون وكيل الذكاء الاصطناعي مجرد أداة إضافية، بل جزءًا من إعادة تصميم شاملة لطريقة إنجاز العمل، بما يفتح المجال أمام مستويات جديدة من الكفاءة والسرعة والقيمة التي لا يمكن تحقيقها بالأساليب التقليدية.
وترتكز هذه العقلية على فهم راسخ لما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه، وما لا يستطيع، وهي مسؤولية لا يمكن تفويضها. فكما تشير "نيشا هاثي"، يميل بعض قادة الأعمال الأقل دراية بالتقنية إلى القول إنهم لا يفهمونها، ثم يسلّمون تحديات التكنولوجيا أو حتى فرصها إلى فرق تقنية المعلومات لمعالجتها. غير أن هذا الميل إلى التفويض يحمل ثمنًا واضحًا. إذ غالبًا ما ينتهي الأمر بتفكير مُقيّد وتحسينات هامشية، بدل توظيف التقنية لفتح آفاق جديدة من القيمة. فعندما يُستبعد القائد عن فهم الإمكانات وحدودها، تُختزل التكنولوجيا في حلول ضيقة، ويُفقد التحول جوهره. أما حين يمتلك القائد هذا الفهم بنفسه، يصبح قادرًا على توجيه الذكاء الاصطناعي نحو إعادة تصميم العمل، لا الاكتفاء بتلميع ما هو قائم، وتحقيق قفزات حقيقية تتجاوز حدود التحسين التدريجي.
فهم محركات التشغيل لاستخلاص القيمة من التقنية
عندما يتعلّق الأمر باستخلاص القيمة من التقنية، فالمسألة لا تكون تقنية بحتة في أي مرحلة. فقادة المجالات يدركون أن تحقيق العائد الحقيقي من التكنولوجيا يتطلب دمج الأنظمة، ليس على المستوى التقني فقط، بل على المستوى التنظيمي أيضًا. فالقيمة لا تنشأ من أداة تعمل بمعزل، بل من منظومة متكاملة تتلاقى فيها العمليات والهياكل والأدوار مع الحلول التقنية. ومن هذا المنظور، يصبح التفكير على مستوى "النظام ككل" عنصرًا حاسمًا. فهو ما يمكّن القادة من إعادة توصيل أجزاء العمل ببعضها البعض، وتجاوز الحلول الجزئية، وإعادة تشكيل طريقة عمل المؤسسة من الداخل. وبدون هذا النوع من التفكير الشامل، تبقى المبادرات التقنية تحسينات موضعية، أما معه، فيتحول الذكاء الاصطناعي والتقنية إلى قوة قادرة على إعادة هندسة العمل وصناعة قيمة مستدامة تتجاوز حدود التجربة إلى تغيير فعلي في جوهر الأداء.
ويُلخّص "آدم بويد" هذه الفكرة بدقة عندما يشرح معادلة القيمة في تحولات البيانات والذكاء الاصطناعي بوصفها قائمة على ثلاثة أعمدة رئيسية تشمل: الأفراد، والبيانات، والتقنية. فالقيمة، من وجهة نظره، لا تولد من عنصر واحد معزول، بل من التقاء هذه العناصر ضمن منظومة واحدة تعمل بتناغم. ويضيف موضحًا أن القوة الحقيقية للتقنية تظهر عندما تعمل مع الأشخاص المناسبين لبناء أنظمة قادرة على التقاط مدخلات العملاء، ودمجها مع نماذج أفضل، ثم تحويلها إلى تجربة أكثر جودة وسلاسة. عند هذه النقطة تحديدًا، تنتقل التكنولوجيا من كونها أداة دعم إلى محرّك فعلي يرفع مستوى الخدمة، ويعيد تشكيل العلاقة مع العميل على أساس أذكى وأكثر فاعلية. ومن هنا، يتضح أن معادلة النجاح لا تكمن في الاستثمار في التقنية وحدها، بل في القدرة على جمع العقول والبيانات والأنظمة داخل إطار واحد متكامل، حيث تُدار القيمة بوصفها نتيجة لتكامل مدروس، لا حصيلة مبادرات منفصلة.
