ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
تمضي آسيا بخطى واثقة نحو ترسيخ موقعها في قلب التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، مع توقعات بأن تستحوذ على ما يصل إلى 60 بالمئة من شركات قائمة "فورتشن 500" خلال العقد المقبل، بالتوازي مع ترسخ موقعها كمحرّك رئيسي لحركة التجارة العالمية.1 ويأتي ذلك في سياق ما تمتلكه المنطقة من مقومات هيكلية متقدمة، تشمل قاعدة سكانية واسعة وعمقًا صناعيًا متطورًا، فضلًا عن مستويات عالية من تبنّي التقنيات الرقمية وتكامل ملحوظ بين القطاعين العام والخاص، وهو ما يهيئ بيئة ديناميكية داعمة للتجريب والابتكار. ومع ذلك، لا تكمن خصوصية التجربة الآسيوية في هذه العوامل وحدها، بل في الكيفية التي توظف بها الشركات هذه المقومات لبناء نماذج أعمال جديدة، تقوم على هياكل تتيح تحقيق نمو غير متكافئ، وتدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في جوهر تصميمها، ما يعيد صياغة قواعد التنافس ويعزز آفاق النمو المستدام.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
على مدى السنوات الثلاث إلى الخمس الماضية، برزت في آسيا ستة نماذج أعمال بشكل متكرر عبر مختلف الأسواق والقطاعات والشركات باختلاف أحجامها،اطّلع على "الشكل 1". ما يعكس نمطًا متصاعدًا يتجاوز كونه حالات فردية. ويأتي ذلك في سياق توجه هذه النماذج إلى توظيف عناصر الثقة والارتباط العاطفي والتخصيص، مع تسريع هذا التوجه عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعلها أقرب إلى خيارات استراتيجية واعية يتبناها القادة، لا مجرد نتائج فرضتها خصوصية البيئة الآسيوية. وعليه، تكتسب هذه التجارب أهمية تتجاوز حدود المنطقة، إذ يمكن لقادة الأعمال في مختلف الأسواق الاستفادة منها وتطبيقها بما يتناسب مع سياقاتهم المحلية. وعلى سبيل المثال، أسهمت نماذج التجارة القائمة على صناع المحتوى والشبكات في تحقيق نجاحات لافتة، سواء لدى شركات كبرى مثل دويين أو حتى لدى منشئي المحتوى الأفراد. ورغم أن مقومات هذا النوع من التجارة متاحة في الأسواق الغربية، فإن إمكاناته لا تزال غير مستغلة على نحو كامل، ما يفتح المجال أمام فرص نمو واعدة.
وامتدادًا لذلك، يستعرض المقال البيئة الهيكلية التي أسهمت في نشوء هذه النماذج، إلى جانب ستة أنماط أعمال قابلة للتطبيق عالميًا، مدعومة بأمثلة لنجاحات بارزة في كل منها، فضلًا عن أبرز الدروس التي يمكن للشركات العالمية توظيفها ضمن سياقاتها الخاصة. وضمن هذا المسار، يصعب المبالغة في حجم الإمكانات التي تنطوي عليها هذه النماذج؛ إذ تمكنت شركات في آسيا من تحقيق معدلات نمو سنوي مركب تتجاوز 15 بالمئة، مع مضاعفة قيمة البضائع الإجمالية بوتيرة سريعة، وهو ما يعكس قوة هذا التحول. وعليه، فإن أول منصة إعلامية عالمية أو شركة تجزئة أو مؤسسة مالية تنجح في توظيف هذه الإمكانات، قد تكون في موقع يؤهلها لتحديد ملامح المرحلة المقبلة من التميز التنافسي، بما يفتح أفقًا جديدًا لإعادة تعريف قواعد السوق.
العوامل الأساسية الحاضنة لنماذج الأعمال الرائدة في آسيا
في ظلّ التحولات العميقة التي تشهدها بيئة الأعمال في آسيا، لم يكن ظهور هذه النماذج الجديدة وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الهيكلية التي هيأت بيئة خصبة لتطورها. لذا، يمكن رصد أربع ديناميكيات أساسية أسهمت في تشكيل هذا المسار عبر مختلف الأسواق، رغم أنها لا تمثل شرطًا لازمًا لتطبيق هذه النماذج في سياقات أخرى، وهو ما يعزز قابليتها للانتقال والتكيّف عالميًا.
