ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
تكشف رحلة الحمل والولادة في الولايات المتحدة عن تفاوت صحي واسع بين النساء، إذ تواجه الأمهات من ذوات البشرة السوداء مخاطر تفوق بدرجات كبيرة ما تواجهه غيرهن. ويأتي ذلك في ظل أزمة مستمرة في صحة الأمهات، تتمثل في ارتفاع الوفيات والمضاعفات الخطيرة المرتبطة بالحمل والولادة، واستمرار الفجوة في النتائج الصحية بين مختلف الفئات. وتشير دراسة مشتركة أجراها "معهد ماكنزي للتقدم الاقتصادي" و "معهد ماكنزي للصحة" إلى أن احتمال وفاة الأمهات من ذوات البشرة السوداء لأسباب مرتبطة بالحمل قد يصل إلى خمسة أضعاف الاحتمال المسجل لدى النساء في الدول الأخرى الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. كما قد ترتفع احتمالات تعرضهن لمضاعفات الحمل والولادة إلى أربعة أضعاف مقارنة بالنساء من الأعراق الأخرى في الولايات المتحدة. ومع تنامي الوعي بحجم هذه الأزمة، يواجه قطاع الرعاية الصحية تحدياً أكثر إلحاحاً يتمثل في تحويل ما تكشفه البيانات إلى إجراءات فعالة ومستدامة تسهم في إنقاذ حياة الأمهات. ويقتضي ذلك تبني نظرة أشمل إلى صحة المرأة، تتجاوز التعامل مع الحمل والولادة باعتبارهما مرحلة صحية منفصلة، وتنظر إليهما ضمن رحلة متصلة ترتبط بصحتها العامة وبالظروف الاجتماعية والمعيشية التي تؤثر فيها.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
وفي سياق الجهود المبذولة لمعالجة هذه التحديات، تشارك جمعية المستشفيات الأمريكية بدور رئيسي في مواجهة هذه الفوارق، إذ تمثل نحو 5,000 مستشفى ونظام صحي، وتعمل على حشد جهود قطاع الرعاية الصحية لمعالجتها بصورة منظمة. وفي إطار هذا الدور، تبرز "جوي رودن"، النائب الأول للرئيس لشؤون تحسين صحة المرضى وتطوير أساليب الرعاية في الجمعية، بوصفها من الأصوات الداعمة للتغيير. ويركز عملها على تزويد المستشفيات الأعضاء وقطاع الرعاية الصحية عموماً بالأدوات والاستراتيجيات اللازمة للحد من الفوارق، وتحسين مستوى الرعاية المقدمة وتجربة المرضى.
وانطلاقاً من خبرتها في مساعدة المستشفيات على معالجة الفوارق الصحية وتحسين الرعاية، تستعرض "جوي رودن"، في حوار مع "فاديسولا أديتوسوي"، الخبير في ماكنزي، العوامل التي تميز الأنظمة الصحية التي نجحت في تحسين صحة الأمهات عن تلك التي لا تزال تواجه صعوبة في إحراز تقدم. وتوضح "رودن" أهمية وجود قيادات ملتزمة، واتخاذ إجراءات تستند إلى البيانات، وبناء شراكات حقيقية مع المجتمعات المحلية. كما تؤكد أن الاهتمام بصحة الأمهات لا يمثل مسؤولية أخلاقية فقط، وإنما ضرورة اقتصادية أيضاً، لما له من تأثير واسع في الأسر والمجتمعات والاقتصاد الوطني. وفيما يلي نستعرض نسخة محررة من الحوار.
ثلاثة مقومات لتحسين صحة الأمهات
فاديسولا أديتوسوي: ما الذي يميز الأنظمة الصحية التي نجحت في إحراز تقدم في تحسين صحة الأمهات عن تلك التي لا تزال تواجه صعوبة في الانتقال من إدراك حجم المشكلة إلى اتخاذ خطوات عملية لمعالجتها؟
جوي رودن: تشترك الأنظمة الصحية التي تحرز تقدماً ملموساً في عدد من الخصائص الأساسية:
- القيادة: يبدأ التقدم بوجود التزام قوي من القيادات الطبية والإدارية. فعندما تؤكد الإدارة بوضوح أن صحة الأمهات أولوية أساسية ترتبط بجودة الرعاية وسلامة المرضى، وليست مبادرة جانبية، يصبح هذا التوجه جزءاً من عمل المؤسسة بأكملها. ويشمل ذلك مشاركة مجالس الإدارة بفاعلية، من خلال متابعة مؤشرات الجودة، والاطلاع على مسار العمل المخصص لصحة الأمهات، وطرح أسئلة دقيقة على القيادات التنفيذية بشأن مستوى التقدم والنتائج المحققة.
