ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
على مرّ العقود، اعتاد الموظفون في مستهل مسيرتهم المهنية أداء مهام روتينية محدودة المخاطر تدعم العمل اليومي. ورغم بساطة هذه المهام، فإنها كانت تمثل خطوةً أساسية في رحلة تعلمهم؛ إذ أتاحت لهم متابعة أصحاب الخبرة، وفهم كيفية التعامل مع المواقف المختلفة، واكتساب المهارات التي تؤهلهم لتولي أدوار أكبر. ولعل مسيرة "بيغي أولسن" في مسلسل "ماد مِن" خير مثالٍ على ذلك؛ إذ بدأت كمساعدةٍ مبتدئة، ثم تطورت مهاراتها تحت توجيه "دون دريبر"، حتى أصبحت تقود قسم كتابة الإعلانات في إحدى الوكالات. ومن خلال مشاركتها في تفاصيل العمل اليومية، تابعت عن قربٍ كيف يفكر أصحاب الخبرة ويتخذون قراراتهم، حتى أصبحت قادرةً على تقييم المواقف واتخاذ قراراتها بنفسها بثقةٍ واستقلالية.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
أما اليوم، فقد أصبحت تقنيات الأتمتة والذكاء الاصطناعي تنجز جزءًا كبيرًا من هذه المهام، أو تساعد الموظفين على إتمامها بسرعةٍ وكفاءةٍ أكبر، ومنها البحث، والتوثيق، ومراجعة البيانات وتصحيحها، والبرمجة الأساسية، والتحليل الأولي. ومع تراجع اعتماد المؤسسات على الموظفين الجدد في أداء هذه الأعمال، تتقلص أيضًا فرصهم في التعلم من خلال الممارسة؛ فهي ليست مجرد مهامٍ روتينية، وإنما وسيلةً لاكتساب الخبرة، وتعلّم تقييم المواقف واتخاذ القرارات، وإثبات قدرتهم على تحمل مسؤولياتٍ أكبر.
ولا يقتصر أثر هذا التغير على فرص التعلم واكتساب الخبرة، بل يمتد أيضًا إلى شعور الموظفين بالأمان تجاه مستقبلهم المهني. فقد أظهر تقرير "المرأة في مكان العمل" لعام 2025، الصادر عن "ماكنزي" بالتعاون مع منظمة "LeanIn.Org" العالمية غير الربحية والمعنية بدعم المرأة في بيئة العمل، أن الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية، ولا سيما النساء، كانوا الأكثر قلقًا بين مختلف الفئات العمرية من تأثير الذكاء الاصطناعي في وظائفهم. وامتدت هذه المخاوف إلى الخريجين الذين يستعدون لدخول سوق العمل؛ إذ ارتفعت نسبة المتشائمين بشأن فرص بدء مسيرتهم المهنية من 46 في المائة إلى 62 في المائة خلال عامين فقط. كما أرجع ثلاثة أرباعهم هذا التشاؤم إلى تراجع إقبال الشركات على توظيف المبتدئين منهم. 1
ولا تبدو هذه المخاوف بعيدةً عن واقع سوق العمل؛ إذ لم يتضح بعد مستقبل الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية بالكامل، إلا أن المؤشرات الأولية تشير إلى تراجع الفرص المتاحة أمامهم. فمنذ عام 2019، ارتفع معدل البطالة بين خريجي الجامعات الجدد في الولايات المتحدة، في الوقت الذي انخفض فيه عدد الوظائف المخصصة للمبتدئين، ولا سيما في المهن التي تتأثر بدرجةٍ أكبر باستخدام الذكاء الاصطناعي. وفي الربع الأول من عام 2026، بلغ معدل البطالة بين الخريجين الجدد نحو 5.7 في المائة، بينما كان نحو أربعة من كل عشرة منهم يعملون في وظائف لا تتطلب عادةً الحصول على شهادةٍ جامعية. 2 كما أظهرت دراسةٌ أجراها مختبر ستانفورد للاقتصاد الرقمي أن معدلات التوظيف بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم من 22 إلى 25 عامًا في المهن الأكثر تأثرًا بالذكاء الاصطناعي انخفضت بنسبة 16 في المائة مقارنةً بغيرهم، حتى بعد استبعاد تأثير الظروف الخاصة بكل شركة. 3
ومع ذلك، لا تكفي هذه المؤشرات وحدها للجزم بأن الذكاء الاصطناعي هو السبب المباشر وراء تراجع فرص الخريجين الجدد. إذ يرى عددٌ من خبراء بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أن جزءًا كبيرًا من ارتفاع معدل البطالة بين هذه الفئة يعود إلى انتشار العمل عن بُعد، مما جعل تدريب الموظفين المبتدئين أكثر صعوبة، وقلّل فرصهم في التعلم من خلال الاحتكاك اليومي بأصحاب الخبرة. ومن ناحيةٍ أخرى، لم يجد "مختبر الميزانية" بجامعة "ييل" حتى الآن دليلًا واضحًا على تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل ككل، إلا أنه رصد اتساع الفجوة في فرص التوظيف بين الخريجين الأصغر سنًا ونظرائهم الأكبر سنًا، وهو ما يشير إلى أن أثر هذه التقنيات، إن وُجد، قد يظهر أولًا لدى من هم في بداية مسيرتهم المهنية. 4
وسواء كان تراجع فرص الموظفين الجدد في التعلّم واكتساب الخبرة ناتجًا عن استخدام الذكاء الاصطناعي أو انتشار العمل عن بُعد، فإن النتيجة بالنسبة للمؤسسات واحدة؛ إذ لم تعد الوسائل التي اعتمدت عليها في إعداد الموظفين المبتدئين وتمكينهم من اكتساب الخبرة تحقق مستوى الفاعلية الذي كانت تحققه في السابق. ويعني ذلك أن الوظائف والمهام التي مثّلت نقطة الانطلاق لهؤلاء الموظفين، وأتاحت لهم اكتساب أولى خبراتهم العملية، باتت تتقلص، بالتزامن مع تغير طبيعة العمل والأدوار التي يؤدونها في سنواتهم المهنية الأولى.
ورغم ما يحيط بهذه المرحلة من غموض، فإنها تتيح للمؤسسات فرصةً لإعادة النظر في الطريقة التي تبني بها خبرات موظفيها. فمع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي لطريقة إنجاز العمل، لم يعد السؤال يتعلق بعدد الموظفين المبتدئين الذين ينبغي تعيينهم، وإنما بطبيعة الأدوار التي سيؤدونها. ويمكن للمؤسسات الاستفادة من هذا التغير في أساليب العمل لإعادة تصميم الأدوار والمهام التي يتولاها الموظفون المبتدئون، بحيث تصبح أساسًا لبناء الخبرة في بيئةٍ مدعومةٍ بالذكاء الاصطناعي، وتمكّنهم من الإسهام في تصميم أنظمته وتطويرها وتوجيهها، بدلًا من الاكتفاء باستخدامها.
