ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
وسط حالة من الضبابية الاقتصادية والتغيرات التقنية المتسارعة، تحول إنشاء المشروعات الجديدة من خيار تلجأ إليه الشركات لتعزيز النمو إلى ضرورة استراتيجية تفرضها متطلبات المنافسة والحاجة إلى مواكبة التحولات المتلاحقة. وفي هذه الحلقة من بودكاست ماكنزي، يتحاور الشريك الأول في ماكنزي، "جيسون بيلو"، مع المديرة التحريرية "روبرتا فوسارو" حول أحدث أبحاث الشركة بشأن بناء المشروعات الجديدة داخل المؤسسات، وهو نهج يتيح للشركات إطلاق أعمال جديدة مستفيدةً من قدراتها الداخلية. ويتناول الحوار الأسباب التي تجعل المؤسسات التي تنجح باستمرار في بناء أعمال جديدة تتفوق على غيرها، كما يناقش الكيفية التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل معادلة الابتكار، من خلال خفض تكاليف تطوير الأفكار وتسريع تحويلها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ. ويختتم الحوار باستعراض ما يمكن للقادة فعله لتحويل التجارب الفردية إلى قدرة مؤسسية متكررة، تصبح جزءًا أصيلًا من آلية الابتكار والنمو داخل المؤسسة.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
يشارك في تقديم بودكاست ماكنزي كل من "لوسيا راهيلي" و"روبرتا فوسارو".
خضعت هذه الحلقة للتحرير بهدف تعزيز وضوح المحتوى واختصار بعض أجزائه، مع الحفاظ على جوهر الحوار ومضمونه.
لماذا تحقق المؤسسات التي تستمر في إطلاق المشاريع نتائج أفضل من غيرها؟
روبرتا فوسارو: نناقش اليوم أحدث دراسة أعدتها ماكنزي حول البناء الاستثماري داخل الشركات. ولنبدأ بتوضيح هذا المفهوم. ما المقصود بالبناء الاستثماري داخل الشركات؟
جيسون بيلو: المقصود به إنشاء نشاط أعمال مستقل ينطلق من داخل الشركة، وقد يكون مرتبطًا بالمجال الذي تعمل فيه المؤسسة أو موجهًا إلى الشريحة نفسها من العملاء التي تخدمها. ويقوم هذا النهج على ابتكار منتجات جديدة بالكامل، وليس الاكتفاء بتطوير المنتجات القائمة أو إدخال تحسينات عليها. وتكمن أهمية هذا النهج في أنه يستلزم أسلوبًا مختلفًا في الاستثمار والإدارة، يتوافق مع طبيعة المشروع الجديد وطموحاته منذ مراحله الأولى.
وفي كثير من الحالات، حتى إذا استهدف المشروع الشريحة نفسها من العملاء، يتبع دورة مبيعات مختلفة أو يقدم حلولًا برمجية بدلًا من المنتجات المادية. والمقصود هنا ليس تطويرًا تدريجيًا لمنتج قائم أو إضافة تحسينات محدودة إليه، إذ يقوم هذا النهج على توظيف ما تمتلكه الشركة من خبرات ومقومات تنافسية لبناء منتج جديد بالكامل، يحقق قيمة مختلفة ويخاطب السوق برؤية جديدة.
روبرتا فوسارو: دعنا نتوقف عند الدراسة نفسها. ما الأساس الذي استندت إليه هذه الأبحاث؟ وهل يمكن أن تحدثنا بمزيد من التفصيل عن منهجية الدراسة وكيفية إعدادها؟
جيسون بيلو: اعتمدت الدراسة على تحليل المؤسسات التي تتبنى البناء الاستثماري داخل الشركات، إلى جانب مؤسسات لا تزال في مرحلة تجربة هذا النهج واختبار إمكاناته. وشملت الدراسة طيفًا واسعًا من المؤسسات، بدءًا من الشركات الكبرى وصولًا إلى الشركات الأصغر حجمًا. كما استندت إلى مقابلات مع رؤساء تنفيذيين ومديرين عامين يقودون هذه المشروعات، بهدف تكوين صورة أكثر دقة عن العوامل التي تسهم في نجاحها والتحديات التي تواجهها.
فعندما يتعلق الأمر بتخصيص رأس المال، تمتلك الشركات أكثر من خيار للاستثمار. فقد تتجه إلى عمليات الاندماج والاستحواذ، وهو مسار قد يحقق قيمة كبيرة. إلا أنه ينطوي أيضًا على قدر من عدم اليقين، إذ لا تستطيع الشركة دائمًا تقييم الأصول أو الشركات المستهدفة بدقة قبل إتمام الصفقة، كما تضطر في كثير من الأحيان إلى دفع علاوة استحواذ مرتفعة، وهي قيمة إضافية تتجاوز السعر الأساسي للأصل أو الشركة المستهدفة لإتمام عملية الاستحواذ.
