Thriving amid turbulence: Imagining the cities of the future

تحقيق الازدهار في ظل الاضطرابات وتصوّر مدن المستقبل

تحقيق الازدهار في ظل الاضطرابات وتصوّر مدن المستقبل

تتحكم أربع قوى رئيسية في رسم ملامح مدن المستقبل؛ فكيف يمكن لهذه المدن أن تزدهر في ظل التحديات والتغيرات؟

يشهد العالم معدلات غير مسبوقة من التوسع الحضري؛ فوفقًا لبيانات الأمم المتحدة، يعيش 55% من سكان العالم في المدن حاليًا، ويتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 68% بحلول عام 2050، وهو ما يعني زيادة عدد سكان المناطق الحضرية بمقدار 2.5 مليار نسمة، وستكون المدن الصينية وحدها موطنًا لعدد هائل من السكان بقرابة 900 مليون نسمة.

ورغم أن المدن قد تبدو في حالة توسع مستمر، إلا أن نموها السكاني حدث تاريخيًا على دورات ديموغرافية. وبينما تمكنت الابتكارات الحديثة من التصدي للتحديات التي أوجدها ارتفاع عدد السكان، إلا أن ثمة عقبات جديدة حلت محل هذه التحديات؛ فعلى سبيل المثال، أثمر اختراع السيارات في أوائل القرن العشرين عن إيجاد حلول لبعض من الصعوبات المرتبطة بطول فترة الترحال، لكن تصميم المدن لاستيعاب السيارات أكثر من السكان، أدى لظهور نمط الحياة الخامل وتفاقم المشكلات الصحية.

واليوم، بدأت مشكلات جديدة ومعقدة تظهر، ومن المرجح أن تكون المدن الحالية على أعتاب أكبر تحول اقتصادي شهده العالم. وبينما تعمل الحكومات على توجيه المدن نحو المستقبل، فإننا نوصي بأن تأخذ بعين الاعتبار الأمور التالية:

  • ستكون الموهبة والتقنية والمناخ والعولمة هي العوامل والقوى الرئيسية التي ترسم وتشكّل السياق الخاص بالمدن.
  • ستكون رفاهية المواطن هي مقياس النجاح.
  • يجب تعزيز الانسجام بين المدن وسكانها لوضع وصياغة المبادرات التي تحقق المنافع.

تتناول هذه الورقة النقاشية القوى الرئيسية الأربع التي ترسم ملامح المدن المعاصرة، بدءًا من استنزاف الموارد وصولًا إلى زيادة التدويل. كما تسعى هذه الورقة إلى وضع رؤية مكونة من 14 نقطة لتحقيق ازدهار مدن المستقبل، في ضوء تعقيد وصعوبة التحديات الحالية، والتي لن يكون من السهل تجاوزها. ونأمل أن تنجح ورقتنا هذه في تفصيل العناصر التي سترسم طريق النجاح على المدى الطويل لقادة المدن، وفي توفير التحفيز والإلهام المفيدين لهم أثناء قيادتهم لمجتمعاتهم نحو المستقبل.

أربع قوى ترسم ملامح المدن

يمر العالم بحقبة تغيير تعتبر الأكثر تسارعًا بين سابقاتها، حيث تؤدي أربع قوى دورًا كبيرًا في التأثير على الطريقة التي تتطور بها المدن، وهي: التنافس على الكفاءات البشرية، وتزايد الترابط العالمي، وهيمنة العنصر البشري على العصر فيما يعرف بـ”عصر الأنثروبوسين“، والدور المتنامي للتكنولوجيا.

1. التنافس على الكفاءات البشرية

يمكننا القول إن التغيرات السكانية تلعب دورًا كبيرًا في التأثير على التنافس على الكفاءات البشرية في المناطق الحضرية.