وفي هذه المقالة، نستعرض نهجًا يقوم على أربعة عناصر رئيسية تساعد المؤسسات على إعداد الموظفين للعمل وفق هذا النموذج الجديد. وتشمل هذه العناصر توثيق خبرات العاملين داخل المؤسسة وتنظيمها بما يتيح الاستفادة منها، وإعادة تصميم الأدوار والمهام التي يتولاها الموظفون، وإتاحة فرص التعلّم أثناء أداء العمل، إلى جانب توجيه المديرين للموظفين ومتابعة تطورهم باستمرار. ومن خلال تطبيق هذه العناصر بصورةٍ مدروسة، تستطيع المؤسسات مساعدة موظفيها على اكتساب الخبرة وصقل مهاراتهم في اتخاذ القرارات، وإعدادهم للتعامل مع مشكلاتٍ أكثر أهمية، بما يدعم تطورهم المهني، ويعزز أداء المؤسسة على المدى الطويل.
الموظفون الجدد أساس خبرات المؤسسات وقياداتها المستقبلية
يؤدي الموظفون في بداية مسيرتهم المهنية دورًا أساسيًا في تجديد الكفاءات داخل المؤسسات؛ إذ يضيفون أفكارًا جديدة وأساليب مختلفة في حل المشكلات، بما يدعم النمو وتطوير الأعمال. ومن خلال العمل إلى جانب زملائهم الأكثر خبرة، يتعلمون منهم، ويبنون علاقاتٍ مهنيةً تسهم في ترسيخ ثقافة المؤسسة. ومع مرور الوقت، وتراكم الخبرات، ينتقل هؤلاء الموظفون إلى المناصب الإدارية والقيادية، لتستمر دورة إعداد الكفاءات جيلًا بعد جيل.
ورغم أن إعداد أجيالٍ متعاقبة من الكفاءات ليس تحديًا مستحدثًا أمام المؤسسات، فإن الحفاظ على هذه الدورة أصبح أكثر صعوبةً مع انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي في الوظائف التي تعتمد على التفكير والتحليل والخبرة. وقد أشار كلٌّ من "مارك روسينوفيتش" و "سكوت هانسلمان"، وهما من كبار مسؤولي الهندسة في "مايكروسوفت"، إلى أن أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ترفع إنتاجية المهندسين ذوي الخبرة، لكنها في المقابل تحدّ من قدرة المطورين المبتدئين على الاستفادة منها؛ لأنهم لم يكتسبوا بعد الخبرة اللازمة لتوجيه مخرجاتها والتحقق من دقتها. وقد يدفع هذا التفاوت المؤسسات إلى تفضيل توظيف أصحاب الخبرة، وأتمتة المهام التي كان يتولاها الموظفون المبتدئون، وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف القاعدة التي تعتمد عليها المؤسسة في إعداد خبرائها وقادتها المستقبليين. ولهذا يدعو الكاتبان المؤسسات إلى مواصلة توظيف المبتدئين، حتى وإن تطلب تدريبهم في البداية وقتًا وجهدًا يؤثران مؤقتًا في القدرة الإنتاجية، مع جعل تطويرهم المهني هدفًا مؤسسيًا واضحًا. 5
وتؤكد نتائج استطلاع "ماكنزي" صحة هذا التوجه؛ إذ تشير إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بدأ بالفعل يقلل حاجة بعض المؤسسات إلى توظيف المبتدئين وأصحاب الخبرة المحدودة "الشكل 1".
ومع ذلك، لم يدفع هذا التحول جميع المؤسسات إلى التراجع عن الاستثمار في الكفاءات الجديدة. فقد أكدت كثيرٌ من القيادات التنفيذية التي تحدثت إليها "ماكنزي" تمسكها بمواصلة توظيف الجيل الجديد من الكفاءات وتدريبه، حتى وإن كانت الأعداد أقل من السابق. بل إن بعض المؤسسات حافظت على معدلات التوظيف نفسها، ويُعد "بنك أوف أمريكا" مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ يعتزم خلال عام 2026 استقطاب نحو 4000 من المتدربين الصيفيين والخريجين الجدد لشغل وظائف بدوامٍ كامل، وهو عددٌ مماثلٌ لما سجّله في العام الماضي. ويختار البنك هذه الكفاءات من بين طلاب وخريجي أكثر من 500 مؤسسةٍ تعليمية. كما يعيد تصميم الأدوار التي سيتولونها منذ اليوم الأول بما يتناسب مع بيئة العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ضمن نهجٍ وصفه كبير مسؤولي الموارد البشرية بأنه "مدروس وطويل الأمد".6
ولا يتوقف هذا التوجه على عددٍ محدود من المؤسسات؛ فقد أظهر استطلاعٌ أُجري في مارس 2026، وشمل نحو 1500 من القيادات التنفيذية وكبار مسؤولي إدارة المواهب والموارد البشرية، أن نسبة من توقعوا أن يسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة توظيف المبتدئين خلال العام بلغت قرابة ثلاثة أمثال نسبة من توقعوا تراجعه. ومع ذلك، كشفت النتائج عن تحدٍ آخر؛ إذ أفاد ثلث أصحاب الأعمال بأن استخدام هذه التقنيات أدى بالفعل إلى تقليص المهام الأساسية التي كان الموظفون الجدد يعتمدون عليها في اكتساب الخبرة وتطوير مهاراتهم. 7
ومع تغيّر طبيعة المهام بفعل الذكاء الاصطناعي، تتبدل أيضًا نوعية المهارات التي تبحث عنها المؤسسات لدى الموظفين الجدد؛ إذ أصبحت تفضّل كوادر تمتلك منذ البداية معرفةً كافية لفهم البيانات التفصيلية التي تنتجها هذه التقنيات، وتوجيه وكلاء الذكاء الاصطناعي والتحقق من نتائج عملهم. وفي ظل هذا الواقع، يتعين على القيادات وضع استراتيجيةٍ واضحة لإعداد هؤلاء الموظفين، ترتكز على أربعة محاور رئيسية.
المحور الأول: توثيق الخبرات والاستفادة منها
كي تتمكن المؤسسات من بناء جيلٍ جديد من الخبراء، وتطوير آليات عملٍ فعالة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، لا يكفي أن توظف أشخاصًا جيدين، بل يجب أولًا أن تستفيد مما تمتلكه من خبرات ومعارف متراكمة، وأن تحولها إلى بياناتٍ عالية الجودة يمكن الاعتماد عليها والاستفادة منها في مهام العمل اليومية.