وإذا تمكنت الشركة من توجيه رأس مالها إلى مشروع تطوره من داخلها، وكانت أكثر يقينًا بجدوى الفرصة التي تسعى إلى اغتنامها، حتى وإن كانت لا تزال تبني القدرات اللازمة لتنفيذها، ازدادت فرصها في تحقيق قيمة طويلة الأمد. وعلى هذا الأساس، سعت الدراسة إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية مثل: ما الذي يميز المؤسسات التي تحقق نجاحًا متكررًا في البناء الاستثماري داخل الشركات؟ وما الممارسات التي تمكّنها من تحقيق نتائج تتفوق بها على غيرها؟ والأهم، كيف يمكن نقل هذه الخبرات إلى مؤسسات أخرى، بحيث يصبح بناء المشروعات الجديدة قدرة مؤسسية قابلة للتكرار، لا نجاحًا استثنائيًا يتحقق مرة واحدة؟
روبرتا فوسارو: تكشف نتائج الدراسة أن الشركات التي تعمل على بناء ثلاثة مشروعات جديدة أو أكثر في آنٍ واحد تحقق أداءً يفوق بكثير أداء الشركات التي تكتفي بإطلاق مشروع جديد واحد. فما الذي يفسر هذا الفارق؟ ولماذا يصبح تكرار التجربة وتراكم الخبرة عاملين حاسمين في نجاح البناء الاستثماري داخل الشركات؟
جيسون بيلو: أرى أن السبب يعود إلى أن بناء المشروعات الجديدة مهارة تتطور بالممارسة المستمرة. فكلما خاضت المؤسسة هذه التجربة مرات أكثر، ازدادت قدرتها على إدارتها بكفاءة وتحويلها إلى قدرة مؤسسية راسخة. ويبدأ ذلك من أسلوب التمويل، إذ لا يمكن التعامل مع المشروع الجديد بالمنطق نفسه الذي تُدار به الأنشطة القائمة. فلا يكفي الاعتماد على موازنة العام السابق ثم زيادتها أو خفضها بنسبة محددة، على أن يُحدَّد حجم الاستثمار المطلوب منذ انطلاق المشروع حتى اكتماله، ثم تقسيمه إلى مراحل متتابعة، بحيث يُضخ التمويل تدريجيًا مع إنجاز كل مرحلة وتحقيق أهدافها، وهو ما يسهم في الحد من المخاطر وتعزيز كفاءة إدارة الموارد. وإلى جانب ذلك، تعمل هذه المشروعات عادة بموارد مالية محدودة، كما تواجه معظم الشركات ضغوطًا على السيولة، مما يجعل الإفراط في الإنفاق خيارًا غير عملي. ولهذا يبرز التمويل المرحلي بوصفه نهجًا مختلفًا في إدارة الاستثمارات، إذ تُخصص الموارد المالية وفقًا لما يحققه المشروع من نتائج فعلية، بدلًا من توفير كامل التمويل منذ البداية.
ولا تقل إدارة الأداء أهمية عن أسلوب التمويل. فالمشروعات الجديدة لا يمكن تقييمها بالمعايير نفسها المطبقة على الأنشطة المستقرة، كما لا يكفي وضع أهداف سنوية تتكرر بالصيغة نفسها عامًا بعد عام. والأجدى أن تطرح المؤسسة على نفسها أسئلة تنسجم مع المرحلة التي يمر بها المشروع مثل: ما الأهداف والنتائج الرئيسية المطلوب تحقيقها خلال الربع المقبل؟ وكيف يمكن قياس التقدم بصورة مستمرة؟ وما الآلية الأنسب لمساءلة فرق العمل عن النتائج التي تحققها؟ وفي المحصلة، يمثل البناء الاستثماري داخل الشركات تحولًا مدروسًا في أسلوب عمل المؤسسات، لا مجرد تطبيق للممارسات التقليدية. ومع تكرار هذه التجربة، تتحول هذه الممارسات إلى خبرة مؤسسية متراكمة، وتزداد قدرة المؤسسة على إطلاق مشروعات جديدة وإدارتها بكفاءة، حتى يصبح الابتكار قدرة مؤسسية راسخة تتعزز مع كل تجربة جديدة.
وتحقق المؤسسات التي تنجح باستمرار في البناء الاستثماري داخل الشركات نتائج أفضل، لأنها تنظر إلى مشروعاتها من منظور المحفظة الاستثمارية، لا باعتبار كل مشروع رهانًا مستقلًا. فهي تدرك أن النجاح لن يكون من نصيب جميع المشروعات، تمامًا كما أن عمليات الاندماج والاستحواذ أو المنتجات الجديدة لا تفضي جميعها إلى النتائج المرجوة. فكل قرار استثماري ينطوي بطبيعته على قدر من المخاطرة. ومن هذا المنظور، عندما تطلق المؤسسة ثلاثة مشروعات جديدة، فإنها توزع المخاطر على مجموعة من الفرص، بدلًا من رهن نجاحها بمشروع واحد. ويمنحها ذلك قدرة أكبر على اتخاذ قرارات حاسمة في الوقت المناسب، بما في ذلك إيقاف المشروعات التي لا تحقق مؤشرات الأداء المستهدفة أو لا تحظى بقبول كافٍ من العملاء في مراحلها الأولى، ثم إعادة توجيه الموارد إلى المبادرات الأكثر قدرة على تحقيق النجاح.
روبرتا فوسارو: تشير نتائج الدراسة إلى أن الخبرة المتراكمة، إلى جانب ترسيخ ثقافة التعلم من خلال الممارسة المستمرة، يشكلان عاملين رئيسيين في نجاح البناء الاستثماري داخل الشركات. لكن ثمة جانب آخر استوقفني، وهو تكلفة إنشاء المشروعات الجديدة. ففي عام 2024، بلغ متوسط التكلفة اللازمة لوصول المشروع إلى نقطة التعادل، أي المرحلة التي تتساوى فيها الإيرادات مع التكاليف، نحو 125 مليون دولار. ثم انخفض هذا المتوسط في عام 2025 إلى 77 مليون دولار. فما الذي يفسر هذا التحول اللافت؟
جيسون بيلو: أعتقد أن هذا التحول يعود إلى عاملين رئيسيين. أولهما أن الشركات تعمل اليوم في بيئة تتسم بشح التمويل وارتفاع تكلفة رأس المال، مما دفعها إلى تشديد الانضباط في قراراتها الاستثمارية ومتابعة مشروعاتها الجديدة بدرجة أكبر من الدقة. أما العامل الثاني، فيتمثل في سعي المؤسسات إلى تحقيق نتائج ملموسة في وقت مبكر. لذلك تحول التركيز من المشروعات التي لا تؤتي ثمارها إلا بعد سنوات إلى المبادرات القادرة على إثبات جدواها سريعًا. ولهذا تبحث الشركات عن نماذج أعمال تستطيع تحقيق ما بين 30% إلى 50% من القيمة المستهدفة خلال أول 12 إلى 18 شهرًا، بما يعزز الثقة في المشروع ويبرر مواصلة الاستثمار فيه.