ويعبّر "مينو فان دير ويندن" عن القناعة نفسها من زاوية أخرى، مؤكدًا أن تطوير الحلول التقنية لا يعتمد على التقنية بحد ذاتها، بل على ما يحيط بها من عناصر حاسمة. فقد كان يدرك أن أي حل، مهما بدا متقدمًا، يفقد جدواه إن لم يحظَ بالتزام قيادي واضح من جانب الأعمال، وإن لم يستند إلى بيانات متاحة وذات جودة مقبولة. ولهذا، كان معيار الالتزام لديه صارمًا وواضحًا: لا حل دون حالة عمل مبررة، ولا مبادرة دون مالك تنفيذي رفيع من جهة الأعمال يتحمل مسؤوليتها، ولا تنفيذ دون بيانات جاهزة يمكن الاعتماد عليها. بهذا المنطق، تتحول التقنية من تجربة محتملة إلى قرار محسوب، ومن فكرة واعدة إلى مسار قابل للتنفيذ، حيث تُبنى القيمة على أساس متين يجمع القيادة والبيانات والتقنية في معادلة واحدة لا تقبل الاختزال.
وتفرض الطبيعة المكثفة والمتداخلة لتحولات البيانات والذكاء الاصطناعي مستوى أعلى بكثير من التعاون داخل المؤسسة. فهذه التحولات لا تُدار من داخل وظيفة واحدة، ولا تنجح بمنطق الجزر المنعزلة، بل تتطلب تفاعلًا مستمرًا بين مختلف الوحدات والتخصصات. وفي هذا الإطار، يجد قادة المجالات التشغيلية أنفسهم مطالبين بالعمل عن قرب مع قيادات متعددة عبر المؤسسة. أحيانًا يكون ذلك عبر إشراك خبرات المخاطر في وقت مبكر من تصميم الحلول، لضمان سلامتها واستدامتها، وأحيانًا أخرى عبر التعاون المباشر مع فرق الصفوف الأمامية للتأكد من تبنّي الحلول الجديدة وتحويلها إلى ممارسة فعلية. ومن خلال هذا الانخراط العابر للوظائف، يتحول التحول الرقمي من مشروع تقني إلى جهد مؤسسي متكامل، تتشارك فيه المسؤولية، وتتوزع فيه الأدوار، ويترسخ أثره في العمل اليومي لا في الخطط فقط.
وعلى المستوى التقني، ينعكس هذا المنظور الشمولي غالبًا في قدرة القائد على فهم البنية المعمارية للمؤسسة، تمامًا كما يفهم كثير من القادة الكبار بنية رأس المال أو هيكل المواهب. فالهندسة المؤسسية ليست تفصيلًا تقنيًا معزولًا، بل قرارًا استراتيجيًا تتحدد من خلاله قدرة المؤسسة على التوسّع، وبناء المرونة، وتحمّل الصدمات. ولهذا، تصبح القرارات المرتبطة بالبنية المعمارية عاملًا حاسمًا في تمكين العمل المشترك بين الوظائف المختلفة، وفي دعم مسارات العمل المتكاملة بشكل شامل. ومن دون هذا الفهم، يصعب تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة فعلية؛ إذ إن ما يصنع الأثر ليس الخوارزمية وحدها، بل الإطار الذي يسمح لها بالعمل عبر المؤسسة بسلاسة، ويحوّلها من حل موضعي إلى قدرة مؤسسية قابلة للتوسع والاستدامة.
القيادة الحقيقية تُمارَس لا تُفوض
في الواقع، لا بديل عن التعلّم من داخل العمل نفسه عندما يتعلّق الأمر ببناء ما أطلقنا عليه مصطلح "العضلة" المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. فمن البديهي أن يعتمد قادة الأعمال على خبرات التقنيين والمهندسين في حل المشكلات المعقّدة، غير أن هذا الاعتماد لا يعني الاكتفاء بالتفويض والابتعاد عن التفاصيل. فالقادة المتمكنون تقنيًا ينخرطون مع فرقهم في صميم العمل، ويقتربون من التفاصيل الدقيقة لتطوير الحلول، لا بدافع التدخل، بل بدافع الفهم والتوجيه. ومن خلال هذا الاحتكاك المباشر، تتحول المعرفة التقنية من مفهوم نظري إلى خبرة عملية، ويصبح بناء الحلول جهدًا مشتركًا يعزز جودة القرار، ويرفع من قدرة المؤسسة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة حقيقية على أرض الواقع.
