هل تنجح صناعة الأزياء في مواكبة المتغيرات العالمية السريعة ؟

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

يشهد قطاع العلامات الفاخرة اليوم مرحلة من التحول الواضح، مدفوعًا بتغيرات اقتصادية متسارعة في سلوك المستهلكين. ومع هذا التحول، لم تعد قرارات الشراء تعتمد على اسم العلامة التجارية أو مكانتها وحدهما، إذ أصبح المستهلك أكثر اهتمامًا بالقيمة الفعلية التي يحصل عليها مقابل السعر الذي يدفعه. وفي هذا السياق، يبرز توجه جديد في السوق يعكس تغيرًا واضحًا في أولويات الشراء. فعلى الرغم من استمرار الإقبال على المنتجات المرتبطة بالعلامات الفاخرة لما تمثله من جودة ومكانة، بات المستهلك اليوم أكثر حرصًا في قراراته الشرائية، وأصبح يبحث بصورة أدق عن منتجات تبرر سعرها وتقدم قيمة واضحة. ويطرح هذا التحول تساؤلًا مهمًا أمام العلامات التجارية: كيف يمكن الحفاظ على جاذبية العلامة في سوق أصبح فيه المستهلك أكثر وعيًا وتدقيقًا؟ وهنا تبرز أهمية فهم التحولات الجديدة في الإنفاق، وقراءة سلوك العملاء بصورة أعمق وأكثر دقة. ولفهم هذا المشهد بصورة أوضح، سلطت ماكنزي الضوء على هذه التحولات من خلال نقاش موسع شارك فيه عدد من خبرائها المتخصصين في هذا القطاع. وفي هذا الإطار، تقدم "جيمّا دي أوريا"، شريكة رئيسية في ماكنزي ، قراءة واضحة لهذا التغير، مشيرة إلى أن العلامات التجارية باتت تدرك أن المستهلكين يعيدون ترتيب أولوياتهم الشرائية بصورة ملحوظة. وترى "جيمّا دي أوريا" أن الحفاظ على الصلة بالعملاء يتطلب من العلامات التجارية فهمًا أعمق لاحتياجاتهم الحالية، إلى جانب قدرة أكبر على التفاعل مع توقعاتهم المتغيرة ومواكبة أولوياتهم الجديدة. وفي حلقة من "بودكاست ماكنزي"، ناقشت "جيمّا دي أوريا" إلى جانب "هولغر هاريس"، شريك رئيسي في ماكنزي، مع لوسيا راهيلي، المديرة التحريرية العالمية في ماكنزي، أحدث الدراسات المرتبطة بهذا المشهد. وركز النقاش على سلوك المستهلك، والطرق التي يبحث من خلالها عن القيمة، إلى جانب الكيفية التي يمكن للعلامات التجارية من خلالها توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الإبداع، ودعم قدرتها التنافسية، والارتقاء بتجربة العملاء.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

يشارك في تقديم بودكاست ماكنزي كل من لوسيا راهيلي وروبرتا فوسارو.

وقد خضعت هذه الحلقة للتحرير بهدف تعزيز وضوح المحتوى واختصار بعض الأجزاء، مع الحفاظ على مضمون الحوار.

كيف يعيد المستهلك تعريف القيمة في اقتصاد يتسم بالتغير

لوسيا راهيلي: "جيما"، تقيمين في مدينة ميلانو، التي تُعد في نظر كثيرين واحدة من أبرز عواصم الموضة والعلامات الفاخرة عالميًا. ما أبرز المؤشرات أو التغيرات التي تلمسينها على أرض الواقع؟

جيما دي أوريا: أكثر ما أسمعه خلال الفترة الحالية يتمحور حول مصدرين رئيسيين للقلق. الأول يتعلق بمدى استعداد المستهلكين لمواصلة الإنفاق، ولا سيما على المنتجات الفاخرة، في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي. أما الثاني، فيتمثل في التوترات الجيوسياسية التي تلقي بظلالها على الأسواق العالمية، وتزيد من حالة الترقب التي تفرضها التطورات السياسية والاقتصادية المتسارعة. ورغم هذه التحديات، أظهر قطاع الأزياء والعلامات الفاخرة قدرة لافتة على التكيف والحفاظ على توازنه، وفق ما كشفه تقرير "حالة قطاع الأزياء 2026 ".1وتتابع ماكنزي أداء 400 شركة مدرجة ضمن "مؤشر ماكنزي العالمي للأزياء"، الذي يضم شركات الأزياء والعلامات الفاخرة، حيث تشير البيانات إلى أن هذا القطاع واصل تحقيق القيمة منذ بدء رصده في عام 2010. وعلى الرغم من المتغيرات الكبيرة التي شهدتها الأسواق منذ جائحة كوفيد، بما في ذلك تباطؤ السوق الصينية، والرسوم الجمركية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، حافظت مستويات الربحية والقدرة على تحقيق القيمة على قدر ملحوظ من الاستقرار.