بينما يعود العامل الثاني وراء هذا التحول إلى الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي أعاد تشكيل البناء الاستثماري داخل الشركات من جذوره، سواء في آليات تطوير المشروعات الجديدة أو في طبيعة الفرص التي تتجه المؤسسات إلى استثمارها. واليوم، أصبح بالإمكان توظيف المساعدات الذكية في مختلف مراحل بناء المشروع، بدءًا من توليد الأفكار واستكشاف الفرص، مرورًا بتطوير نماذج الأعمال واختبارها، ووصولًا إلى التنفيذ، بما يجعل هذه العملية أكثر سرعة وكفاءة. وانعكاسًا لهذه التحولات، بدأ الرؤساء التنفيذيون وكبار المديرين يطالبون فرق العمل بإدماج مكاسب الإنتاجية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في أساليب العمل اليومية، حتى تصبح جزءًا أصيلًا من منهجية تطوير المشروعات، لا مجرد أداة تُستخدم عند الحاجة.
في الواقع، أحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا جذريًا في البناء الاستثماري داخل الشركات، وتجاوز تأثيره أساليب تطوير المشروعات الجديدة ليشمل أيضًا نوعية المشروعات التي تختار المؤسسات الاستثمار فيها.
كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح البناء الاستثماري داخل الشركات؟
روبرتا فوسارو: كيف يمكن للشركات توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل بناء المشروعات الجديدة وتوسيع نطاقها؟ وهل هناك أمثلة لشركات نجحت بالفعل في ذلك وحققت نتائج ملموسة؟
جيسون بيلو: يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي من زاويتين في هذا السياق. تتمثل الأولى في اعتباره مجالًا لبناء مشروعات جديدة، بينما تتمثل الثانية في توظيفه أداةً تدعم البناء الاستثماري داخل الشركات في مختلف مراحله. ولنبدأ بالجانب الأول. فكثير من عملائي يطرحون سؤالًا محوريًا: كيف يمكن إعادة ابتكار طريقة عمل مؤسساتهم بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي؟
قد يرتبط هذا التوجه إلى حد ما بالنشاط الأساسي للمؤسسة، لكنه ينطلق من سؤال مختلف تمامًا: هل يمكن إنشاء مشروع جديد مبني على الذكاء الاصطناعي منذ البداية، يقدم نموذجًا أكثر تطورًا قد ينافس أعمالنا الحالية، وربما يعيد تشكيلها؟ ولدينا تجربة تجسد هذا التوجه مع أحد البنوك، الذي قرر إطلاق بنك رقمي موجه للشركات، يخدم المؤسسات الصغيرة عبر منصة بُنيت على الذكاء الاصطناعي منذ البداية. ويتيح هذا البنك لعملائه الحصول على التمويل وإنجاز معاملاتهم المصرفية اليومية وإدارة علاقاتهم مع الموردين، ضمن تجربة موحدة وأكثر كفاءة.
لكنني أريد أن يكون الذكاء الاصطناعي جزءًا أصيلًا من البنية الأساسية لهذا البنك منذ البداية.
ولتحقيق هذا الهدف، أنشأ العميل هذا البنك بوصفه مشروعًا مستقلًا إلى جانب نشاطه المصرفي الأساسي، رغم أنه يقدم الخدمات المصرفية نفسها. غير أن الاختلاف الجوهري يكمن في طريقة تشغيله، إذ أصبحت إجراءات التحقق من هوية العملاء تعتمد بالكامل على أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تنفيذ المهام واتخاذ القرارات بصورة مستقلة. وينطبق الأمر نفسه على خدمة العملاء وإدارة حركة الأموال، إذ تتولى هذه الأنظمة إدارة تلك العمليات، بما يعزز الكفاءة ويقلل الحاجة إلى التدخل البشري.
لقد أمضيت معظم مسيرتي المهنية في قطاع الرعاية الصحية، وأعمل اليوم مع جهات تمويل خدمات الرعاية الصحية والجهات الوسيطة في هذا القطاع، حيث نطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن ابتكار أساليب جديدة كليًا لإدارة الموافقات المسبقة على العلاج أو معالجة مطالبات التأمين، بالاعتماد على أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تنفيذ المهام واتخاذ القرارات بصورة مستقلة؟
في البداية، نتعامل مع المشروع على أنه كيان مستقل، ثم نعيد دمجه لاحقًا في النشاط الأساسي للمؤسسة بعد أن يثبت نجاحه ويكتسب مقومات الاستمرار. وهذا هو النموذج الذي نقصده عندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي بوصفه مجالًا لبناء مشروعات جديدة.
وثمة جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في كيفية توظيف المؤسسين والقائمين على البناء الاستثماري داخل الشركات للذكاء الاصطناعي لتسريع تطوير مشروعاتهم. ويمكن الوقوف عند جانبين رئيسيين في هذا السياق. أولهما أن الذكاء الاصطناعي اختصر الوقت اللازم لبناء المشروعات الجديدة بصورة غير مسبوقة، بعدما أصبحت أدواته تدعم فرق العمل في مختلف المراحل، بدءًا من بلورة الفكرة وتصميم نموذج العمل، وصولًا إلى تطوير المنتج وإطلاقه. وقد طورنا في ماكنزي منصة خاصة تحمل اسم "بيكون"، يستخدمها عدد من عملائنا لهذا الغرض. كما تستعين المؤسسات بمنصات متخصصة أخرى، مثل "كيرسر" و"كوبايلوت"، لدعم إدارة المنتجات وتطويرها. ويعود ذلك إلى أن كثيرًا من إخفاقات المنتجات لا يرجع إلى ضعف الفكرة، إذ غالبًا ما يكون سببه إغفال تفاصيل دقيقة لا تظهر إلا خلال مرحلتي التصميم والتنفيذ. وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي، إذ يساعد فرق العمل على تحليل تلك التفاصيل واستكشاف السيناريوهات المحتملة، بما يقلل احتمالات الخطأ ويعزز جودة القرارات منذ المراحل الأولى لتطوير المنتج.