وتؤكد "نيشا هاثي" أن بناء هذا الوعي التقني لا يتحقق بالاكتفاء بفهم نظري أو عناوين عامة، بل يتطلب انتقال القائد إلى مستوى عملي يلامس الواقع اليومي للتقنية. فالفارق الحقيقي يظهر عندما يصبح الفهم جزءًا من الممارسة، لا مجرد معرفة مفاهيمية. وتوضح أن هذا المستوى من التمكّن يعزّز "الحس القيادي" لدى القائد، ويمنحه قدرة سريعة على التمييز بين ما هو جوهري وما هو هامشي، وبين ما يستحق استثمار الجهد والوقت وما يمكن التعامل معه ببساطة. عندها، يصبح الحكم على البرامج التقنية والقضايا المرتبطة بها أكثر دقة، ويغدو القرار أسرع وأكثر اتزانًا، لأن القائد يفهم التعقيد حين يكون موجودًا، ويعرف متى لا يكون كذلك
ويساعد هذا الفهم العملي للتقنية على تجاوز إحدى أكثر المشكلات شيوعًا التي تربك كثيرًا من القيادات التنفيذية، وهي صعوبة تقييم مسار البرامج التقنية والحكم على مدى تقدمها. فكثير من القادة يجدون أنفسهم غير قادرين على معرفة ما إذا كان المشروع يسير في الاتجاه الصحيح أم لا، لا لغياب المؤشرات، بل لغياب الفهم الذي يمكّنهم من قراءة هذه المؤشرات في سياقها الصحيح. وعندما يغيب الاطلاع على التفاصيل العملية التي تحسم نجاح الحلول التقنية أو تعثرها، يصبح التقييم تقديريًا ومبهمًا. أما حين يمتلك القائد هذا الفهم، فإنه يقرأ التقدم بوضوح، ويميّز بين التعثر الطبيعي والتعقيد الحقيقي، ويستطيع التدخل في الوقت المناسب. وهنا، يتحول الحكم على البرامج التقنية من حالة قلق وضبابية إلى قدرة واعية على المتابعة والتوجيه، بما يضمن أن تبقى الجهود التقنية على المسار الذي يصنع القيمة لا يستهلكها.
وبما أن "نيشا هاثي" لم تأتِ من خلفية تقنية تقليدية، فقد اختارت أن تستثمر وقتها في العمل المباشر مع الفرق. فهي لم تكتفِ بالمتابعة من بعيد، بل شاركت في ورش التصميم، وتعمّقت في القضايا المطروحة، وفهمت تفاصيلها خطوة بخطوة. وخلال ذلك، عملت عن قرب مع المهندسين، وعلماء البيانات، وقادة التقنية، وخبراء المنتجات، لتكوين صورة واضحة عمّا يُنجَز فعليًا على أرض الواقع. هذا الاحتكاك العملي منحها فهمًا أعمق لما يجري خلف الكواليس، وهي بدورها انعكست على طريقة حديثها في دوائر القرار. فعندما كانت تنتقل إلى مجلس الإدارة، لم تكن تتحدث بلغة عامة أو وعود نظرية، بل بثقة ومصداقية مبنيتين على معرفة عملية. كانت قادرة على شرح كيف ستسهم استثمارات محددة في تمكين الفرق من بناء المنتجات والخدمات المطلوبة، ولماذا تستحق هذه الاستثمارات الدعم. وهنا، يتضح كيف يحوّل الانخراط العملي القائد من ناقل للرسائل إلى صاحب رؤية مقنعة، قادرة على ربط التقنية بالقيمة، والتنفيذ بالقرار.
