ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
ومن هذا المنطلق، تبرز مفارقة بسيطة لكنها شائعة، فالتخطيط للرحلة المقبلة يوقظ الحماسة ويغذّي الخيال، لكن لحظة الحجز غالبًا ما تُطفئ هذا الشغف تحت وطأة التفاصيل والإجراءات. هذا التناقض، كما يوضحه جولز سيلي، الشريك الأول في ماكنزي، يجعل متعة السفر مهددة بالذوبان في تعقيدات لوجستية تُبعد المسافر عن جوهر التجربة.وفي حلقة من بودكاست ماكنزي ، ينضم "سيلي" إلى المديرة التحريرية العالمية "لوسيا راهيلي" لعرض نتائج أبحاث حديثة ترصد التحول المتسارع للذكاء الاصطناعي داخل قطاع السفر. أبحاث تشير إلى بروز وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على تصميم مسارات سفر متكاملة من البداية إلى النهاية، والتعامل الفوري مع تعطل الرحلات وإعادة حجزها، فضلًا عن تقديم توصيات دقيقة تُصاغ على قياس تفضيلات كل مسافر. تحوّلٌ لا يغيّر حسابات العملاء فحسب، بل يعيد رسم أدوار العاملين في القطاع، ويبدّل معادلة التجربة السياحية برمتها.
السفر في عصر الذكاء الاصطناعي
لوسيا راهيلي: في موسم السفر والعطلات، لا يقتصر الاستعداد للرحلة على اختيار الوجهة أو تحديد موعد الإقلاع، بل يمتد إلى سلسلة من القرارات اليومية الصغيرة التي تسبق السفر. قرارات تتعلق برسوم الأمتعة المحمولة، أو المفاضلة بين الكلفة والراحة، أو التفكير في جدوى ترقية مزايا المقعد المحجوز. تفاصيل تبدو إجرائية، لكنها تفرض نفسها على المسافر منذ اللحظة الأولى للتخطيط. وعلى اثر كل هذه التفاصيل، يلفت "جولز سيلي"، الشريك الأول في ماكنزي، أن هذه القرارات العملية، حين تتكاثر، قد تؤثر سلبًا في متعة السفر نفسها. فبدل أن يكون التخطيط جزءًا من الحماس، يتحول لدى كثيرين إلى عبء ذهني يزاحم متعة الرحلة نفسها قبل أن تبدأ.
جولز سيلي: معظم المسافرين يستمتعون بمرحلة البحث عن الرحلة. يحبون استكشاف الوجهات المختلفة، وتخيّل التجربة، والتفكير في المكان الذي يرغبون في زيارته. هذه المرحلة تمنحهم إحساسًا بالحماس والمتعة. لكن هذا الشعور لا يستمر طويلًا. فعندما يحين وقت تحويل هذه الأفكار إلى برنامج سفر فعلي، بخط سير محدد وتفاصيل دقيقة، يصبح الجانب العملي أقل جاذبية. عند هذه النقطة، يفقد التخطيط متعته، ويتحول من تجربة ممتعة إلى مهمة لا يفضّلها كثير من المسافرين.
لوسيا راهيلي: قد يكون وكلاء الذكاء الاصطناعي هم المساعد الذي يحتاجه المسافر اليوم. فهم قادرون على التعامل مع التفاصيل العملية التي تفسد متعة التخطيط، وتحويل الأفكار والرغبات إلى رحلة منظّمة وسلسة، دون أن يضطر المسافر للخوض في التعقيدات بنفسه.
جولز سيلي: نحن متحمسون لوكلاء الذكاء الاصطناعي، لأنهم مع مرور الوقت قد يقدّمون طريقة مختلفة تمامًا لإدارة تجربة السفر. طريقة تسمح للمسافرين بالتركيز على ما يثير حماسهم في الرحلة، بدل الانشغال بالاحتكاك والتعقيدات والإرهاق الذي يرافق التفاصيل العملية.
لوسيا راهيلي: إذا انتقلنا إلى شركات السفر نفسها، فأين تقف اليوم في مشهد تبنّي الذكاء الاصطناعي؟ وما هو الوضع الحالي لاعتماد هذه التقنيات داخل القطاع؟
جولز سيلي: نشهد بالفعل اعتمادًا ملحوظًا للذكاء الاصطناعي في قطاع السفر، ولا سيما على المستوى الداخلي. فالكثير من شركات السفر بدأت باستخدام هذه التقنيات ضمن تجارب داخلية تهدف إلى تحسين أعمالها، وتطوير عملياتها، ورفع كفاءتها التشغيلية قبل التوسع في توظيفها على نطاق أوسع مع العملاء.