وأصبحت هناك منصات لا تحتاج إلاّ إلى وصف مختصر للميزة المطلوب تطويرها، يتبعه حوار قصير مع الذكاء الاصطناعي، لتتولى بعد ذلك إعداد متطلبات التطوير تلقائيًا، بدءًا من معايير قبول الميزة، أي الشروط التي تضمن أنها تؤدي وظيفتها على النحو المطلوب، وصولًا إلى جميع المتطلبات الفنية اللازمة لتطويرها.
وقد أثبت الذكاء الاصطناعي قدرته على إحداث نقلة نوعية في هندسة البرمجيات، من خلال تسريع كتابة الأكواد البرمجية وتعزيز إنتاجية فرق التطوير في مختلف المراحل. غير أن الاستخدام الأكثر تأثيرًا، في تقديري، يتمثل في قدرته على الارتقاء بجودة البناء الاستثماري داخل الشركات، إذ يساعد المؤسسات على اتخاذ قرارات أفضل، وتصميم مشروعات أكثر نضجًا منذ مراحلها الأولى، بدلًا من الاكتفاء بإنجازها بوتيرة أسرع.
روبرتا فوسارو: أود أن تحدثنا بمزيد من التفصيل عن هذه النقطة.
جيسون بيلو: في منصة "بيكون" التي طورناها، يكفي إدخال فكرة أولية أو تصور مبدئي للمشروع، ليبدأ الذكاء الاصطناعي بالاستفادة من خبرات وتجارب مستمدة من قطاعات مختلفة ويقدم مقترحات تساعد على تطوير الفكرة وتوسيع آفاقها. فقد يقترح، على سبيل المثال، استهداف شريحة مختلفة من العملاء أو إشراك طرف وسيط في نموذج العمل أو إعادة النظر في قنوات البيع التي تعتزم الاعتماد عليها. كما قد يقترح نموذجًا للإيرادات أكثر ملاءمة؛ فإذا كنت تخطط لبيع المنتج من خلال ترخيص دائم أو وفق نظام الدفع مقابل الاستخدام، فقد يوصي بالاعتماد على نموذج البرمجيات المقدمة كخدمة باشتراك سنوي، إذا كان أكثر قدرة على تحقيق قيمة مستدامة. وفي نهاية المطاف، يتجاوز دور هذه الأدوات تقديم إجابات جاهزة، ليحفز فرق العمل على إعادة النظر في افتراضاتها واختبار بدائل جديدة، بما يثري عملية التفكير ويقود إلى قرارات أكثر نضجًا قبل إطلاق المشروع.
وذهبنا إلى أبعد من ذلك، إذ بدأنا نجرب استخدام نماذج رقمية تحاكي العملاء الحقيقيين. فقد شاركت مؤخرًا في مشروع بقطاع رعاية الحيوانات الأليفة، وتمكنا من إنشاء شخصيات رقمية تمثل مالكي الحيوانات الأليفة، اعتمادًا على الكم الهائل من البيانات المتاحة عنهم. فآراؤهم وتجاربهم منشورة على منصات مثل "ريديت" و"فيسبوك"، إلى جانب المقالات والدراسات التي توثق سلوكهم وتفضيلاتهم. ثم قسمنا هذه الشخصيات الرقمية إلى شرائح مختلفة، مثل أصحاب الحيوانات الأكبر سنًا، والأصغر سنًا، ومن يقتنون حيوانًا أليفًا للمرة الأولى، ومن يربون أكثر من حيوان أليف. واستندت هذه الشخصيات إلى بيانات حقيقية مستمدة من أصحاب الحيوانات الأليفة، فكنا نطرح عليها الأسئلة خلال مرحلة توليد الأفكار، فتجيب بما يعكس طريقة تفكير كل شريحة واهتماماتها. ولا تزال هذه التقنية في طور التطور، إذ يميل الذكاء الاصطناعي أحيانًا إلى إبداء قدر كبير من الموافقة على المقترحات المطروحة، مما يجعل هذه الشخصيات الرقمية تبدو أكثر تقبلًا للأفكار مما قد تكون عليه في الواقع.
روبرتا فوسارو: سبق أن سمعت هذه الملاحظة عن الشخصيات الرقمية، إذ يبدو أنها تميل إلى الموافقة على كل ما يُطرح عليها.
جيسون بيلو: يعتمد ذلك بدرجة كبيرة على كيفية صياغة الأسئلة والتوجيهات المقدمة إلى الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تظل هذه الشخصيات الرقمية أداة عملية ذات قيمة. فهي لا تغني عن أبحاث المستخدمين المباشرة، وإنما تكملها، إذ تساعد على سد بعض الفجوات وصياغة أسئلة أكثر دقة وفاعلية قبل إجراء المقابلات والدراسات مع المستخدمين الحقيقيين.
لا تمثل هذه الأدوات بديلًا عن أبحاث المستخدمين، فهي تكملها، إذ تساعد على سد بعض الثغرات وصياغة أسئلة أكثر دقة قبل إجراء المقابلات والدراسات الميدانية مع المستخدمين الحقيقيين.