ويبدأ ذلك بتوثيق خبرات الموظفين الأكثر كفاءة بطريقةٍ توضح كيف يفكرون، وكيف يتخذون قراراتهم، وما العوامل التي يضعونها في الاعتبار، وكيف يستفيدون من تجاربهم السابقة عند التعامل مع المواقف المختلفة. ثم تُنظم هذه المعلومات في صورة بياناتٍ دقيقة وحالاتٍ عملية وتصنيفاتٍ واضحة، بما يتيح لنماذج اللغة الكبيرة الوصول إليها والاستفادة منها.
ويمكن توضيح ذلك من خلال مثالٍ لمحامٍ مبتدئ يعمل على إعداد عقدٍ لصفقة اندماجٍ أو استحواذ. فبدلًا من البحث يدويًا بين آلاف العقود السابقة، يستطيع النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي تحديد العقود الأكثر تشابهًا مع الصفقة الحالية، وعرض البنود التي اختارها كبار الشركاء في حالاتٍ مماثلة، وشرح أسباب اختيارهم لها، والبدائل التي درسوها قبل اتخاذ القرار. وبهذه الطريقة، لا يساعد النظام المحامي على إعداد العقد بسرعةٍ أكبر فحسب، وإنما يتيح له أيضًا فهم طريقة تفكير الخبراء واكتساب المعرفة أثناء أداء عمله.
لكن يبقى سؤالٌ مهم: أي الخبرات ينبغي للمؤسسة الاعتماد عليها عند بناء هذه القاعدة المعرفية؟ فعلى سبيل المثال، قد يوثق مهندسٌ أمضى ثلاث سنواتٍ في شركةٍ هندسية تجربته في أحد المشروعات بدقةٍ ووضوح، في حين يستطيع مسؤولٌ تنفيذيٌ عمل لعقود وشارك في عشرات المشروعات أن يقدم رؤيةً أوسع تكشف الأنماط المتكررة بين هذه المشروعات، والنتائج المحتملة لكل خيار، والآثار بعيدة المدى للقرارات. ورغم أهمية ما يقدمه الطرفان، فإن القيمة التي يحملها كلٌّ منهما ليست متساوية. ولهذا، تحتاج المؤسسات إلى وضع معايير واضحة تحدد الخبرات التي تستحق أن تصبح جزءًا من قاعدتها المعرفية، وتميز بين المعرفة المستمدة من تجربةٍ محدودة، والحكم المهني الذي تكوّن عبر سنواتٍ طويلة من العمل.
كما يجب أن تنعكس هذه المعايير على طريقة اختيار المعلومات وإتاحتها، بحيث تُمنح الأولوية للخبرات الأعمق، والنتائج الناجحة التي تكررت في أكثر من حالة، والممارسات التي أثبتت فاعليتها في سياقاتٍ مختلفة. وبذلك، يستفيد الموظفون الجدد وأدوات الذكاء الاصطناعي من أكثر الخبرات موثوقية، بدلًا من الاعتماد على كل ما جرى توثيقه من دون تمييز.
غير أن بناء هذه القاعدة المعرفية لا يكتمل بمجرد جمع المعلومات وتنظيمها، بل يتطلب مراجعة محتواها وتحديثه باستمرار لضمان دقته وموثوقيته، مع ضرورة تحديد الجهة أو الشخص المسؤول عن إدارتها والحفاظ على جودتها. وبهذه المراجعة المستمرة، تظل القاعدة مصدرًا موثوقًا للمعرفة، يساعد المؤسسة على تحديد الممارسات التي تحقق أفضل النتائج وإضافة ما تتوصل إليه من خبراتٍ جديدة. كما يتيح للموظفين الأقل خبرة التعلم من تجارب زملائهم، وتحسين قدرتهم على اتخاذ القرار، والاستعداد لتولي مهام أكثر تعقيدًا في مرحلةٍ مبكرة من مسيرتهم المهنية.
المحور الثاني: إعادة تصميم مهام المبتدئين باستخدام نموذج "التعلم بالمقارنة"
مع تزايد اعتماد المؤسسات على الذكاء الاصطناعي ووكلائه في تنفيذ جانبٍ أكبر من المهام اليومية، أصبح من الضروري إعادة النظر في أدوار الموظفين المبتدئين، بدلًا من حصرهم في الأعمال الروتينية التي باتت هذه التقنيات قادرةً على إنجازها بسرعةٍ وكفاءة. وذلك من خلال إعادة تصميم هذه الأدوار بحيث يشارك الموظفون الجدد في توجيه الذكاء الاصطناعي، ومراجعة مخرجاته، وتحسينها، والتعلم من طريقة عمله. وبهذه الطريقة، تحقق المؤسسات هدفين في الوقت نفسه؛ تستفيد من الذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية، وتواصل في المقابل إعداد جيلٍ جديد من الخبراء.
وفي بيئات العمل المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، لا يعتمد الهدف الرئيسي على إتقان الموظف تنفيذ المهام، بل أصبح الأهم أن يكون قادرًا على تقييم مخرجات هذه التقنيات واتخاذ القرار المناسب بشأنها؛ فهو يحتاج إلى معرفة متى يمكن الوثوق بهذه المخرجات والاعتماد عليها، ومتى ينبغي مراجعتها أو التشكيك فيها، ومتى يكون من الأفضل تجاوزها واتخاذ قرارٍ مختلف. وعندما تنظّم المؤسسة خبراتها وفق آليةٍ واضحة، وتحدد أدوار الموظفين بدقة، يصبح بإمكان العاملين المبتدئين الاستفادة من هذه الخبرات في مرحلةٍ مبكرة، وتوظيفها بما يتناسب مع كل موقف.
وفي هذا السياق، يوضح "مات بين" في كتابه "شفرة المهارة"8 أن الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية يكتسبون مهاراتهم من خلال الممارسة الفعلية؛ إذ يواجهون تحدياتٍ حقيقية، ويتولون مهام تتدرج في مستوى صعوبتها، ويعملون مع أصحاب الخبرة ليتعلموا طريقة تفكيرهم وكيفية تعاملهم مع المواقف المختلفة. غير أن كثيرًا من هذه الفرص بدأ يتراجع مع تولي الذكاء الاصطناعي تنفيذ الأعمال الروتينية التي كانت تتيح لهم اكتساب الخبرة العملية.