لوسيا راهيلي: أشرتِ إلى تراجع شهية المستهلكين للإنفاق، وهو أمر يبدو طبيعيًا في ظل حالة عدم اليقين التي تشهدها الاقتصادات حول العالم أن يمنح العملاء أولوية أكبر للقيمة مقابل ما يدفعونه. ويبدو أن المنتجات المرتبطة بالعلامات الفاخرة، التي تقدم توازنًا واضحًا بين الجودة والسعر، نجحت في تلبية هذا التوجه، وهو ما جعل هذه الفئة تشهد نموًا متسارعًا. في ضوء ذلك، ماذا تفعل العلامات التجارية اليوم لجذب انتباه المستهلكين واستقطابهم؟

جيما دي أوريا: نحن نرصد أداء أكبر 20 شركة من حيث تحقيق الأرباح الاقتصادية، وتكشف البيانات بوضوح أن هذا القطاع يتسم بتركيز مرتفع في خلق القيمة، حيث تستحوذ هذه الشركات العشرون على 92% من إجمالي الأرباح الاقتصادية. وعلى مستوى الأداء، برزت الشركات العاملة في الشريحة المتوسطة بصورة لافتة، سواء عبر تقديم منتجات ترتبط بالعلامات الفاخرة ضمن مستويات سعرية يراها المستهلك مقبولة ومبررة، أو من خلال استراتيجيات تركز على الارتقاء بمكانة العلامة وتعزيز صورتها السوقية. ويعكس ذلك فهمًا واضحًا للتحول الذي طرأ على أولويات المستهلكين، وفي مقدمتها البحث عن القيمة. والمقصود بالقيمة هنا لا يرتبط بالحصول على منتج منخفض السعر، بل بإقناع المستهلك بأن السعر المدفوع يعكس بصورة عادلة الجودة والقيمة التي يحصل عليها.

لوسيا راهيلي: منذ جائحة كوفيد 19، شهدنا نموًا ملحوظًا في سوق إعادة بيع المنتجات المستعملة عبر المنصات الرقمية عبر الإنترنت وأصبحت هذه السوق تتيح للمستهلكين الباحثين عن أفضل قيمة مقابل ما ينفقونه فرصة لاقتناء منتجات من العلامات الفاخرة التي كانوا يطمحون إلى امتلاكها، ولكن بأسعار مقبولة. والسؤال المطروح هنا، كيف ينبغي للعلامات التجارية الفاخرة أن تنظر إلى سوق إعادة البيع؟ وكيف يمكنها الاستفادة من هذا النمو، مع الحفاظ في الوقت نفسه على عناصر التميز التي تقوم عليها العلامات الفاخرة، مثل جاذبيتها وطابعها الحصري؟

جيما دي أوريا: على مدى سنوات طويلة، تعاملت العلامات التجارية الفاخرة بحذر مع سوق إعادة البيع، وكانت مترددة في الانخراط فيه لعدة اعتبارات. فقد خشيت أن يؤدي هذا المسار إلى إضعاف مكانة علاماتها التجارية، كما أثارت تساؤلات بشأن كيفية ضمان أصالة المنتجات المتداولة، إلى جانب فقدان السيطرة على التجربة الكاملة التي يمر بها العميل، بدءًا من لحظة التعرف إلى المنتج ووصولًا إلى عملية الشراء وما بعدها. وتُعد هذه التجربة المتكاملة أحد أهم مقومات قطاع السلع الفاخرة، لأنها ترتبط بالمنتج وتمتد أيضًا إلى مستوى الخدمة وطريقة العرض وأسلوب التواصل مع العميل، وهي عناصر تحظى بأهمية كبيرة لدى العلامات التجارية الفاخرة وعملائها على حد سواء.

وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت سوق إعادة البيع تمنح المستهلكين فرصة لاقتناء منتجات فاخرة بأسعار أقل، وهو ما وسّع قاعدة المهتمين بهذا النوع من التسوق. وفي الوقت نفسه، بدأ كثير من المستهلكين يبحثون عن التميز والاختلاف ويفضلون اقتناء قطع لا يمتلكها الجميع، تعكس ذوقهم الشخصي وتمنحهم إحساسًا بالتفرد. كما أعتقد أننا لم نُقدّر بما يكفي عاملًا آخر لا يقل أهمية، وهو متعة البحث عن القطعة المناسبة. فهناك شريحة من المستهلكين تستمتع برحلة البحث نفسها، وبالشعور الذي يصاحب العثور في النهاية على قطعة نادرة أو تصميم مميز يصعب العثور عليه، وكأنها اكتشاف لا يمكن أن يتحقق إلا داخل أحد المتاجر المتخصصة أو البوتيكات الراقية.

ولهذا، أصبح هذا السوق قناة مهمة جدًا، ليس فقط لاستقطاب عملاء جدد، وإنما أيضًا لأن منصات إعادة البيع نفسها شهدت توسعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة. فقد توسعت هذه المنصات ورفعت كفاءتها التشغيلية واستثمرت في تطوير تقنياتها بما عزز قدرتها على تقديم تجربة أكثر موثوقية للمستهلكين. وفي الوقت نفسه، أسهم الذكاء الاصطناعي في إحداث نقلة نوعية في هذا المجال، إذ أصبحت هذه المنصات قادرة على التحقق من أصالة المنتجات بدقة أكبر وبتكلفة أقل بكثير مما كان ممكنًا في السابق، وهو ما عزز ثقة المستهلكين وساعد على ترسيخ مكانة إعادة البيع بوصفها جزءًا أساسيًا من سوق السلع الفاخرة.