لوسيا راهيلي: هل بدأت الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في تحقيق نتائج مشجعة فعلًا؟ أم أن الحكم على الأثر ما زال مؤجلًا حتى تتضح الصورة بشكل أكبر؟
جولز سيلي: حتى الآن، يمكن القول إن الصورة ما زالت غير مكتملة. نحن أمام ما يمكن وصفه بـ"مفارقة الذكاء الاصطناعي". فقرابة 80% من الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل أو بآخر، لكن نحو 20% فقط تقول إنها ترى أثرًا مباشرًا وواضحًا، وخصوصًا على مستوى الأرباح والخسائر. هذا التفاوت يعكس ببساطة أننا لا نزال في مرحلة مبكرة من تبنّي هذه التقنيات.
البشر ووكلاء الذكاء الاصطناعي… شراكة في بيئة العمل
لوسيا راهيلي: ذكرتَ أن الاستخدام الأبرز للذكاء الاصطناعي حتى الآن يتركّز داخل الشركات. لكن إذا كنتُ موظفًا في الخطوط الأمامية لقطاع السفر، فكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثّر على عملي؟ وكيف قد يغيّر الطريقة التي أؤدي بها مهامي يوميًا؟
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
جولز سيلي: عبر مجموعة واسعة من الأدوار داخل شركات السفر، يساعد الذكاء الاصطناعي الموظفين على أن يصبحوا أكثر كفاءة. فهو يتولى جزءًا كبيرًا من الأعمال اليدوية والمتكررة، ما يحرّر وقت العاملين ويمنحهم مساحة للتركيز على القيمة الحقيقية التي يمكنهم تقديمها. من وجهة نظرنا، يمثّل هذا المسار نقطة دخول مبكرة لتبنّي الذكاء الاصطناعي، وهو مسار يلقى حماسًا ملحوظًا داخل القطاع.
جولز سيلي: إلى جانب ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من كفاءة أعلى، هناك وجه آخر لهذا التحول. فأتمتة عدد كبير من المهام قد تؤدي أيضًا إلى تغيّر في خريطة الوظائف داخل المؤسسات. وتشير أبحاثنا إلى أن مجموعات المهارات المطلوبة ستحتاج إلى التطور، لا إلى الانكماش. وعلى المدى الطويل، يخدم هذا التحول مصلحة المؤسسات، إذ يتحرر الموظفون من الانشغال بإدارة الأنظمة، ويصبحون أكثر قدرة على التركيز على تقديم خدمة ذات معنى وقيمة حقيقية للعملاء.
لوسيا راهيلي: إذا أصبحت وكلاء الذكاء الاصطناعي قادرين على إدارة بعض العمليات من بدايتها إلى نهايتها، فما المهارات الإنسانية الخالصة التي ستظل ضرورية في تجربة السفر؟ وما الذي سيبقى حكرًا على الإنسان مهما تطورت التقنية؟
جولز سيلي: السفر تجربة شخصية بطبيعتها، وترتبط بالمشاعر أكثر مما ترتبط بالإجراءات. فالعملاء يبحثون عن تجربة تُلهمهم وتمنحهم إحساسًا بالمتعة، لا مجرد إتمام رحلة. وحتى في سفر العمل، يظل الناس يبحثون عمّا يمكن وصفه بــ "سحر تجربة السفر". ولهذا السبب، سيبقى للعنصر البشري دور أساسي، كما ستظل نقاط التفاعل المباشر مهمة لضمان أن يحصل المسافر على أفضل تجربة ممكنة.