الحس القيادي في اختيار المواهب التقنية
لطالما شكّلت المواهب عنصرًا حاسمًا في نجاح المؤسسات، غير أن هذا الدور يصبح أكثر حساسية حين يتعلّق الأمر بالمواهب التقنية. فقليل من القادة يدركون إلى أي حد يمكن لمهندس متميز أو معماري تقني بارع أن يصنع فارقًا مضاعفًا، قد يصل إلى عشرة أضعاف ما يقدمه أقرانه من قيمة وتأثير. ومن خلال خبرتنا العملية، تبيّن أن القادة الأكثر نجاحًا هم أولئك الذين يضعون قضايا الأفراد في صميم أولوياتهم. فهم يكرّسون جزءًا كبيرًا من وقتهم لأسئلة التوظيف، وبناء النماذج التشغيلية، وتهيئة البيئات التي تمكّن المواهب من الأداء بأفضل ما لديها. وعندما تُدار هذه الجوانب بوعي واهتمام، لا تتحول الكفاءات التقنية إلى مورد بشري فحسب، بل إلى محرّك حقيقي يضاعف القدرة على الابتكار والتنفيذ وصناعة القيمة المستدامة.
ويشمل ذلك قضاء وقت حقيقي مع مالكي المنتجات، ومهندسي البيانات، وعلماء البيانات، ومعماريي الحلول، ومتخصصي الذكاء الاصطناعي، لفهم ما الذي يميّز الأفضل بينهم فعلًا. فالقائد هنا لا يكتفي بالسير الذاتية أو المسميات الوظيفية، بل يختبر عمق الفهم وطريقة التفكير. فعلى سبيل المثال، هل يستطيعون شرح بنية الحل بوضوح، ولماذا اختير هذا المسار دون غيره؟ هل لديهم القدرة على استباق نقاط الضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات؟ وهل يمكنهم تتبّع تدفق البيانات وشرح كيف تنتقل عبر النظام وتُستخدم في كل مرحلة؟ هذه الأسئلة البسيطة في ظاهرها هي ما يكشف الفارق بين كفاءة تنفّذ التعليمات، وكفاءة تفهم النظام ككل، وتبني حلولًا متماسكة قادرة على الصمود والتوسع وصناعة قيمة حقيقية.
وترجمة هذا التوجه إلى واقع عملي تعني استثمار وقت وجهد كبيرين في أعمال قد لا تبدو جذابة في ظاهرها، لكنها حاسمة في أثرها. يبدأ ذلك ببناء حوافز واضحة من مكافآت ومؤشرات أداء تشجّع سلوكيات ونهج "الذكاء الاصطناعي أولًا"، وتربط التقدير بما يصنع القيمة فعلًا لا بما يُنجز شكليًا. وفي السياق نفسه، يتطلب الأمر فهمًا دقيقًا للمهارات اللازمة لبناء الحلول ذات الأولوية، ثم تصميم مسارات تعلّم مخصّصة تلبي هذه الاحتياجات تحديدًا، لا برامج عامة لا تُغيّر الواقع. ويكتمل هذا الجهد بإعادة التفكير في نماذج التعويض والمكافآت، بحيث تعكس طبيعة الأدوار الجديدة وقيمتها الفعلية. هكذا، لا يبقى التحول شعارًا، بل يتحول إلى منظومة متكاملة تُدار بالحوافز، وتُدعَم بالمهارات، وتُرسَّخ في طريقة العمل اليومية.
وسلّط "مينو فان دير ويندن" الضوء بشكل خاص على أهمية التدريب بوصفه عنصرًا حاسمًا في بناء القدرات. فمع تشكيل فرق جديدة للعمل على فرص مختلفة، لم يكن يكتفي بالبحث عن أفضل المهندسين، بل كان يركّز على تطويرهم وتمكينهم من استخدام التحليلات المتقدمة والعمل بفاعلية ضمن فرق متعددة التخصصات. ولتحقيق ذلك، اعتمد نهجًا عمليًا يقوم على نقل الخبرة داخل الفريق نفسه. فمع كل حالة استخدام جديدة، كان يضم إلى الفريق عددًا من الأفراد الذين سبق لهم خوض التجربة، ليعملوا جنبًا إلى جنب مع العناصر الجديدة. هذا التداخل لم يكن تفصيلًا تنظيميًا، بل آلية مقصودة لتراكم المعرفة وتعميق المهارات وتوسيع قاعدة القادرين على تنفيذ العمل. وبمرور الوقت، أثمر هذا النهج عن أثر واسع. إذ لم تقتصر الفائدة على فريق واحد أو مبادرة بعينها، بل امتدت لتشمل مئات الكفاءات. وفي المحصلة، نجح فريقه في تدريب أكثر من 500 مهندس، ما حوّل بناء المهارات من جهد محدود إلى قدرة مؤسسية متنامية، قادرة على الاستمرار والتوسع وصناعة القيمة على نطاق واسع.
