Skip to main content

مراجعة الإنفاق: منهجية أكثر كفاءة لضمان تحقيق أفضل قيمة مرجوة في المالية العامة

تسهم مراجعة الإنفاق العام في توفير رؤى مهمة حول مخصصات الميزانية، مما يؤدي إلى تقديم توصيات من شأنها تمكين الحكومة من زيادة الإنتاجية ورفع الكفاءة التشغيلية.

أصبحت إدارة الموارد المالية العامة بكفاءة وتقديم الخدمات بأقل تكلفة ممكنة من الضروريات الحتمية للحكومات في جميع أنحاء العالم. وهذا بدوره يتطلب من بعض الحكومات إيجاد حلول بعيدة عن أطر الميزانيات التقليدية واعتماد نهج أكثر ابتكارًا في إدارة الماليات العامة من خلال إجراء مراجعة للإنفاق العام.

تسهم مراجعة الإنفاق العام في توفير رؤى مهمة حول مخصصات الميزانية، مما يؤدي إلى تقديم توصيات من شأنها تمكين الحكومة من زيادة الإنتاجية ورفع الكفاءة التشغيلية. علاوة على ذلك، تثمر مراجعة الإنفاق العام عن تعزيز الشفافية من خلال تعريف المواطنين بأسباب وطرق إنفاق الأموال العامة.

لا توجد صيغة موحدة لمراجعة الإنفاق العام، ويمكن للحكومات وضع أطر العمل المناسبة لها حسب احتياجاتها واستنادًا إلى أولوياتها. ولكن هناك منهجيات يمكنها المساعدة في دعم الاستدامة وزيادة فرص التمتع بالمزايا المتاحة. ومن بين هذه المنهجيات وضع خطوط مرجعية مالية وتشغيلية شاملة وفهم العوامل المحركة الأساسية للتكاليف وقياس كفاءة الإنفاق لتحديد فرص التحسين وتقديم التوصيات لتحسين الكفاءة أو إعادة تخصيص الموارد.

وتحقق الحكومات التي تطبق هذه الأسس الاستراتيجية نجاحًا على الأرجح في ابتكار توجهات جديدة من مراجعة الإنفاق المصممة بدقة والتي تتسم بالموثوقية والكفاءة والوفرة.

مراجعة الإنفاق: أداة فعالة لإدارة عملية وضع الميزانيات

تسهم مراجعة الإنفاق في مساعدة الحكومات على فهم متطلبات الإنفاق العام بشكل أفضل وتحديد الفرص السانحة لتحقيق الكفاءة المطلوبة. ومع ذلك، تختلف مراجعة الإنفاق عن المستهدفات العامة للميزانيات والمفاوضات السياسية التي لا تزال شائعة في الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إذ أن مراجعة الإنفاق عبارة عن تقييمات مفصلة لمجالات محددة للإنفاق بهدف زيادة الشفافية وتحسين الكفاءة وإعادة تخصيص الموارد إذا لزم الأمر.

وقد استخدمت حكومات عدة مراجعة الإنفاق لتعزيز أداء الإنفاق لديها.

تعمل حكومة المملكة المتحدة على إجراء مراجعة للإنفاق كل فترة تتراوح من عامين إلى خمسة أعوام ضمن عملية وضع الميزانية لديها. وفي عام 2015، أنشأت وزارة الخزانة البريطانية، بالشراكة مع إدارات حكومية، وحدة جديدة معنية بتقييم التكاليف بهدف إجراء مراجعة سريعة كل ستة أو ثمانية أسابيع لمجالات الإنفاق الحكومي. وقد أنجزت الوحدة منذ تأسيسها عددًا من المراجعات التي تركز على النفقات التشغيلية في مجالات تتراوح من التعليم المهني إلى إجراءات العدالة الجنائية.

كذلك، أجرت الدنمارك أكثر من 50 مراجعة للإنفاق على خدمات تتراوح من وضع السياسيات إلى مهام الدعم الإداري في مختلف الإدارات الحكومية. وتحدد وزارة المالية الدنماركية عادة مراجعات عديدة للإنفاق لإجرائها كل عام. وأصبحت هذه المراجعات أساسًا لإعادة تخصيص الموارد وبرامج الإنفاق، بالإضافة إلى تحديد توجهات مفاوضات الميزانية.