- البيانات: تنظر الأنظمة الصحية المتقدمة إلى ما هو أبعد من الإحصاءات الوطنية، وتسعى إلى فهم مستوى أدائها داخل منشآتها. فالأرقام العامة تكشف أن معدل وفاة النساء من ذوات البشرة السوداء يبلغ ثلاثة أضعاف المعدل المسجل لدى نظيراتهن من ذوات البشرة البيضاء، لكن كل مؤسسة صحية تحتاج أيضاً إلى معرفة واقع الأمهات اللاتي يتلقين الرعاية في مستشفياتها، وفهم تجاربهن والنتائج الصحية التي يحققنها. ومن خلال هذه البيانات الداخلية، تستطيع المؤسسة تحديد مواطن الخلل ووضع إجراءات موجهة لمعالجتها.
- الحس الإنساني: تدرك هذه الأنظمة أن وراء كل رقم إنساناً له احتياجاته وظروفه وتجربته الخاصة. ولذلك تحرص على الاستماع إلى الأمهات، وفهم ما يحتجن إليه وما يفتقدنه في الرعاية المقدمة لهن. كما تتعاون مع مجتمعاتهن لتطوير خدمات صحية تلبي احتياجاتهن الفعلية وتراعي خلفياتهن الثقافية.
ابتكار الحلول وقياس أثرها في الرعاية الصحية
فاديسولا أديتوسوي: كيف تستطيع الأنظمة الصحية ابتكار حلول فعالة، وقياس أثرها والتأكد من تحقيقها النتائج المطلوبة؟
جوي رودن: تجمع المستشفيات بالفعل قدراً كبيراً من البيانات المهمة، ولذلك تكمن الحاجة الأساسية في فحص هذه البيانات بعمق، وليس في وضع مجموعة جديدة تماماً من المؤشرات. والسؤال الأهم هو: كيف يمكن الاستفادة منها في اتخاذ خطوات عملية تحسن الرعاية؟ ومن الضروري أيضاً الاهتمام بتجارب النساء داخل المستشفيات والأنظمة الصحية، ومعرفة ما إذا كن يشعرن بأن أصواتهن مسموعة وأنهن يعاملن باحترام. ويكمن التحدي في تصنيف البيانات وفق عوامل مختلفة، مثل العرق، والخلفية الثقافية، ونوع التأمين الصحي، والعمر، والوضع الوظيفي، والمستوى التعليمي. فمن المفترض ألا تؤثر هذه العوامل في مستوى الرعاية والنتائج الصحية، لكن الواقع يثبت أنها تؤثر فيهما.
وتتحمل المؤسسات الصحية مسؤولية تحليل بياناتها من زوايا مختلفة، حتى وإن كشفت النتائج عن جوانب يصعب عليها مواجهتها، ثم التعاون مع المجتمع لوضع الحلول المناسبة وتنفيذها. وتقدم تجربة مستشفى "سيدارز سايناي" في لوس أنجلوس مثالاً واضحاً على ذلك.1 وهي تجربة ترتبط بي شخصياً لأنني أنجبت طفلي الوحيد هناك. فقد أظهر تحليل بيانات صحة الأمهات أن النساء المؤهلات للحصول على جرعات منخفضة من الأسبرين للوقاية من تسمم الحمل لم يتلقين هذا العلاج بالمعدل نفسه؛ إذ كانت فرص تقديمه للنساء من ذوات البشرة السوداء أقل مقارنة بنظيراتهن من ذوات البشرة البيضاء. وتسمم الحمل حالة صحية خطيرة ترتبط غالباً بارتفاع ضغط الدم خلال الحمل، وقد تهدد صحة الأم والجنين. ولمعالجة هذه الفجوة، أطلق المستشفى حملة توعوية شاملة للمرضى، وتعاون مع جهات مجتمعية موثوقة، من بينها مؤسسة "مارش أوف دايمز". كما عمل على توعية الصيدليات، وأضاف تنبيهاً إلى السجل الصحي الإلكتروني لمساعدة مقدمي الرعاية على تحديد المريضات المؤهلات لهذا العلاج. وأسهمت هذه الإجراءات في زيادة استخدام جرعات الأسبرين المنخفضة بين الأمهات من ذوات البشرة السوداء إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، ما أدى إلى سد فجوة العلاج إلى حد كبير. ويقدم ذلك مثالاً قوياً على توظيف البيانات في تحديد الإجراءات المناسبة وتحسين مستوى الرعاية المقدمة.