لوسيا راهيلي: هل يمكن أن تشرح لنا أنواع العمليات التشغيلية التي تشير أبحاثكم إلى أنها قد تُفوَّض، إلى حدٍّ كبير أو حتى بالكامل، إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القليلة المقبلة؟
جولز سيلي: تشمل هذه المجالات التسويق، ولا سيما طريقة التفكير في استهداف الحملات وتوجيهها. كما تمتد إلى بعض جوانب خدمة العملاء، مثل روبوتات المحادثة، والتفاعل عبر المواقع الإلكترونية، وحتى التفاعل الصوتي الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي. إضافة إلى ذلك، يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي دعم أنشطة المبيعات بشكل أوسع، بدءًا من توليد الفرص البيعية، وصولًا إلى العمليات التشغيلية المصاحبة لها. لأن الذكاء الاصطناعي بات قادرًا أيضًا على البرمجة نيابة عن المؤسسات، فضلًا عن دعمه المتزايد للأنشطة الداخلية المختلفة. فهو لا يكتفي بأتمتة بعض المهام، بل يسهم في تحسينها وجعلها أكثر كفاءة وقوة، بما يعيد تشكيل طريقة عمل المؤسسات من الداخل، ويمنحها أدوات أكثر مرونة واستجابة.
خطوات عملية نحو نهج وكلاء الذكاء الاصطناعي
لوسيا راهيلي: لنفترض أنني قائد أو مسؤول في قطاع السفر، واقتنعت بالفعل بأهمية الاستثمار في وكلاء الذكاء الاصطناعي. من أين يجب أن أبدأ؟ وما هي نقطة الانطلاق الصحيحة لتحويل هذه القناعة إلى خطوة عملية؟ بهذا السؤال، ينتقل الحوار من الحديث عن ماذا يمكن أن يفعل وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى كيف يبدأ القادة فعليًا بتبنّيهم، تمهيدًا لرسم مسار واقعي يجمع بين الطموح التقني والتنفيذ المنضبط.
جولز سيلي: البداية تكون من العمليات الداخلية. فهنا تمتلك المؤسسات رؤية كاملة وسيطرة مباشرة، ما يتيح لها إدخال تغييرات لا تكون ظاهرة للأطراف الخارجية. هذه المساحة تمنح الشركات مجالًا للتجربة والتعلّم دون التعثّر بتحديات الشركاء أو الأطراف الثالثة. ومن داخل هذا الإطار نفسه، يصبح الأثر الاقتصادي جزءًا من المعادلة. فالعمل على العمليات الداخلية يفتح فرصًا حقيقية لتحسين الكفاءة وخفض التكاليف على المدى المتوسط والطويل. وفي القطاعات ذات الهوامش الربحية المحدودة، تشكّل هذه الوفورات عاملًا مهمًا في تبنّي وكلاء الذكاء الاصطناعي، لأنها تساعد في تمويل الاستثمارات التقنية اللازمة لإنجاح هذا التحول واستدامته.
ومع ذلك، من المهم وضع هذا التوجه في إطاره الصحيح. فعلى الرغم من القيمة الواضحة التي يضيفها تمكين العمليات الداخلية بوكلاء الذكاء الاصطناعي، ليس من المؤكد أن هذا النوع من الاستخدام سيخلق ميزة استراتيجية طويلة الأمد. فتمكين أقسام مثل الموارد البشرية أو الشؤون المالية أو مراكز الاتصال سيصبح، على الأرجح، خطوة مشتركة بين معظم الشركات. وبمرور الوقت، سيغدو هذا المستوى من التبنّي بمثابة الحد الأدنى المطلوب للمنافسة، لا عامل تميّز بحد ذاته. لذلك، فإن دوره الأساسي يتمثل في تحسين الكفاءة ومواكبة السوق، أكثر من كونه مصدر تفوّق استراتيجي مستدام، وهو ما يدفع الشركات إلى التفكير أبعد من التشغيل الداخلي عند البحث عن القيمة الحقيقية لوكلاء الذكاء الاصطناعي.
إلى جانب تحسين العمليات، من المهم أن ينظر القادة بعمق إلى شركتهم نفسها، وأن يحدّدوا بوضوح ما الذي يريدون أن تُعرَف به مؤسساتهم. فعلى سبيل المثال، ما الذي يميّزها فعلًا؟ وما الذي يمنحها تلك اللمسة الخاصة التي تجعل تجربتها مختلفة عن غيرها؟ ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال التالي المنطقي هو: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم هذا الجانب تحديدًا، بدل أن يكون مجرد أداة عامة؟ فإذا كان هذا العنصر هو مصدر الميزة التنافسية الحقيقية، فإن توظيف الذكاء الاصطناعي بالشكل الصحيح يمكن أن يعزّز هذه الميزة، ويجعلها أكثر تماسكًا وتأثيرًا، ويمنح المؤسسة قدرة أكبر على تقديم تجربة استثنائية ومستدامة.