وفي السويد، انصب تركيز مراجعة الإنفاق العام بشكل أساسي على كفاءة استخدام رأس المال (في قطاعات الطرق السريعة والسكك الحديدية على سبيل المثال) وتقديم الخدمات (من خلال مصلحة الهجرة السويدية على سبيل المثال).

وحققت مراجعة الإنفاق أثرًا كبيرًا في دول عدة، ففي المملكة المتحدة، عززت مراجعة الإنفاق التي أجرتها الحكومة الشفافية بشأن أكثر من 20 مليار جنيه إسترليني من الإنفاق العام السنوي الذي خضع للمراجعة، فضلاً عن إتاحة نهج جديد لوضع تصورات لأوجه الإنفاق الحكومي عبر 25 دائرة حكومية. وفي الدنمارك، ساعدت مراجعة الإنفاق الحكومة في تحقيق وفورات سنوية بلغت 1 مليار يورو من عدة برامج حكومية ووزارية على مدى خمس سنوات.

تصميم آلية لمراجعة الإنفاق: القرارات الرئيسة

لا يوجد نموذج موحد لمراجعة الإنفاق. لذلك، وضعت الحكومات آليات خاصة بها وفقًا لأولوياتها وهياكلها المؤسسية المختلفة. ومع ذلك، هنالك ثلاث مجالات واسعة النطاق يجب على الحكومات اتخاذ قرارات استنادًا إليها:

  • التكوين المؤسسي: يجب على الحكومات أن تحدد الوزارات أو فرق العمل المسؤولة عن إجراء مراجعة الإنفاق. ويجب أن يكون مقر الجهة المسؤولة عن المراجعة في مؤسسة تتمتع بالصلاحيات الرسمية وغير الرسمية الكافية لتنفيذ التنسيق اللازم للعملية. وقد تبنت الدول، التي أجرت مراجعة للإنفاق العام، مجموعة متنوعة من الآليات. ففي المملكة المتحدة والدنمارك على سبيل المثال، تقود وزارة الخزانة في بريطانيا ووزارة المالية في الدنمارك عملية مراجعة الإنفاق، وذلك بالشراكة مع إدارات معنية أخرى. وعلى النقيض من ذلك، أسندت إسبانيا مسؤولية مراجعة الإنفاق لهيئة مالية مستقلة، في حين أن إيطاليا أسندتها لمفوض معين بقرار سياسي. وعادة ما تكون فرق العمل المكلفة بإجراء مراجعة الإنفاق صغيرة الحجم وتتألف من أفراد من الوزارات والإدارات المعنية. وفي المملكة المتحدة، يقوم فريق وزارة الخزانة، المؤلف من عشرة أفراد تقريبًا، بإجراء مراجعتين أو ثلاث مراجعات في نفس الوقت. ومن المستحسن التحديد مسبقًا ما إذا كانت التوصيات بغرض تقديم المشورة أو أنها إلزامية.
  • النطاق: يجب على الحكومات أن تحدد نطاق بنية المراجعة وموضوعها. ويُعد تحديد النطاق مهمًا نظرًا لتأثيره على طبيعة عملية التحليل وتقديم التوصيات. على سبيل المثال، ينصب تركيز مراجعة النفقات التشغيلية عادة على تكاليف العمالة والإنفاق الخارجي وعمليات الدعم الإداري، في حين تتناول مراجعة المشروعات الرأسمالية حجم هذه المشروعات ومواصفاتها وتوقيتها وكفاءة إنجازها. وبالنسبة لمراجعة المدفوعات التحويلية، فإنها تتناول غالبًا قضايا مثل الأهلية والاستحقاق والاحتيال والأخطاء المرتكبة في هذا السياق. وفي بعض الحالات، يتطلب الأمر توفر مجموعة مختلفة من المهارات والقدرات استنادًا إلى نطاق العمل. على سبيل المثال، تختلف مراجعة الإنفاق الخارجي والمشتريات اختلافًا واضحًا عن مراجعة الاحتيال والأخطاء التي تنطوي عليها المدفوعات التحويلية. وقد اختارت الدول أن تركز في مراجعة الإنفاق على مجالات مختلفة من الإنفاق العام. ففي المملكة المتحدة، تناولت المراجعات بشكل أساسي النفقات التشغيلية؛ إذ تسعى الحكومة إلى خفض التكاليف التشغيلية بنسبة 30 إلى 40 بالمئة في بعض الوزارات منذ عام 2010. وفي السويد، انصب تركيز مراجعة الإنفاق في البداية على المشروعات الرأسمالية، ولكن نطاق أعمالها اتسع مؤخرًا ليشمل مجالات أخرى.
  • معايير اختيار المراجعة الفردية: تُجري الحكومات في العادة ما يصل إلى عشر مراجعات فردية سنويًا غير أنها قد تتبع معايير مختلفة لتحديد هذه المراجعات. ومن أهم القرارات التي تتخذها الحكومات لهذه المراجعات هو أن تحدد إن كان يجب التركيز على وزارة أو جهة معينة أو أنه يجب التركيز على مشكلات تغطي عدة مجالات حكومية (على سبيل المثال، العدالة الجنائية والرعاية الاجتماعية). ويمكن للمراجعات الشاملة تناول المشكلات المعقدة، بما في ذلك تكاليف التعاملات الناجمة عن التنسيق بين الحكومات، بيد أنها أكثر صعوبة في إجرائها وتنفيذها. علاوة على ذلك، تحتاج الحكومات إلى اتخاذ قرار بشأن حجم الإنفاق قيد المراجعة؛ هل هو ضئيل للغاية وليس من المحتمل أن تكون المراجعة ذات أهمية؟ أم هل هو كبير جدًا وقد يكون من المستحيل استخلاص رؤى فعلية في الوقت المتاح لذلك؟ في المملكة المتحدة، انصب تركيز معظم المراجعات على مجالات تبلغ نفقاتها السنوية 1 مليار جنيه إسترليني على الأقل.

