الخدمات المتخصصة تغير قواعد المنافسة وتقود المرحلة الجديدة في قطاع المواد الصناعية

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

يأتي في مقدمة هذه الجهات موزعو المواد الصناعية الأساسية ومراكز الخدمات، الذين يمثلون حلقة وصلٍ رئيسية بين المصانع المنتجة للمواد المستخدمة في التصنيع، كالصلب والألمنيوم والنحاس والفولاذ المقاوم للصدأ من جهة، والشركات المُصنِّعة للمنتجات النهائية من الجهة الأخرى؛ حيث تمتد إسهاماتهم إلى معظم القطاعات الصناعية، بما في ذلك الطيران، وصناعة السيارات، والبناء، والطاقة المتجددة، ومراكز البيانات. ولا يقتصر دورهم على نقل المواد فحسب، بل يشمل أيضًا ضمان وصولها بالمواصفات المطلوبة وفي الوقت المناسب، بما يضمن استمرار عمليات الإنتاج دون انقطاع. وبذلك تؤدي هذه الجهات دورًا أساسيًا في تحويل المواد الخام إلى مدخلاتٍ جاهزةٍ للاستخدام الصناعي على نطاقٍ واسع.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

وتزداد أهمية هذا الدور مع تعقّد بيئة توريد المواد عما كانت عليه في السابق. فبعد أن كان التركيز منصبًا في الأساس على الشراء بأقل تكلفةٍ وبأعلى كفاءةٍ ممكنة، باتت الشركات اليوم مطالبةً بالتفكير في إمكانية وصول ما تحتاجه من المواد الصناعية الأساسية في الوقت المناسب إذا ما حدثت اضطرابات. لذلك، أصبح من الضروري إعادة بناء سلاسل الإمداد لتكون أقل تكلفةً وأسرع حركةً من جهة، وأكثر قدرةً على تحمل الصدمات من جهةٍ أخرى، سواء كانت هذه الاضطرابات نتيجة التوترات السياسية أو القيود التجارية أو تعطل الإنتاج في منطقةٍ معينة. وفي بيئةٍ كهذه، لا يكون توافر المواد الأساسية وحده كافيًا؛ فقد أصبح العملاء، وهم في معظمهم مصانع تشتري هذه المواد لتصنيع منتجاتها، يتوقعون استمرارية في التوريد، وسرعةً أكبر في التسليم، ومرونةً أعلى في التعامل مع المتغيرات.

وفي الوقت نفسه، ظهرت قطاعاتٌ جديدة أسهمت في ارتفاع الطلب على موادٍ بعينها، مثل الذكاء الاصطناعي، والسيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة. حيث تحتاج هذه القطاعات إلى موادٍ محددة لها مواصفاتٌ دقيقة. كما أن كثيرًا من الشركات المُصنِّعة لم تعُد ترغب في تنفيذ كافة العمليات داخل مصانعها، مثل تقطيع المواد أو تجهيزها أو تخصيصها أو تحمل مخاطر تخزينها، ولذلك بدأت تعتمد أكثر على الموزعين ومراكز الخدمات.

ومع هذه التحولات، تجاوز دور موزعي الجملة ومراكز الخدمات وغيرها من الجهات الواقعة في منتصف سلاسل الإمداد مجرد نقل المواد الصناعية من طرفٍ إلى آخر، ليمتد إلى إعدادها للاستخدام، وضمان توافرها، وتخفيف المخاطر عن الشركات المُصنِّعة. وفيما يلي نستعرض أبرز المخاطر والفرص التي تواجه هذه الجهات.

قطاع المواد الصناعية يدخل حقبةً جديدة

ظلّ الطلب على المواد الصناعية الأساسية في أوروبا وأمريكا الشمالية شبه مستقر خلال معظم سنوات العقد الماضي. فخلال الفترة ما بين 2015 إلى 2024، لم يسجل استهلاك الصلب والألمنيوم والنحاس والفولاذ المقاوم للصدأ تغيراتٍ تُذكر. وبالرغم من ذلك، تشير التوقعات المستقبلية حتى عام 2030 إلى عودة الطلب على هذه المواد الأربع إلى مسار النمو المستدام. كما هو موضح في "الشكل 1".