وحالياً، بدأت العلامات التجارية الفاخرة تعيد النظر في موقفها من منصات إعادة البيع وأصبحت تبحث عن أفضل السبل للتعاون معها، مع الحرص على تقديم تجربة تعكس هوية العلامة التجارية واختيار المنتجات الملاءمة لهذا النوع من القنوات. وفي السابق، كانت سوق إعادة البيع تتركز في الغالب على الحقائب الجلدية الشهيرة والمجوهرات، باعتبارها من أكثر المنتجات ندرة وارتفاعًا في القيمة. أما اليوم، فقد امتد هذا النشاط ليشمل فئات أخرى من المنتجات، وهو ما يُتوقع أن يدعم نمو هذا السوق خلال الفترة المقبلة.

لوسيا راهيلي: يبدو أن قطاع المجوهرات يسير في اتجاه مختلف عن بقية فئات السلع الفاخرة، إذ يواصل تحقيق أداء قوي رغم التوقعات التي تشير إلى تباطؤ النمو في معظم قطاعات صناعة الأزياء والرفاهية. فما الذي يجعل المجوهرات أكثر قدرة على جذب المستهلكين مقارنة ببقية فئات المنتجات الفاخرة؟ وما العوامل التي تقف وراء هذا الأداء؟

جيما دي أوريا: تشير التوقعات إلى أن سوق المجوهرات سيحقق معدل نمو سنوي يتجاوز 4 في المئة خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، وهو معدل يزيد بنحو أربعة أضعاف على النمو المتوقع لقطاع الملابس. ويعكس هذا الفارق دلالات واضحة في تفضيلات المستهلكين ويؤكد أن أداء المجوهرات يتفوق على بقية فئات السلع الفاخرة بفارق يصعب تجاهله.

هناك سببان رئيسيان يفسران الأداء القوي الذي يحققه قطاع المجوهرات. أولهما أن المستهلكين باتوا ينظرون إلى المجوهرات على أنها تمنحهم قيمة أكبر مقابل ما يدفعونه، مقارنة بغيرها من المشتريات الفاخرة. وللمرة الأولى، ومع الارتفاع المتواصل في أسعار السلع الفاخرة، بدأ كثير من المستهلكين يوجهون إنفاقهم نحو المجوهرات بدلًا من الملابس الجاهزة والمنتجات الجلدية، ولا سيما حقائب اليد. أما السبب الثاني، فيرتبط بالرغبة في التعبير عن الهوية الشخصية. فالمجوهرات تمنح المستهلك مساحة أوسع لاختيار قطع مختلفة وتنسيقها معًا بطريقة تعكس ذوقه وشخصيته، وهو ما يصعب تحقيقه بالقدر نفسه عند شراء فئات أخرى من المنتجات الفاخرة.

الشعور بالرضا والراحة يعيد تشكيل اختيارات المستهلكين في عالم الأزياء

لوسيا راهيلي: أصبح توجه المستهلكين نحو البحث عن الراحة النفسية، والشعور بالرضا، وتحسين جودة حياتهم اليومية، عاملًا مؤثرًا في طريقة إنفاقهم على الأزياء. كيف ترين استجابة العلامات التجارية لهذا التحول؟

جيما دي أوريا: بالنسبة لبعض العلامات التجارية، سيصبح التركيز على ما يمنح العملاء شعورًا بالراحة والرضا ويحسن جودة حياتهم جزءًا أساسيًا من هويتها. فالأمر هنا لا يرتبط فقط بما يفعله العملاء أو بما يشترونه، وإنما بما يعبر عن شخصيتهم وهويتهم وأسلوب حياتهم. ولهذا، تسعى العلامات التجارية إلى فهم هوية عملائها بصورة أعمق، والتأكد من وجود انسجام حقيقي معها، لأن ذلك يلعب دورًا مباشرًا في بناء علاقة قوية معهم واستمرار ارتباطهم بها. ومن هذا المنطلق، تعيد العلامات التجارية اليوم النظر في خياراتها الاستراتيجية بعناية. فهي تدرك أن المستهلكين يغيرون أولويات إنفاقهم بصورة مستمرة، وإذا أرادت الحفاظ على حضورها وجاذبيتها، فعليها أن تواكب عملاءها وتفهم احتياجاتهم.

