تحقيق الفوز: ما الذي يفعله أفضل الرياضيين والفرق والمدربين بصورة مختلفة؟

| Video

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

على مدى ثلاثة عقود، قدّم سيث جولدستروم، الشريك الرئيسي في ماكنزي، المشورة لعدد من كبرى الشركات العالمية حول سبل الارتقاء بالأداء. ومع تراكم هذه الخبرة، اتجه في السنوات الأخيرة إلى مصدر مختلف لاستلهام الأفكار. فوجه اهتمامه إلى نخبة الرياضيين والفرق والمدربين على مستوى العالم، وما تكشفه مسيرتهم من الأساليب التي تميز أصحاب المستويات المتفوقة.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

وأفضى هذا العمل إلى تطوير إطار صناعة الفوز، الذي صُمم لمساعدة المؤسسات على بلوغ أقصى إمكاناتها، ويستند إلى ثمانية سلوكيات تتكرر بصورة لافتة لدى أصحاب الأداء الاستثنائي. واعتمد البحث على حوارات مع مدربين قادوا فرقًا إلى البطولات ورياضيين أولمبيين ومسؤولين تنفيذيين في فرق رياضية، إلى جانب شخصيات بلغت مستويات متقدمة في مجالاتها. ومن خلال هذه الحوارات، تناول ما يميز القادرين على تحقيق النجاح بصورة متكررة والدروس التي يمكن نقلها من ميادين المنافسة الرياضية إلى عالم الأعمال.

وفي الحلقة الأولى من سلسلة صناعة الفوز المصورة، يقدّم "جولدستروم" السلوكيات الثمانية التي يقوم عليها هذا الإطار، ويستعرض ما يمكن أن تعنيه للقادة والمؤسسات الساعية إلى الارتقاء بمستوى أدائها وتعزيز قدرتها على المنافسة.

خضع هذا النص للتحرير بهدف تعزيز الوضوح والاختصار.

حين يصبح الفوز هدفًا راسخًا

تبدأ أولى سمات الفرق التي تنجح في التفوق وصناعة إنجاز متواصل بما يمكن تسميته عقلية الانتصار الراسخة. فهذه الفرق، إلى جانب نخبة الرياضيين والمدربين، لا تتعامل مع النجاح باعتباره رغبة عابرة، وإنما تحتفظ بصورة واضحة للهدف، تظل حاضرة في الوعي وكأنها نُقشت فيه نقشًا دائمًا. وبذلك، يصبح كل يوم خطوة مرتبطة بسؤال محدد: ما الذي يقربني أكثر من الغاية التي أسعى إليها؟ ومع تطور المسيرة، قد يتغير حجم الطموح نفسه. فقد يبدأ الرياضي بحلم الوصول إلى الألعاب الأولمبية، ثم يرتفع السقف إلى إحراز ميدالية، قبل أن يتحول الذهب إلى الهدف الأبعد. وفي جميع هذه المراحل، تبقى السمة المشتركة ثابتة. فصاحب الأداء المتفوق لا يترك هدفه يتراجع إلى الوراء، وإنما يجعله حاضرًا في قراراته اليومية، ويقيس تقدمه بمدى اقترابه منه.

من الأقوال التي يكررها مدرب كرة القدم الأمريكية "نيك سابان"، وأجدها معبّرة: "من يرضون بالأداء العادي لا ينسجمون مع أصحاب الإنجازات الكبيرة، وأصحاب الإنجازات الكبيرة لا ينسجمون مع من يرضون بالأداء العادي". وفي رأيي، يصعب أن تتفق هاتان الفئتان على تصور واحد للفوز يظل راسخًا في أذهان أفرادهما.

ويتكرر هذا التحدي كثيرًا في عالم الأعمال. فعند محاولة الاتفاق على هدف طموح، يتردد كثيرون في تقديم وعود تتجاوز ما يمكنهم تحقيقه. كما يميل البعض إلى الاكتفاء بمستوى مقبول من الأداء، مع أن السعي إلى مستوى متميز يتطلب طموحًا أكبر. وتكمن الصعوبة في صياغة الغاية بصورة تحمل معنى حقيقيًا لفريق القيادة، ثم نقلها إلى مختلف مستويات المنظمة بطريقة تثير الحماس. ورغم صعوبة تحقيق ذلك، يظل عنصرًا أساسيًا في بناء طموح مشترك يحرك الجميع في اتجاه واحد.