وتقف وراء هذا التحول أربع قوى رئيسية، تعيد تشكيل الطلب على المواد المستخدمة في التصنيع، وتغيّر من طبيعة الخدمات التي تحتاجها الشركات المُصنِّعة في أوروبا وأمريكا الشمالية، وهي:

  • إعادة ترتيب سلاسل إمداد المواد الصناعية بفعل العوامل الجيوسياسية تدفع التوترات الجيوسياسية العديد من الدول والشركات إلى إعادة توطين جزءٍ من أنشطتها الصناعية، بما يعزز الطلب المحلي على المواد الصناعية الأساسية. فعندما تقرر الدول أو الشركات تنفيذ بعض مراحل الإنتاج داخل أسواقها بدلًا من الاعتماد على الخارج، تظهر الحاجة إلى إنشاء مصانع جديدة وتوسيع البنية الصناعية، وهو ما يرفع الطلب على المواد اللازمة للبناء والتشغيل. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ارتفع متوسط الإنفاق الشهري اللازم لتأسيس منشآتٍ صناعيةٍ جديدة إلى 235 مليار دولار في عام 2024، مقارنةً بنحو 76 مليار دولار شهريًا خلال الفترة من 2015 إلى 2020. ويعود هذا الارتفاع الملحوظ إلى الاستثمارات الضخمة التي تم توجيهها لإنشاء مصانع رقائق أشباه الموصلات، إلى جانب إعادة توطين عددٍ من سلاسل الإمداد داخل الولايات المتحدة1 ومن المتوقع أن يسهم استمرار تدفق الاستثمارات في مجالات التصنيع وشبكات الكهرباء والطاقة في إبقاء الطلب على المواد الصناعية الأساسية عند مستوياتٍ مرتفعةٍ خلال السنوات المقبلة.
  • تغيّر مواصفات المواد مع التوجه نحو خفض الانبعاثات: لم يعُد الطلب على المواد مرتبطًا بالكميات والأسعار فحسب، فقد أصبح من الضروري أيضًا النظر إلى طريقة إنتاجها وحجم الانبعاثات الناتجة عنها. فمع تزايد التزامات الشركات بخفض بصمتها الكربونية، يتجه المشترون حول العالم إلى زيادة الاعتماد على المعادن منخفضة الانبعاثات، التي يُتوقع أن ترتفع حصتها من نحو 21 في المائة حاليًا إلى 32 في المائة بحلول عام 2030.2 ورغم انتشار هذا التوجه عالميًا، إلا أن وتيرته تختلف من منطقةٍ إلى أخرى؛ إذ أصبحت الشركات في آسيا أكثر نشاطًا في إعلان أهداف خفض الانبعاثات وتطبيقها، بينما تتحرك الشركات في أوروبا وأمريكا الشمالية بوتيرةٍ أبطأ في تبني أهداف جديدة لخفض الانبعاثات.3 وهو ما دفع موزعي الجملة ومراكز الخدمات إلى تطوير ما يقدمونه للعملاء، من خلال تقديم خدماتٍ أكثر تميزًا، مثل تتبع الانبعاثات الكربونية، وفصل المعادن منخفضة الانبعاثات عن غيرها، ودمج حلول إعادة التدوير ضمن منظومة التوريد.
  • قطاعات تكنولوجية جديدة تزيد الطلب على المواد الصناعية الأساسية ترفع التقنيات الحديثة الطلب على أنواعٍ محددةٍ من المواد المستخدمة في التصنيع. فمراكز البيانات، والسيارات الكهربائية، ومعدات الطاقة المتجددة تحتاج إلى كمياتٍ كبيرة من الصلب والألمنيوم والنحاس، لكنها تحتاج كذلك إلى مواد عالية الجودة بمواصفاتٍ دقيقة لتناسب طبيعة استخدامها. وتُعد مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مثالًا واضحًا على اتساع هذا الطلب، إذ تشير تحليلات "ماكنزي" إلى أن حجم الاستثمارات فيها وحدها قد يتراوح بين 3.5 تريليون إلى 8 تريليونات دولار بحلول عام 2030. ومع الارتفاع المتوقع في حجم الطلب، تصبح مراكز الخدمات مطالبةً بتقديم حلولٍ أكثر تكاملًا، لا تقف عند توفير المواد الصناعية الأساسية فحسب، وإنما ينبغي أن تمتد إلى تجهيز المواد للاستخدام وتشكيلها وتسليمها للعملاء بما يلائم استخداماتهم المختلفة.
  • زيادة اعتماد الشركات المُصنِّعة على أطرافٍ خارجية.مع ارتفاع التكلفة وتزايد التعقيدات، اتجهت كثيرٌ من الشركات المُصنِّعة في أمريكا وأوروبا إلى التركيز على أنشطتها الأساسية، وإسناد العمليات الأخرى إلى جهاتٍ متخصصة. فبدلًا من الاستثمار في معداتٍ وعمالةٍ إضافية لتنفيذ مهام مثل تقطيع المواد أو تشكيلها أو إدارة الخدمات اللوجستية، أصبحت هذه الشركات تعتمد بدرجةٍ أكبر على موزعي الجملة ومراكز الخدمات. وبذلك، اتسع دور هذه الجهات ليشمل تقديم خدماتٍ إضافية تساعد الشركات المُصنِّعة على خفض التكلفة، وتبسيط العمليات التشغيلية، وتسريع وصول المواد الجاهزة للاستخدام. ولا يقتصر هذا التوجه على عددٍ محدودٍ من الشركات، بل أصبح اتجاهًا متناميًا في القطاع؛ فبحسب ما جاء في أحد الاستطلاعات السنوية لهذا القطاع، أن 87 في المائة من العملاء خططوا بالفعل لزيادة اعتمادهم على مقدمي الخدمات اللوجستية الخارجيين في عام 2025، بزيادةٍ قدرها 25 في المائة عن العام السابق.4