لا توجد خيارات صحيحة أو خاطئة فيما يتعلق باختيار أبعاد المراجعات وغاياتها. ولكن، يجب أن تتماشى هذه الخيارات مع الأولويات الوطنية والهياكل الحكومية والحقائق السياسية. ومع ذلك، من المهم التأكد من أن هذه الخيارات تتواءم مع بعضها البعض بحيث يُكوّن الفريق الذي يُجري المراجعات رؤية مفيدة ويوصي بتغييرات مُجدية.

إجراء مراجعة الإنفاق

على الرغم من الخيارات المختلفة المتعلقة بالتكوين المؤسسي ونطاق المراجعة ومعايير تحديدها، إلا أن ثمّة تقارب بين الحكومات بشأن نهج إجراء مراجعة الإنفاق يتمثل في تحديد خطوط مرجعية مالية وتشغيلية شاملة وفهم العوامل المحركة الأساسية للتكاليف وقياس كفاءة الإنفاق لتحديد فرص التحسين وتقديم التوصيات لتحسين الكفاءة أو إعادة تخصيص الموارد.

تُجرى مراجعة الإنفاق عادةً من قبل فرق عمل تتميز بمرونة تكوينها وتتألف من خمسة إلى عشرة أشخاص من وزارة المالية والوزارات التي تقدم الخدمات في المجال الخاضع للمراجعة. وتُمنح فرق العمل هذه فترة زمن معقولة تتراوح بين ستة أسابيع وستة أشهر، إذ يتم تحديد هذه الفترة حسب حجم المراجعة وتعقيدها. وعادة ما تتكون مراجعة الإنفاق من أربع مراحل رئيسة.

1. وضع خطوط مرجعية مالية وتشغيلية شاملة

تتم مراجعة الإنفاق في شكلها المبدئي غالبًا عندما يتم وضع خطوط مرجعية مالية وتشغيلية شاملة لأحد مجالات الإنفاق العام. بمعنى أسهل، يوضح الخط المرجعي المالي المقدار المُنفَق، والجهة المنفقة، وسبب الإنفاق، بينما يلقي الخط المرجعي التشغيلي الضوء على الأنشطة الممولة من الإنفاق العام ومخرجاتها.