ففي الفترة بين عام 2000 إلى عام 2012، كان ارتفاع عدد السكان هو المحرك الرئيسي للنمو الحضري، حيث يعزى حوالي 60%من نمو الناتج المحلي الإجمالي للمدن الكبرى إلى زيادة عدد السكان بشكل أساسي، في حين يمكن تعليل النسبة المتبقية البالغة 40%بارتفاع دخل الفرد. ومع ذلك تعيش المدن الآن آثار تحول ديموغرافي مزدوج؛ أولاً، تشهد وتيرة الهجرة إلى المناطق الحضرية تراجعًا في العديد من المناطق. وثانيًا، ينخفض معدل النمو السكاني العالمي بسبب انخفاض معدلات الخصوبة وازدياد أعداد السكان ضمن فئة كبار السن (الشكل التوضيحي 1).

ويرتبط تأثير هذه التحولات الديموغرافية على المدن بتحولها من بيئات ريفية إلى حضرية، ففي أوروبا والولايات المتحدة، التي شهدتا التحول في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، يعيش 80 إلى 85% من السكان الآن في المدن. وفي المقابل، يقترب سكان الصين من منتصف الطريق لهذا التحول، حيث يشكل سكان المدن حوالي 50%من إجمالي السكان. أما في الهند، التي تشهد حاليًا باكورة التحول، يعيش حوالي 20%فقط من السكان في المدن.

ومع ازدياد التحول من المناطق الريفية إلى الحضرية وزيادة فئة كبار السن ضمن شرائح السكان، سينخفض عدد الشباب واليافعين (الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و29 سنة). وبحلول عام 2025، سينخفض عدد الشباب في أكثر من 60%من المدن الكبرى في المناطق المتقدمة و47%في المناطق النامية أكثر مما هو عليه اليوم. ووفقًا للمسح الذي أجريناه على أكثر من 1500 مدينة في البلدان المتقدمة والنامية، يتراوح متوسط أعمار السكان حاليًا ما بين 23 عامًا في شيلونج، الهند، إلى 48 عامًا في بونتا جوردا، فلوريدا.

ويؤدي انخفاض عدد الشباب إلى ازدياد المنافسة على المواهب بطبيعة الحال. وفي حين يجب على المدن استقطاب الشركات التي ستزيد من عدد الوظائف، فإنها ستحتاج أيضًا إلى إنشاء بيئات حيوية صالحة للعيش من شأنها أن تستقطب الكفاءات عالية المهارة.

2. ازدياد الترابط العالمي

أضفت الهجرات التي طرأت على مدى العقدين الماضيين حالة من الضبابية على الحدود الجغرافية، ففي حين أن بعض المدن أصبحت عالمية بالفعل، بات البعض الآخر يعمل بنشاط على تطوير السياسات والبنية التحتية لجذب السكان الأجانب.

وتُعد مدينة دبي حاليًا أكثر مدن العالم من حيث تنوع السكان، حيث يشكل المقيمون الأجانب 83% من سكانها (الشكل التوضيحي 2). وينحدر سكان دبي من أكثر من 200 دولة ويتحدثون أكثر من 140 لغة مختلفة، وبعد دبي تأتي بروكسل، التي تبلغ نسبة سكانها الأجانب 62%من الإجمالي؛ وينحدر سكانها مما يقرب من 140 دولة ويتحدثون 86 لغة مختلفة.

ينجم عن ضبابية الحدود الجغرافية هذه آثار اقتصادية مهمة، ووفقًا لتقديرات ماكنزي، فإن التدفقات العالمية (من السلع والخدمات والأصول والأشخاص) تساهم سنويًا في الناتج المحلي الإجمالي العالمي بما يتراوح ما بين 250 مليار دولار و450 مليار دولار، أي ما بين 15 إلى 25%من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتزيد الفائدة التي تجنيها الاقتصادات المتقدمة من الناتج الإجمالي المحلي بواقع 40% عن نظيراتها النامية، بحكم كونها أكثر ترابطًا.

يصنف مؤشر الترابط الصادر عن مركز ماكنزي العالمي للأبحاث الدول حسب الكثافة السكانية وحصة إجمالي تدفقات السلع والخدمات والتمويل والأشخاص والبيانات والاتصالات. ووفقًا لهذا المؤشر، تتصدر ألمانيا التصنيف العام للترابط، وتأتي هونغ كونغ في المرتبة الثانية، أما الولايات المتحدة فتأتي في المرتبة الثالثة. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الاقتصادات الناشئة، مثل البرازيل والصين والهند والمغرب والمملكة العربية السعودية، تصبح أكثر ترابطًا بشكل سريع. وسيواصل تدفق المعرفة المتزايد نتيجة لتبني الرقمنة ويتفوق على تدفقات رأس المال البشري، في فتح المزيد من فرص الأعمال التجارية.