ويتجسد هذا التوجه أيضًا لدى أشخاص وضعوا لأنفسهم أهدافًا جريئة والتزموا بها من دون ترك مساحة للتراجع. ومن الأمثلة على ذلك لاعب البيسبول "خافيير باييز"، الذي وضع في شبابه وشمًا يحمل شعار دوري البيسبول الرئيسي على مؤخرة عنقه، قبل أن يصل إلى الدوري فعليًا. وكانت رسالته واضحة. فهذا الوشم لن يزول، وكذلك الهدف الذي يمثله. لقد حسم اختياره، وتعامل مع الوصول إلى الدوري بوصفه غاية ثابتة سيواصل السعي إليها حتى يحققها.

خطة قابلة للقياس والمساءلة

العنصر الثاني الذي نراه لدى الرياضيين والفرق التي تحقق نجاحًا متكررًا، فهو أن الهدف الواضح تصاحبه دائمًا خطة. فأن تعرف ما تريد الوصول إليه شيء، وأن تعرف كيف ستصل إليه شيء آخر. وهنا يحضرني "بوب بومان"، مدرب السباح الأولمبي "مايكل فيلبس"؛ الذي وصف مهمته بأنها تتمحور حول وضع خطة تقود الرياضي الذي يدربه إلى تحقيق أهدافه. وهذا قريب، إلى حد ما، مما نفعله نحن في الاستشارات الإدارية: نساعد المؤسسات على رسم الطريق الذي يحوّل أهدافها إلى نتائج.

ويؤكد الفكرة نفسها مدرب معروف في سباقات "الترياثلون"، التي تجمع السباحة وركوب الدراجات والجري. فهو يرى أن الهدف، مهما رسخ في الذهن، يبقى مجرد أمنية إذا لم تسنده خطة واضحة. ومن وجهة نظره، تتمثل مهمة المدرب في مساعدة الرياضي على تحقيق ما يسعى إليه، وأن يرى نتيجة جهده على أرض الواقع.

ويقدّم "جيف جالاوي" مثالًا عمليًا على هذا النهج. فقد كان رياضيًا أولمبيًا في سبعينيات القرن الماضي، وعُرف بكتبه عن سباقات الماراثون وأساليب التدريب، قبل أن يتوفى هذا العام. وكان يقول لمن يتدربون معه: "إذا استطعت أن تأتي إليّ وأنت قادر على الجري لمسافة ثلاثة أميال، نحو خمسة كيلومترات، فسأساعدك على خوض سباق ماراثون خلال ستة أشهر". ثم يضع للمتدرّب خطة تدريبية تمتد ستة أشهر، يوزّع فيها التدريبات على أيام محددة، بحيث يعرف المتدرّب ما عليه فعله في كل مرحلة. وعندما يراجع جدول التدريب، يرى أن خطواته واضحة ويمكنه تنفيذها، فيقول لنفسه: "أستطيع فعل ذلك". وهكذا يتقدّم في التدريب يومًا بعد يوم حتى يصبح مستعدًا لخوض الماراثون.

وحين تلتزم بهذه الخطة يومًا بعد يوم طوال ستة أشهر، قد تصل إلى ما كان يبدو لك صعبًا في البداية. فقد اتبع كثيرون خطة "جيف جالاوي" حتى تمكنوا من خوض سباقات الماراثون، وكنتُ واحدًا منهم.

ويتجسد هذا النهج أيضًا في تجربة راكبة الدراجات البارزة "كريستن فولكنر"، التي ستظهر في إحدى الحلقات المقبلة من السلسلة. وتتحدث "فولكنر" عن استراتيجية تعتمد شكل حرف "T"، حيث يمثل الجزء الأفقي مجموعة المهارات التي يحتاجها الرياضي حتى يظل قادرًا على المنافسة، في حين يعبّر الجزء العمودي عن العامل الذي يمنحه القدرة على الفوز. وعند بناء الخطة، يصبح من الضروري أولًا تحديد الإمكانات التي يجب توفيرها، ثم معرفة ما الذي يمكن أن يمنح الرياضي أفضلية حقيقية على منافسيه.

ويمكننا تطبيق الفكرة نفسها في عملنا مع العملاء. فالجزء الأول من الخطة هو ما نفعله كل يوم، من أنشطة ننجزها وخطط عمل وجداول نرتب بها المهام ومواعيدها. والجزء الثاني هو المؤشرات التي نتابعها لنعرف كيف يسير الأداء، سواء كانت تتعلق بما يُبذل من جهد أو بما يتحقق منه. وهذا ما يفعله الرياضيون حين يراقبون سرعتهم ومعدل ضربات قلوبهم والحد الأقصى لكمية الأكسجين التي تستطيع أجسامهم استخدامها أثناء الجهد. ونحن في عملنا بحاجة إلى تحديد المؤشرات التي سنتابعها أيضًا. أما الجزء الثالث فهو النتائج، حين نرى أثر ما سبق في الزمن الذي يحققه الرياضي أو في فوزه.