ولتعويض تراجع هذه الفرص، يمكن للمؤسسات إعادة تنظيم أدوار الموظفين المبتدئين مما تتيح لهم اكتساب الخبرة من خلال تدريبٍ عمليٍ منظم، يجمع بين تنفيذ المهام بأنفسهم والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مراجعة النتائج وتحسينها. وذلك من خلال إسناد مهام منخفضة المخاطر إليهم، ومنحهم فرصة تنفيذها بأنفسهم، مع تلقي توجيه عملي منتظم من الموظفين الأكثر خبرة، يساعدهم على تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي، ومراجعتها وتطويرها. كما بدأت بعض المؤسسات في وضع مساراتٍ تدريبيةٍ واضحة، يتدرج فيها الموظف عبر مهامٍ محددةٍ تجمع بين العمل البشري ومساعدة الذكاء الاصطناعي، بينما تعتمد مؤسساتٌ أخرى أسلوبًا يقوم على إنجاز الموظف للمهمة أولًا، ثم مقارنة عمله بالنتائج التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، والاستفادة من الفروق بينهما بوصفها وسيلةً للتعلم.
ولتبسيط الفكرة، يمكن وصف هذا الأسلوب بنموذج "التعلم بالمقارنة"؛ حيث ينفذ الموظف المهمة أولًا، ثم يقارن عمله بما يقدمه الذكاء الاصطناعي، قبل أن يناقش مع مديره أوجه الاختلاف بين النتيجتين وأسبابها والدروس المستفادة منها. وبهذا، يصبح الذكاء الاصطناعي أداةً تدعم تطور الموظف من خلال تزويده بملاحظاتٍ سريعة تساعده على تطوير أدائه، دون أن تغنيه عن خوض التجربة العملية بنفسه.
ومن الأمثلة التي توضح كيفية تطبيق نموذج "التعلم بالمقارنة" تجربة إحدى شركات التطوير العقاري، التي استعانت بأحد وكلاء الذكاء الاصطناعي لإجراء تقييماتٍ شاملة لمختلف الأسواق العقارية. وعلى الرغم من قدرته على تقديم تحليلاتٍ تتناول جوانب قد يصعب على الموظف المبتدئ الإحاطة بها بمفرده، حرصت الشركة على أن يُعِد الموظفون الجدد تقييماتهم بأنفسهم أولًا؛ فكانوا يزورون الأحياء، ويدرسون خصائصها وحركة المرور فيها، ثم يكوّنون رأيًا مستقلًا. وبعد ذلك، يقارنون ما توصلوا إليه بنتائج الذكاء الاصطناعي، ليتعرفوا على الجوانب التي لم ينتبهوا إليها، ويفهموا أسباب الاختلاف بين التقييمين. وبهذا، يصبح الذكاء الاصطناعي أداةً تدعم تعلمهم، لا سيما في بداية مسيرتهم المهنية، بدلًا من أن يحل محل الخبرة التي يكتسبونها تدريجيًا.
ولا يقتصر أسلوب المقارنة بين ما ينجزه الإنسان وما يقدمه الذكاء الاصطناعي على بيئات العمل؛ فقد أثبتت تطبيقاته في مجالاتٍ أخرى أن طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي هي التي تحدد مدى فائدته في التعلم. فقد أظهرت إحدى الدراسات السريرية أن إتاحة نموذج الذكاء الاصطناعي للأطباء، من دون تغيير الطريقة التي يتعلمون بها، لم تؤدِّ إلى تحسنٍ ملحوظٍ في أدائهم التشخيصي. في المقابل، عندما شخّص الأطباء الحالات بأنفسهم أولًا، ثم قارنوا طريقة تفكيرهم وتحليلهم بما يقدمه نموذج الذكاء الاصطناعي، تحسن أداؤهم في التشخيص حتى وصل إلى مستوى أداء النموذج عند استخدامه بمفرده.9
وتتضح الفكرة نفسها من زاويةٍ أخرى؛ فعندما يعتمد الموظفون على الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنجاز مهامٍ متخصصة لا يمتلكون المهارات اللازمة لأدائها بأنفسهم، فإن قدرتهم على تنفيذ هذه المهام تتراجع عند غياب هذه الأدوات. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد يساعدهم على إنجاز العمل والوصول إلى نتائج أفضل، لكنه لا يضمن اكتساب الخبرة اللازمة لأداء هذه المهام دون الاعتماد عليه. أما عندما يستخدمونه للمقارنة والمراجعة والتعلم من الفروق بين أدائهم ومخرجاته، فإن ذلك يساعدهم على تطوير مهاراتهم تدريجيًا. ومع ذلك، قد يكون هذا الأسلوب مرهقًا للموظفين المبتدئين؛ لأنه يتطلب قدرًا أكبر من التركيز والتفكير، لذلك ينبغي تطبيقه تدريجيًا وبطريقةٍ مدروسة. 10
ولإتاحة هذا النوع من التعلم من دون تعريض العمل الفعلي للمخاطر، أنشأت مؤسساتٌ عديدة بيئاتٍ تدريبيةٍ آمنة تحاكي ما قد يواجهه الموظفون في عملهم. ومن بينها "بنك أوف أمريكا"، الذي يتيح للمتدربين منذ يومهم الأول أدواتٍ تعتمد على الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تدريباتٍ عمليةٍ تتناسب مع طبيعة أدوارهم. وتهدف هذه التجربة إلى تعويض جانبٍ من الخبرة التي كان المصرفيون المبتدئون يكتسبونها سابقًا من خلال تنفيذ المهام اليومية بأنفسهم.
وفي هذا السياق، يوضح "جوش برونشتاين"، رئيس إدارة المواهب العالمية في البنك، أن الهدف هو مساعدة الموظفين على اكتساب هذه الخبرات في وقتٍ أقصر، حتى يطوروا قدرتهم على فهم المواقف واتخاذ القرارات المناسبة. ففي السابق، كان الموظفون يكتسبون هذه القدرة خلال أول عامين من عملهم عبر تنفيذ عددٍ من المهام بأنفسهم، قبل أن تبدأ التقنيات الحديثة في تولي جانبٍ منها. 11 ولتحقيق ذلك، يتدرب الموظفون في بيئات محاكاةٍ داخلية، أو من خلال العمل مع منظماتٍ غير ربحية، قبل تكليفهم بمهام ومسؤولياتٍ أكبر. وتزداد أهمية هذا التدريب مع بدء الموظفين المبتدئين في تحديد المهام التي يؤديها وكلاء الذكاء الاصطناعي وتوجيه طريقة عملهم، لأن سرعة هؤلاء الوكلاء في تنفيذ المهام واتخاذ الإجراءات تجعل توجيههم بدقةٍ أمرًا بالغ الأهمية.
وبذلك، لم تعد وظائف المبتدئين تركّز فقط على تنفيذ المهام، وإنما أصبحت تهتم أيضًا بتعليمهم كيفية العمل في بيئاتٍ تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مما يعزز قدرتهم على التكيف مع أساليب العمل الجديدة، والتفكير النقدي، وفهم المواقف واتخاذ القرارات المناسبة، إلى جانب الإشراف على الأنظمة الذكية ومتابعة أدائها، بدلًا من الاكتفاء بتنفيذ المهام الروتينية.