ويمكن أن تكون المدن بمثابة نقاط الالتقاء الرئيسية لهذه التدفقات العالمية، مما يحفز توليد الوظائف والمخرجات الاقتصادية بجودة عالية، علمًا بأن هناك ست مدن كبرى فقط - دبي ولندن وهونج كونج ونيويورك وسنغافورة وطوكيو – تمثل مراكز كبرى لجميع أنواع التدفقات، وهو ما يشير إلى وجود فرص كبيرة للمدن الأخرى كذلك.

3. عصر الأنثروبوسين

أدى النمو الحضري إلى زيادة المخاطر المتعلقة بالموارد بالنسبة لمدن العالم، وتشير الدراسة التي أجرتها ماكنزي لأكثر من 2600 مدينة عالمية إلى أن المدن تكون معرضة لثلاثة أنواع من الضغط على طلب الموارد واستنزافها:

لضغط المستمر: يشهد الضغط المستمر على موارد المياه والطاقة والإمدادات الغذائية السائد في أجزاء معينة من العالم انتشارًا سريعًا، ويتوقع، بحلول عام 2030، أن يفوق الطلب على المياه العرض بشكل كبير في العديد من المدن في الهند والصين وإفريقيا والأميركتين. كما يرجح، بحلول عام 2025، أن تعاني العديد من المدن في العالم النامي من نقص إمدادات الطاقة، بسبب الزيادة المتوقعة في الطلب، بالإضافة إلى انخفاض إمكانية الحصول على الكهرباء (الشكل التوضيحي 3).

الضغط الحاد: ينتج هذا النوع من الضغط على طلب الموارد عن التعرض لمخاطر الأحداث المرتبطة بالطقس، ويتركز في المدن الآسيوية وكذلك المدن الساحلية في الأميركتين. ومن الجدير بالذكر أن الصين الساحلية معرضة لخطر الفيضانات والأعاصير، في حين أن شمال الهند تكون عرضة للفيضانات والجفاف. ويتعرض ساحل المحيط الهادئ لأمريكا اللاتينية للفيضانات، ويجب على الولايات الساحلية في الولايات المتحد الأمريكية مكافحة الأعاصير والفيضانات.

الضغط الاجتماعي: يمكن أن ينتج الضغط الاجتماعي على طلب الموارد عن سوء الإدارة والحوكمة والتوسع الحضري السريع بشكل مفرط والتوزيع غير العادل للثروات والبطالة في صفوف الشباب. ومع نمو الناتج المحلي الإجمالي، تشهد حالة استنزاف الموارد والضغط الاجتماعي عليها انخفاضًا في الغالبية العظمى من المدن.

وبشكل عام، فإن ثلثي المدن التي قمنا بتحليلها على مستوى العالم عرضة لواحد على الأقل من أنواع الضغط والاستنزاف الأربعة المذكورة (الشكل التوضيحي 4).

هناك 3 اتجاهات من شأنها زيادة الأثر المترتب على هذه الأنواع من الاستنزاف والضغط:

الوتيرة المتزايدة لحالات الضغط الحاد على الموارد: بات عدد الكوارث الطبيعية يتزايد في الآونة الأخيرة؛ فالعدد الإجمالي للكوارث الطبيعية التي وقعت بين عامي 2010 و2014 مماثل لتلك التي حدثت بين عامي 1980 و1991، وهي فترة أطول من سابقتها بثلاث مرات تقريبًا. ونتيجة لذلك، تزايدت حالات النقص والعجز في الغذاء والمياه.