اتساع دور موزعي الجملة ومراكز الخدمات لمواكبة المرحلة الحالية

على مدى سنواتٍ طويلة، كانت سلسلة إمداد المواد تعمل وفق نموذجٍ واضح؛ تنتقل فيه موادٌ مثل الصلب والألمنيوم والنحاس، من مصانع الإنتاج إلى تجار الجملة ومراكز الخدمات، ومنها إلى الشركات المُصنِّعة التي تستخدمها في عمليات الإنتاج، كما هو موضح في "الشكل 2". وكان يقتصر دور الموزعين ومراكز الخدمات على توفير المواد بالكميات المطلوبة، وإدارة المخزون، وتسليم الطلبات بكفاءة.

غير أن هذا النموذج لم يعُد كافيًا في ظل التحديات التي تواجه الشركات المُصنِّعة، مثل نقص العمالة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتعقّد سلاسل الإمداد، فضلًا عن الحاجة إلى تقليص فترات التسليم. لذلك أصبحت هذه الشركات تبحث عن شركاء قادرين على الجمع بين توريد المواد من جهة، وإعدادها للاستخدام وتشكيلها وإدارة نقلها وتوزيعها من جهةٍ أخرى. واستجابةً لهذه المتغيرات، اتسع نطاق أعمال موزعي الجملة ومراكز الخدمات تدريجيًا؛ فبعد أن كان دورهم أقرب إلى حلقةٍ وسيطة بين المنتجين والمصنعين، أصبحوا يقدمون حلولًا أوسع تشمل خدماتٍ مثل استكمال تجهيز المواد، والتجميع البسيط، والخدمات اللوجستية، والتي تحولت من أنشطةٍ ثانوية إلى مجالاتٍ رئيسيةٍ للنمو. ويظهر أثر هذا التحول في مسار نمو القطاع نفسه؛ فمن المتوقع أن ترتفع قيمة سوق تجارة المواد التقليدية، إلى جانب الأنشطة والخدمات المرتبطة بالمراحل اللاحقة منها، في أمريكا الشمالية وأوروبا، من أكثر من 440 مليار يورو في عام 2024 إلى نحو 540 مليار يورو بحلول عام 2030.