لوسيا راهيلي: هل يمتلك العاملون في قطاع السفر اليوم المهارات اللازمة لاعتماد وكلاء الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع؟ وهل يكفي البدء بتجربتهم داخليًا لتطوير هذه المهارات بشكل طبيعي، أم أن على القادة الذهاب أبعد من ذلك، ووضع برامج تدريبية وإعادة تأهيل رسمية لضمان الجاهزية الحقيقية؟
جولز سيلي: بشكل عام، لا أعتقد أن أيًّا منا يمتلك اليوم القدرات العميقة التي تمكّنه من تسخير القوة الكاملة لوكلاء الذكاء الاصطناعي. كما أننا لا نعرف بعد على وجه الدقة إلى أين يتجه هذا المسار. إنها رحلة تعلّم جماعية، نتقدّم فيها خطوة بخطوة. ولهذا، أرى أن التجربة ضرورية، سواء في بيئة العمل أو في حياتنا الشخصية. فهل نحن نستخدم وكلاء الذكاء الاصطناعي لاستكشاف رحلاتنا الخاصة؟ للتسوّق؟ للبحث في موضوعات مختلفة أو تلخيص المواد وتحليلها، داخل العمل وخارجه؟ هذه الأسئلة ليست نظرية، بل جزء من التعلّم العملي. ومن هنا، تبرز أهمية أن يشجّع القادة فرقهم، على مختلف المستويات، على التعرّف إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي واستكشاف قدراتهم عمليًا. فتنمية هذا الوعي الجماعي اليوم هي الخطوة الأولى نحو توظيف أكثر نضجًا وفاعلية لهذه التقنيات في المستقبل.
لذلك لا نراهن فقط على التعلّم غير الرسمي، بل نولي أهمية كبيرة لمسارات تعلّم منظَّمة ومقصودة. هذا النهج نطبّقه عمليًا مع عملائنا عبر برامج غامرة مخصّصة للقيادات العُليا. على مدار يومين أو ثلاثة، ينخرط الفريق التنفيذي بالكامل أو مجلس الإدارة في تجربة مكثفة، بالتعاون معنا ومع مؤسسات أخرى، تتيح لهم فهمًا مباشرًا وواقعيًا لما تستطيع هذه التقنيات إنجازه. بعد هذه المرحلة، يبدأ العمل الحقيقي. فخلال فترة تمتد بين ستة واثني عشر شهرًا، ينصبّ التركيز على كيفية ترجمة تلك القدرات المتقدمة إلى واقع داخل المؤسسة نفسها. أي الانتقال من الإلهام الأولي إلى حضور فعلي للتقنية في العمليات اليومية، بطريقة تدريجية ومدروسة، تضمن الاستفادة منها دون استعجال أو قفز غير محسوب.
لوسيا راهيلي: التعلّم بطبيعته يحتاج إلى وقت، كما أن التجربة الداخلية تتطلّب طاقة وقدرات تشغيلية. فهل نعتقد أن مكاسب الكفاءة التي يوفّرها وكلاء الذكاء الاصطناعي تظهر بسرعة كافية لسد فجوة هذه القدرات؟ أم أن المؤسسات ستظل مضطرة إلى الموازنة بين التعلّم والاستمرار في إدارة العمل اليومي؟
جولز سيلي: التعامل مع هذا التحدي يبدأ بمراجعة ما تقوم به المؤسسة اليوم. فبعض الأنشطة والمبادرات التي كانت ذات أولوية في السابق قد لم تعد كذلك في ظل الإمكانات التي تتيحها وكلاء الذكاء الاصطناعي. من هنا، تصبح الحاجة ملحّة لإعادة تقييم هذه الجهود، والنظر فيما إذا كانت ما تزال تحقق العائد الذي بُنيت عليه. ومن خلال هذه المراجعة، يمكن للمؤسسات إعادة ترتيب أولوياتها بشكل عملي. والهدف ليس إضافة مهام جديدة، بل توفير الوقت والقدرات الفنية والإدارية اللازمة للاستفادة من وكلاء الذكاء الاصطناعي. بهذه الطريقة، يتحقق التوازن بين الاستمرار في تشغيل الأعمال اليومية، وفتح المجال أمام فرص جديدة أكثر قيمة وتأثيرًا.