التأثير المضاعف لتعدد حالات الضغط: تشتد حالات الضغط الحاد على الموارد في وقت تواجه فيه المدن أيضًا تحديات مستمرة وأكثر شدة، حيث تؤدي زيادة حالات الضغط المستمر والضغط الاجتماعي على الموارد، إلى دفع مجموعات السكان منخفضة الدخل إلى الأحياء الفقيرة والعشوائيات المعرضة للفيضانات والانهيارات الأرضية والكوارث الطبيعية الأخرى.

انتشار أثر حالات الضغط على الموارد: تؤدي زيادة الترابط العالمي بين المدن إلى أن تصبح تلك المدن أكثر عرضة لآثار الأحداث البعيدة مما كانت عليه في الماضي؛ حيث يمكن أن يؤدي حدث ضاغط ما في جزء من العالم، مثل صراع سياسي، إلى حدوث تداعيات تتمثل في تدفق اللاجئين وحالات انقطاع في سلاسل الإمداد.

4. الدور المتنامي للتكنولوجيا

يمكن للتقنيات المبتكرة والتغييرية أن تحدث تحولًا في الطريقة التي تعمل بها المدن حاليًا (الشكل التوضيحي 5).

تحفز هذه التقنيات الاتجاهات العالمية الحديثة المختلفة، والتي تشمل:

ثورة المشاركة: أدى الاستخدام المتزايد للمنصات الرقمية واستعداد العملاء لاستخدام تطبيقات الهاتف المحمول إلى تحفيز تطوير اقتصاد المشاركة، حيث أصبحت نماذج الأعمال بين الأقران ومشروعات الأعمال الريادية المشتركة أكثر شيوعًا. ويُعد التنقل في المناطق الحضرية - مشاركة رحلات وسائل المواصلات، ومشاركة الدراجات العامة، ومواقف السيارات الذكية - هو مجرد مجال واحد من المجالات التي شهدت تحولًا كبيرًا. ويتوقع أن تشهد قطاعات المشاركة مثل التنقل والتمويل العقاري في الفترة ما بين 2013 و2025 نموًا بشكل أسرع بكثير من القطاعات التقليدية غير القائمة على المشاركة، كما يتوقع أن تنمو إيرادات الاقتصاد التشاركي بنسبة 35 بالمائة سنويًا تقريبًا، أي أسرع بعشر مرات من الاقتصاد الإجمالي. ويشار إلى أن هناك أكثر من 50 مؤسسة معنية بالاقتصاد التشاركي في كل من المملكة المتحدة وفرنسا.

المدن الأكثر ذكاءً: بعد عقد من التجارب، تدخل المدن الذكية أيضًا مرحلة جديدة؛ فعلى الرغم من أن الحلول الرقمية ليست سوى واحدة من الأدوات اللازمة لجعل المدينة رائعة، إلا أنها تُعد الإضافات الأكثر قوة وفعالية من حيث التكلفة مقارنة بما شهدناه منذ سنوات عديدة. ووفقًا لمركز ماكنزي العالمي للأبحاث، يمكن للحلول الرقمية أن تحسن بعض مؤشرات جودة الحياة بنسبة تصل إلى 30%. فعلى سبيل المثال، تستخدم عملية إيجاد الروابط بين الجرائم في الوقت الحقيقي التحليل الإحصائي لتسليط الضوء على الأنماط والأساليب الجرمية، في وقت تتقدم فيه أعمال الشرطة الوقائية خطوة للأمام، لتتنبأ بالجرائم وتتجنب الحوادث قبل وقوعها. ومن الأمثلة الأخرى على هذه الحلول أجهزة استشعار إنترنت الأشياء على أنظمة البنية التحتية القائمة والتي يمكن أن تساعد فرق العمل على حل المشكلات قبل أن تتحول إلى حالات تعطل وتأخير.