تفاوت فرص النمو في قطاع المواد الصناعية

لا تنمو جميع الأنشطة المرتبطة بهذا القطاع بالوتيرة نفسها، إذ تختلف فرص النمو والربحية بحسب طبيعة كل نشاطٍ فيه، كما هو موضح في "الشكل 3". فعلى سبيل المثال، يُتوقع أن ينمو نشاط تجارة المواد بالجملة في أمريكا الشمالية وأوروبا، الذي بلغت قيمته نحو 140 مليار يورو في عام 2024، بمعدلٍ سنويٍ مركب لا يتجاوز 2 في المائة حتى عام 2030. فنشاط موزعي الجملة التقليديين يتركز في شراء المواد وبيعها، مما يجعل نموهم مرتبطًا أساسًا بزيادة الطلب على هذه المواد. فإذا ارتفع الطلب عليها بنسبٍ محدودة، فلن يتمكن هؤلاء التجار من تحقيق نموٍ أكبر، لأنهم لا يقدمون خدماتٍ إضافية تحقق لهم مصادر دخلٍ جديدة.

أما مراكز الخدمات والشركات التي تقدم خدماتٍ متخصصة تضيف قيمةً إلى المواد قبل استخدامها في عمليات التصنيع، بتقطيعها، أو تجهيزها للاستخدام، أو تجميع بعض أجزائها، فتتمتع بفرص نموٍ أكبر؛ إذ يُرجّح أن تسجل نموًا سنويًا يتراوح من 4 إلى 5 في المائة، أي ما يقارب ضعف معدل نمو تجارة الجملة. فقد أصبحت الشركات المُصنِّعة أكثر ميلًا إلى إسناد هذه المهام إلى جهاتٍ متخصصة بدلًا من تنفيذها داخل مصانعها، مما يزيد الطلب على هذه الخدمات ويمنحها فرصًا لتحقيق إيراداتٍ وأرباحٍ أعلى.

وينطبق الأمر نفسه على الخدمات اللوجستية وإدارة سلاسل الإمداد؛ إذ يُرجّح أن تنمو بعض الخدمات مثل النقل والتخزين والتوزيع، إلى جانب خدمات التنسيق المتقدم بين مختلف أطراف سلسلة الإمداد، بنحو 5 في المائة سنويًا، مما يعكس تزايد الحاجة إلى سلاسل إمدادٍ أكثر ترابطًا ووضوحًا وقدرة على التتبع والتعامل مع الاضطرابات. فالتعقيدات الناتجة عن الرسوم الجمركية، وإعادة توطين الصناعات، والاتجاه إلى بناء سلاسل إمدادٍ إقليمية، تجعل الشركات بحاجةٍ أكبر إلى شركاء قادرين على تولي هذه المهام المتشابكة، بدءًا من تجهيز المواد للاستخدام وتخزينها، وصولًا إلى نقلها وتنسيق وصولها إلى العملاء بسلاسةٍ وكفاءة.

ومع اتساع هذه الأنشطة، ونمو أرباحها، تتضح ملامح التباين داخل القطاع؛ فالشركات التي تكتفي ببيع المواد تحقق فرص نموٍ محدودة، بينما تحقق الشركات التي تقدم خدماتٍ أوسع وأقرب إلى احتياجات العملاء فرصًا أعلى للنمو والربحية.

ومع هذا التحول، لا تزال تجارة المواد الخام والمواد المعدّة للاستخدام تحتفظ بأهميتها الاستراتيجية؛ حيث تراوحت قيمة هذه السوق بين 300 إلى 400 مليار يورو في عام 2024، ومن المتوقع أن تنمو بمعدلٍ سنويٍ مركب يتراوح بين 3 إلى 4 في المائة حتى عام 2030. وبالرغم من ضعف ربحية هذا النشاط مقارنةً بالأنشطة الخدمية المتخصصة، إلا أنه يؤدي دورًا متزايد الأهمية في تأمين الإمدادات، والحد من تقلبات الأسعار، وتنويع مصادر الحصول على المواد، لا سيما في ظل التحديات التي تفرضها البيئة الجيوسياسية الحالية.