التعامل مع المخاطر وحالات التردّد
لوسيا راهيلي: كيف يمكن لشركات السفر تقديم وكلاء الذكاء الاصطناعي لعملاء قد يشعرون بالتردّد تجاه هذه التقنيات؟ وهل يمكن البدء بتجارب محدودة وبسيطة تتيح للعملاء التعوّد عليها تدريجيًا، بدل دفعهم مباشرة إلى استخدام كامل؟
جولز سيلي: عندما نتحدث عن إدخال وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى تجربة العميل، فإن الخطأ الأكبر هو البدء بطلب التزام كبير منذ اللحظة الأولى. فأن يُطلب من العميل أن يسمح للتقنية بتخطيط رحلته كاملة وحجزها دفعة واحدة يعني أن يُطلب منه الثقة بنظام لم يختبره بعد، وهذا بطبيعته يخلق تردّدًا ومقاومة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مسار مختلف. فبدلاً من القفز مباشرة إلى قرارات عالية القيمة ومعقّدة، يكون الإدخال التدريجي هو الخيار الأذكى. أي أن تبدأ الشركات بتوظيف وكلاء الذكاء الاصطناعي في مهام بسيطة وواضحة، لا تحمل مخاطرة كبيرة ولا تتطلب التزامًا طويل الأمد من العميل. هذا التدرّج يغيّر التجربة بالكامل. فمع كل استخدام محدود، يكتسب العميل فهمًا أفضل لكيفية عمل التقنية، ويلاحظ فائدتها بشكل عملي. ومع تكرار هذه التجارب الصغيرة، تبدأ الثقة بالتكوّن بشكل طبيعي، لا بوعد نظري بل بتجربة ملموسة. وعندما تتكوّن هذه الثقة، يصبح الانتقال إلى الخطوة التالية منطقيًا. عندها، يكون العميل أكثر استعدادًا للتعامل مع قرارات أكبر من حيث القيمة، ومع مستويات أعلى من التعقيد في تجربة السفر. وبهذا التسلسل، ينتقل الاعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي من تجربة محدودة إلى دور أوسع، دون شعور بالضغط أو القلق، وبوتيرة يتحكم بها العميل نفسه.
ومع استمرار هذا الأسلوب المتدرّج في الاستخدام، تتبدّل نظرة المسافر إلى دور التقنية. فحتى لو لم تكن النماذج اللغوية الكبيرة مثالية، يصل استخدامها في مرحلة ما إلى مستوى قريب من معرفة العميل نفسه. فالعميل، في النهاية، لا يملك معرفة مسبقة بذلك الفندق بعينه في تلك المنطقة، ولا بكل تفاصيل شركات الطيران أو الأنشطة المتاحة هناك. عند هذه النقطة، لا يعود القرار قائمًا على معرفة فردية محدودة، بل على حصيلة أوسع من الخبرات. إذ يميل المسافر إلى الاستفادة من تجارب عدد كبير من الأشخاص الذين خاضوا الرحلة نفسها من قبل. وتأتي النماذج اللغوية لتقوم بدور تجميعي وتحليلي، تجمع تلك التجارب المتراكمة، وتعيد تقديمها في صورة خيارات واضحة ومناسبة. وبهذا الأسلوب، تتكوّن الثقة ليس لأن التقنية معصومة من الخطأ، بل لأنها قادرة على تحويل معرفة جماعية واسعة إلى توصيات عملية تساعد المسافر على الاختيار بثقة أكبر ووضوح أعلى.