وفي الوقت نفسه، بدأت بعض المؤسسات في تطوير طبيعة المهام الوظيفية الموكلة للمبتدئين. فبدلًا من حصرهم في تخصصاتٍ ضيقة ومهامٍ محددة، أصبحت تمنحهم مسؤولياتٍ أوسع تساعدهم على فهم مراحل العمل المختلفة، والاضطلاع بمسؤولياتٍ أكثر تنوعًا.12 فعلى سبيل المثال، قد تفضل إحدى الشركات تعيين موظفٍ يمتلك خبرةً في المبيعات والتسويق والجوانب التجارية، بدلًا من أن يقتصر دوره على تحليل بيانات المبيعات وحدها، مما يمنحه مرونةً أكبر في التعامل مع مختلف المشكلات ومتطلبات العمل، ويهيئه لتحمل مسؤولياتٍ أوسع مع تقدم مسيرته المهنية.
المحور الثالث: التعلّم أثناء أداء العمل
يتيح الذكاء الاصطناعي للمؤسسات أسلوبًا جديدًا لتطوير موظفيها أثناء العمل، من خلال مساعدتهم على التعلم وتحسين أدائهم خلال تنفيذ مهامهم اليومية. ويعتمد هذا الأسلوب على تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي ووكلائه بالاستفادة من خبرات الموظفين الأعلى أداءً داخل المؤسسة، حتى تنقل هذه الأنظمة خبراتهم إلى زملائهم وتساعدهم على إنجاز مهامهم بكفاءةٍ أكبر. ويمكن قياس مدى تقدم الموظف من خلال نموذج "التعلم بالمقارنة"؛ حيث يقوم بتنفيذ المهمة بنفسه أولًا، ثم يقارن نتيجته بما يقدمه الذكاء الاصطناعي. وتساعده هذه المقارنة على تحديد الجوانب التي تحتاج إلى مزيدٍ من التحسين، وكلما تقلص الفارق بين النتيجتين بمرور الوقت، دلّ ذلك على تطور قدرات الموظف على فهم المواقف واتخاذ القرارات المناسبة. وبهذه الطريقة، يتعلم من خلال الممارسة اليومية، فيما يساعده الذكاء الاصطناعي على مراجعة أدائه وتطويره.
ومع توسع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي في تنفيذ المهام الروتينية، ينصبُّ تركيز الموظفين، بمن فيهم المبتدئون، على الأعمال التي تتطلب التفكير والحكم البشري، مثل تفسير النتائج التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، والمفاضلة بين الحلول المتاحة، والاستفادة من الخبرات السابقة للوصول إلى قراراتٍ أفضل. وبذلك، يتغير مفهوم إنتاجية الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية، ليرتبط بدرجةٍ أكبر بالقيمة التي يضيفونها من خلال الفهم والتحليل وحسن اتخاذ القرار. ويعتمد نجاح هذا الأسلوب على توفير الدعم المستمر للموظف أثناء العمل. ولتحقيق أفضل استفادةٍ من هذا الأسلوب، يحتاج الموظف إلى دعمٍ تقنيٍ وبشريٍ في آنٍ واحد. فتقدم له أدوات الذكاء الاصطناعي ملاحظاتٍ فورية تساعده على متابعة خطوات العمل، واكتشاف المشكلات مبكرًا، بينما يركز مديره على مناقشة طريقة تفكيره، ومساعدته على فهم الأسباب التي استند إليها في قراراته.
ويأخذ هذا الدعم أشكالًا مختلفة بحسب الطريقة التي تختارها كل مؤسسةٍ لتأهيل موظفيها الجدد. فبعض المؤسسات تخصص لهم في بداية مسيرتهم المهنية فترة إعدادٍ قصيرة، يتلقون خلالها تدريبًا منظمًا وتجارب تحاكي مواقف العمل الحقيقية قبل تولي مسؤولياتهم الفعلية. بينما تفضل مؤسساتٌ أخرى إشراكهم بشكلٍ أسرع في المهام الحقيقية، مع توفير الملاحظات المستمرة من أدوات الذكاء الاصطناعي وتوجيهات المديرين. وفي الحالتين، يبدأ الموظفون الإسهام في العمل منذ البداية، ويتعلمون من خلال الممارسة، فيما يساعدهم الذكاء الاصطناعي على اكتساب الخبرة في وقتٍ أقصر، وإثبات قدرتهم على تحمل مسؤولياتٍ أكبر، ونيل ثقة المؤسسة.
وتظهر فاعلية هذا النهج بوضوحٍ في نتائج عددٍ من التجارب التعليمية؛ إذ كشفت إحدى التجارب أن طلاب السنة الأولى بكلية الطب، الذين أجابوا على مدار خمسة أيامٍ عن أسئلةٍ أعدّها الذكاء الاصطناعي حول حالاتٍ مرضية، وتلقوا خلالها ملاحظاتٍ آلية مخصصة، حققوا نتائج أفضل من طلاب السنة الثانية في الاختبار التشخيصي نفسه، رغم أن هؤلاء يسبقونهم بعامٍ كامل من التدريب. واستمر هذا التفوق حتى بعد مرور أسبوعين، مما يشير إلى أن هذا النهج يسهم في بناء مهاراتٍ حقيقيةٍ مستدامة، بدلًا من الاعتماد على قدراتٍ مؤقتةٍ توفرها أدوات الذكاء الاصطناعي. 13 وفي تطبيقٍ أكثر تقدمًا لهذا النموذج، تستخدم جامعة "ستانفورد" روبوت محادثة يؤدي دور المريض، بينما يجري الطالب المقابلة، ويحدد التشخيص، ويشرح الأسباب التي استند إليها، قبل أن يوضح له النظام في النهاية نقاط القوة والجوانب التي تحتاج إلى تحسينٍ في طريقة تفكيره. 14
المحور الرابع: توجيه المديرين للموظفين ومتابعة تطورهم باستمرار
مع تغير طبيعة الوظائف، تحتاج المؤسسات إلى إعادة النظر في الصفات التي تبحث عنها عند اختيار موظفيها الجدد. فلم تعد الخبرة في تخصصٍ ضيق أو إتقان مهامٍ محددة كافيين وحدهما، إذ تتجه الأولوية نحو الأشخاص القادرين على التعلم والتكيف وتولي أدوار متنوعة. ومن ثم، يصبح السؤال الأهم أقل ارتباطًا بما درسه المرشح، وأكثر تركيزًا على طريقة تفكيره وقدرته على التعامل مع المواقف المختلفة.