فرص الذكاء الاصطناعي ومخاطر استخدامه
فاديسولا أديتوسوي: يشهد قطاع الرعاية الصحية حالياً نقاشاً واسعاً حول الذكاء الاصطناعي. كيف يمكن للأنظمة الصحية الاستفادة من هذه التقنية في تحسين صحة الأمهات؟
جوي رودن: ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي ضمن أولويات الرؤساء التنفيذيين في المستشفيات والأنظمة الصحية، لأن تجاهله يعني عدم مواكبة التحولات التي يشهدها القطاع. ولدى جمعية المستشفيات الأمريكية فريق استراتيجي متخصص في الابتكار، يعمل ضمن مهامه على تقييم إمكانات الذكاء الاصطناعي في تطوير الرعاية الصحية. وتشمل هذه الإمكانات استخدام التحليلات التنبؤية، التي تعتمد على البيانات لتوقع المخاطر المحتملة، مثل تحديد المرضى الذين يُرجح أن يعودوا إلى قسم الطوارئ بعد تلقي العلاج. كما تشمل تحليل مؤشرات صحة السكان، التي تساعد على فهم الأوضاع والاحتياجات الصحية لمختلف فئات المجتمع.
وخلال زيارة المريض للطبيب، بدأت بعض المستشفيات استخدام أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتسجيل الحوار وتحويله تلقائياً إلى ملاحظات تُضاف إلى الملف الطبي. ويساعد ذلك الطبيب على التركيز في حديث المريض واحتياجاته، بدلاً من الانشغال بكتابة الملاحظات وتوثيقها. لكن كثرة تطبيقات الذكاء الاصطناعي والوعود المرتبطة بها تضع المستشفيات أمام تحدٍ يتمثل في اختيار الأدوات التي أثبتت فائدتها فعلاً، وتجنب تلك التي لم تثبت جدواها بعد. فاستخدام هذه التقنيات من دون تقييم دقيق وضوابط واضحة قد يزيد الفوارق في مستوى الرعاية بين المرضى. ولهذا يجب أن تظل وسيلة تدعم عمل الأطباء وتحسن الخدمات المقدمة، خصوصاً في المناطق الريفية، حيث يصعب على السكان الوصول إلى التخصصات الطبية المتقدمة المتوافرة في المستشفيات الكبرى.
تحويل التركيز من تقديم الخدمات الصحية إلى التركيز على صحة الإنسان
فاديسولا أديتوسوي: يتركز الاهتمام بصحة الأم عادةً على فترة الحمل والولادة، رغم استمرار حاجتها إلى الرعاية والمتابعة بعد ولادة طفلها. كيف تعمل الأنظمة الصحية الرائدة على تلبية احتياجات الأم الصحية في مختلف المراحل؟
تتعرض نحو 50,000 امرأة سنوياً لمضاعفات صحية خطيرة مرتبطة بالحمل والولادة، وهو رقم صادم يكشف حجم المشكلة.
جوي رودن: تبدأ العناية بصحة الأم قبل الحمل وتستمر بعد الولادة. ومن الضروري مساعدة الشابات الراغبات في الإنجاب على الاستعداد للحمل وهن في حالة صحية جيدة، خصوصاً مع تزايد عدد النساء اللاتي يبدأن الحمل وهن يعانين أمراضاً مزمنة. ولهذا بدأت الأنظمة الصحية توسيع اهتمامها من تقديم العلاج إلى دعم صحة المرأة بصورة شاملة. لكن القطاع الصحي لا يستطيع القيام بهذه المهمة بمفرده، كما أن ميزانيات الرعاية الطبية لا يمكنها تغطية جميع الاحتياجات التي تؤثر في صحة المرأة. ومن هنا تأتي أهمية التعاون مع جهات أخرى لمعالجة مشكلات مثل عدم استقرار السكن، وصعوبة الحصول على الغذاء الكافي، والعنف الأسري، وصعوبات التنقل. فجميع هذه الظروف تؤثر في الصحة، رغم أن معالجتها تقع في معظمها خارج نطاق عمل المستشفيات.