لوسيا راهيلي: عند استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي في قرارات تتعلق بأموال العملاء وترتيبات سفرهم الشخصية، هل يجب على شركات السفر وضع آليات حوكمة ورقابة محددة؟ وكيف يمكن ضمان أن يتم استخدام هذه التقنيات بطريقة تحمي العميل ولا تعرّضه لمخاطر غير محسوبة؟
جولز سيلي: هناك نقاط أساسية على شركات السفر أن تفكّر فيها بهدوء ووضوح. أول هذه النقاط أن عملية الحجز نفسها قد تصبح أقل شفافية. فعندما يستخدم العميل نموذجًا لغويًا للبحث عن رحلة إلى باريس، قد لا يكون واضحًا من الجهة التي قامت بالحجز في النهاية. وفي بعض الحالات، قد يكون الحجز تم عبر موقع شركة الطيران، أو موقع الفندق، أو من خلال وكالة سفر إلكترونية، وربما حتى عبر مزوّد حزم سفر يعمل في الخلفية دون أن يراه العميل. هذا الغموض لا يتعلق بالتقنية بقدر ما يتعلق بتحديد المسؤولية، ومعرفة من يقف خلف القرار ومن يتحمّل تبعاته عند حدوث أي مشكلة.
هذا الوضع يفتح بابًا لأسئلة جديدة لدى العملاء، كما يفرض مستويات مختلفة من المخاطر على مزوّدي الخدمة، بحسب دور كل طرف في العملية. فهناك فرق بين الجهة التي تُسجَّل بوصفها البائع الرسمي، والجهة التي تنفّذ عملية الدفع فعليًا، وتلك التي تعمل فقط كوسيط في سلسلة الحجز. ومع تداخل هذه الأدوار، تظهر تعقيدات إضافية تتعلق بالمدفوعات نفسها، مثل العملة المستخدمة، وأسعار الصرف، وآلية الاحتفاظ بأموال العملاء في حال كانت الرحلة قابلة للاسترداد. هذه التفاصيل لا تكون واضحة دائمًا للمسافر، لكنها جوهرية في تحديد مستوى الأمان والثقة. وفي ظل هذا التعقيد، من غير المتوقع أن تتشكّل المعايير أو الأطر التنظيمية بين ليلة وضحاها. فسواء على مستوى الأعراف السائدة أو القوانين الرسمية في بعض الأسواق، سيحتاج الأمر إلى وقت حتى تتكيف مع هذا النموذج الجديد من الحجز وإدارة الرحلات.
لوسيا راهيلي: دعني أطرح سيناريو متشائم قليلًا. ماذا لو حدثت مشكلة كبيرة مرتبطة بوكلاء الذكاء الاصطناعي وأثّرت في عدد واسع من العملاء؟ هل يحتاج القادة إلى اتخاذ إجراءات محددة مسبقًا للاستعداد لمخاطر تشغيلية واسعة النطاق أو لأضرار قد تمس سمعة الشركة؟
جولز سيلي: عندما يتولى وكلاء الذكاء الاصطناعي إدارة عملية الحجز، قد يجد العميل نفسه غير مدرك للمسار الذي تم اختياره ولا للجهة التي يتعامل معها فعليًا. في هذه الحالة، تظهر تساؤلات أساسية مثل: من المسؤول عن قرار الحجز؟ ومن الطرف الذي أتمّ العملية في النهاية؟ وتتوسع هذه التساؤلات لتشمل الشركات نفسها. فهل كل جهة شاركت في عملية البحث أو التنفيذ تدرك دورها بوضوح؟ وهل هي واعية بالمخاطر والمسؤوليات التي تترتب على هذا الدور؟ عندما تغيب الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة، تتعقّد الصورة، ويصبح تحديد المسؤولية أكثر صعوبة عند حدوث أي مشكلة.
إلى جانب ذلك، تبرز تساؤلات جوهرية حول الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، وخصوصًا في ما يتعلق بآليات التسعير. فالتسعير المخصص بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي يظل موضوعًا حساسًا لدى العملاء، وقد يثير مخاوف تتعلق بالعدالة والشفافية. كما تتسع دائرة المخاطر عندما تمرّ عبر هذه المنظومة بيانات حساسة، سواء كانت ملكية فكرية أو معلومات شخصية ومالية. فكل نقطة في سلسلة المعالجة تمثل احتمالًا إضافيًا للتعرّض لمخاطر تقنية أو تنظيمية. ولهذا، يصبح تحديث عمليات إدارة المخاطر أمرًا حاسمًا. فنجاح استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بقدراتهم التقنية، بل بمدى جاهزية المؤسسات لضبط هذه المخاطر، وحماية البيانات، وبناء ثقة مستدامة لدى العملاء.