روبرتا فوسارو: هل يمكن الحد من هذا الميل إلى الموافقة على معظم المقترحات؟ وكيف تضمنون أن تعكس استجابات هذه الشخصيات الرقمية الواقع بدرجة أكبر؟
جيسون بيلو: في منصة "بيكون"، صممنا المنصة بحيث توجه محرك الذكاء الاصطناعي، أو الوكلاء الذكيين الذين ينشئون هذه الشخصيات الرقمية، إلى الحد من هذا الميل قدر الإمكان. ويتحقق ذلك إلى حد كبير من خلال طريقة صياغة التعليمات الموجهة إلى الذكاء الاصطناعي. كما أن توجيه هذه الشخصيات إلى مناقشة الأفكار المطروحة بعين ناقدة، بدلًا من الاكتفاء بتأييدها، يساعد على تقديم استجابات أقرب إلى الواقع.
القواعد الاقتصادية الجديدة في مجال عمليات التجريب والابتكار
روبرتا فوسارو: أشرت قبل قليل إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في استحداث أعمال جديدة تتجاوز نطاق النشاط الأساسي للمؤسسة. إلا أن هذا التوجه يفرض تحديًا جوهريًا يتمثل في تحقيق التوازن بين الاستفادة من الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، والحفاظ على كفاءة الأعمال اليومية واستقرارها. فكيف ينبغي للقادة إدارة هذا التوازن؟
جيسون بيلو: ينبغي النظر إلى البناء الاستثماري داخل الشركات من منظور المحفظة الاستثمارية، لا باعتباره مشروعًا واحدًا تراهن عليه المؤسسة. وأهم نصيحة يمكن تقديمها هي أن تبدأ دائمًا بتحديد المشكلة التي تسعى إلى حلها، لا بالبحث عن فرصة لإطلاق مشروع جديد. فعندما تكون المشكلة محددة بوضوح، يصبح من الأسهل استكشاف أكثر من مسار لمعالجتها، ثم اختيار الحل الأكثر قدرة على تحقيق القيمة.
ينبغي النظر إلى البناء الاستثماري داخل الشركات بوصفه وسيلة لمعالجة تحدٍ أو الاستفادة من فرصة محددة، لا غاية في حد ذاته. وقد يكون الاندماج والاستحواذ أحد السبل المناسبة لتحقيق الهدف نفسه. والأفضل أن تختبر المؤسسة أكثر من مسار قبل حسم خيارها، بدلًا من التعويل على مسار واحد منذ البداية. وتؤكد خبرتنا أن المؤسسات التي توحد جهودها حول حل مشكلة واحدة من خلال عدة مبادرات متوازية تحقق نتائج أفضل بكثير من تلك التي توزع استثماراتها على أفكار متفرقة لا يجمعها هدف واضح.
وأرى أن هذه هي النقطة الأهم. فعندما تحدد المؤسسة هدفها بوضوح، وتدرك المشكلة التي تسعى إلى معالجتها، تتعاظم فرص نجاحها، لأن جميع قراراتها ومواردها تتجه نحو غاية واحدة.
ويحتاج المشروع الجديد أيضًا إلى قدر كافٍ من الاستقلال في الإدارة واتخاذ القرار، حتى لا تطغى عليه متطلبات الأعمال اليومية. كما أن ارتباطه المباشر بأحد أعضاء الإدارة التنفيذية العليا، إلى جانب تخصيص موازنة مستقلة تكفل الحفاظ على موارده وعدم توجيهها إلى أولويات أخرى، يعزز فرص نجاحه بصورة كبيرة.
روبرتا فوسارو: يبدو هذا طرحًا منطقيًا. فمن دون هذا القدر من الاستقلالية، قد ينشغل المشروع الجديد بمتطلبات الأعمال اليومية وأولويات المؤسسة الأخرى، مما يقلص فرص نجاحه.
جيسون بيلو: يواجه البناء الاستثماري داخل الشركات تحديات عديدة، وهو ما يدفع بعض المؤسسات إلى التردد في خوض هذه التجربة. غير أن الأرقام ترسم صورة مختلفة. فعندما تُدار هذه المشروعات بكفاءة، فإنها تحقق عائدًا مجزيًا على رأس المال المستثمر، مستفيدةً من أصول تمتلكها المؤسسة بالفعل، مثل قاعدة العملاء التي لم تُستثمر إمكاناتها على النحو الأمثل والأصول الفكرية، وفي مقدمتها المعرفة والخبرات والملكية الفكرية. ولهذا، تتعاظم فرص نجاح هذه المشروعات عندما تُدار وفق منهج واضح وانضباط في التنفيذ.
روبرتا فوسارو: في ظل الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، لا يزال كثيرون يرون أن الاندماج والاستحواذ يمثلان الطريق الأسرع لبناء أعمال جديدة أو توسيعها. لكن هذه التقنية أسهمت في إزالة كثير من الحواجز التي كانت تعوق إطلاق مشروعات جديدة، وهو ما يجعل التردد في خوض هذه التجربة أقل مبررًا من أي وقت مضى.
جيسون بيلو: صحيح تمامًا. في السابق، كنا نعرض على عملائنا نماذج أولية تفاعلية للمنتجات قبل تطويرها بالكامل. وأتذكر أننا كنا نعمل على أحد المنتجات في مجال الجراحة الرقمية، وشاركنا في مؤتمر متخصص، حيث عرضنا في اليوم الأول نماذج أولية أتاحت للحضور التفاعل معها وتجربتها بأنفسهم.