التعامل مع الغموض وإدارة العمل خطوة بخطوة
وتُعدّ هذه النقطة من أصعب ما يواجه القيادات التنفيذية العليا، ولا سيما أولئك الذين يُقاس أداؤهم بقدرتهم على "تحقيق الأرقام" في المدى القصير. فعندما يخرج القائد من دائرة التحسينات التدريجية، ويبدأ فعليًا في إعادة تخيّل طريقة عمل المؤسسة من أساسها، يصبح الغموض جزءًا لا مفر منه من الطريق إلى الأمام. وهنا يبرز الفارق بين من يتوقف عند هذا الغموض، ومن يحسن إدارته. فالقادة القادرون على توظيف الذكاء الاصطناعي يتقنون العمل بمنهج المراحل المتتابعة، حيث يُقسَّم التحول إلى محطات واضحة، ويُربط كل استثمار بعائد اقتصادي ملموس، حتى وإن كان جزئيًا. ومع كل مرحلة، تُراجع الفرضيات، ويُعاد توجيه الجهود عند ظهور العوائق، دون فقدان الزخم أو الانحراف عن الهدف. وبهذا الأسلوب، لا يتحول الغموض إلى مصدر قلق، بل إلى مساحة حركة مدروسة. ويصبح التحول مسارًا مرنًا يجمع بين الطموح والانضباط، ويمنح القادة القدرة على التقدم بثقة، حتى في غياب صورة مكتملة، لأن القيمة تُبنى خطوة بعد أخرى، لا دفعة واحدة.
ولا ينبغي أن يكون فهم التكنولوجيا بحد ذاته هدفًا لقادة الأعمال، بل فهم كيفية العمل معها لصناعة القيمة هو الغاية الحقيقية. وقد يبدو هذا المسار مُربكًا في بدايته، لكنه قابل للتحقيق أكثر مما يُتوقع. ويؤكد ذلك "آدم بويد" حين يصف تجربته الشخصية، مشيرًا إلى أن منحنى التعلّم كان حادًا في الأشهر الأولى، لكنه بدأ بعد ستة أشهر فقط يشعر بثقة أكبر في قدرته على قيادة أعمال مكثفة تعتمد على التقنية. هذه التجربة تختصر الفكرة الأساسية وهي: التمكّن لا يأتي من الإحاطة بكل التفاصيل التقنية، بل من بناء فهم عملي يربط التكنولوجيا بالقرار، ويحوّلها إلى أداة فعّالة تقود التغيير وتُنتج قيمة ملموسة.
كيف تصنع الإدارة العُليا الجيل القادم من قادة المجالات التشغيلية
ومن بين جميع برامج رفع الجاهزية في الذكاء الاصطناعي التي قد تفكر المؤسسات في إطلاقها، يبرز مسار واحد بوصفه الأكثر استراتيجية وتأثيرًا، وهو بناء قادة متخصصين في إدارة المجالات التشغيلية قادرين على العمل بالتقنية، إلى جانب تمكين فريق الإدارة العليا نفسه. فهذه القدرة لا يمكن اختزالها في برنامج تدريبي عابر، ولا التعامل معها كمهارة تُستورد من الخارج، بل تُبنى من داخل المؤسسة وعلى مدى زمني مدروس. ويؤكد "مينو فان دير ويندن" هذه الفكرة حين يشير إلى أن قائد المجال لا يمكن تعيينه جاهزًا من السوق، لأن من يشغل هذا الدور يجب أن يعرف الشركة بعمق، ويفهم طبيعة أعمالها، ويملك خبرة حقيقية في مجالها. ولهذا، يصبح التحدي الحقيقي هو العثور على هؤلاء القادة داخل المنظمة نفسها، ثم الاستثمار في تطويرهم ورفع جاهزيتهم التقنية خطوة بعد أخرى. وعند النظر إلى واقع الشركات الكبرى، تتضح الصورة بشكل أدق. فغالبًا ما تضم المؤسسة الواحدة ما بين 15 إلى 30 عملية أعمال أساسية أو رحلة عميل محورية، لكل منها قائد وفريق يحيط به يمتلك مزيجًا مناسبًا من القدرات الوظيفية. وهذا يعني عمليًا أن المؤسسة تحتاج إلى ما يقارب 75 إلى 150 قائدًا من المستويين الثاني والثالث تحت الرئيس التنفيذي، ممن يمتلكون القدرة على قيادة هذه المجالات، وتحويل الذكاء الاصطناعي من مبادرات متفرقة إلى أثر واسع ومستدام يمتد عبر مختلف أجزاء العمل.