لوسيا راهيلي: هل يمكنكِ أن تعطينا مثالًا يوضح كيف ينعكس ذلك على توجه المستهلكين نحو ما يمنحهم شعورًا بالراحة والرضا ويحسن جودة حياتهم؟

جيما دي أوريا: نستعرض في تقريرنا النمو المتسارع للأجهزة القابلة للارتداء، وفي مقدمتها النظارات الذكية، التي باتت مدعومة بتقنيات متقدمة تتيح للمستخدم إنجاز العديد من المهام التي كانت ترتبط سابقًا بالهاتف الذكي. وتعد نظارات "راي بان ميتا" من أبرز الأمثلة على هذا التحول، إذ تعكس توجهًا متناميًا نحو دمج التكنولوجيا في المنتجات اليومية. وامتد هذا التوجه إلى المجال الرياضي أيضًا، من خلال تعاون ميتا مع علامة "أوكلي" لتطوير نظارات ذكية مخصصة للأنشطة الرياضية. فعلى سبيل المثال، عند استخدامها في رياضات مثل التزلج، توفر هذه النظارات بيانات لحظية تشمل حالة الطقس، وشدة برودة الرياح، وحالة الثلوج، والسرعة، إلى جانب البيانات الحيوية للمستخدم ومؤشرات أخرى تسهم في تحسين التجربة ودعم اتخاذ قرارات أكثر دقة أثناء النشاط الرياضي.

هذا التوجه لاقى إقبالًا واسعًا من المستهلكين، رغم استمرار النقاش حول الجوانب المتعلقة بحماية الخصوصية. ومع ذلك، تظل الأجهزة القابلة للارتداء، سواء كانت خاتم "أورا" أو سوار "ووب" أو النظارات الذكية، من أسرع الفئات نموًا. كما ترتبط هذه الفئة ارتباطًا وثيقًا بكل ما يعزز الراحة وجودة الحياة اليومية، إلى جانب دور الذكاء الاصطناعي المتزايد فيها.

لوسيا راهيلي: "جيما"، بحكم عملك المستمر مع عملاء قطاع السلع الفاخرة، ما أبرز المجالات العملية التي ينبغي لقادة هذا القطاع التركيز عليها خلال ما تبقى من العام؟ وأين ترين أهم الفرص التي تستحق اهتمامهم في المرحلة المقبلة؟

جيما دي أوريا: يمثل هذا العام مرحلة لإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية لدى كثير من العلامات التجارية، خصوصًا مع وجود عدد كبير من فرق الإدارة الجديدة والمديرين الإبداعيين الجدد. وهذه فرصة مهمة لإعادة النظر بجدية في ثلاثة أسئلة أساسية: أين تنافس؟ وكيف تنافس؟ ولمن تقدم منتجاتك؟ برأيي، هذه هي الأولوية الأهم التي ينبغي أن تركز عليها العلامات التجارية هذا العام.

عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، لم يعد هناك متسع للتردد. فالعلامات التجارية مطالبة بتسريع وتيرة تبنيه، مع الإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بكيفية توظيفه على النحو الأمثل ومدى قدرته على إعادة تشكيل مختلف مراحل تجربة العميل، منذ لحظة التعرف إلى العلامة التجارية وحتى خدمات ما بعد الشراء. ويفرض هذا التوجه على الشركات أن تحدد أولوياتها بوضوح، وأن تحسم المجالات التي تستحق الاستثمار، إلى جانب إعادة النظر في الطريقة التي تُدار بها مؤسساتها لتصبح أكثر جاهزية للاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي. لكن ما نلاحظه في القطاع حتى الآن هو أن كثيرًا من الشركات لا تزال تكتفي بإطلاق مشروعات تجريبية أو تنفيذ تجارب محدودة، من دون إحداث تغيير حقيقي في طريقة عمل المؤسسة، خاصة في المجالات الاستراتيجية، مثل سلاسل الإمداد، التي تمثل ركيزة أساسية لرفع الكفاءة وتعزيز القدرة التنافسية.

على العلامات التجارية أن تعيد النظر بجدية في التغير الذي طرأ على سلوك مستهلكي العلامات الفاخرة، وليس فقط الشريحة الأعلى إنفاقًا التي تمثل 2% من السوق، بل الشريحة الأوسع من المستهلكين الذين باتوا يميلون إلى خيارات تمنحهم جودة وقيمة واضحة مقابل السعر، مع اهتمام متزايد بما يعزز راحتهم وجودة حياتهم، إلى جانب إعطاء أولوية أكبر للتجارب. كما أرى أن على العلامات التجارية التفكير بجدية في كيفية استعادة هذه الشريحة من المستهلكين، سواء عبر الحفاظ على حضورها في حياتهم أو استعادة اهتمام أولئك الذين لم يعودوا يشترون المنتجات الفاخرة بالطريقة التي اعتادوا عليها سابقًا.

لوسيا راهيلي: بعد استعراض نتائج الدراسة هذا العام، هل كانت هناك نتيجة أو ملاحظة لفتت انتباهك على نحو خاص أو جاءت على خلاف ما كنتِ تتوقعينه؟

جيما دي أوريا: ما فاجأني حقًا هو حجم الاهتمام الذي بات يحظى به مفهوم التقدم في العمر بصحة جيدة، أو ما يعرف بالفترة التي يعيشها الإنسان وهو بصحة جيدة ويتمتع بجودة حياة ممتازة، باعتباره أولوية لدى المستهلكين حول العالم. كنت أتوقع أن يكون هذا التوجه حاضرًا بقوة في أسواق مثل الولايات المتحدة وربما أوروبا، لكن اللافت بالنسبة لي أنه يحظى بالأهمية نفسها في أسواق مثل الصين أيضًا، ما يؤكد أن هذا التوجه لم يعد مرتبطًا بمنطقة بعينها، بل أصبح ظاهرة عالمية.