الاقتصاد الدائري أو المستدام: تعمل المدن اليوم في إطار نظام اقتصادي عالمي يعتمد على نموذج الإنتاج والاستهلاك الخطي المتمثل بـ”الأخذ والتصنيع والهدر“. ويمكن للتكنولوجيا أن تمكّن المدن من الانتقال إلى اقتصاد دائري يتم فيه تصميم المنتجات بحيث تصبح أكثر استدامة، وتُعامل فيه الموارد باعتبارها أصول ذات قيمة. كما ستتيح التقنيات الرقمية زيادة القدرة على التصور، وإزالة الطابع المادي، وزيادة الشفافية فيما يتعلق باستخدام المنتجات وتدفقات المواد، بالإضافة إلى جمع المعلومات من الآراء والملاحظات. وفي الوقت نفسه، سوف تمكّن هذه التقنيات من جمع وتحليل البيانات المتعلقة بالمواد والأشخاص والظروف الخارجية. ولهذه الأسباب، تعد التقنيات الرقمية ضرورية لتحديد تحديات تدفقات المواد في المدن وتحديد المجالات الرئيسية التي تحدث فيها حالات الهدر الهيكلية وتحديد الحلول طويلة المدى القابلة للتطبيق.

إلا أن التقنيات الرقمية تشكل كذلك تهديدًا كبيرًا، يتمثل في حالات اختراق البيانات؛ فوفقًا لتقرير مؤشر مستوى الاختراق 2017 لشركة جيمالتو، تم اختراق ما يقرب من 4 ملايين سجل بيانات كل ساعة خلال النصف الأول من عام 2017. وكانت سرقة الهوية هي أكثر أنواع خرق البيانات شيوعًا.

رؤية خاصة بمدن المستقبل

بينما يعتبر تلبية احتياجات السكان من أهم واجبات المدن، فقد خلص استطلاع آراء سكان 25 مدينة رئيسية أجرته ماكنزي، إلى أن خُمس هذه المدن أخفقت في تحقيق الشعور بالرضا لدى سكانها، حيث أشار المشاركون في الاستطلاع إلى العديد من أوجه القصور والتي تمثلت بالجريمة، والازدحام، والاستجابة لحالات الطوارئ، وإدارة النفايات، وخيارات التنقل النشطة، والأمن الشرطي، ومحدودية خدمات المرافق الأساسية، والنقل العام، فضلًا عن تردي نوعية السكن والخدمات الحكومية. ونظرًا للمنافسة الشرسة على المواهب في مختلف المدن، فمن المرجح أن يعرب سكان المدن الذين لا يشعرون بالرضا عن عدم الارتياح، ويغادرون إلى بيئات أكثر جاذبية.

لذلك، وسعيًا لتحقيق النجاح، يجب على قادة المدينة إعطاء الأولوية لرفاهية سكانها، إلى جانب الاستدامة، وغيرها من الاحتياجات الأساسية. وسيكون من مهام مدن المستقبل الناجحة أن تعتمد منظومة نابضة بالحياة وتتسم بالسلاسة والمرونة على غرار نموذج ”العيش والعمل واللعب“، مع الاستفادة من الفرص الجديدة وتخفيف المخاطر والتحديات.

ستتميز أفضل مدن المستقبل بالخصائص التالية (الشكل التوضيحي 6):