وكما تبدأ العناية بصحة الأم قبل الحمل، يجب أن تستمر بعد الولادة. ففي هذه المرحلة، يتحول معظم الاهتمام إلى الطفل، وقد تتراجع متابعة صحة الأم رغم استمرار حاجتها إلى الرعاية. وهنا تستطيع قيادات المستشفيات القيام بدور مهم من خلال توعية جميع من يتعاملون مع الأم، ومن بينهم الزوج وأفراد الأسرة، والمسعفون، وأطباء الأطفال الذين يتابعون طفلها، والعاملون في أقسام الطوارئ. ويجب أن يكون جميع هؤلاء قادرين على التعرف إلى العلامات التي قد تشير إلى تعرض الأم لمضاعفات صحية بعد الولادة، ومعرفة كيفية التصرف عند ظهورها.
وتبرز أهمية هذه التوعية عند النظر إلى حجم المضاعفات الصحية التي قد يسببها الحمل أو يزيدها سوءاً. ووفق أحدث البيانات الأمريكية التي اطلعت عليها، تتعرض نحو 50,000 امرأة سنوياً لمضاعفات خطيرة مرتبطة بالحمل والولادة,2 وهو رقم صادم يكشف حجم المشكلة.
فاديسولا أديتوسوي: في ضوء امتداد احتياجات الأم الصحية من مرحلة ما قبل الحمل إلى ما بعد الولادة، كيف يمكن للأنظمة الصحية تلبية الاحتياجات الخاصة للنساء من ذوات البشرة السوداء خلال هذه المراحل؟
جوي رودن: يبدأ ذلك بوجود فريق طبي يفهم الخلفيات الثقافية للأمهات من ذوات البشرة السوداء، ويستطيع مراعاة احتياجاتهن عند تقديم الرعاية. وتشير دراسات تناولت أثر التقارب الثقافي بين المرضى ومقدمي الرعاية إلى أن شعور المريض بأن طبيبه يفهم خلفيته وتجربته يعزز رضاه عن الرعاية والتزامه بالخطة العلاجية. ومن الأمثلة على أثر هذا التقارب ما توصلت إليه بعض الأبحاث التي أظهرت تحسناً واضحاً في النتائج الصحية للمواليد من ذوي البشرة السوداء عندما يتولى رعايتهم أطباء من الفئة نفسها. لكن من غير الممكن توفير عدد كافٍ من أطباء النساء والولادة وأطباء الأطفال من ذوي البشرة السوداء لتقديم الرعاية لجميع الأمهات والأطفال من هذه الفئة.
ولهذا، يصبح من الضروري تطوير مهارات جميع أعضاء فرق الرعاية، حتى يتمكنوا من فهم الحالة الصحية والنفسية والاجتماعية لكل مريضة، وليس أعراضها الطبية وحدها. فالتحيزات موجودة لدى الجميع، وقد تكون غير واعية، لكنها تتحول إلى مشكلة حقيقية عندما تؤثر في القرارات الطبية أو الخطة العلاجية. ويمتد تطوير فرق الرعاية إلى الاستعانة بأشخاص مدربين يقدمون للأمهات الدعم النفسي والعملي قبل الولادة وخلالها وبعدها، إلى جانب العاملين في مجال الصحة المجتمعية. ويحظى هؤلاء عادةً بثقة الأمهات، ويساعدونهن على فهم الخدمات المتاحة والمصطلحات الطبية، والتعبير عن احتياجاتهن والمطالبة بالرعاية المناسبة. وهنا يكمن أحد أهم عناصر النجاح، فالمستشفيات تحتاج إلى التعاون مع الأشخاص والجهات التي يعرفها المجتمع ويثق بها للوصول إلى الأمهات وتلبية احتياجاتهن.