أجد هذا التوجه لافتًا للغاية، لأنني أعتقد أن مفهوم العلامات الفاخرة سيتجه في جوهره نحو مساعدة الأفراد على الوصول إلى نسخة أفضل من أنفسهم. وبالنسبة لبعض الأشخاص، قد يرتبط ذلك بالتغذية الصحية أو اللياقة البدنية، بينما قد يراه آخرون من زاوية الجمال والعناية بالمظهر. وهناك من يمنح أهمية لما يرتديه، في حين يفضل آخرون الجمع بين كل هذه الجوانب. وفي النهاية، يحدد الناس أولويات إنفاقهم بناءً على ما يؤمنون بأهميته في حياتهم.

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعزز الإبداع حقًا؟

لوسيا راهيلي: "هولغر"، دعنا ننتقل إلى الجانب العملي. كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدث تحولاً حقيقيًا في مختلف مراحل سلسلة القيمة في صناعة الأزياء؟

هولغر هارايس: الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي تمتد إلى مختلف مراحل سلسلة القيمة في صناعة الأزياء، كما أن هذه التقنيات أصبحت جاهزة للتطبيق على نطاق واسع، بعدما تجاوزت مرحلة التجارب والأفكار المستقبلية. لذلك، فإن الرسالة الأساسية تتمثل في أن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعًا يفرض حضوره في القطاع وتبدأ أولى ملامح هذا التحول من الجانب الإبداعي.

سواء كنا نتحدث عن منتجات التجميل أو الأزياء الفاخرة، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي قادرة على دعم العملية الإبداعية وتعزيزها. وبطبيعة الحال، لا يمكن النظر إليها باعتبارها بديلًا للإبداع البشري أو للمصمم، لكنها توفر إمكانات واسعة لاستكشاف أفكار وتصاميم متعددة في وقت قياسي. ورغم أن هذه الأدوات تعتمد في جانب من عملها على تحليل التصاميم والبيانات السابقة، وهو ما قد يفرض بعض التحديات، فإنها تمنح فرق التصميم قدرة أكبر على تجربة عدد هائل من الخيارات، وتسهم في رفع الإنتاجية وتسريع وتيرة العمل الإبداعي دون أن تلغي الدور المحوري للعقل البشري.

ينطبق الأمر نفسه على التسويق والأنشطة التجارية، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج حملة تسويقية متكاملة، تبدأ من صياغة الفكرة الأساسية، مرورًا بإعداد المحتوى ووصولًا إلى إنتاج مقاطع الفيديو والمواد الصوتية والعناصر البصرية، وكل ذلك ضمن منظومة واحدة. ولا تتوقف إمكاناته عند هذا الحد، إذ تتيح هذه الأدوات تصميم نسخ متعددة من الحملة نفسها بما يتناسب مع خصائص كل شريحة من العملاء. فيمكن إعداد نسخة موجهة للمستهلك في الصين وأخرى لعملاء الساحل الغربي في الولايات المتحدة وثالثة لجمهور جنوب إيطاليا، بما يعكس اختلاف التفضيلات والثقافات من سوق إلى أخرى.

وفي مراحل لاحقة من سلسلة القيمة، يبرز دور الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالطلب والتخطيط له، وهما مجالان يحققان قيمة كبيرة للشركات، سواء من حيث تحسين الأداء المالي أو دعم أهداف الاستدامة. فمن خلال تحليل البيانات، يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بالمنتجات التي سيزداد الطلب عليها وتحديد الأسواق التي ستشهد هذا الطلب، إلى جانب توقيت الشراء المتوقع لكل شريحة من المستهلكين. وتساعد هذه الرؤية الشركات على تحسين معدل بيع المخزون وتجنب نفاد المنتجات من المتاجر أو منصات البيع الإلكترونية، فضلًا عن الحد من عمليات الإرجاع، وهو ما ينعكس في النهاية على كفاءة التشغيل وجودة تجربة العميل.

لوسيا راهيلي: تُعرف صناعة الأزياء بأنها من أكثر القطاعات اعتمادًا على الإبداع. فهل تلاحظ وجود قدر أكبر من التحفظ تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي لهذا السبب؟ أم أن ما يقدمه من فوائد عملية يجعل قرار تبنيه أكثر سهولة، رغم ما يثيره من تساؤلات؟

هولغر هارايس: نجري بصورة منتظمة استطلاعًا واسعًا لآراء العملاء تحت عنوان "حالة وضع الذكاء الاصطناعي "2. وتظهر نتائج هذا الاستطلاع أنه رغم ضخ استثمارات كبيرة جدًا في المشاريع.". التجريبية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فإن عددًا محدودًا فقط من هذه المشاريع ينجح في الوصول إلى مرحلة التطبيق الفعلي على مستوى المؤسسة. وهي المرحلة التي يبدأ فيها الذكاء الاصطناعي بتحقيق عائد ملموس على الاستثمار وخلق قيمة حقيقية على نطاق واسع.