قطاعاتٌ واعدة تعيد توزيع فرص النمو والربحية

تزداد فرص النمو أمام موزعي الجملة ومراكز الخدمات مع صعود قطاعاتٍ سريعة النمو تحتاج إلى موادٍ صناعية مجهزة للاستخدام، وليس إلى المواد الخام والأولية فقط. فهذه القطاعات تحتاج أيضًا إلى خدماتٍ موثوقةٍ وتنسيقٍ لوجستيٍ يضمن وصول المواد في الوقت المناسب، مما يوسع فرص نمو الشركات القادرة على تلبية هذه المتطلبات. اطلع على "الشكل 4".

الشكل 4

متطلبات السوق تدفع نحو كياناتٍ أكثر قدرة على المنافسة

رغم الدور المحوري الذي تلعبه شركات توزيع وتجهيز المواد في سلاسل الإمداد الصناعية، لا يزال هذا القطاع يتسم بقدرٍ كبيرٍ من التشتت، فمعظم هذه الشركات تقدم خدماتها في مناطق جغرافية محددة أو لشرائح معينة من العملاء. وقد استمر هذا الوضع لعقود، نظرًا إلى أن طبيعة المنافسة آنذاك لم تكن تتطلب الاندماج أو تكوين كياناتٍ أكبر. أما اليوم، ومع ارتفاع تكاليف التشغيل، وحاجة العملاء إلى منتجات ذات مواصفاتٍ أكثر دقة وخدماتٍ أكثر تخصصًا، باتت الشركات بحاجةٍ إلى زيادة قدراتها وتعزيز إمكاناتها للحفاظ على قدرتها التنافسية. ولذلك بدأ القطاع يدخل مرحلةً جديدةً تتجه فيها الشركات إلى الاندماج وتكوين كياناتٍ أكبر، وأكثر قدرةً على تلبية احتياجات السوق.

وحتى أكبر الشركات العاملة في هذا القطاع داخل أوروبا وأمريكا الشمالية لا تزال حصصها السوقية محدودة نسبيًا، كما هو موضح أدناه في "الشكل 5"، بينما تتوزع بقية الحصص السوقية على مئات الشركات الإقليمية ومتوسطة الحجم، التي يقدم كلٌّ منها خدماتٍ محددة في تجهيز المواد أو يخدم قطاعًا صناعيًا بعينه.

وقد أدى هذا التشتت إلى ظهور أوجه قصورٍ عدة، من بينها عدم الاستفادة من الطاقات الإنتاجية للمصانع، وضعف كفاءة الاستثمار في التقنيات الحديثة، بالإضافة إلى عدم قدرة شبكات التوزيع والخدمات على تغطية مختلف المناطق بالكفاءة المطلوبة. ورغم ذلك، دفعت هذه التحديات الشركات إلى تبني الاندماج والاستحواذ بوصفهما خيارًا استراتيجيًا لتوسيع أعمالها وتعزيز قدراتها. وقد ظهر ذلك بوضوح في عام 2025، الذي شهد نشاطًا ملحوظًا في هذه الصفقات داخل قطاع تجهيز الصلب بأمريكا الشمالية. فعلى سبيل المثال، ساعد اندماج شركتي "رايرسون" و"أولمبيك ستيل" على توسيع نطاق أعمالهما وتعزيز قدراتهما التشغيلية.7 فيما يشير استحواذ شركة "ورثينجتون ستيل" على شركة "كلوكنر" المتخصصة في تجهيز الصلب,8 إلى الاهتمام المتزايد بالجمع بين قدرات تجهيز المواد والخدمات المتقدمة لإدارة سلاسل الإمداد. وقد أوضحت شركة "ورثينجتون ستيل" أن هذه الخطوة تأتي ضمن استراتيجيتها للتوسع في منتجات الصلب ذات القيمة المضافة العالية في الأسواق المتخصصة، لما توفره من هوامش ربحٍ أعلى.9 ومن خلال هذه التحركات، يتضح أن القطاع يتجه بسرعةٍ أكبر نحو تكوين كياناتٍ أكبر قادرة على تعزيز قدراتها في سوق لا يزال يتسم بقدرٍ كبير من التشتت.