ولا تكتمل فاعلية الخطة ما لم تمتد إلى مختلف مستويات المؤسسة، بحيث يعرف الجميع، من الرئيس التنفيذي إلى العاملين في الخطوط الأمامية، ما المطلوب منهم اليوم وغدًا، ثم خلال الأسبوع المقبل والربع التالي.

تطوير تشكيلة الفريق

العنصر الثالث الذي نلاحظه، وخصوصًا لدى الفرق، يتمثل في تطوير تشكيلة الفريق مع الوقت. ولتوضيح الفكرة، يمكننا النظر إلى ما فعله "بيلي بين" عندما كان مديرًا عامًا لفريق "أوكلاند أثلتكس" للبيسبول. فقد استخدم بيانات اللاعبين عند اختيار أعضاء الفريق، حتى يميّز بين النتائج التي ربما ساعد الحظ في تحقيقها وبين الأداء والموهبة اللذين يمكن الاعتماد عليهما. وقد أصبحت تجربته موضوعًا لكتاب بعنوان "موني بول"، ثم لفيلم يحمل العنوان نفسه. إنها مثال على الطريقة التي يمكن بها لمدير الفريق أن يستخدم البيانات لبناء تشكيلته وتطويرها.

وبعد أن رأينا كيف استخدم بيلي بين البيانات لبناء تشكيلة فريقه، يبرز سؤال آخر عند اختيار اللاعبين، وهو أين ينبغي للفريق أن يستثمر موارده؟ هنا تفيدنا مجددًا فكرة الخطة التي تأخذ شكل حرف "T". فالخط الأفقي يمثل مجموعة القدرات التي يحتاج إليها الفريق ليتمكن من المنافسة، بينما يمثل الخط العمودي ما يجعله متفوقًا على منافسيه ويمنحه فرصة الفوز. ولهذا، قد يختلف ما ينفقه الفريق على القدرات العامة عما ينفقه على القدرة التي يقوم عليها أسلوب لعبه. ويتضح ذلك إذا تَخيَّلنا فريقًا في كرة القدم الأمريكية يعتمد على الجري بالكرة لتحقيق الفوز. فهو يحتاج إلى لاعبي خط هجوم يفتحون الطريق أمام حامل الكرة، وإلى لاعب ماهر يجري بها. لذلك يعطي هؤلاء اللاعبين أولوية أكبر عند توزيع ميزانيته، في حين قد تكون حاجته إلى اللاعبين الذين يتلقون التمريرات أقل ضمن أسلوب اللعب الذي اختاره.

وهذا التفكير لا يخص الفرق الرياضية وحدها. فعندما نعمل مع المؤسسات، نسأل عملاءنا أحيانًا: "هل يتعامل المسؤول الأول عن الموارد البشرية لديكم مع بناء فريق العمل كما يتعامل المدير العام لفريق رياضي مع اختيار لاعبيه؟ وهل لديكم خطة تمتد لسنوات، تحدد القدرات التي تحتاج المؤسسة إلى تطويرها والاستثمار فيها، وأيّها سيمنحها أفضلية تحقق بها النجاح". وفقًا لاستراتيجية حرف "T" التي تحدثنا عنها.

وهناك جانب آخر لتطوير تشكيلة الفريق، نطلق عليه في ماكنزي اسم "ربط المواهب بالقيمة". والفكرة هي أن بعض الوظائف تؤثر في نجاح المؤسسة أكثر من غيرها، حتى لو لم تكن الأعلى أجرًا أو الأرفع منصبًا. فقد تحدد المؤسسة، مثلًا، عشرين أو ثلاثين دورًا تعرف أن أداء أصحابها سيكون حاسمًا لنجاحها خلال السنوات المقبلة وتحقيق الهدف الذي تسعى إليه. وحين تعرف هذه الأدوار، تستطيع أن تمنح اختيار الأشخاص المناسبين لها وتطوير قدراتهم ما يستحقانه من اهتمام.