لماذا يحدث ذلك؟ لأن نجاح الذكاء الاصطناعي يتطلب أكثر من إدخال تقنيات جديدة، فهو يرتبط بإحداث تحول حقيقي في طريقة إدارة الأعمال وآليات العمل داخل المؤسسة. وهذا يتطلب إعادة تصميم العمليات وأساليب العمل على مستوى المؤسسة بأكملها، وليس الاكتفاء بتبني أدوات تقنية جديدة. إزاء ذلك، ينبغي للقادة أن يخصصوا للاستثمار في تبني الذكاء الاصطناعي وإدارة التغيير داخل مؤسساتهم ما يعادل ثلاثة إلى خمسة أضعاف ما ينفقونه على التكنولوجيا نفسها. فالتحدي الحقيقي يتمثل في تمكين الموظفين من استخدام هذه التقنيات بفاعلية وتطوير أساليب العمل بما يحقق أقصى استفادة منها، وليس في التقنية نفسها. وبطبيعة الحال، ستكون وتيرة التبني أبطأ في بعض المجالات، ولا سيما تلك التي تعتمد في جوهرها على الإبداع البشري، مثل التصميم أو التسويق. لكن إذا جرى تقديم الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة تدعم الإنسان وتعزز إنتاجيته وتمنحه خيارات أوسع في أداء عمله، فسيكون من الأسهل تقبله والاستفادة من إمكاناته.

لوسيا راهيلي: إذا اتجه عدد متزايد من العلامات التجارية إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لتوسيع خياراتها الإبداعية، فهل هناك خطر من أن تتشابه المخرجات بمرور الوقت، فتفقد العلامات التجارية جانبًا من تميزها؟ وكيف يمكن للقادة الحفاظ على الهوية الخاصة لكل علامة تجارية وضمان استمرار قدرتها على التميز في سوق تزداد فيه المنافسة؟

هولغر هارايس: هذا الاحتمال قائم بالفعل، ولذلك ينبغي لكل علامة تجارية أن تدرك بوضوح هويتها والقيم التي تنطلق منها قبل توظيف الذكاء الاصطناعي. فإذا جرى استخدام هذه التقنيات بما ينسجم مع شخصية العلامة التجارية، فستصبح أداة تدعم الإبداع البشري، لا بديلًا عنه. ويمكن الاستفادة منها لتوليد عدد كبير من الأفكار والخيارات، ثم يختار المصمم أو الفريق الإبداعي ما يناسب رؤيته ويطوره ويمنحه لمسته الإنسانية. وعندها، يبقى الإبداع الحقيقي، بمعناه الفني، نتاجًا للرؤية البشرية ويؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا داعمًا في توسيع مساحة الأفكار وتسريع الوصول إليها، من دون أن يحل محل الحس الإبداعي الذي يميز الإنسان.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك، لا تزال كثير من العلامات التجارية الفاخرة تعتمد على إنتاج نماذج أولية فعلية خلال مراحل تطوير المنتجات. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد صياغة هذه العملية بالكامل، بهدف تبسيط بعض مراحلها وتسريع تنفيذها وزيادة الاعتماد على النماذج الرقمية قبل الانتقال إلى التصنيع الفعلي، من دون المساس بالدور المحوري للإبداع البشري. كما يتطلب هذا التحول استثمارًا في الوقت والموارد، لكنه يحقق في المقابل مكاسب واضحة. فعندما تصبح دورة تطوير المنتج أكثر كفاءة، تنخفض التكاليف وتتسارع وتيرة العمل وتتمكن العلامات التجارية من اختبار الأفكار والمنتجات مع عملائها في وقت مبكر وإجراء التعديلات اللازمة قبل طرحها في الأسواق. ومن ثم، تزداد جاذبية المنتجات وتتعزز قيمة العلامة التجارية، كما تصبح أكثر قدرة على التطور ومواكبة توقعات المستهلكين مقارنة بالأساليب التقليدية.

لوسيا راهيلي: يبدو من السهل إدراك الكيفية التي يمكن أن تستفيد بها شركات الأزياء السريعة من الذكاء الاصطناعي. لكن هذا القطاع واجه خلال السنوات الماضية انتقادات متكررة بسبب آثاره البيئية. وفي ظل هذه التحديات، كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغير هذه المعادلة؟ وهل يستطيع أن يسهم في الحد من تلك الآثار وتحقيق توازن أفضل بين سرعة الإنتاج ومتطلبات الاستدامة؟