وإلى جانب الإلمام بالتقنيات الرقمية، تتجه المؤسسات للاهتمام بشكلٍ أكبر بالتفكير الإبداعي، والمرونة، والقدرة على حل المشكلات، والتحليل والاستنتاج، وهي قدراتٌ ترتبط في مجملها بارتفاع الكفاءة الذهنية للموظف بشكلٍ عام.15 وتؤكد بيانات التوظيف هذا التوجه؛ إذ يضع أصحاب العمل هذه السمات في مقدمة المعايير التي يعتمدون عليها عند اختيار الموظفين الجدد "الشكل 2".
وبناءً على ذلك، تصبح الأولوية للموظف الذي يمتلك القدرة على التحليل وتقدير الموقف واتخاذ القرار أكثر من مجرد إتقانه لأدوات الذكاء الاصطناعي. فالوظائف التي تعتمد على استخدام هذه التقنيات تتطلب أيضًا مستوى أعلى من التفكير التحليلي، والمرونة، والقدرة على التعامل مع المتغيرات. 16 وفي هذا السياق، أوضح أحد مسؤولي الموارد البشرية في شركة مالية مدرجة ضمن قائمة "فورتشن 100" أن مؤسسته لا تركّز على تخصصٍ دراسيٍ بعينه، وإنما تبحث عن أشخاص لديهم استعدادٌ قوي للتعلم، ومهاراتٌ جيدة في التواصل والتعاون، إلى جانب المعرفة الأساسية بالذكاء الاصطناعي.
أسهم هذا التوجه في توسيع دائرة المرشحين للعمل لتشمل فئاتٍ لم تكن تحظى بنفس الاهتمام في الماضي، ومن بينها من تطلق عليهم منظمة "أوبورتيونيتي آت وورك" اسم "النجوم"، وهم الأفراد الذين اكتسبوا مهاراتهم من دون الحصول على شهادةٍ جامعية، وإنما عبر خبراتٍ عملية أو مساراتٍ تعليميةٍ غير تقليدية. ومع سهولة الوصول إلى الإرشادات والمعرفة المهنية اللازمة لأداء العمل، يمكن لهذه الفئة أن تسهم بفاعلية في أداء العمل، متى حصلت على الدعم اللازم وفرص التطور المناسبة.
ويختلف هذا النهج عن أسلوب التوظيف التقليدي، الذي كان يمنح الأفضلية للمتخصصين في مجالٍ محدد منذ بداية مسيرتهم المهنية. أما اليوم وفي ظل قدرة الذكاء الاصطناعي وأنظمة المعرفة على توفير الخبرات المتخصصة أثناء أداء العمل، أصبحت قيمة الموظف ترتبط بمدى نجاحه في توظيف ما يتاح له من معرفة، والربط بين عناصرها، والبناء عليها. لذلك، تتجه الشركات إلى توظيف أشخاصٍ يمتلكون مهاراتٍ متنوعة وإمكاناتٍ واعدة، ثم تنمّي خبراتهم تدريجيًا عبر التدريب المهني، والعمل إلى جانب أصحاب الخبرة، والممارسة الفعلية، لبناء الخبرة المتخصصة بمرور الوقت.
ومع تولي الموظفين الجدد مسؤولياتٍ أكبر في مرحلةٍ مبكرة من مسيرتهم المهنية، تزداد أهمية دور المدير في تنمية المهارات الشخصية التي تساعدهم على التعامل مع هذه المسؤوليات. فقد يجد أحدهم نفسه مطالبًا بالتواصل مع مسؤولين كبار، أو مناقشة قراراتٍ حساسة، أو تقديم توصياتٍ قد يصعب تقبلها، مثل اقتراح خفضٍ كبير في الميزانية. وفي مثل هذه المواقف، لا تكفي دقة البيانات وحدها؛ إذ يحتاج الموظف أيضًا إلى عرضها بلباقةٍ وثقة، واختيار الأسلوب المناسب للتأثير في أصحاب القرار. وهنا يتولى المدير مساعدته على إدارة هذه الحوارات، وبناء المصداقية اللازمة للتعامل مع أصحاب الخبرة.
ومن دون هذا التوجيه، قد يعرض الموظف البيانات بطريقةٍ مباشرة أكثر من اللازم، أو من دون مراعاة ظروف العمل وطبيعة الأشخاص الذين يتحدث إليهم. لذلك، يدرّب المديرون الموظفين الجدد على طرح الأسئلة المناسبة، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، وفهم أبعاد الموقف قبل إبداء الرأي. وتزداد الحاجة إلى هذه المهارات مع قدرة الذكاء الاصطناعي على إتاحة بياناتٍ وتحليلاتٍ أكثر شمولًا وتأثيرًا؛ فامتلاك معلوماتٍ قويةٍ لا يضمن عرضها بالطريقة المناسبة. وقد لا يتقبل أحد كبار المديرين التنفيذيين، على سبيل المثال، أن يخبره موظفٌ حديث التخرج بأن خطته غير واقعية، حتى إذا استند رأيه إلى بياناتٍ دقيقة وتحليلاتٍ مدعومةٍ بالذكاء الاصطناعي. ولهذا، يحتاج الموظفون الجدد إلى تعلم اختيار التوقيت والأسلوب المناسبين لعرض آرائهم.
وفي الوقت نفسه، يساعد هذا النوع من التدريب على فهم السياق الذي تُقرأ في ضوئه النتائج. فمع تزايد اعتماد المؤسسات على التقنيات في إجراء التحليلات، أصبحت قيمة الموظف ترتبط بقدرته على فهم دلالات الأرقام وتفسيرها. ولهذا، يحتاج إلى تعلم كيفية استيعاب الاتجاهات التي تكشفها البيانات، ومعرفة العوامل المؤثرة في أداء السوق، وشرح الأسباب الكامنة وراء النتائج. وفي الغالب، يتطور هذا النوع من الفهم مع تراكم الخبرات، غير أن المديرين يمكنهم تسريع اكتسابه عبر تقديم الملاحظات الفورية والدروس القصيرة، والاستعانة بمواقف حقيقية. فعلى سبيل المثال، يحتاج المحلل إلى إدراك أن الارتفاع المفاجئ في المبيعات قد يكون ناتجًا عن حملةٍ ترويجيةٍ مؤقتة، لا عن نموٍ مستدام في الطلب، وهي مهارةٌ توازي في أهميتها قدرته على عرض الأرقام بالطريقة المناسبة.