وتتمثل المهمة الأولى في الاتفاق على تصنيف موحد للمدخلات والمخرجات والنتائج وكيفية قياسها بواسطة الحكومة، مما يسمح بإجراء مقارنات لأوجه التماثل، وربما الكشف عن المستهدفات المتضاربة عبر الوزارات أو عدم تحقق نتائج محددة. على سبيل المثال، من شأن إدراك الفرق بين التمويل والميزانية من جهة، والتكاليف من جهة أخرى أن يكشف عن أي عجز أو فائض. وتتمثل المدخلات في التمويل أو الميزانية المقدمة والتكاليف المتكبدة على مستويات فئات التكلفة (على سبيل المثال، العمالة وتكاليف المباني والإنفاق الخارجي) ومركز التكلفة (على سبيل المثال وحدة تشغيل مثل مدرسة أو مستشفى أو مركز هجرة)، بينما تكون المخرجات الآثار المباشرة للإنفاق. وتركز النتائج على التأثيرات غير المباشرة أو طويلة الأجل.

عندما راجعت وزارة الخزانة البريطانية نظام التعليم الإضافي في إنجلترا في عام 2015، حددت مجموعة مشتركة من فئات التكلفة التي يمكن مقارنتها عبر المؤسسات وتحليلها على مستوى المؤسسة التعليمية الفردية (أي مركز التكلفة). ثم حددت وزارة الخزانة المخرجات المباشرة (مثل شرح درس) والنتائج (على سبيل المثال، اكتساب الطالب للمؤهلات والزيادة المحققة على مستوى الدخل مدى الحياة)، مما يُكوّن نظرة شاملة حول العلاقة بين المدخلات والمخرجات والنتائج.

تتمثل الخطوة التالية في وضع خط مرجعي مالي شامل. ويجب أن تشمل هذه الخطوة جميع التكاليف المتكبدة في مجال معين من الإنفاق العام، وهي تكون في الغالب عبر عدة وزارات وعلى أكبر مستوى ممكن من التفصيل. وقد يكشف الخط المرجعي المالي أن الحكومة تنفق أكثر بكثير مما هو متوقع في مجال معين. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تحدد مقارنة التكاليف والميزانيات بمرور الوقت أي عجز أو فائض هيكلي. يمكن أيضًا تصميم المراجعة لتكوين توقعات بشأن التكاليف المستقبلية، استنادًا إلى تنبؤات بالعوامل الدافعة الأساسية (مثل أعداد المهاجرين، ومعدلات الجريمة، ومشروعات إنشاء البنى التحتية).

تمكّن مراجعة الإنفاق الوزارات من فهم العوامل الدافعة للتكاليف وكيفية إدارتها بشكل دقيق.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة. ففي الأنظمة الفيدرالية، هناك تعقيد شائع يتمثل في إدراك التكاليف التي تتكبدها الهيئات الحكومية الوطنية والمحلية في مجال معين. كذلك، تكون الخدمات المسندة لجهات خارجية والشراكات بين القطاعين العام والخاص أكثر صعوبة، إذ تتطلب مستوى من التفاصيل حول التكاليف الفعلية المتكبدة وليس الاكتفاء بالرسوم الرئيسة الموحدة التي تدفعها الحكومة. يمكن أن يساعد تحليل حسابات عمليات التعهيد الخارجي والشراكة بين القطاعين العام والخاص في تقديم بعض التفاصيل المطلوبة.

ففي المملكة المتحدة، طُلب من جميع الإدارات منذ عام 2015 وضع ”خارطة قيمة“ تقسم الإنفاق السنوي إلى فئات تكلفة ومراكز تكلفة، الأمر الذي يوفر قاعدة للخط المرجعي المالي الشامل. في الوقت نفسه، طورًّ القطاع العام الدنماركي نهجًا جديدًا لفهم التكلفة الإجمالية للملكية في قطاع النقل، مع مراعاة تكاليف الصيانة الخاصة بأي استراتيجية معينة.