هولغر هارايس: يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يؤدي دورًا مؤثرًا في تعزيز الاستدامة على امتداد مراحل سلسلة القيمة. فعندما تتمكن الشركات من تطوير نماذجها الأولية بدقة أكبر والحد من عدد النماذج التي تحتاج إلى إنتاجها فعليًا، فإنها تختصر زمن تطوير المنتج وتقلل استهلاك المواد والموارد، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة العمليات واستدامتها. وينطبق الأمر نفسه على التنبؤ بالطلب، إذ يساعد الذكاء الاصطناعي الشركات على توقع المنتجات التي سيحتاج إليها المستهلكون والأسواق التي سيتركز فيها الطلب، بدرجة أعلى من الدقة. وعلى هذا الأساس، يرتفع معدل بيع المخزون وتتراجع كميات المنتجات التي تبقى دون بيع، والتي تضطر الشركات لاحقًا إلى تصريفها بأسعار مخفضة، وهي ممارسة لا تنسجم مع مبادئ الاستدامة. ويمتد هذا الأثر إلى قطاع الخدمات اللوجستية أيضًا، حيث يتيح الذكاء الاصطناعي تخطيط عمليات الشحن وتوزيع المنتجات بدقة أكبر، بما يضمن توجيه كل جزء من المجموعة إلى السوق الأكثر ملاءمة له، وهو ما يسهم في رفع كفاءة التوزيع والحد من الهدر.

الذكاء الاصطناعي وتجربة العميل

لوسيا راهيلي: دعنا ننتقل إلى تجربة العميل. كيف توظف العلامات التجارية الذكاء الاصطناعي للارتقاء بمستوى رضا العملاء وتحسين تجربتهم؟ وهل أصبحت مزايا مثل تجربة المنتجات افتراضيًا جزءًا من هذا التحول؟

هولغر هارايس: يكفي أن نتأمل الطريقة التي أصبحنا نكتشف بها المنتجات اليوم. فمنذ منتصف العام الماضي تقريبًا، تسارع اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي بوتيرة لافتة وامتد هذا التوجه إلى مستهلكي السلع الفاخرة أيضًا. وتشير نتائج استطلاعاتنا الدورية حول استخدام الذكاء الاصطناعي، إلى أن معدل تبني هذه الأدوات بين مستهلكي السلع الفاخرة بلغ نحو 80 في المئة من المستوى المسجل لدى عموم المستهلكين.3ويعني ذلك أن المستهلكين بدأوا يكتشفون المنتجات بطريقة مختلفة، إذ باتوا يعتمدون بصورة متزايدة على الحوار مع وكلاء الذكاء الاصطناعي للحصول على التوصيات واستكشاف المنتجات، بدلًا من الاكتفاء بوسائل البحث التقليدية.

لوسيا راهيلي: حدثنا بمزيد من التفصيل عن الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء الأذكياء. كيف تتوقع أن يؤدي هؤلاء الوكلاء دورهم داخل منظومة صناعة الأزياء؟ وما طبيعة المهام التي يمكن أن يتولوها في المستقبل؟

هولغر هارايس: بدأ المستهلكون يتجهون بصورة متزايدة إلى نماذج اللغة الكبيرة ويطرحون عليها أسئلة مثل: ماذا يناسبني أن أرتدي؟ ثم يحصلون على اقتراحات تناسب احتياجاتهم. فعلى سبيل المثال، يمكنني التقاط صورة لنفسي وتجربة الملابس افتراضيًا، ثم أطلب تعديل الإطلالة قائلًا: أعجبتني النتيجة، لكنني أفضل إضافة ربطة عنق أو هل يمكنك اقتراح حذاء يتناسب مع هذه الإطلالة؟ وهكذا، أصبح الذكاء الاصطناعي يفتح أمام المستهلك خيارات وتوصيات شخصية لم تكن متاحة بهذه السهولة في السابق، وهو ما يجعل تجربة التسوق أكثر تفاعلية وملاءمة لاحتياجات كل فرد.

وهناك نقطة أرى أنها تستحق اهتمامًا خاصًا، لأنها بدأت تتضح بصورة متزايدة لدى عدد كبير من عملائنا منذ أواخر العام الماضي، مع التطور السريع للذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء الأذكياء. ما نشهده اليوم يتجاوز مجرد ظهور تقنية جديدة، فهو يعكس تحولاً عميقًا في طريقة عمل قطاع الأزياء والتجزئة، وقد يكون تأثيره مماثلًا للتوجه الكبير الذي أحدثه ظهور التجارة الإلكترونية عندما غيرت أساليب البيع والشراء وأعادت رسم العلاقة بين العلامات التجارية والمستهلكين. ويطرح ذلك سؤالًا جوهريًا حول المرحلة المقبلة: هل ستنتقل العلاقة مع العملاء وعمليات الشراء تدريجيًا لتدار عبر وكلاء ذكاء اصطناعي قائمين على التفاعل والمحادثة؟ وإذا أصبح هذا النموذج هو السائد، فكيف ستتغير أدوار العلامات التجارية وتجار التجزئة والمنصات الرقمية؟ والأهم من ذلك، كيف سيحافظ كل طرف على قيمته ودوره في رحلة العميل إذا أصبح وكيل الذكاء الاصطناعي هو البوابة الأولى التي يبدأ منها المستهلك عملية البحث والمقارنة والشراء؟