وهنا علينا أن ننتبه إلى أن الوظائف التي كانت الأهم للمؤسسة خلال السنوات الخمس أو العشر الماضية قد تختلف عن الوظائف التي سيتوقف عليها نجاحها في السنوات الخمس أو العشر المقبلة. ولهذا لا يكفي أن نعرف من أسهم في نجاح الفريق حتى الآن؛ علينا أيضًا أن نعرف من سيحتاج إليه في المرحلة القادمة. وهذا يعيدني إلى المدرب "نيك سابان"، الذي تحدثنا عن رأيه في اختلاف عقلية أصحاب الإنجازات الكبيرة عمن يرضون بالأداء العادي. فقد شبّه دوره في التدريب باختيار الأشخاص المناسبين ليركبوا حافلة الفريق، وإبعاد من لا يناسبونها. وينطبق ذلك أيضًا على المدير العام لفريق رياضي، أو الرئيس التنفيذي لمؤسسة، أو المسؤول الأول عن مواردها البشرية؛ فكل منهم يحتاج إلى معرفة الأشخاص والأدوار التي تخدم وجهة فريقه في المرحلة المقبلة.

السعي الدائم إلى هامش التفوق

وبعد تحديد الأشخاص والأدوار التي يحتاج إليها الفريق، نصل إلى العنصر الرابع، وهو البحث الدائم عن أي فرصة تمنحه أفضلية على منافسيه، ولو كانت صغيرة. فالرياضيون والفرق يجدون طرقًا مختلفة لتحسين أدائهم، منها دراسة بيانات المباريات وتحليلها. انظر مثلًا إلى كرة السلة، حيث اتجهت فرق إلى الإكثار من التسديد من خارج خط الثلاث نقاط بدلًا من التسديدات البعيدة التي تُحتسب بنقطتين. فالتحليل ساعدها على إعادة النظر في طريقة اللعب، بحثًا عن فارق صغير قد يصنع فرقًا في النتيجة.

وقد يأتي هذا التحسن من شيء بسيط في أدوات أو مقتنيات الرياضي، مثل حذاء جري صُمّم ليساعده على الركض بسرعة تزيد بنسبة تتراوح بين 1 إلى 2 في المئة. وقد يأتي من استخدام الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات أفضل بشأن طريقة المنافسة. وفي جميع الحالات، يبقى الهدف واحدًا، وهو البحث عن أي فرصة لتحسين الأداء، حتى لو كان التحسن طفيفًا.

وتذكّرني أهمية هذا التحسن البسيط بما قاله لاعب التنس "روجر فيدرر" في خطاب ألقاه أمام خريجي كلية "دارتموث". فقد فاز بـــ20 لقبًا من بطولات "جراند سلام" الكُبرى، وانتصر في 80 في المئة من مبارياته، رغم أنه لم يفز إلا بــ54 في المئة من النقاط التي لعبها. وما لفت انتباهي هو الفارق بين نسبتين تخصان النقاط التي تُلعب داخل المباريات، وهما 50 في المئة و54 في المئة. فلو لعب "فيدرر" مئة نقطة وفاز بخمسين منها، لكان قد تقاسم النقاط بالتساوي مع منافسه. لكنه فاز، في المتوسط، بـــ54 نقطة من كل مئة. إنها أربع نقاط إضافية فقط، لكنها أفضلية صغيرة تتكرر عبر المباريات، وتساعد على فهم كيف استطاع الفوز بثمانين في المئة من مبارياته. هذا ما أعنيه حين أقول إن فارقًا ضئيلًا في الأداء قد تصاحبه نتيجة كبيرة.

وتتكرر الفكرة نفسها في تجربة السباحة الأولمبية الأمريكية "كاتي ليديكي". ففي كلمة ألقتها خلال حفل التخرج في جامعة "ستانفورد"، تحدثت عن طفولتها حين كانت تحلم بأن تصبح رياضية أولمبية. وفي تلك الفترة، أهداها والدها ساعة توقيت، ولفت نظرها إلى حقيقة سترافق مسيرتها لاحقًا، حين أخبرها أن الفارق بين الفائز وغيره في السباق قد يكون جزءًا من الثانية، وأحيانًا يكون الفارق لا يتجاوز جزءًا من مئة من الثانية.

ويمتد التحدي نفسه إلى بيئة الأعمال، حيث نسمع أحيانًا من يقول إن الفرص قد نفدت، أو إنه فعل كل ما في وسعه ولم تعد هناك فرصة لمواصلة التطور. غير أن الرياضيين الذين تناولهم البحث ينطلقون من قناعة مختلفة، مفادها أن اللحظة التي يعتقد فيها الشخص أنه بلغ أقصى ما يستطيع الوصول إليه هي اللحظة التي يبدأ فيها التراجع. ولهذا يربطون مواصلة المنافسة بالقدرة على التعلم والتحسن. فإذا ترسخ لدى الرياضي أنه لن يصبح أفضل مما هو عليه اليوم، فإن الوقت قد حان، في نظرهم، للتفكير في الاعتزال.