تأثير وكلاء الذكاء الاصطناعي على العلامات التجارية
لوسيا راهيلي: إذا بدأ المسافرون بالتفاعل في الأساس عبر وكلاء الذكاء الاصطناعي بدلًا من القنوات التقليدية، فهل يعني ذلك أن على العلامات التجارية إعادة التفكير في طريقة الحفاظ على حضورها وأهميتها وبناء ولاء العملاء؟ وهل ينبغي على القادة البدء في التفكير بهذا التحوّل من الآن، قبل أن يصبح واقعًا واسع الانتشار؟
جولز سيلي: مع اعتماد المسافرين بشكل أكبر على النماذج اللغوية، قد يحصلون على معلومات دقيقة ومفصّلة من دون المرور المباشر بالعلامة التجارية. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح نقطة التفاعل الأولى مع العميل، لا الموقع أو التطبيق الخاص بالعلامة نفسها. عند هذه المرحلة، يبرز سؤال واضح: إذا كان الذكاء الاصطناعي هو من يعرض الخيارات، فما الذي يجعل العلامة التجارية ما تزال مهمة؟ الإجابة تكمن في أن الذكاء الاصطناعي لا يصنع التفضيلات من الصفر، بل يعمل بناءً على ما يريده العميل أصلًا. فالعميل، حتى عند استخدامه لوكيل ذكاء اصطناعي، لا يختار وجهة السفر فقط، بل يختار أيضًا الجهات التي يثق بها. قد يحدد المدينة التي يريد الإقامة فيها، ثم يضيف تلقائيًا العلامات التجارية التي يفضّلها. وفي كثير من الحالات، يكون الذكاء الاصطناعي مدركًا لهذه التفضيلات ويأخذها في الحسبان عند تقديم الاقتراحات. لهذا السبب، ستظل العلامات التجارية التي تمتلك قيمة واضحة وهوية مميّزة حاضرة في قرارات العملاء. أما العلامات التي لا تقدّم فرقًا حقيقيًا، أو لا يعرف العميل لماذا يختارها، فستواجه صعوبة أكبر في هذا النموذج الجديد، لأن الذكاء الاصطناعي لن يعوّض غياب التميّز.
لوسيا راهيلي: هل توجد طريقة تمكّن اللاعبين الأصغر في قطاع السفر من الاستفادة من مزايا الذكاء الاصطناعي، أو من المشاركة في منظومة السفر المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، دون أن يجدوا أنفسهم خارج المشهد أو متأخرين عن الركب؟
جولز سيلي :في عالم تحرّكه وكلاء الذكاء الاصطناعي، حيث تتوافر كمّيات كبيرة من المعلومات عن تجارب السفر المختلفة، تتغيّر طريقة الظهور والاختيار. فالنماذج اللغوية لا تكتفي بعرض الخيارات الأكثر شهرة، بل تميل إلى إبراز التجارب التي تنسجم مع أذواق مسافرين متشابهين في الاهتمامات. وبهذا الأسلوب، قد تحصل العلامات أو التجارب الصغيرة والمتخصصة على مساحة ظهور أكبر مما كانت تحظى به سابقًا، بعدما ظلّت لفترة طويلة خارج دائرة الضوء رغم جودتها وتميّزها.
في المقابل، ستواجه الشركات التي تعمل بإمكانات أقل، صعوبة أكبر في الوصول إلى المستوى نفسه من النضج الذي تتمتع به المؤسسات الكبرى. فبناء أنظمة متقدمة وفهم البيانات على نطاق واسع يتطلّب موارد وقدرات لا تتوافر للجميع. وهنا يظهر تفوّق الشركات الكبرى، بقدرتها على فهم موقع العميل وتوقعاته بدقة، ثم تكييف أعمالها وخدماتها وفقًا لذلك، وهو ما يمنحها أفضلية مستمرة في بيئة يقودها الذكاء الاصطناعي.