وتجسد تجربة مدينة أكرون في ولاية أوهايو أهمية هذه الشراكات المجتمعية. فقد تعاونت "سوما هيلث"، وهي منظومة تضم مستشفيات ومراكز طبية في الولاية، مع "مشروع أوجيما"، وهي منظمة مجتمعية غير ربحية تدعم الأسر وتعمل على تحسين صحة الأمهات والرضع، إضافة إلى جهة متخصصة في تقديم خدمات الصحة النفسية والسلوكية للأقليات. وجاء هذا التعاون بعدما تبين أن الأساليب المعتادة لمتابعة الحمل لا تلبي احتياجات الأمهات من ذوات البشرة السوداء والمريضات ذوات الدخل المحدود. واعتمدت الجهات المشاركة جلسات جماعية أسبوعية لمتابعة الحمل، يشرف عليها فريق ثابت، مع إتاحة الوصول إلى أطباء نساء وولادة من ذوي البشرة السوداء، وعاملين معتمدين في مجال الصحة المجتمعية، وخدمات الاستشارات الصحية. وأسهمت هذه الجهود في زيادة معدلات الرضاعة الطبيعية، وخفض حالات الولادة المبكرة ووفيات الرضع.3
وانطلاقاً من تجارب ناجحة كهذه، أطلقت جمعية المستشفيات الأمريكية مبادرة "صحة أفضل للأمهات والأطفال"، التي تعمل على رصد الممارسات المبتكرة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، ثم مشاركتها مع نحو 5,000 مستشفى ونظام صحي من أعضاء الجمعية. وتهدف المبادرة إلى الحد من المضاعفات والوفيات التي يمكن الوقاية منها بين الأمهات، من خلال تحليل البيانات للكشف عن الفوارق، والاستماع إلى المرضى والمجتمعات المحلية، وإشراك العاملين في تطوير الرعاية.
لماذا تعد صحة الأمهات قضية اقتصادية
فاديسولا أديتوسوي: تمتد آثار الفجوة في صحة الأمهات من ذوات البشرة السوداء إلى ما هو أبعد من سلامتهن الصحية، فتعرض الأم لمضاعفات خطيرة يرفع تكاليف العلاج، وقد يؤثر في قدرتها وقدرة أفراد أسرتها على العمل ورعاية الأطفال. ومع اتساع هذه الآثار لتشمل المجتمعات والاقتصاد عموماً، كيف يغير إدراك هذه التبعات الاقتصادية طبيعة نقاشاتك مع قيادات الأنظمة الصحية؟
جوي رودن: هذا صحيح تماماً. فقد أصبحت المبررات الأخلاقية لحماية صحة الأمهات واضحة، لكن حديثنا مع الرؤساء التنفيذيين للمستشفيات يركز الآن أيضاً على الكلفة الاقتصادية لهذه الفوارق. وتفرض الفوارق الصحية عبئاً متزايداً على الناتج المحلي الإجمالي، ولهذا نستعد لإصدار تقرير يتناول آثارها الاقتصادية. وتقدر دراسة وطنية حديثة أن هذه الفوارق تكلف الولايات المتحدة نحو 451 مليار دولار سنوياً، ومن المتوقع أن تواصل هذه الكلفة ارتفاعها إذا لم تُعالج المشكلة.4 وهذا عبء اقتصادي لا يمكن تجاهله.
وتتضح هذه الكلفة عند النظر إلى أثر صحة الأم في حياتها وأسرتها. فتمتعها بصحة جيدة يساعدها على الاستمرار في عملها ورعاية أطفالها، ويحافظ على استقرار أسرتها وقدرتها على المشاركة في المجتمع. كما يجنب أفراد الأسرة الاضطرار إلى تقليل ساعات عملهم أو ترك وظائفهم مؤقتاً من أجل رعايتها. أما تعرض الأم لمضاعفات صحية خطيرة، فقد يؤدي إلى تكرار زياراتها لأقسام الطوارئ، وبقائها في المستشفى مدة أطول، وحاجتها إلى رعاية مستمرة بعد خروجها. وتترتب على ذلك تكاليف إضافية يتحملها النظام الصحي والأسرة معاً. ولهذا يجب أن تركز النقاشات مع قيادات المستشفيات على تحسين صحة الأمهات باعتبارها استثماراً في استقرار الأسرة والمجتمع والاقتصاد.