وبالتوازي مع وضع الأساس المالي، يجب على فرق مراجعة الإنفاق وضع خط مرجعي تشغيلي واضح، يكون عبارة عن خارطة للأنشطة التي تم إجراؤها والمخرجات الناتجة عن الإنفاق العام. تساعد الأسس التشغيلية في تحديد المجالات ذات الحجم والتعقيد الأكبر، بالإضافة إلى عمليات التسليم ونقاط التضارب المحتملة في الإنفاق المعقد عبر الحكومة. عندما أجرت وزارة الخزانة البريطانية مراجعة للإنفاق الخاص بنظام العدالة الجنائية في لندن، أنشأت خارطة شاملة للأنشطة والنتائج ومؤشرات الأداء الرئيسية تضمنت الأنشطة الشُرطية والدعاوى القضائية وإدارة المحاكم والحجز القضائي وإعادة التوطين.

2. تحديد العوامل الأساسية الدافعة للتكاليف

من المزايا الرئيسية المهمة لمراجعة الإنفاق هو أنها تمكنّ الوزارات من فهم العوامل الدافعة للتكاليف وكيفية إدارتها بشكل دقيق.

وتتمثل الخطوة الأولى لتحقيق ذلك الفهم في إعداد مخططات للعوامل الدافعة للتكاليف ضمن فئات التكلفة الرئيسية. على سبيل المثال، سوف تشتمل تكلفة دعم أسطول المركبات العسكرية على القوى العاملة المخصصة للقيادة والصيانة والوقود وقطع الغيار وإقامة القواعد والتخزين. وسيتم تحديد تكلفة قطع الغيار حسب حجم الأجزاء المستهلكة وسعر كل جزء، وسيتم تحديد حجم قطع الغيار حسب عدد المركبات والمسافة التي تقطعها وسياسة الصيانة ومتوسط الوقت بين الأعطال. ومن الممكن وضع نماذج لكل من هذه العناصر لتحقيق فهم مفصل للعوامل الدافعة لتكاليف دعم الأسطول، وعلى وجه الخصوص، عندما يُحتمل أن تُحدِثُ التغيرات الطفيفة في إحدى تلك العوامل تأثيرًا كبيرًا على التكاليف الإجمالية.

يُعد تقسيم التكاليف الثابتة والمتغيرة جزءًا من فهم العوامل الدافعة للتكلفة. فبالنسبة للمركبات العسكرية، يمكن أن تكون تكاليف إقامة القواعد والقوى العاملة ثابتة، بينما تكون تكلفة الوقود متغيرة. ويمثل التمييز بين التكاليف الثابتة على أساس تعاقدي (على سبيل المثال، عقد لشراء الوقود لمدة عام واحد) والتكاليف الثابتة فعليًا تحديًا. في بعض الخدمات، قد تكون هناك أيضًا خطوات تكلفة ثابتة. على سبيل المثال، قد لا يتغير عدد القواعد المطلوبة لدعم المركبات إلا عندما يتجاوز عدد المركبات حدودًا معينة أو يقل عنها. ومن الأهمية بمكان فهم التكاليف الثابتة والمتغيرة لا سيما في عمليات الدعم الخاص بالتعهيد الخارجي والشراكة بين القطاعين العام والخاص، إذ تحتاج الإدارات إلى معرفة كيف تتفاوت التكاليف حسب الاستخدام لتحديد المبلغ الذي يجب إنفاقه.

تتمتع الحكومات التي لديها فهم مفصل للعوامل الدافعة للتكاليف بالقدرة على تحديد تكاليف الوحدات لتقديم الخدمات. ويسمح تحديد تكلفة الوحدة للوزارات بمقارنة تكلفة تقديم الخدمات بشكل فعال سواء من قِبل الحكومة أو من قِبل جهة خارجية. ويشبه مستوى الوضوح هذا المستوى المتوقع للربحية على مستوى المنتج من شركة خاصة. فمثلاً، عندما راجعت وزارة الخزانة البريطانية هيكل تكاليف التعليم الإضافي، عملت مع المؤسسات المهنية لفهم تكلفتها لكل ساعة من ساعات التدريب التأهيلي، وهي التكلفة ”الشاملة“ للساعة الواحدة لكل دورة تدريب تأهيلي، والتي يمكن مقارنتها فيما بعد عبر المؤسسات.