كيف سيبدو السفر في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي
لوسيا راهيلي: أود أن أفهم الصورة بشكل أبسط. كيف سيبدو السفر في عالم يزداد فيه عدد وكلاء الذكاء الاصطناعي؟ عالم يستخدم فيه المسافر نماذج لغوية عامة للمساعدة في البحث والتخطيط، وفي الوقت نفسه تعتمد كل شركة على وكلاء خاصين بها لخدماتها. كيف سيتعامل المسافر مع هذا التعدد؟ وكيف سيتكامل دور الوكلاء العامة مع وكلاء الشركات داخل تجربة سفر واحدة؟
جولز سيلي: من المرجّح أن تمتلك كل جهة في قطاع السفر وكلاءها الخاصين. قد يكون ذلك فندقًا، أو شركة طيران، أو شركة رحلات بحرية، أو وكالة سفر إلكترونية. هؤلاء الوكلاء سيكونون مصمّمين للتعامل مع خدمات محددة، وسيطوّرون خبرة عميقة في مجالهم، أي خبرة متخصصة في السفر وكيفية استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي داخله. ومن جهة أخرى، ستبقى النماذج اللغوية الكبيرة تلعب دورًا مختلفًا. فهي لا تركز على مجال واحد بعينه، بل تمتلك معرفة أوسع بسلوك العملاء واهتماماتهم عبر مجالات متعددة. وهنا يدور النقاش اليوم: هل سينتهي الأمر بأن يقود تجربة السفر وكلاء متخصصون يملكون عمق الخبرة وتعقيد التفاصيل؟ أم أن النماذج العامة، بفضل اتساع معرفتها بالعملاء، ستبقى صاحبة الدور الأكبر في توجيه القرارات؟
لوسيا راهيلي: إذا تقدّمنا بالزمن ثلاث إلى خمس سنوات، ما أكثر شيء تتوقع أن يفاجئنا في تجربة السفر عندما تصبح وكلاء الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا منها؟
جولز سيلي: خلال السنوات المقبلة، سنشهد عددًا من التحوّلات المهمة. أبرزها التغيّر في تجربة البحث عن الرحلات وحجزها. فبدل أن تكون عملية الحجز مصدر إزعاج وإحباط، ستصبح تجربة تحمل قدرًا أكبر من الحماس والمشاعر الإيجابية.
التحوّل الثاني يتمثّل في أن كبار اللاعبين في قطاع السفر لن يحاولوا تطبيق وكلاء الذكاء الاصطناعي في كل شيء دفعة واحدة، بل سيركّزون على عدد محدود من المجالات التي يمكن أن تُحدث فيها هذه القدرات فرقًا حقيقيًا. والسؤال هنا ليس فقط: ما هذه المجالات؟ بل كيف يمكن إعادة تصميمها بالكامل من جديد؟ واليوم، ما زلنا في مرحلة يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعي لتحسين خطوات معيّنة داخل العملية، أو نقاط محددة في رحلة السفر. لكن مع نضج هذه القدرات، سيتغيّر النهج. سننتقل من تحسين أجزاء متفرقة، إلى إعادة هندسة العملية كاملة، أو رحلة السفر بأكملها، من بدايتها إلى نهايتها، بطريقة مختلفة تمامًا عمّا نعرفه اليوم.
التحوّل الثالث يرتبط بالمساعدات الصوتية والتفاعل الصوتي، وهو مجال يجري حوله الكثير من البحث حاليًا. حتى الآن، ظلّ دور الصوت في السفر محدودًا، وغالبًا يقتصر على البحث الأولي عن الرحلة. فبعد تجاوز وصف الوجهة، يصبح الاعتماد على المساعد الصوتي لعرض عشرات خيارات الفنادق أمرًا غير عملي. في هذه المرحلة، يظل العرض البصري للخيارات ضروريًا. لكن الصورة قد تتغيّر مع تطوّر القدرات. فبدل استعراض قائمة طويلة من الخيارات، قد يصبح بالإمكان تخصيص النتائج لكل عميل على حدة، اعتمادًا على البيانات المتاحة، وفهم التفضيلات، وقدرة النماذج اللغوية على المعالجة. فتخيّل أن يقترح عليك النظام فندقًا واحدًا، أو ثلاثة فنادق فقط، تتوافق فعلًا مع ما تبحث عنه من حيث السعر، ونوع التجربة، والموقع، والخدمات. عندها، ستتغيّر طريقة التفاعل مع شركات السفر بشكل جذري. فبدل البحث داخل قوائم وقواعد بيانات، ستصبح التجربة أقرب إلى حوار غني وموجّه، يفهم احتياجك ويقودك إلى خيار مناسب، لا إلى كمّ كبير من الخيارات المرهِقة.