فكّر في اتخاذ ثلاث خطوات عملية تساعد على بناء قاعدة قوية من قادة المجالات داخل المؤسسة، خطوات لا تكتفي بالتنظير، بل تضع الأساس لتطوير قيادات قادرة على حمل التحول وصناعة القيمة على أرض الواقع:
-
ضع الأشخاص والحوافز المناسبة في مكانها الصحيح: ابدأ بتحديد العمليات الأساسية ورحلات العملاء التي تمتلك أعلى قابلية للتحول بالذكاء الاصطناعي، ثم اسأل نفسك بوضوح إن كانت القيادات الحالية هي الأنسب لقيادة هذا التحول. والأهم من ذلك، هل تمتلك هذه القيادات السمات القيادية التي جرى توضيحها سابقًا. في الواقع، من الشائع أن يتطلب الأمر تغيير ما يصل إلى 20 أو 30 في المئة من القيادات القائمة لإتاحة المجال لقيادات قادرة على حمل هذا الدور. وإذا لم تُتخذ قرارات صريحة بهذا الشأن، ستجد المؤسسة نفسها عالقة في شدٍّ مستمر مع ثقل التنظيم التقليدي، وما يرافقه من مقاومة تُبطئ التغيير وتُفرغ التحول من مضمونه قبل أن يبدأ.
ويؤكد "فيكرام سينها"، الرئيس التنفيذي لشركة "إندوسات أوريدو هاتشيسون"، أن التغيير الفعّال تحكمه معادلة واضحة تميل كفّتها إلى البشر قبل الأدوات. فبرأيه، لا تتجاوز الأدوات 10 في المئة من معادلة التحول، فيما تمثل المنصات نحو 20 في المئة، بينما يقع العبء الأكبر على الأشخاص بنسبة تصل إلى 70 في المئة. وانطلاقًا من هذا القناعة، قاد "سينها" التزامًا واسع النطاق لتحويل الشركة إلى مشغّل اتصالات قائم على الذكاء الاصطناعي في جوهره. وقد تجسّد ذلك في إطلاق برامج دورية لرفع جاهزية القيادات التنفيذية، شملت جلسات غامرة كل ثلاثة أشهر لأعضاء الإدارة العليا، إلى جانب مبادرة قيادية في الذكاء الاصطناعي استهدفت أعلى مئة مسؤول تنفيذي في الشركة. وتركّز هذه المبادرات على جانبين متلازمين، تعلّم الذكاء الاصطناعي نفسه، وبناء القدرة على القيادة في عصر يتشكل فيه القرار والأداء على إيقاع التقنية. وبهذا النهج، لا يُنظر إلى التحول بوصفه مشروع أدوات ومنصات، بل مسارًا لبناء قيادة قادرة على حمل الذكاء الاصطناعي من الفكرة إلى الممارسة، ومن الإمكان إلى الأثر المستدام.
-
أطلق برنامجًا استراتيجيًا لرفع المهارات: فبينما يُعدّ فهم إدارة المنتجات جزءًا مهمًا من مجموعة المهارات الجديدة، فإن دور قادة المجالات القادرين على العمل بالذكاء الاصطناعي أوسع وأكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فهؤلاء القادة لا يديرون منتجًا واحدًا أو مبادرة محدودة، بل يتحملون مسؤولية عملية أعمال متكاملة من بدايتها إلى نهايتها، يعمل ضمنها مئات أو حتى آلاف الموظفين في العمليات التشغيلية وخدمة العملاء. ومن هنا، لا يمكن حصر متطلبات هذا الدور في جانب واحد. إذ ينبغي أن تمتد المهارات الجديدة لتشمل إعادة هندسة العمليات، وفهم نماذج الذكاء الاصطناعي، وإدارة البيانات، وتقدير قيمة المواهب الهندسية، إضافة إلى قيادة التغيير داخل المؤسسة. ولهذا، يجب أن يعكس برنامج رفع المهارات هذا الاتساع في المسؤوليات، وأن يُصمَّم ليُنمّي قدرات القائد بصورة شاملة، تمكّنه من ربط التقنية بالعمل، والتنفيذ بالقيمة، والتحول بالواقع اليومي للمؤسسة.