وبعد انتهاء اليوم الأول، واصل فريقنا العمل طوال الليل، ثم عاد في اليوم التالي بنسخة مطورة من النموذج الأولي، استندت إلى الملاحظات التي جمعناها من العملاء. وقد أثار ذلك إعجابهم بدرجة كبيرة، إذ رأوا أفكارهم تتحول إلى تحسينات ملموسة خلال ساعات قليلة. لكن هذا الأسلوب أصبح اليوم جزءًا من الماضي، رغم أنه لم يمض عليه سوى نحو عامين. فلم نعد نكتفي بعرض نماذج أولية، وأصبحنا نقدم نموذجًا تشغيليًا متكاملًا يُطوَّر بالاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على توليد البرمجيات بسرعة، ويمكن إنجازه في غضون يوم واحد فقط. ويمنح هذا النموذج العملاء تجربة أقرب إلى المنتج النهائي، كما يتيح لهم اختبار خصائصه في السوق وجمع ملاحظات عملية قبل الشروع في تطويره على نطاق واسع.
روبرتا فوسارو: إلى جانب ما ذكرته، هل يوجد مجالات أخرى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم فيها بدعم البناء الاستثماري داخل الشركات؟
جيسون بيلو: بالتأكيد. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم شريكًا في كثير من مراحل البناء الاستثماري داخل الشركات. فنحن نستعين به في إعداد دراسات الجدوى واختبارها في ظل سيناريوهات مختلفة للتأكد من متانتها، كما يساعد في إعداد استبيانات العملاء، وتطوير المواد التسويقية، وتصميم اختبارات مقارنة للحملات التسويقية، بهدف قياس أداء أكثر من نسخة واختيار الأكثر فاعلية. وفي المراحل الأولى من بناء أي مشروع جديد، لا تحتاج المؤسسة إلى فريق متكامل منذ اليوم الأول ويكفيها الاستعانة بمجموعة من المتخصصين بحسب الحاجة. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضطلع مؤقتًا بجزء من هذه المهام. فعلى سبيل المثال، يستطيع دعم أنشطة المبيعات وتنظيمها إلى حين تعيين موظف متفرغ يتولى هذه المسؤولية.
رصد الأخطاء في وقت مبكر قبل تفاقمها
روبرتا فوسارو: في ظل ما يشهده العالم من تقلبات اقتصادية وتوترات جيوسياسية، هل لا يزال البناء الاستثماري داخل الشركات خيارًا يستحق المضي فيه؟ وما الرسالة التي توجهها إلى القادة الذين يرون أن الوقت الحالي ليس مناسبًا لإطلاق مشروعات جديدة؟
جيسون بيلو: أرى أن فترات التحولات الكبرى تجعل البناء الاستثماري داخل الشركات أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالمؤسسات التي تتردد في إطلاق مشروعات جديدة تصبح أكثر عرضة لأن تتجاوزها تحولات السوق، وقد تجد نفسها أمام منافسين يعيدون رسم قواعد المنافسة. ومن هذا المنطلق، برز توجه يقوم على إنشاء نسخة جديدة من المؤسسة، تُبنى على الذكاء الاصطناعي منذ يومها الأول، وأصبح أحد أبرز التوجهات في السنوات الأخيرة. فالهدف هو حماية الأعمال القائمة، مع بناء نموذج جديد قادر على مواكبة التحولات، حتى لو تطلب ذلك إعادة ابتكار طريقة عمل المؤسسة نفسها.
وهنا لا يتعلق الأمر بإطلاق مشروع يوسع نطاق النشاط الحالي أو يطوره، وإنما ببناء مشروع جديد قادر، مستقبلًا، على أن يحل محل النشاط القائم. وينبغي النظر إلى هذا المشروع بعقلية المنافس الساعي إلى إعادة رسم السوق، لا بعقلية الساعي إلى الحفاظ على الوضع القائم، لأن هذا التحول في التفكير يمثل أحد أهم مقومات النجاح.
وفي الحقيقة، نعيش اليوم مرحلة تتشكل فيها القواعد والمعايير التي ستوجه استخدامات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة. وقد قرأت مؤخرًا تقريرًا تناول محاولات بعض الحكومات التأثير في نماذج اللغات الكبيرة، التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بهدف توجيه الكيفية التي تستجيب بها لتلك الاستفسارات. وفي المقابل، تتسابق المؤسسات إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لتطوير أساليب عملها وبناء مزايا تنافسية يصعب على الآخرين تقليدها. ومن هنا تبرز أهمية أن تحرص الشركات على دمج عناصر القوة التي تميز منتجاتها وخدماتها في آليات عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يعتمد عليها الآخرون، حتى تصبح هذه المنتجات جزءًا من المرجعيات التي تستند إليها تلك الأنظمة عند صياغة اقتراحاتها وتوصياتها للمستخدمين.