ومن هنا، يقترح بعض الخبراء الاستفادة من أساليب التدريب المستخدمة في القطاع الطبي، خاصةً مع تراجع فرص التعلم غير الرسمي داخل المؤسسات. وفي هذا السياق، تقترح "مولي كيندر"، المتخصصة في دراسة تأثير الذكاء الاصطناعي على العمل، الاستفادة من نموذج "الطبيب المقيم"، الذي يعمل فيه الطبيب حديث التخرج تحت إشراف أطباء أكثر خبرةً قبل أن يمارس عمله بصورةٍ مستقلة. وبالمثل، تستطيع المؤسسات إعادة تصميم الوظائف المخصصة للمبتدئين بحيث يتدرج الموظفون في اكتساب المهارات والمسؤوليات تحت إشراف أصحاب الخبرة، إلى أن يصبحوا قادرين على أداء مهامهم باستقلالية، لا سيما بعد أن تولى الذكاء الاصطناعي جانبًا من الأعمال الروتينية التي كانوا يتعلمون من خلالها سابقًا.17
وفي خطوةٍ أكثر تقدمًا لتطبيق هذه الفكرة داخل بيئة العمل اليومية، يقترح كلٌّ من "روسينوفيتش" و "هانسلمان" الاستعانة بنموذج "المشرف السريري" داخل بيئة العمل، وهو نموذجٌ يعمل فيه الطبيب أو الممرض حديث التخرج تحت إشرافٍ مباشر من أحد ذوي الخبرة، حتى يثبت قدرته على العمل بصورةٍ مستقلة.18 ووفقًا لهذا النموذج، يتولى أحد كبار المهندسين الإشراف رسميًا على مجموعةٍ صغيرةٍ من المهندسين المبتدئين، ويعمل معهم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بما يتيح له متابعة طريقة تعاملهم مع مخرجات هذه الأدوات، وما يقبلونه أو يرفضونه منها، والجوانب التي قد يسيئون تقديرها. وهكذا، يتحول دور الموجّه من مجرد الإجابة عن الأسئلة إلى تنمية قدرتهم على التقدير السليم.
وفي نهاية المطاف، يتوقف نجاح المؤسسات في إعداد كوادرها الجديدة على قدرة قادتها على دمج التدريب والتوجيه في العمل اليومي. فالموظفون في بداية مسيرتهم يحتاجون إلى من يساعدهم على تطوير طريقة تفكيرهم، وتحسين تواصلهم، وفهم طبيعة المؤسسة وما تتطلبه من قراراتٍ وتفاعلات. ويمكن تحقيق ذلك من خلال برامج توجيه أكثر تنظيمًا، وأنظمةٍ أفضل لتبادل المعرفة، وإتاحة فرصٍ أوسع للتعرف على مجالات العمل المختلفة. ومع تطور أدوار الموظفين الجدد نحو تقديم التوصيات ودعم اتخاذ القرار، تزداد حاجتهم إلى توجيهٍ ينمي قدرتهم على حسن التقدير، والتواصل الفعال، والإقناع.
تطلعات الموظفين المبتدئين لم تتغير
رغم ما يشهده سوق العمل من تضاؤل فرص التقدم المهني وتباطؤ الحركة الوظيفية أمام الموظفين المبتدئين، ظلت تطلعاتهم للنمو والتطور كما هي. وتضع هذه المفارقة المؤسسات أمام فجوةٍ لا يمكن تجاهلها أو انتظار زوالها من تلقاء نفسها؛ فلا يزال هؤلاء الموظفون يبحثون عن أعمالٍ يشعرون بقيمتها، وفرصٍ واضحة للتطور، ومرونةٍ أكبر في العمل، وقيادةٍ تصغي إليهم وتدعم تقدمهم المهني.
وتفرض هذه التطلعات على المؤسسات مسؤوليةً لا تقتصر على استقطاب الموظفين الجدد، بل تمتد إلى توفير بيئة عملٍ تساعدهم على النمو والاستمرار داخل المؤسسة. ويتطلب ذلك رسم مسارٍ مهنيٍ واضح أمامهم، وتكليفهم بمهام ذات قيمة، وتوفير قيادةٍ تصغي إليهم وتدعم تقدمهم، إلى جانب تمكينهم من اكتساب المهارات اللازمة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في عملهم. وتزداد أهمية هذه الخطوات في ظل احتدام المنافسة لاستقطاب الموظفين القادرين على استخدام هذه التقنيات، واتساع فرص انتقالهم إلى مؤسساتٍ أخرى.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الموظفين الجدد كقوة عملٍ مؤقتة، بل باعتبارهم استثمارًا طويل الأجل. فكلما طالت فترة بقائهم داخل المؤسسة، ازدادت جدوى الاستثمار في تطويرهم. وفي المقابل، قد يتراجع ارتباطهم بالعمل ورغبتهم في الاستمرار إذا لم يجدوا فرصًا حقيقيةً للنمو والتقدم. ولهذا، ستكون المؤسسات الأكثر نجاحًا هي التي تنجح في تحقيق التوازن بين تنمية مهارات موظفيها، وتوفير تجربة عملٍ تشجعهم على البقاء والتطور، ومواكبة التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، يظل الاستثمار في الموظفين الجدد موضع تساؤلٍ لدى بعض المؤسسات؛ إذ يتطلب إعدادهم وتنمية قدرتهم على التقدير واتخاذ القرار وقتًا وجهدًا قد يؤثران في الإنتاجية خلال المراحل الأولى، من دون ضمان بقائهم بعد اكتساب الخبرة. ويزداد هذا القلق مع ارتفاع قيمة الموظفين الأكثر استخدامًا لتقنيات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، واتساع فرص انتقالهم إلى جهاتٍ منافسة. ورغم أن احتمال انتقال الكفاءات المدرَّبة ليس جديدًا، دفعت هذه التقنيات بعض المؤسسات إلى التساؤل عن جدوى استمرار الوظائف والمسارات المهنية المخصصة للمبتدئين.
غير أن جانبًا كبيرًا من الخبرة التي يكتسبها هؤلاء الموظفون يرتبط بالمؤسسة التي يعملون فيها؛ لأنها تستند إلى معارفها الموثقة، وتجاربها العملية، وأساليبها الخاصة في تنظيم المعلومات واتخاذ القرارات. ولذلك، لا تنتقل هذه الخبرة إلى مؤسسةٍ أخرى بسهولة انتقال الشهادات أو المؤهلات المهنية. كما أن التراجع عن الاستثمار في الموظفين الجدد ينطوي على تكاليف بعيدة المدى، من بينها ضعف القدرة على إعداد قيادات المستقبل، وتعطل انتقال المعرفة بين أصحاب الخبرة والأجيال الجديدة، وتباطؤ استفادة المؤسسة نفسها من الذكاء الاصطناعي. ولهذا، ترى القيادات التي تواصل الاستثمار خلال هذه المرحلة أن تطوير الموظفين المبتدئين وتحسين الكفاءة مفاضلة غير صحيحة؛ فالمؤسسات تحتاج إلى كليهما معًا.