ومن أفضل الأمثلة على البحث المستمر عن طريقة تمنح الفريق فرصة أكبر للفوز ما فعله فريق "فيلادلفيا إيجلز" في دوري كرة القدم الأمريكية. فقد أتقن لعبة هجومية تُعرف باسم "توش بوش"، يلجأ إليها حين تفصله مسافة قصيرة عن التقدم المطلوب. يحمل أحد اللاعبين الكرة ويندفع بها إلى الأمام، بينما يدفعه زملاؤه من الخلف ليساعدوه على تجاوز تلك المسافة. وقد نجحت هذه الطريقة إلى حد أن آخرين حاولوا حظرها. بالنسبة إليّ، حين ينجح أسلوبك إلى درجة تدفع الآخرين إلى محاولة منعه أو تغيير القواعد حتى لا تستخدمه، فهذا يعني أنك وجدت طريقة تمنحك تفوقًا حقيقيًا.

وتظهر ملاحظة أخرى لدى كثير من الشركات، حيث تطلق مجموعة من المبادرات استجابة لأسئلة مجلس الإدارة حول الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة. وفي بعض الحالات، تبدو هذه المبادرات أقرب إلى تجارب تقنية تُنفذ استجابة لضغوط خارجية، لا إلى مجموعة مشروعات مدروسة تدعم الجزء الحاسم من استراتيجية حرف "T". وقد تأخذ الصورة أيضًا شكل تجارب تستند إلى اعتقاد واضح بأنها قادرة على تحقيق تحسن محدود، ولو ببضع نقاط مئوية.

المراجعة المستمرة للبيانات

نصل هنا إلى الركيزة الخامسة، وهي المراجعة الدقيقة والمستمرة لبيانات الأداء. فقد أصبح الرياضيون والفرق الذين تحدثنا إليهم يعتمدون على الأرقام بصورة أوسع وأكثر انتظامًا، مستفيدين من أدوات وأساليب متطورة وحديثة، مقارنة بما كان شائعًا قبل عقود.

ومن التغيّرات التي لاحظناها أن الفرق باتت تراجع بيانات الأداء فور وقوع الحدث، وتدرس تفاصيل كل حالة بدل الاكتفاء بمتوسط الأرقام. ففي كرة القدم الأمريكية، كان من المعتاد أن يجتمع الفريق يوم الاثنين لمشاهدة تسجيل مباراة الأحد وتحليلها. أما اليوم، فيمكنك أن ترى المدربين واللاعبين على جانب الملعب يراجعون اللقطة السابقة على أجهزتهم اللوحية والمباراة لا تزال جارية، ليعرفوا ما حدث فيها في الوقت نفسه تقريبًا.

وتقدّم الأجهزة التي نرتديها مثالًا آخر على فائدة النظر إلى التفاصيل بدل الاكتفاء بالمتوسطات. فساعتي الذكية من شركة "جارمن"، مثلًا، قد تنبّهني صباحًا إلى تغيّر غير معتاد في درجة حرارة جسمي خلال الليل، أو في تفاوت المدة بين نبضة قلب وأخرى. تراقب الساعة بيانات كثيرة، لكنها لا تعرض لي متوسط القراءات فقط؛ بل تلفت انتباهي أيضًا عندما تختلف قراءة معيّنة عما هو معتاد لديّ.

وإذا كانت الساعة الذكية تنبّهني بعد الاستيقاظ إلى تغيّر حدث خلال الليل، فهناك أدوات تتيح للرياضي متابعة أدائه أثناء التدريب نفسه. من بينها نظارة سباحة طوّرتها شركة "فورم"، تعرض المعلومات أمام عيني السبّاح بتقنية الواقع المعزّز وهو في الماء. فيستطيع أن يرى سرعته، والمسافة التي قطعها بالياردات، ومعدل ضربات قلبه، ويتابع أداءه في كل طول يسبحه داخل المسبح. وبعد انتهاء التدريب، يجد هذه البيانات في تطبيق يتيح له مراجعة الزمن الذي استغرقه في كل جزء من السباحة، ويمنحه تقييمًا يساعده على معرفة ما يحتاج إلى تحسينه.