ورغم أن البرامج التعليمية التقليدية تسهم في بناء أساس معرفي عبر هذه المجالات المختلفة، فإن تطوير مصطلح "العضلة" فعليًا لا يتحقق إلا من خلال الممارسة العملية المرتبطة بمشكلات حقيقية في الأعمال. فالتعلّم النظري يهيّئ القائد للفهم، لكنه لا يصنع القدرة على القيادة في مواقف معقّدة ومتغيرة. ولهذا، يصبح التطبيق العملي جزءًا لا غنى عنه من أي برنامج جاد لرفع الجاهزية. ويمكن تحقيق ذلك عبر العمل المباشر جنبًا إلى جنب مع شريك استشاري يشارك في حل التحديات الواقعية، أو من خلال اعتماد نموذج قيادة مزدوج يقوم على شراكة وثيقة بين قائد تقني وقائد أعمال أول، أو عبر تنفيذ مشروع تطبيقي حقيقي ضمن برنامج متقدم في الذكاء الاصطناعي. ومن خلال هذه المسارات، ينتقل التعلّم من قاعة التدريب إلى أرض الواقع، وتتحول المعرفة إلى خبرة، وتترسخ المهارات بوصفها قدرة عملية قابلة للتطبيق وصناعة القيمة.
- أصلِح نموذج التشغيل لتمكين وحدات الأعمال من قيادة التنفيذ: فمهما بلغ حجم الاستثمار في رفع المهارات، فلن ينجح التحول إذا ظل نموذج التشغيل غير مهيأ لدعم التنفيذ الفعلي. فالمشكلة لا تكون في الكفاءات وحدها، بل في الإطار الذي تعمل داخله هذه الكفاءات، وفي طريقة توزيع الأدوار واتخاذ القرار. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري دمج المواهب الهندسية داخل فرق تعمل تحت قيادة قادة المجالات أنفسهم، لا على هامشهم. فحين تكون الهندسة جزءًا من الفريق لا جهة منفصلة، تتسارع وتيرة التنفيذ ويصبح القرار أقرب إلى الواقع التشغيلي. ويتطلب ذلك أيضًا التحول في نموذج التمويل نحو ما يُعرف بالتمويل المستمر، حيث يُخصص إطار إنفاق لخارطة طريق كاملة بدل تمويل مشاريع منفصلة. هذا الأسلوب يمنح القادة مرونة أكبر في إعادة توجيه الموارد بحسب ما تفرضه الأولويات والتعلّم أثناء التنفيذ، بدل الارتهان لخطط جامدة. ويكتمل هذا التغيير بمواءمة أنظمة إدارة الأداء والحوافز مع مؤشرات الأداء المستهدفة في خارطة التحول. فعندما يُكافأ القادة والفرق على التحسينات الفعلية في النتائج، لا على الالتزام الشكلي بالخطة، يتحول نموذج التشغيل من عائق إلى رافعة، ويصبح التنفيذ بقيادة الأعمال واقعًا يوميًا لا شعارًا تنظيميًا.
وعندما تنجح المؤسسة في بناء قاعدة قوية من قادة المجالات التشغيلية القادرين على العمل بالذكاء الاصطناعي، فإنها تكتسب ميزة تنافسية حقيقية يصعب تقليدها. فهؤلاء القادة لا يمكن استنساخهم بسهولة، لأنهم يجمعون بين معرفة عميقة بطبيعة أعمال الشركة نفسها، وفهم عملي للتقنية والبيانات والذكاء الاصطناعي. ومن هذا المزيج تحديدًا تنبع قوتهم. فهم ليسوا خبراء تقنية منفصلين عن الواقع، ولا قادة أعمال يعتمدون على غيرهم في الفهم والتنفيذ، بل محركو تحول قادرون على ربط المعرفة المتخصصة بالتنفيذ، وتحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة تغيّر طريقة العمل وتعيد تشكيل القيمة داخل المؤسسة بشكل يصعب على المنافسين اللحاق به.