روبرتا فوسارو: تكشف الدراسة أيضًا أن المؤسسات التي ترسخ ثقافة التجريب تحقق نجاحًا أكبر في إطلاق المشروعات الجديدة. غير أن ترسيخ هذه الثقافة يُعد من أصعب التحديات التي تواجه أي مؤسسة. فما الخطوات الأولى التي ينبغي للقادة اتخاذها لبناء بيئة عمل يشعر فيها الموظفون بالأمان عند طرح الأفكار الجديدة واختبارها والتعلم منها، بما يمنحهم الثقة للمضي بها قدمًا؟
جيسون بيلو: أعتقد أن بناء هذه الثقافة يقوم على ركيزتين متكاملتين: إحداهما تنظيمية، والأخرى ترتبط بطريقة التفكير والسلوك داخل المؤسسة. ويبدأ الجانب التنظيمي بتقسيم الخطة إلى مراحل قصيرة وواضحة، مع تحديد هدف يحقق أثرًا ملموسًا لدى العملاء خلال ستة أو تسعة أشهر. فعندما يكون الهدف قريب المدى، يصبح أكثر وضوحًا وأسهل في القياس والمتابعة. ولنفترض أن مؤسسة تعمل في سوق الشركات، وحددت هدفًا يتمثل في استقطاب خمسين عميلًا إلى منصتها خلال تسعة أشهر. عندئذ تُقسَّم هذه الفترة إلى ثلاث مراحل، مع تحديد ما ينبغي إنجازه في كل منها، والموارد اللازمة لتنفيذها. وعقب انتهاء كل مرحلة، تُراجع النتائج في ضوء الأهداف المحددة مسبقًا، من خلال طرح مجموعة من الأسئلة الأساسية مثل: هل تحقق ما كان مخططًا له؟ وما الدروس المستفادة؟ وهل تستدعي النتائج تعديل المسار؟ وبناءً على الإجابات، يُتخذ قرار مواصلة التمويل والانتقال إلى المرحلة التالية. ويحد هذا الأسلوب من المخاطر بدرجة كبيرة، إذ تمضي المؤسسة خطوة بعد أخرى استنادًا إلى نتائج قابلة للقياس، من دون المجازفة بكامل استثماراتها منذ البداية. وحتى إذا لم تحقق إحدى المراحل أهدافها، فإنها تكشف عن فرضيات تستحق المراجعة، وتتحول إلى دروس مستفادة، بدلًا من أن تُعامل بوصفها إخفاقات شخصية يُحاسب عليها فريق العمل.
روبرتا فوسارو: وبهذه الطريقة، يصبح تعديل المسار أسرع وأسهل، لأن المراجعة تنحصر في مرحلة بعينها، بدلًا من إعادة النظر في المشروع بأكمله.
جيسون بيلو: أذكر أنني شاركت في مشروع لإحدى فئات المنتجات، وكانت الشركة تستهدف الشريحة الأعلى من السوق، في حين كانت المنتجات الموجهة إلى الشريحة المتوسطة تُعد خيارات أقل قيمة. وكان هذا التصور هو نقطة الانطلاق التي بنينا عليها مشروعنا.
كانت قناعة العميل واضحة: "إذا تمكنا من تقديم المنتج الموجه إلى الشريحة العليا من السوق بتكلفة أقل، فسنتمكن أيضًا من المنافسة بقوة في الشريحة المتوسطة". وانطلاقًا من هذه الفرضية، بدأنا اختبارها عمليًا، وكان أول ما ركزنا عليه هو التحقق من الحجم الفعلي للسوق، والتأكد من أن الفرصة تستحق الاستثمار فيها.
وأظهرت النتائج أن حجم السوق كان أقل بكثير مما افترضناه في البداية. ولم نتعامل مع ذلك بوصفه إخفاقًا، وإنما اعتبرناه معلومة قيّمة ساعدتنا على إعادة توجيه المشروع. لذلك عدلنا مسارنا واخترنا تطوير مشروع أصغر حجمًا وأكثر تركيزًا، يستهدف شريحة محددة بدقة. وفي نهاية المطاف، أطلقت الشركة منتجًا حقق نجاحًا لافتًا. وكان من الممكن اعتبار ما حدث فشلًا في التقديرات الأولية، لكنه في نظرنا كان الخطوة التي أتاحت تصحيح المسار في الوقت المناسب، وهي التي صنعت الفارق في النتيجة النهائية.
روبرتا فوسارو: دعنا ننتقل إلى جانب آخر. ما الذي ينبغي أن يتغير في طريقة التفكير والسلوك داخل المؤسسات حتى ينجح البناء الاستثماري داخل الشركات؟
جيسون بيلو: أعتقد أن هذا التحول ينبغي أن يبدأ من الإدارة العليا. فالقادة الذين ينجحون في البناء الاستثماري داخل الشركات يرسخون ثقافة تقوم على الاحتكام إلى الحقائق، لا إلى الانطباعات أو الآراء الشخصية. فهم يتعاملون مع النتائج كما هي، حتى عندما تكشف أن المنتج لا يلبي توقعات العملاء، أو أن أحد القرارات لم يكن صائبًا. وعندما تكون الحقائق هي نقطة الانطلاق، يتحول التركيز إلى البحث عن الحلول بدلًا من تبادل اللوم. وينصرف الجميع إلى فهم ما تكشفه البيانات، ثم اتخاذ القرار المناسب في ضوء ما أثبتته التجربة. ولهذا تبدأ الثقافة المؤسسية الناجحة من قمة الهرم الإداري، حين يرسخ القادة هذا النهج في التفكير والعمل.
روبرتا فوسارو: بعد أن تضع المؤسسة الأسس التنظيمية المناسبة، وترسخ أنماط التفكير المطلوبة، ويصبح هذا التوجه جزءًا من ثقافة العمل، يغدو التراجع عنه أمرًا صعبًا. فما الذي يجعل البناء الاستثماري داخل الشركات يحظى بكل هذا الزخم داخل المؤسسات الكبرى؟ وما الذي يدفع العاملين إلى مواصلة خوض هذه التجربة بحماس؟
جيسون بيلو: أعتقد أن أكثر ما يجعل البناء الاستثماري داخل الشركات تجربة جاذبة هو أن المؤسسة تبدأ وهي تمتلك مقومات قوة يصعب أن تتوافر للشركات الناشئة. فإذا نظرنا إلى أي شركة ناشئة، نجد أنها تمضي جزءًا كبيرًا من وقتها في تطوير المنتج، وتخصص جزءًا آخر لإقناع المستثمرين بتمويل الفكرة. أما داخل الشركات الكبرى، فتصبح هذه المهمة أسهل، لأن قرار الاستثمار تتخذه الإدارة التنفيذية ومجلس الإدارة، وهما يدركان طبيعة النشاط وإمكانات المؤسسة. وبذلك تتجاوز فرق العمل أحد أكبر التحديات التي تواجه تأسيس المشروعات الجديدة، وتتمكن من توجيه مزيد من الوقت والجهد إلى تطوير المشروع وتعزيز فرص نجاحه.