  1. بيئة عمل تجذب أفضل المواهب العالمية: بفضل وجود أماكن وساعات عمل مرنة، وتوفير الراحة من خلال اعتماد التكنولوجيا، ستتمتع المدينة المثالية باقتصاد متعدد المهارات مدعوم بالموظفين والأفراد الذين يتمتعون بالتدريب والتعليم اللازمين للتكيف مع متطلبات العمل المتغيرة.
  2. المرونة والاستدامة البيئية: يمكن للمدن أن تصبح بيئة منتجة للطاقة والغذاء من خلال توفير البيئة التي تستفيد من مواد البناء الجاهزة وأساليب البناء والإنشاء الكفؤة.
  3. تقليل الازدحام وصولًا إلى إنهائها: سينتج التحول في أنماط حركة المرور المزيد من التنقل النشط، ومناهج جديدة في العمل وساعات العمل، وحلول التنقل المستدامة مثل السيارات الكهربائية ذاتية القيادة، وزيادة القدرة المستغلة للمركبات (على سبيل المثال، من خلال مشاركة السيارة)، والتصميم المبني على الوعي لتدفق المواد والبضائع.
  4. الهواء الخالي من التلوث ودرجات الحرارة المثلى والتعرض الكافي لأشعة الشمس: سيكون من المهم أن يتميز التصميم الحضري بشبكة من المتنزهات والحدائق والواجهات الخضراء المترابطة، والهندسة المعمارية التي تحقق الاستغلال الأمثل للرياح والظل، والاستخدام المتزايد للطاقة المتجددة.
  5. سلسلة إمدادات مياه نظيفة دون هدر: ستعمل الطاقة المتجددة على تحلية المياه وتنقيتها، وستعمل أنظمة إدارة المياه المتطورة على مستوى كل من المدينة والمستخدمين (السكان).
  6. سهولة الوصول إلى الغذاء الصحي والطازج وبأسعار معقولة: إن من شأن اعتماد الزراعة الحضرية والرأسية عالية الإنتاجية، باستخدام أحدث التقنيات، مع دعمها بسلسلة التوريد المثلى، ضمان حصول الأفراد على أفضل أنواع الغذاء وأجودها.
  7. دعم أنماط الحياة النشطة: يمكن تصميم المدينة كصالة للألعاب الرياضية، بحيث تضم أحياءً خالية من السيارات أو منظمة لتشهد حركة سيارات خفيفة، لتتيح شوارعها وطرقاتها وساحاتها العامة ممارسة المشي وركوب الدراجات.
  8. المناظر الطبيعية والساحات العامة الملهمة: يساعد تصميم هذه الأماكن بشكل هادف ومبني جزئيًا على الأقل من قبل السكان أنفسهم، على خلق إحساس قوي بالارتباط المجتمعي والعاطفي.
  9. ستمكّن البروتوكولات المجتمعية متعددة المستويات من تقديم الخدمة والتفاعل المجتمعي على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.
  10. السيطرة على الجرائم بنوعيها المادي والافتراضي: إن المراقبة القائمة على الذكاء الاصطناعي للشبكات المادية والافتراضية ونظام سجل عام شامل وشفاف من شأنه أن يجعل التنبؤ والوقاية من الأنشطة غير القانونية ممكناً، مع مراعاة اعتبارات الخصوصية.
  11. الحماية ضد المخاطر الطبيعية والتي يصنعها الإنسان: سيساعد نظام متكامل يشمل أجهزة الاستشعار المناخية وأنظمة البنية الأساسية للمدن ووكلاء المدن على حماية المدن من الكوارث الطبيعية وحالات تردي البنية التحتية.
  12. الرعاية الوقائية المتطورة: إن الابتكارات مثل الأجهزة الذكية القابلة للارتداء، وأدوات النظافة، والبيوت الذكية، وأنظمة الاستجابة لحالات الطوارئ الحديثة ستجعل من الممكن توفير رعاية وقائية فعالة بحق.
  13. الخدمات الحكومية المسؤولة والفعالة: وستتم مقارنة أداء الخدمة التي يتم تقديمها بأسلوب موزع ومعتمد على التقنية ودرجة عالية من مشاركة المواطنين، طبقًا لاتفاقيات مستوى الخدمة.
  14. سهولة الوصول إلى مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأنشطة اللامنهجية المرغوبة. سيتمكن المواطنون من المشاركة بسهولة في الفعاليات الترفيهية والرياضية والفنية والثقافية والروحانية.

وبينما لا تشكل هذه الخصائص بأي حال من الأحوال وصفًا شاملًا لمدينة المستقبل، ولا تمثل المسار الوحيد لبناء مدينة، إلا أنها الخصائص التي ركز عليها كبار المفكرين والباحثين الرائدين بالمدن، بالإضافة إلى قيادات ومخططي المدن، الذين استطلعت ماكنزي آراءهم. وإذ نضع بين أيديكم هذه السمات والخصائص، فإننا نأمل أن تساعد قادة المدن المختلفة على تطوير رؤى تتناسب مع سياق مدنهم وثقافاتها.

وتجدر الإشارة إلى أننا تعمدنا عدم ترتيب الخصائص بحسب أهميتها، ولم نقدم أي تقديرات حول ما قد يرتبه اعتمادها وتحقيقها من تكاليف، حيث أن كلا الأمرين يتباين بحسب المدينة، ويتطلب تحليلًا كبيرًا لسياق المدينة لتحديده.