وتكشف التجارب في الرياضة وبيئة الأعمال أن الانحرافات عن النمط المعتاد هي التي تحمل الدلالة الأكبر. ولذلك، تصبح المراجعة الدقيقة للبيانات أكثر فاعلية عندما تركز على المؤشرات الأكثر ارتباطًا بأداء المؤسسة، مع القدرة على اتخاذ إجراء تصحيحي في اللحظة نفسها، يمكن أن تصنع فارقًا كبيرًا. وقد بدأت الشركات تستفيد من الذكاء الاصطناعي لدعم هذا النوع من المتابعة. ويظهر تطبيق مشابه في بطولة كأس العالم لكرة القدم، حيث يرتدي اللاعبون أجهزة مراقبة ترسل بيانات أدائهم أثناء المباراة بشكل مباشر إلى الأجهزة الفنية، بما يساعد المدربين على معرفة من يحتاج إلى الخروج أو التبديل وفق حالته وأدائه في تلك اللحظة.

لكن متابعة البيانات بهذه الصراحة قد تكون أصعب في بيئة العمل. فكثيرون يترددون في مشاركة أرقام مبيعاتهم الشهرية أو نتائج تقييم أدائهم، بينما تكون نتائج الرياضيين ظاهرة للجميع. فبعضهم لا يريد الاطلاع على النتائج إذا كانت تكشف ضعفًا في أدائه، بينما يرغب آخرون في معرفة نتائجهم، لكنهم يفضّلون أن تبقى بعيدة عن أعين زملائهم.

نظام مصمم بما يناسبك

تتمثل الركيزة السادسة في بناء نظام يتلاءم مع طبيعة الفرد والمنظمة. ففي ممارسات التحول المؤسسي لدى ماكنزي، اعتمدت الشركة لسنوات نهجًا يركز على تحقيق النتائج والعمل بوتيرة منتظمة والمتابعة المستمرة للمؤشرات. ورغم فاعلية هذا الأسلوب، فإنه قد يفرض قدرًا من الصرامة يجعل التقيد به مرهقًا لكثير من الناس. وتبرز أهمية تصميم نظام يناسب احتياجات المنشأة وطريقة عملها، ويمنح من يطبقه قدرًا من الراحة والقبول. فكلما كان النظام أكثر انسجامًا مع طبيعة الأشخاص الذين يعملون ضمنه، زادت فرص المواظبة عليه والاستمرار فيه.

وقد أكدت مقابلاتنا مع جميع الرياضيين هذا التوجه بوضوح. فكثير منهم تحدثوا عن الجوانب التي لا يفضلونها في التدريب، وكيف يحاولون تخفيف صعوبتها. ومن الأمثلة البسيطة على ذلك تجهيز الملابس والمعدات في الليلة السابقة، بما يقلل أي عائق قد يؤخر بدء التمرين أو يجعل المواظبة عليه أكثر صعوبة. ويحرص بعضهم أيضًا على ربط الجهد بمكافأة بسيطة بعد التدريب الشاق، مثل تناول حلوى مفضلة أو التوقف لشرب القهوة في مكان يحبونه. وتساعد هذه التفاصيل الصغيرة على جعل النظام أكثر راحة وأسهل في اتباعه على المدى الطويل.

ولكي يواظب الناس على اتباع أي نظام، من المهم أن يجدوا فيه ما يساعدهم على تقبله. وقد يبدو هذا المبدأ بديهيًا، إلا أنه لا يحظى دائمًا بالقدر نفسه من الاهتمام في السياق المؤسسي. فالمؤسسات تعقد مراجعاتها الفصلية واجتماعات صباح الاثنين بانتظام، لكن السؤال هو كيف يمكن إضافة جانب أكثر إيجابية إلى هذه الممارسات. فقد يكون الاحتفال بإنجاز معين أو تنظيم عشاء للفريق بعد فترة عمل مكثفة وسيلة بسيطة لإضفاء قدر من المتعة على المسار، إلى جانب المهام التي لا غنى عن تنفيذها.

ويبرز أيضًا دور مشاركة الخطة وبيانات التقدم مع الآخرين في تشجيع الفرد على الالتزام بها. فحين يستطيع المدرب أو بقية الفريق متابعة ما أنجزه، يصبح أكثر حرصًا على المواظبة. وتكتسب المواظبة أهمية خاصة لدى رياضيي التحمل، مثل العدّائين لمسافات طويلة، إذ يفيدهم توزيع سبع حصص تدريبية على أيام الأسبوع أكثر من أداء حصة واحدة شديدة المشقة في يوم واحد. وتساعد التطبيقات الرياضية على المحافظة على هذا الانتظام، كما تجمع الرياضيين في مجتمعات يتشاركون فيها تدريباتهم. فمن خلال تطبيقات مثل "سترافا" و"ترينينج بيكس"، يستطيع الرياضي متابعة خطته، ويمكن لمدربه تحديد التمارين المطلوبة منه. وتُظهر له الأجهزة التي يرتديها أثناء التدريب بيانات عن مستوى أدائه.