زخم الحجم وتسارع الانتشار
وسط أسواق تتسم باتساع القاعدة الجماهيرية وتسارع التحول الرقمي، تتشكل في آسيا بيئة استثنائية تدفع بالأفكار إلى الانتشار بوتيرة لافتة. ويمكن لأي صيغة بث مباشر أو خدمة رقمية أو حتى مفهوم منتج جديد أن يصل إلى عشرات الملايين خلال فترة وجيزة، ما يتيح اختبار الأفكار على نطاق وطني في أيام معدودة. الأمر الذي يختصر زمن التجربة ويحوّل الابتكار من عملية تدريجية إلى مسار سريع الإيقاع، يعزز فرص التقاط الفرص قبل أن تتلاشى.
التكامل على مستوى المنظومة
في مشهد تتزايد فيه أهمية البنية الرقمية، يبرز التعاون بين القطاعين العام والخاص كعامل حاسم في خفض الاحتكاك وتوسيع نطاق الشمول. حيث توفّر واجهة المدفوعات الموحدة في الهند نظام مدفوعات فوري يخدم مئات الملايين من المستخدمين، بينما تتيح مبادرة الشبكة المفتوحة للتجارة الرقمية، التي تقودها الحكومة، حتى لصغار التجار الوصول إلى الطلب على مستوى وطني، وهو ما يعيد رسم قواعد المنافسة. وعلى نحو مماثل، تسهم البنية الرقمية في الصين ومنصات الهوية الرقمية، إلى جانب حزمة التقنيات الحكومية في سنغافورة وشبكة نظام رمز الاستجابة السريعة القياسي الإندونيسي، في تقليص تكاليف الانضمام إلى المنظومة الرقمية ورفع مستويات المشاركة. ومن ثم، لا يقتصر الأثر على تحسين الكفاءة التشغيلية، بل يمتد ليعزز دمج فئات أوسع في الاقتصاد الرقمي، ما يفتح المجال أمام نماذج أعمال أكثر شمولًا واتساعًا.
عمق الخدمات الرقمية… بنية متكاملة لتجربة بلا حدود
في وقتٍ يشهد توسعًا متسارعًا في النظم الرقمية، تبرز تطبيقات "السوبر آب" كنموذج يعيد تعريف كيفية تقديم الخدمات وتكاملها. فمن خلال منظومات تستضيف مئات، بل آلاف التطبيقات المصغّرة، تدمج هذه المنصات عناصر أساسية مثل المدفوعات والهوية الرقمية والخدمات اللوجستية والتواصل والائتمان ضمن واجهة واحدة، وهو ما يقلّص تكلفة إضافة خدمات جديدة ويعزز سرعة الابتكار. وعليه، لا يقتصر التحول على الجانب التقني، بل يمتد ليعيد تشكيل طريقة تفاعل المستخدمين مع الإعلام والخدمات، وصولًا إلى مجالات مثل كشف الاحتيال وتقييم الجدارة الائتمانية وتنفيذ الطلبات وتطوير المنتجات، بما يعكس تحولًا جذريًا في تجربة الاستخدام ومنطق تقديم القيمة.
التنظيم محفّز للتحول لا عائق أمامه
في خضمّ التحول الرقمي المتسارع، يبرز دور الأطر التنظيمية في عدد من الأسواق الآسيوية كعامل محفّز لا كقيد، حيث تسهم في دفع الرقمنة بالتوازي مع وضع ضوابط واضحة لاستخدام البيانات وأمن الهوية. كما أتاح هذا التوازن تسريع توسّع الخدمات الرقمية بشكل مسؤول، بما يدعم مجالات متعددة تمتد من الشمول المالي إلى تنظيم خدمات الرعاية الصحية، وصولًا إلى كفاءة العمليات اللوجستية، وهو ما يعكس دور التنظيم كعنصر تمكيني يعزز الابتكار دون الإخلال بالثقة.
ستة نماذج أعمال تقود موجة النمو الجديدة
عبر مختلف الأسواق والقطاعات، برزت ستة أنماط أعمال أسهمت في دفع نمو الشركات الآسيوية، على اختلاف أحجامها، بوتيرة تفوق بشكل ملحوظ معدلات نمو الأسواق التي تعمل ضمنها، كما هو موضح في "الشكل 2".
المنتجات القائمة على العاطفة: من الإعجاب إلى طلب لا ينقطع
في سياق متصل، تُصمَّم المنتجات القائمة على العاطفة منذ اللحظة الأولى بهدف خلق حالة من الترقب وبناء هوية مميزة وتشكيل مجتمع حولها، بما يتجاوز الوظيفة التقليدية للمنتج. وعلى خلاف النماذج التقليدية التي تتعامل مع العاطفة كنتيجة ثانوية لبناء العلامة التجارية، تنظر هذه الشركات إلى العاطفة بوصفها محركًا اقتصاديًا أساسيًا، ما يحوّل الارتباط العاطفي إلى طلب متكرر ومستدام.