طريق المستقبل

سيكون على كل مدينة تصميم رحلتها المستقبلية بطريقة تتلاءم مع القيود والتحديات التي تواجهها دونًا عن غيرها، وتعتمد الإجراءات التي يتوجب على قادة المدن والمستثمرين والشركات الرئيسية والمقيمين وغيرهم من الأطراف المعنية اتباعها، على مستوى النضج في المدينة في مجموعة واسعة من المجالات، بما في ذلك التركيز على العنصر البشري، والبنية التحتية والاستقرار السياسي والتدخلات التكنولوجية ومشاركة المواطنين والسلامة. ويمكن أن يساعد اتباع نهج يقوم على ثلاثة جوانب، في بدء هذه العملية:

  1. فهم مشاعر المواطنين وملاحظاتهم والارتقاء بها لتوجيه الجهود المستقبلية في الاتجاه الصحيح. يمكن استخلاص مشاعر المواطنين من مصادر مختلفة وبمستويات متعددة من الدقة، ويمكن أن تساعد تحليلات شبكات التواصل الاجتماعي وبوابات البيانات المفتوحة التي تسلط الضوء على المشاكل المحلية، وأجهزة الاستشعار التي تلتقط أنماط الاستهلاك، والدراسات الاستقصائية التي يجريها طرف ثالث، والدراسات الرسمية، في هذا المجال.
  2. إطلاق المبادرات الجريئة للمقاطعات أو الأحياء، لإيجاد أسباب التغيير والزخم اللازمة لتحقيقها. وعلى الرغم من أن تحقيق الرؤية سيتطلب تركيزًا على المدى الطويل، وتوافقًا مع الأطراف المعنية، فضلًا عن رأس المال القادر على التحمل طويل المدى والعمل على توزيع الموارد، فإنه لا ينبغي لقادة المدن أن يترددوا في إحداث تغيير مهما كان قليلًا ومحدودًا حيثما أمكن ذلك؛ فيمكن أن يؤدي بناء الحدائق والمتنزهات في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، وتحسين القدرة على المشي، وإنشاء بوابة الحكومة الإلكترونية لخدمات محددة، وتطوير تقويم الأحداث العامة، واعتماد تقنيات للأمن إلى إحداث تغيير ذي جدوى.
  3. تهيئة المشهد لجهد متكامل من شأنه أن يحول المدينة وإدارتها إلى بيئة فعالة تركز على المواطن. سيكون من المهم إنشاء وحدة إنجاز مخصصة تركز على تقصي الحقائق واستخلاص الخيارات وتحقيق توافق الآراء. وستحتاج الوحدة إلى فهم المساهمة النسبية للسكان والإنتاجية في نمو الناتج المحلي الإجمالي التاريخي للمدينة لتحديد الأهداف للتدفقات العالمية في مجالات السلع والخدمات والشؤون المالية والأفراد. كما سيكون من الضروري فهم اتجاهات الهجرة المحلية والدولية، والتي سيكون لها تأثير كبير على مخزون المواهب المستقبلي. ومما لا بد من ذكره أن الوحدة ستحتاج إلى فهم مكانة المدينة وموقعها في الرحلة نحو الوصول إلى المدينة الذكية. وهذه مجرد أمثلة قليلة من المجالات التي يتعين على المدن التركيز عليها لإحداث تغير تحولي.

ستكون لكل مدينة من مدن المستقبل خصائص فريدة ستساعد جميعها في تحقيق الرفاه الحضري. وفي مواجهة تزايد الاضطرابات العالمية، سيكون قادة المدينة الذين ينجحون في الحفاظ على النمو هم أولئك الذين يدركون ويعززون نقاط القوة الفريدة من نوعها لكل مدينة.

نبذة عن الكتّاب

جو فريم مستشار في مكتب ماكنزي في دبي، بينما يعمل فينيت راجادياكشا كشريك مساعد؛ وجوناثان فولتيل هو شريك رئيسي في مكتب شنغهاي.