العقلية التي تصنع الفوز

تظهر الفكرة السابعة في عقلية الرياضي، وفي الطريقة التي يتعامل بها مع سعيه إلى الفوز. وقد وجدنا في مقابلاتنا خمس أو ست سمات تتكرر في الحديث عن هذه العقلية. أول هذه السّمات هي الإصرار، أو ما عبّر عنه أحد من تحدثنا إليهم بأنه نقيض الهشاشة. وبالنسبة إليّ، يعني ذلك أن تظل لديك رغبة قوية في التحسن، وأن تواصل السعي للتطور والوصول إلى الهدف مهما تطلّب الأمر من مثابرة.

وتتمحور السمة الثانية حول القدرة على التماسك أمام ما لا يسير كما خططت له. فالفكرة تقوم على عدم استنزاف الجهد في القلق من عوامل خارجة عن السيطرة، واستثماره بدلًا من ذلك في الاستعداد لما قد يحدث. ففي سباق للجري، لا يستطيع الرياضي التحكم في حالة الطقس، لكنه يستطيع الاستعداد لها. وكذلك لا يمكن لراكب الدراجة ضمان عدم تعرض أحد الإطارات للثقب، لكنه يستطيع اختيار إطار أكثر مقاومة للثقوب والتدرب على استبداله حتى في الظروف الصعبة. وهكذا تتحول المرونة من مجرد تحمل للمفاجآت إلى استعداد واعٍ يقلل أثرها عند وقوعها.

أما السمة الثالثة فهي القدرة على التكيف مع المتغيرات. فالمدربون الذين يحققون الانتصارات مرارًا ويبنون نجاحًا ممتدًا لا يعتمدون عادة على الأسلوب نفسه في كل مرة. فالطريقة التي قادتهم إلى النجاح في المرة الثالثة أو الرابعة غالبًا ما تختلف عن تلك التي نجحت في المرة الأولى أو الثانية. ومع تغير اللاعبين وظهور استراتيجيات جديدة وتكيف المنافسين، يصبح تعديل النهج ضرورة لمواصلة التفوق في ظروف مختلفة.

وتتمثل السمة الرابعة في الحفاظ على قدر من الإيجابية والامتنان. فمعظم الرياضيين العالميين الذين تحدثنا إليهم ينظرون إلى الأمور من زاوية متفائلة. هذه النظرة قابلة للتطبيق في عالم الأعمال أيضًا. فعندما يشعر الشخص بالإحباط من وظيفته أو من مديره، قد يساعده أن يتذكر قيمة ما لديه، مثل امتلاك وظيفة تتيح له إعالة أسرته. وإذا لم يعد قادرًا على الحفاظ على هذا الموقف، فقد يكون من الأنسب أن يبحث عن مسار آخر.

أما السمة الخامسة فتتمثل في القدرة على الموازنة بين الجرأة والحذر، ومعرفة ما يتطلبه كل موقف. وتوضح راكبة الدراجات "فولكنر" هذه الفكرة حين تتحدث في برنامجها الصوتي عن القرارات التي تتخذها أثناء السباق. فإذا واجهت منحدرًا زلقًا، عليها أن تختار بين زيادة سرعتها والمجازفة، أو التمهل لتجنب السقوط. وتحتاج إلى الحكم نفسه في التدريب، فتعرف متى تبذل أقصى جهدها ومتى تمنح جسمها وقتًا للتعافي. فلا يمكن أن يكون كل يوم يومًا تحقق فيه أفضل أرقامها.

وأخيراً، السمة السادسة والتي تدور حول عقلية التعلم بشكل دائم ومستمر، يقودها فضول متجدد ورغبة قوية في اكتساب معرفة جديدة. ويظهر ذلك في الإقبال على القراءة والدراسة ومراجعة التسجيلات والبحث والاستماع إلى البرامج المتخصصة، مع مواصلة استكشاف ما يمكن أن يجعل الأداء أفضل. ويقوم هذا النهج على الاعتراف بأن المستوى الحالي ليس كاملًا والحفاظ على ذهن منفتح ومستعد للتطور.

وعلى مستوى المؤسسات، يمكن منح العقلية مساحة أكبر عند التوظيف أو تقييم الفرق القيادية. ولهذا يبحث بعض أصحاب العمل عن مرشحين سبق لهم ممارسة الرياضة الجامعية. وتبرز بعض هذه السمات أيضًا في المقابلات السلوكية. فعلى سبيل المثال، تطلب بعض كليات الطب من المتقدمين، ضمن طلبات القبول من المتقدمين تقديم مثال على موقف أظهروا فيه قدرًا من الحكمة أو الصمود أو الحديث عن ملاحظة تلقوها. وعندما تُطرح مثل هذه الأسئلة مباشرة في المقابلة، يصبح من الممكن تكوين انطباع أوضح عن طريقة تفكير الشخص، بدل الاعتماد على إجابات مكتوبة تتيح وقتًا أطول للصياغة.