لوسيا راهيلي: ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لولاء العملاء للعلامات التجارية، في ظل تعرضهم داخل بيئة نماذج اللغة الكبيرة لهذا الكم من التوصيات المخصصة بدقة وفقًا لاهتماماتهم؟ وهل يختلف هذا عن انتقالهم إلى النظام الرقمي الخاص بالعلامة التجارية أو إلى منصات البيع الإلكترونية؟

هولغر هارايس: بالتأكيد، فهذا يمثل تحولاً هيكليًا عميقًا في طريقة تفاعل المستهلكين مع العلامات التجارية. فإذا أصبح وكيل ذكاء اصطناعي متعدد المهام هو الجهة التي تقدم لي أفضل الإجابات عن استفساراتي وتقترح المنتجات الأكثر ملاءمة لاحتياجاتي وتوفر لي تجربة أكثر سلاسة وسرعة، فمن الطبيعي أن أميل إلى إتمام عملية الشراء من خلاله، لا عبر الموقع الإلكتروني للعلامة التجارية أو منصة البيع الخاصة بها. وهنا يكمن التغيير الحقيقي. فمن منظور العلامات التجارية أو تجار التجزئة، يعني ذلك أن نقطة الاتصال المباشرة مع العميل قد تنتقل إلى طرف آخر، وهو ما يقلل من دورهم في رحلة الشراء ويحد من قدرتهم على التأثير في قرارات المستهلك كما كان يحدث في السابق. وهذا مجرد أحد السيناريوهات المحتملة التي قد يتجه إليها السوق مع استمرار تطور هذه التقنيات واتساع نطاق استخدامها.

وهناك سيناريو آخر لا يقل أهمية، يتمثل في أن تبادر العلامات التجارية أو شركات التجزئة إلى تطوير وكلاء ذكاء اصطناعي خاصين بها، بهدف بناء علاقة أكثر عمقًا مع عملائها وفهم احتياجاتهم بصورة أدق. فبدلًا من الاعتماد على وكيل عام يخدم الجميع، يمكن للعلامة التجارية أن توفر مساعدًا ذكيًا يعرف تفضيلات كل عميل ويتفاعل معه بصورة مستمرة. ومن ذلك أن يتمكن هذا المساعد من مزامنة مواعيد العميل مع تقويمه، ليعرف أنه سيحضر معرضًا فنيًا أو مناسبة معينة، فيقترح عليه مسبقًا إطلالة تناسب الحدث. وقد يتجاوز ذلك إلى معرفة القطع الموجودة بالفعل في خزانة ملابسه، ثم يقدم اقتراحات جديدة تجمع بين ما يمتلكه وما يمكن إضافته من منتجات، بما يحقق له إطلالة متناسقة دون الحاجة إلى شراء مجموعة كاملة. وهذا النوع من التفاعل يمنح العلامة التجارية فرصة لبناء علاقة أكثر قربًا مع العميل ويعزز مكانتها لديه بصورة يصعب على أي مساعد ذكاء اصطناعي عام ومتعدد الاستخدامات أن يحققها، لأنه يفتقر إلى هذا المستوى من الفهم الشخصي والتواصل المستمر.

لوسيا راهيلي: مذهل... وكأن لكل عميل منسق أزياء شخصيًا يرافقه ويقدم له النصيحة في كل مناسبة.

هولغر هارايس: نعم، لكن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تطرحه كل علامة تجارية على نفسها هو: هل سيحقق هذا التوجه قيمة فعلية لأعمالها؟ وهل سيعزز قدرتها على النمو وبناء علاقة أقوى مع عملائها؟ أم أن الخيار الأكثر جدوى يتمثل في التعاون مع وكيل ذكاء اصطناعي عام ومتعدد الاستخدامات بدلًا من تطوير حل خاص بها؟ ويتوقف القرار في النهاية على ما يحقق أكبر قيمة على المدى الطويل. فهل يسهم هذا التوجه في تعزيز مكانة العلامة التجارية لدى عملائها؟ وهل ينعكس إيجابًا على أداء الشركة وقيمتها السوقية ويحقق عائدًا أكبر للمساهمين؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد المسار الذي ستختاره الشركات خلال السنوات المقبلة.

أما السؤال الثاني، فلا يقل أهمية، ويتمثل في: كيف يمكن تحويل هذه الفرصة إلى قيمة حقيقية ومستدامة للأعمال؟ فالإجابة تتمثل في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي بطريقة تحقق أثرًا ملموسًا في أداء الشركة وتعزز قدرتها التنافسية، وليس في مجرد إدخالها إلى بيئة العمل. وهذا يعيدنا إلى الفكرة الأساسية التي أشرت إليها سابقًا وهي أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي يتطلب أكثر من إطلاق أداة جديدة أو اعتماد تقنية حديثة، فهو يستدعي تحولاً عميقًا في طريقة إدارة الأعمال وإعادة تصميم العمليات وأساليب العمل داخل المؤسسة، حتى تصبح قادرة على الاستفادة الكاملة من الإمكانات التي توفرها هذه التقنيات.

Explore a career with us