أربع خطواتٍ رئيسية للاستفادة من الفرص

ومع انتقال فرص النمو والربحية نحو الأنشطة التي تقدم خدماتٍ ذات قيمةٍ مضافة، تصبح قدرة موزعي الجملة ومراكز الخدمات على الاستفادة من هذا التحول مرتبطةً بمدى قدرتهم على تطوير نماذج أعمالهم. ويمكن تلخيص ذلك في أربع خطواتٍ رئيسية:

  • التركيز على القطاعات الأعلى قيمة: اختيار المجالات المتخصصة التي تتمتع بفرص نموٍ قوية، وتوجيه الموارد إلى الأنشطة التي تمتلك فيها الشركة ميزةً واضحة، سواء في الخبرة الفنية، أو في القدرة على التعامل مع المتطلبات التنظيمية، أو من خلال نموذج الخدمات الذي تقدمه.
  • تقديم حلولٍ متكاملة للعملاء بدلًا من الاكتفاء بتوريد المواد: الجمع بين توفير المواد وتقديم الخدمات المتخصصة، مثل تجهيز المكونات، والتجميع البسيط، والخدمات اللوجستية، فتقديم هذه الخدمات يمنح الشركات فرصةً لتحقيق أرباحٍ أعلى، خاصةً بعد أن أصبح العملاء يبحثون عن مواد مُجهزة للاستخدام وحلولٍ متكاملة، بدلًا من شراء المواد ثم تحمل مسؤولية نقلها وتجهيزها داخل مصانعهم.
  • بناء شبكةٍ محلية قريبة من العملاء: الاستفادة من الطلب الناتج عن إعادة توطين الصناعات من خلال بناء شبكاتٍ محليةٍ قادرة على تلبية الطلب بشكلٍ أسرع، بما يساعدها على تقليص زمن التسليم، وبناء علاقاتٍ أقرب مع العملاء، وتعزيز قدرتها على التعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد، مع الحفاظ على التوسع المدروس في الأسواق التي لا تزال تضم عددًا كبيرًا من الشركات الصغيرة والمتوسطة.
  • فهم احتياجات العملاء وتحسين كفاءة العمليات: استخدام البيانات والأدوات الرقمية والأتمتة لفهم احتياجات العملاء بصورةٍ أعمق، وتوقع تغيرات الطلب، إلى جانب ضبط التكاليف، ورفع جودة التنفيذ. ويبرز هنا دور الذكاء الاصطناعي الوكيل بوصفه أداةً تساعد على دعم هذه الأولويات، وتعزيز قدرة الشركات على تنفيذ بقية الخطوات بكفاءةٍ أكبر.

مع دخول سلاسل إمداد المواد الصناعية في أمريكا الشمالية وأوروبا مرحلةً جديدة، تتغير قواعد المنافسة وفرص تحقيق النمو. فمع تزايد تقلبات الأسواق، وتباين أنماط الطلب، واتجاه العملاء نحو خدماتٍ أكثر تخصصًا، أصبح النمو يرتبط بقدرة الشركات على تحويل المواد إلى حلولٍ عملية تساعد العملاء على الإنتاج بكفاءةٍ وموثوقيةٍ أعلى، لا مجرد توفيرها أو نقلها. وفي قلب هذا التحول، يجد موزعو الجملة ومراكز الخدمات أنفسهم أمام فرصةٍ ذهبية لإعادة تعريف دورهم داخل القطاع؛ فالشركات التي اعتادت المنافسة عبر توفير كمياتٍ كبيرة من المواد وإدارة عمليات التوريد بكفاءة، تستطيع اليوم تعزيز موقعها من خلال تقديم حلولٍ متكاملة، ورفع كفاءة عملياتها، والاقتراب أكثر من احتياجات عملائها. ومع انتقال فرص النمو والربحية إلى الخدمات المتخصصة ذات القيمة المضافة، سيصبح النجاح مرهونًا بقدرة الشركات على اختيار المجالات المناسبة للنمو، وتحويل هذه الفرص إلى مزايا تنافسية مستدامة.

Explore a career with us