منظومة التدريب والدعم

وفي ختام هذه الركائز أو العناصر التي ذكرتها، لم أصادف رياضيًا أو فريقًا من الطراز العالمي وصل إلى هذا المستوى من دون مدرب أو نوع من المساندة. وكثير من الرياضيين يستعينون بأكثر من شخص، لكل منهم دور مختلف. ففي الغولف، قد يساعد اختصاصي تغذية اللاعب على الاستعداد بدنيًا، بينما يساعده محلل بيانات على اختيار طريقة اللعب. ومن القرارات التي قد يدرسانها معه المسافة التي يُفضّل أن يتركها بين الكرة والحفرة بعد ضربة قصيرة مقصودة، حتى تصبح ضربته التالية أسهل وأكثر دقة.

ومن أهم ما يقدمه المدرب الملاحظات الصريحة والمباشرة، حتى عندما تتضمن أمورًا قد لا يرغب الشخص في سماعها. فالقيمة الحقيقية تكمن في الحصول على رأي واضح في الوقت المناسب، من دون تجميل أو تأخير، بما يسمح بفهم جوانب القصور والعمل على تحسينها فورًا. وتختلف هذه الممارسة كثيرًا عما يحدث في معظم الشركات، حيث يخضع الموظف غالبًا لتقييم رسمي مرة واحدة في العام، وقد يتحول هذا الإجراء أحيانًا إلى خطوة روتينية أكثر من كونه فرصة حقيقية للتطوير. وهذا الأمر يطرح سؤالًا مهمًا حول مقدار ما تحمله هذه التقييمات من ملاحظات مفيدة، مقارنة بمدرب يقدم توجيهًا يوميًا. ويظهر تقدير هذا النوع من الدعم أيضًا لدى عدد من كبار قادة الأعمال. فقد تحدث "بيل غيتس" وكذلك "إريك شميدت"، الرئيس التنفيذي السابق لجوجل، عن أهمية وجود مدرب يقدم رؤية خارجية وملاحظات صريحة تساعد القائد على مواصلة التطور.

وفي هذا الاطار بالتحديد، تضيف راكبة الدراجات "فولكنر" بُعدًا مهمًا إلى هذه الفكرة، حين نوهت إلى أهمية الملاحظة الصريحة وأثرها الكبير حين تأتي من شخص يعرفك جيدًا ويهتم بك وبنجاحك. عندئذ تستطيع أن تتقبل كلامه، حتى لو كان صعبًا، لأن بينكما ثقة وتعرف أنه يريد مساعدتك على التحسن. وهذا يختلف عما قد يشعر به الموظف في بعض بيئات العمل، حين تصله الملاحظات في إطار تقييم رسمي من شخص لا يعرفه جيدًا، أو لا يشعر بأنه معنيّ فعلًا بنجاحه.

الصورة الشاملة

وتتجسد الصورة الشاملة والأفكار التي تناولناها حين يعمل بها الفريق كله في الوقت نفسه. ولعل محطة الصيانة في سباقات "فورمولا 1" مثال واضح على ذلك. فعندما تدخل السيارة لتغيير إطاراتها الأربعة، يعرف كل فرد من الطاقم أين يقف وما المهمة التي عليه تنفيذها. ويتبعون خطوات محددة، ثم يراجعون أداءهم بعد كل توقف ويتابعون الزمن الذي استغرقوه. ومع كل هذا التنسيق، ينجحون في نزع الإطارات الأربعة وتركيب غيرها خلال ثانية أو ثانيتين، وهو أمر يثير دهشتي كلما رأيته.

ويكتمل المعنى حين تنتقل هذه العقلية من عالم الرياضة إلى بيئة العمل. تخيل فريقًا يضم أفرادًا يتوقعون من أنفسهم أن يصبحوا أفضل كل يوم، ويرغبون في ذلك باستمرار. عندها سيمتد أثر هذا التحسن إلى العملاء وكفاءة العمل وجودة النتائج ومستويات السلامة. وستكون النتيجة لافتة حقًا.

تستند الأفكار الواردة هنا إلى أبحاث، ولا تعني الإشارة إلى أي شخص أو جهة أنهم يؤيدون هذه الأفكار أو تربطهم بها أي علاقة أو شراكة.

Explore a career with us