ويتمتع تحليل العوامل الدافعة للتكاليف بأهمية بالغة لتقييم كفاءة الإنفاق العام وإعداد السياسات والاختيارات التشغيلية، فضلاً عن أنه يسمح للإدارات بوضع تكلفة لتأثير التغييرات المنفذة على السياسات، على سبيل المثال، تضمين شرط للتمكن من تقديم دورات تدريب تأهيلي متخصص، أو التغييرات التشغيلية مثل قرار إجراء تدريبات عسكرية إضافية.

3. إجراء مقارنات مرجعية لكفاءة الإنفاق وتحديد فرص التحسين

يمكن أن تساعد مراجعات الإنفاق الوزارات على اتخاذ قرارات مدروسة بشأن تحسينات الكفاءة والإنتاجية.

ويمكن لفريق المراجعة، المتاح لديه صورة شاملة بشأن التكاليف والعوامل الدافعة لحدوثها، أن يقيس الكفاءة داخليًا وخارجيًا لتحديد فرص التحسين. وعندما يتم تقديم نفس الخدمات أو ما يشبهها من قِبل عدد من المؤسسات المختلفة، تتوفر إمكانية كبيرة لقياس الأداء على المستوى الداخلي.

ويتيح تحليل التكلفة المسبق لفرق مراجعة الإنفاق توحيد التكاليف (على سبيل المثال، على أساس تكلفة الوحدة) ومقارنة الأداء عبر المدارس والمستشفيات والجامعات والمؤسسات الأخرى. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يمكن لوجود شرط بنشر تكاليف بعض الإجراءات الطبية في كل مستشفى أن يساعد المرضى على إجراء مقارنات مباشرة.

وكثيرًا ما تتاح للحكومات الفرصة لتقييم التكاليف والأداء عبر المناطق أو الأماكن المحلية. في المملكة المتحدة، حددت الحكومة السلطات المحلية التي تُعد ”متشابهة إحصائيًا“، أي التي تتسم بخصائص ديموغرافية واجتماعية اقتصادية مماثلة، للسماح بإجراء مقارنات محلية، خاصة في مجالات التعليم والرعاية الصحية. كذلك يمكن أن يكون إجراء المقارنات المرجعية على المستوى الدولي والقطاع الخاص مفيدًا في تحديد الفرص.

وتنشر حكومة الولايات المتحدة معدلات المدفوعات التي تنطوي على أخطاء على الموقع الإلكتروني paymentaccuracy.gov، مما يسمح للدول الأخرى بمقارنة حالات الاحتيال والخطأ في تدفقات المدفوعات. وبالمثل، تنشر وزارة الدفاع الأمريكية الأسعار التي تدفعها مقابل مجموعة من القطع العسكرية، والتي تكون مميزة برقم مخزون الناتو، مما يسمح للجيوش الأخرى بمقارنة الأسعار.

وفور انتهاء فرق مراجعة الإنفاق من تحديد الفرصة المحتملة من خلال إجراء المقارنات المرجعية، يمكنها إيجاد عوامل دافعة لتحقيق التحسين. وعادةً ما تنطوي هذه العملية على بعض التعقيد، مما يتطلب مزيجًا من التحليل المالي والتشغيلي ومناقشات مفصلة مع المتخصصين والخبراء في المجال.

ومع ذلك، توجد عوامل مساعدة للإنتاجية ثبتت كفاءتها بالفعل. فعندما ينصب التركيز على تكاليف التشغيل، يصبح تطبيق التحول الآلي على نطاق واسع، خاصة في الوظائف المؤسسية مثل الشؤون المالية والموارد البشرية، مستخدمًا بشكل شامل لخفض تكاليف العمالة. وبالنسبة للإنفاق الخارجي، تستخدم بعض الوزارات مزيجًا من إدارة الطلب وإعادة التفاوض بشأن العقود وتوحيد أطر عمل عمليات الشراء. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تضع وكالة كراون للخدمات التجارية أطر عمل لفئات الإنفاق المختلفة.