وبالرغم من عدم وضوح حجم التأثير الذي سيُحدثه الذكاء الاصطناعي في شكل الوظائف والقوى العاملة، ستظل المؤسسات بحاجةٍ إلى إعداد أجيالٍ جديدةٍ من الكفاءات، وهو ما يتطلب إعادة تصميم الأدوار الوظيفية، بما تتضمنه من مهامٍ ومسؤوليات، لتمكين الموظفين من العمل إلى جانب الذكاء الاصطناعي، وتوجيه استخدامه نحو تحقيق نتائج عملية ومفيدة، بما يضمن استمرار المؤسسات في إعداد الكوادر القادرة على تلبية احتياجاتها المستقبلية.
تصميم منظومةٍ متكاملة لإعداد الموظفين الجدد
لا تستطيع المؤسسات الاستفادة الكاملة من إمكانات الموظفين المبتدئين من دون وضع منظومةٍ واضحةٍ ومدروسة لإعدادهم، تقوم على أربعة محاور رئيسية:
- توثيق خبرات المؤسسة وإتاحتها للموظفين: يجب على المؤسسات توثيق طريقة تفكير موظفيها الأكثر خبرةً وكفاءة، بما في ذلك الأسس التي يعتمدون عليها في اتخاذ القرارات، وكيفية تقييمهم للمواقف، وما استخلصوه من تجاربهم السابقة. ثم تُجمع هذه المعلومات والمعارف في نظامٍ موحد يتيح للموظفين الجدد وأنظمة الذكاء الاصطناعي الاستفادة منها بشكلٍ مباشر. ولتحقيق ذلك، ينبغي مراجعة محتوى النظام وتحديثه باستمرار، والاستفادة من ملاحظات المستخدمين والخبراء والتجارب الجديدة، مع تحديد الجهة المسؤولة عن إدارة المحتوى ومتابعة جودته. كما ينبغي أن يعتمد النظام بدرجةٍ أكبر على الخبرات المتراكمة عبر سنواتٍ من العمل، لا على الآراء أو الخبرات الناتجة عن تجربةٍ واحدةٍ فقط. ومع استمرار استخدام هذا النظام، تتطور قدرته على تحديد المعايير التي تعكس الأداء الجيد داخل المؤسسة.
- إعادة تصميم أساليب العمل والأدوار الوظيفية: مع توسع المؤسسات في الاعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي في تنفيذ مزيدٍ من المهام، ينبغي أن تتضمن إعادة تصميم أساليب العمل تحديد دورٍ واضحٍ للوظائف التي يبدأ من خلالها الموظفون مسيرتهم المهنية، بحيث يشارك الموظفون الجدد في أعمالٍ أكثر تعقيدًا تحت إشراف أصحاب الخبرة، بما يساعدهم على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار تدريجيًا، لا أن تقتصر أدوارهم على أعمالٍ روتينيةٍ محدودة. ولهذا، يمكن إعادة بناء هذه الوظائف لتقوم على التعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي، والإشراف عليها، والتحقق من دقتها، والمساهمة في تحسينها، وهو ما يستدعي أيضًا مراجعة معايير التوظيف، عبر إعطاء أولويةٍ أكبر لحسن التقدير، والفضول، والقدرة على التكيف وحل المشكلات، والذكاء العاطفي، خلافًا للتركيز على إتقان أدواتٍ بعينها. كما يمكن توسيع دائرة المرشحين لتشمل أصحاب الإمكانات الواعدة، حتى وإن لم يتلقوا تعليمًا أو تدريبًا رسميًا في المجال نفسه. فالهدف هو اختيار أشخاصٍ يمتلكون قدراتٍ متنوعة تمكّنهم من تطبيق المعرفة، والربط بين عناصرها، والبناء عليها عبر مختلف مراحل العمل، عوضًا عن الاقتصار على متخصصين يعملون ضمن نطاقٍ وظيفيٍ ضيق.
- دمج التعلم القائم على الذكاء الاصطناعي في العمل: ينبغي أن يحدث التعلم أثناء إنجاز المهام الفعلية، بحيث يطوّر الموظفون قدرتهم على التقدير واتخاذ القرار أثناء إنجازهم أعمال حقيقية، فيما يؤدي الذكاء الاصطناعي دور الموجّه والمراجع. ويقوم هذا النهج على تنفيذ الموظف المهمة بنفسه أولًا، ثم مقارنة عمله بما ينتجه الذكاء الاصطناعي. وكلما تقلص الفارق بين النتيجتين، أمكن الاستدلال على تطور خبرات هذا الموظف وقدرته على إصدار الأحكام السليمة. وحتى تحقق هذه الآلية أهدافها، ينبغي تصميمها وتطبيقها بصورةٍ تدريجيةٍ ومدروسة، بدلًا من إضافتها إلى أساليب العمل من دون تخطيطٍ واضح.
- تطوير قدرة المديرين على تدريب الموظفين الجدد وتوجيههم: يمثل التدريب والتوجيه جزءًا أساسيًا من مسؤوليات المديرين، لا سيما أن الموظفين الجدد قد يُطلب منهم منذ بداية مسيرتهم التواصل مع قياداتٍ ومسؤولين من مستوياتٍ أعلى، بالإضافة إلى استخدام بياناتٍ وتحليلاتٍ أكثر شمولًا وتأثيرًا من السابق. ولهذا، يحتاج المديرون إلى تطوير قدرتهم على مساعدة الموظفين في فهم سياق العمل، وتنمية قدرتهم على حسن تقدير المواقف، والتواصل بفاعلية، لا التركيز على متابعة خطوات تنفيذ كل مهمةٍ من مهام العمل. ويمكن تنظيم هذا الدور بصورةٍ أكبر من خلال الاستفادة من نموذج "المشرف السريري"، بحيث يتولى أحد أصحاب الخبرة توجيه مجموعةٍ صغيرةٍ من الموظفين وفق إطارٍ واضحٍ ومنهجي، بما يحوّل التوجيه من ممارسةٍ تقوم على التعلم غير الرسمي إلى نهجٍ منظمٍ ومعتمد داخل المؤسسة.
وفي النهاية، لا يكمن التحدي في استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في إعداد جيلٍ جديدٍ من الموظفين القادرين على العمل معه والتعلم من خلاله. فرغم ارتفاع متطلبات الوظائف المبتدئة، ما تزال المهارات الأساسية التي تقوم عليها الخبرة الحقيقية ثابتةً إلى حدٍ كبير. والمؤسسات التي تدرك ذلك وتواصل الاستثمار في موظفيها الجدد ستكون الأقدر على بناء الكفاءات التي تحتاج إليها مستقبلًا.