ويضاف إلى ذلك أن الشركات القائمة تمتلك مزايا يصعب على الشركات الناشئة مجاراتها. فهي غالبًا ما تملك قاعدة عملاء راسخة، أو أصولًا معرفية وحقوقًا فكرية لم تُستثمر على النحو الأمثل، ويمكن توظيفها لإطلاق فرص جديدة. وأعمل اليوم مع عدد من المؤسسات التي تمتلك ثروة حقيقية من البيانات، وتسعى إلى استكشاف سبل جديدة لتحويلها إلى مصادر مستدامة للقيمة وتحقيق العوائد.
تمتلك هذه المؤسسات ثروة من البيانات، لكنها لا تستثمرها بما يعكس قيمتها الحقيقية. وهذا يمنحها نقطة انطلاق قوية، إذ تعتمد في بناء مشروعاتها الجديدة على أصول تمتلكها بالفعل، بدلًا من البدء من الصفر. ويضاف إلى ذلك أنها لا تضطر إلى استنزاف الوقت والجهد في البحث المستمر عن مستثمرين لتمويل الفكرة، كما يحدث في الشركات الناشئة، وهو ما يتيح لفرق العمل التركيز على تطوير المشروع وتسريع نموه. ولهذا تبدو تجربة البناء الاستثماري داخل الشركات شديدة الجاذبية. ومع ذلك، لا تخلو من تحدياتها؛ فالمؤسسات الكبرى غالبًا ما تجد صعوبة في تغيير أساليب عملها أو تبني طرق جديدة بالسرعة المطلوبة. ومن هنا، يشكل وجود قيادة تمتلك رؤية واضحة وقادرة على دفع هذا التحول، عاملًا حاسمًا في نجاح هذه المشروعات.
وبالعودة إلى الوراء قليلاً، لقد طرحتِ في وقت سابق سؤالًا عن السمات الثقافية التي تميز القادة الناجحين. وقد أشرت إلى أولها، وهي ترسيخ قناعة بأن الإخفاق خلال التجربة ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه فرصة للتعلم، لا أمرًا يدعو إلى الخوف. ويضاف إلى ذلك أن القادة الناجحون يجمعون بين الرؤية الاستراتيجية والمتابعة الدقيقة لتفاصيل العمل. فهم ينظرون إلى الصورة الكاملة، وفي الوقت نفسه يحتفظون بفهم عميق لكيفية عمل المنتجات وما يتوقعه العملاء منها، لأن هذا الجمع بين الرؤية الشاملة والإلمام بالتفاصيل هو ما يساعدهم على اتخاذ قرارات أكثر دقة وفاعلية.
يحتاج القادة إلى الجمع بين الرؤية الاستراتيجية للمؤسسة والفهم العملي لكيفية عمل المنتجات وتوقعات العملاء منها، لأن هذا التوازن يمنحهم قدرة أكبر على اتخاذ قرارات أكثر دقة وفاعلية.
وأعتقد أن هذا يمثل أحد العوامل الحاسمة في نجاح أي مشروع. فكلما تعمق القائد في فهم احتياجات العملاء وأدرك كيف يستخدمون المنتج في الواقع واستوعب تفاصيل تجربتهم معه، ازدادت قدرته على توجيه فريق العمل نحو القرارات السليمة، والوصول إلى الحلول الأكثر ملاءمة.
روبرتا فوسارو: قبل أن نختتم هذا الحوار، أود أن أسألك عن المشروعات التي شاركت في تأسيسها والمبادرات التي أسهمت في إطلاقها. ومن بين هذه التجارب جميعًا، أيها الأقرب إلى نفسك؟ وأيها يمثل بالنسبة إليك مصدر الفخر الأكبر؟
جيسون بيلو: أكثر ما يدعو إلى فخري هو أن أشارك في بناء مشروع جديد، أو أساعد أحد العملاء على إطلاقه، ثم أرى، بعد عام واحد فقط من أولى جلسات بلورة الفكرة، أنه أصبح جزءًا من حياة الناس، ويُستخدم على أرض الواقع بعيدًا عن إطار المشروع الذي جمعنا بالعميل. وأتذكر أننا شاركنا في تطوير جهاز طبي يساعد الأشخاص على الحركة، ولم تمضِ فترة طويلة حتى رأيت أشخاصًا يستخدمونه بالفعل. عندها أدركت أن فكرة بدأت داخل قاعة اجتماعات تحولت إلى منتج أحدث أثرًا ملموسًا في حياة الناس.
وشاركنا أيضًا في تطوير برنامج يعتمد على الذكاء الاصطناعي، يسهّل على المرضى حجز المواعيد مع مقدمي خدمات الرعاية الصحية. وأكثر ما أسعدني أنني وجدت أشخاصًا في إحدى مجموعات الحي على أحد تطبيقات المحادثة يوصون بهذا المنتج من تلقاء أنفسهم. فعندما ترى مشروعًا شاركت في بنائه يخرج من قاعات الاجتماعات ليصبح جزءًا من حياة الناس اليومية، تدرك أن الفكرة تحولت إلى أثر حقيقي. ولا أعتقد أن هناك ما يضاهي رؤية عملك وهو يحدث هذا الأثر في الواقع.
روبرتا فوسارو: يذكرني هذا بما يرويه بعض الموسيقيين عن اللحظة التي يسمعون فيها إحدى أغنياتهم تُذاع عبر الراديو، أو تصادفهم في مكان عام. ففي تلك اللحظة يدركون أن ما صنعوه تجاوز حدود ملكيتهم وأصبح جزءًا من حياة الناس.
جيسون بيلو: نعم... نفس الفكرة، لكن في مجالنا.