وعندما يكون الإنفاق الرأسمالي هو محور الاهتمام، يمكن للوزارات التي تسعى إلى تحسين الإنتاجية أن تجمع بين مراجعات مسارات العمل عبر الحكومة، وإجراء التحسين بشأن مواصفات المشروعات الفردية، وهندسة القيمة للمشروعات أثناء تسليمها. في المملكة المتحدة، تحتفظ هيئة البنى التحتية والمشروعات برؤية واحدة للبرامج الرأسمالية الرئيسية للحكومة. وفي السويد، حققت الحكومة كفاءة عالية في الإنفاق على الطرق السريعة من خلال تطبيق مجموعة قياسية من المتطلبات لمشروعات الطرق.

غالبًا ما تركز عمليات مراجعة الإنفاق التي تفحص المدفوعات التحويلية على عوامل تقليل مستويات الاحتيال والخطأ في المدفوعات.

تستطيع فرق مراجعة الإنفاق، من خلال استخدام مجموعة من المقاييس المرجعية وعوامل تعزيز الكفاءة، مساعدة الوزارات على تحديد التحسينات المحتملة في الإنتاجية، وتقدير حجم الفرصة، وتحديد الإجراءات اللازمة لتوفير الكفاءات التي يمكن اختبارها وتعزيزها.

4. الاتفاق على التوصيات وتحديد أولويات الإجراءات وضمان الإنجاز

يتمثل الهدف النهائي لعمليات مراجعة الإنفاق في تقديم مجموعة من التوصيات التي تساعد على تحسين كفاءة وفعالية الإنفاق العام.

ولإحداث الأثر المرجو، يجب أن يتفق فريق مراجعة الإنفاق على مجموعة من التوصيات مع الوزارات التي ستقوم بتنفيذها. وغالبًا ما تتضمن التوصيات تغييرات في السياسات وترتيبات التمويل والعمليات، إذ أنه بدون الحصول على موافقة واضحة من الجهات المعنية، سيكون من المستبعد تنفيذها.

فور تقديم فريق مراجعة الإنفاق مجموعة من التوصيات، يمكنه العمل مع الوزارات المعنية لتحديد أولوية الإجراءات. ويمكن أن تشمل هذه العملية تحديد خارطة طريق للأشهر الثلاثة، والستة، والاثني عشر القادمة وما بعد ذلك. وقد تتطلب التوصيات أيضًا تمويلاً إضافيًا مثل استثمار رأس المال في التحول الآلي لتوفير كفاءات تشغيلية مستمرة. وقد تأتي ترتيبات التمويل على شكل عقد أداء بين وزارة المالية والوزارات التنفيذية المسؤولة عن الإنجاز.

خلاصة القول، تكون مراجعات الإنفاق أكثر فاعلية عندما يقوم فريق مراجعة الإنفاق بالمتابعة لضمان حسن الإنجاز، استنادًا إلى أطر العمل التي تحدد مؤشرات الأداء الرئيسية وتتضمن جداول زمنية للمراجعات اللاحقة والمراجعات السنوية لتأثير فريق المراجعة عبر مجموعة المشروعات.


تقدم عمليات مراجعة الإنفاق، على غرار النماذج الرائدة المطبقة في أستراليا والدنمارك وإيطاليا والمملكة المتحدة، نهجًا جديدًا قويًا لضمان تحقيق القيمة فيما يتعلق بالإنفاق العام. ولطالما ساهم تعيين فريق عمل صغير يتمتع بخبرات مختلفة على مدى فترة زمنية محددة لمراجعة مجال محدد من الإنفاق العام في تقديم رؤى عميقة حول قاعدة التكلفة وتحديد سبل تحقيق الكفاءة. وبالنسبة للدول التي لم تنتهز هذه الفرصة بعد، تقدم مراجعة الإنفاق وسيلة واقعية وقابلة للتحقيق للحصول على قيمة أكثر من الإنفاق العام.

نبذة عن الكتّاب

ريما عاصي هي شريك في ماكنزي ومقر عملها هو مكتب ماكنزي في دبي؛ وجوناثان ديمسون هو شريك رئيسي في مكتب لندن، حيث يشغل أندرو جوودمان منصب شريك؛ و ينس ريس أندرسون هو شريك في مكتب كوبنهاغن.

يتوجه المؤلفون بالشكر لكل من فاسودها جوبتا وكريستيان هاربو مادسن وأرنو هاينريش وكارستن توبهولت على مساهماتهم في هذه المقالة.