دور السياسات والتمويل في تطبيق الحلول
فاديسولا أديتوسوي: خلال السنوات الخمس المقبلة، ما السياسات أو الإجراءات التي تتوقعين أن تؤدي الدور الأهم في تحسين صحة الأمهات من ذوات البشرة السوداء والحد من المضاعفات والوفيات بينهن؟
على مسؤولي المستشفيات الاستماع إلى الأمهات داخل مجتمعاتهن، وإشراكهن في وضع حلول تلبي احتياجاتهن وتراعي اختلاف خلفياتهن الثقافية.
جوي رودن: تمثل التغطية بالتأمين الصحي نقطة البداية، لأنها تتيح متابعة صحة الأم خلال الحمل وبعد الولادة وفق خطة واضحة، مع تبادل معلوماتها الطبية بين الأطباء والجهات التي تقدم لها الرعاية. وهذا يجنبها الانتقال بين خدمات منفصلة، من دون متابعة مستمرة لحالتها أو معرفة كل طبيب بالعلاج الذي تلقته لدى جهة أخرى. ولذلك من الضروري الحفاظ على التقدم الذي تحقق في توسيع التغطية. ومن التطورات المشجعة تمديد تغطية برنامج "ميديكيد"، وهو برنامج حكومي يوفر التأمين الصحي للفئات ذات الدخل المحدود، لتستمر مدة عام بعد الولادة في معظم الولايات.5 لكن امتلاك التأمين لا يضمن وحده تلقي العلاج، فقد لا تجد الأم طبيباً قريباً يقبل هذا التأمين أو موعداً متاحاً عند حاجتها إلى الرعاية. ولهذا يجب معالجة الصعوبات التي تمنع المريضات من الوصول فعلياً إلى الأطباء والخدمات الصحية.
وتشمل الجهود الرامية إلى حماية الأمهات أيضاً حلولاً بسيطة يمكن أن تحدث أثراً كبيراً. فعلى سبيل المثال، تستخدم بعض المستشفيات أساور بألوان فاقعة ترتديها الأم خلال الفترة الأولى بعد الولادة، لتنبيه المسعفين والعاملين في أقسام الطوارئ إلى أنها أنجبت حديثاً، وأن الأعراض التي تعانيها قد تكون مرتبطة بمضاعفات ما بعد الولادة. في حين توفر أنظمة صحية أخرى بطاقات تعريف تحملها الأم وتقدمها عند زيارة الطوارئ، أو أجهزة لقياس ضغط الدم في المنزل بعد خروجها من المستشفى. ولا تحتاج هذه الحلول إلى تقنيات متقدمة أو تكاليف مرتفعة، لكنها قد تساعد على اكتشاف المضاعفات مبكراً وإنقاذ حياة الأمهات. غير أن آليات تمويل الرعاية الصحية لا تواكب هذه الحلول دائماً، ولذلك تبرز الحاجة إلى سياسات تمويل تشجع المستشفيات ومقدمي الرعاية على اعتماد التدابير الوقائية التي تثبت فائدتها.
من أين يبدأ التغيير؟
فاديسولا أديتوسوي: إذا كان عليكِ أن تطلبي من كل رئيس تنفيذي لمستشفى الالتزام بخطوة واحدة خلال الأشهر الـ12 المقبلة، فما هذه الخطوة؟
جوي رودن: الخطوة الأهم هي أن تبني المستشفيات علاقة مستمرة مع الأمهات من ذوات البشرة السوداء في المناطق التي تخدمها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال لقاءات منتظمة معهن ومع أسرهن والجهات المجتمعية التي تعمل معهن، للتعرف إلى تجاربهن داخل المستشفيات، والصعوبات التي واجهنها، والخدمات التي يحتجن إليها ولم يحصلن عليها. وبعد الاستماع إليهن، يجب أن تستفيد إدارات المستشفيات من هذه التجارب في تعديل خدماتها، وأن تدعو الأمهات وممثلي الجهات المجتمعية إلى المشاركة في الاجتماعات التي تُوضع فيها برامج الرعاية. بهذه الطريقة، تُبنى الحلول على احتياجات واقعية، لا على ما يفترض المستشفى أن الأمهات يحتجن إليه. كما أن ثقة المجتمع لا تتحقق عندما يتواصل معه المستشفى فقط لجمع معلومات أو طلب المشاركة في مبادرة. وإنما تتحقق عندما يرى الناس أن آراءهم أحدثت تغييراً فعلياً في الخدمات والرعاية المقدمة لهم.