في مختلف أنحاء آسيا، عملت الشركات على تحويل آليات التفاعل العاطفي إلى منظومة شبه صناعية، توظّف عناصر مثل الندرة والإصدارات المحدودة وطقوس المعجبين ودورات الاقتناء، إلى جانب الإبداع المشترك المباشر والسرديات الغنية المرتبطة بالملكية الفكرية، بما يعزز ارتباط الجمهور ويحوّله إلى سلوك استهلاكي متكرر. ويبرز في هذا السياق نموذج "بوب مارت" كأحد أبرز الأمثلة، حيث نجحت الشركة من خلال منتجات "الصندوق المفاجئ"—ولا سيما سلسلة "الوحوش" التي تضم دمى "لابوبو"—في تحويل عنصر الترقب إلى نجاح تجاري ملموس. فخلال النصف الأول من عام 2025، سجلت الشركة إيرادات بلغت 1.9 مليار دولار، استحوذت فيها هذه السلسلة وحدها على أكثر من ثلث الإجمالي، وهو ما يعكس قوة هذا النموذج في تحقيق عوائد مباشرة.2 ومن ثم، أسهم هذا الأداء في صعود الشركة لتصبح الأكبر ضمن فئتها، مدفوعة بمعدل نمو سنوي مركب للإيرادات بلغ 180 بالمئة خلال آخر 12 شهرًا، ما يبرز كيف يمكن للعاطفة، حين تُدار بذكاء، أن تتحول إلى محرك نمو استثنائي.3
ويعكس نظام موسيقى البوب الكورية منطقًا مشابهًا في توظيف العاطفة كمحرّك اقتصادي. فقد تمكنت شركة "بيغ هيت إنترتينمنت"، المعروفة بإدارتها لفرقة "BTS"، من تجاوز إيراداتها 1.6 مليار دولار في عام 2023، عبر بناء مجتمعات متكاملة تمتد من الحفلات الحية إلى المحتوى الرقمي والبث المباشر، وصولًا إلى التفاعل المباشر بين الفنانين والجمهور عبر منصة "ويفرس".4 وبصورة أكثر وضوحًا، لا يقتصر دور الجمهور على المتابعة، بل يتحول إلى جزء فاعل في التجربة، من خلال المشاركة في طقوس جماعية، والمساهمة في إنتاج المحتوى والشعور بالانتماء، وهو ما يؤدي إلى أنماط إنفاق متكررة ويمكن التنبؤ بها عبر المنتجات والألبومات والعناصر الرقمية والتذاكر، بما يعزز استدامة الطلب ويكرّس قوة هذا النموذج.
بالنسبة للشركات العالمية، تبدو الدلالة واضحة: يمكن تصميم التفاعل العاطفي وقياسه وتحويله إلى قيمة اقتصادية على نطاق واسع. ويمكن لبيانات مثل سرعة إنتاج المحتوى من قبل المستخدمين أو مستوى التفاعل داخل المجتمعات أن تكمل مؤشرات العلامة التجارية التقليدية، بما يوفّر فهمًا أعمق لسلوك الجمهور. ولم تعد الملكية الفكرية مجرد أداة تسويقية، بل تتحول إلى محرّك نمو متعدد المنتجات، قادر على توليد مصادر دخل مستدامة وتعزيز التوسع عبر قنوات متنوعة.
التجارة المدفوعة بالشبكات: توسيع الثقة عبر صناع المحتوى والثقافة
في هذا النموذج، تتحول الثقة—ولا سيما الثقة في صناع المحتوى والمجتمعات الرقمية—إلى قناة توزيع رئيسية تقود عملية البيع والنمو. وفي الأسواق الآسيوية، تطور هذا النهج إلى ما هو أبعد من التسويق عبر المؤثرين، ليصبح نظامًا متكاملًا للبيع بالتجزئة، حيث اعتاد المستهلكون التسوق عبر الدردشة والبث المباشر ومقاطع الفيديو القصيرة، ضمن تجربة يقودها صناع المحتوى أنفسهم. على هذا الأساس، لا تُبنى العلاقة مع العميل على الرسائل الإعلانية التقليدية، بل على التفاعل المباشر والثقة المتراكمة، وهو ما يعيد تشكيل مفهوم القنوات البيعية ويمنح هذا النموذج قدرة أكبر على التأثير والتوسع.
وتجسّد التجارة عبر البث المباشر في الصين حجم الفرص الكامنة في هذا النموذج، حيث سجّلت منصة "دويين" نموًا لافتًا في قيمة البضائع الإجمالية، مرتفعة بنحو سبعة أضعاف خلال خمس سنوات، من نحو 75 مليار دولار في 2020 إلى قرابة 490 مليار دولار في 2024، مع معدلات تحويل وقيم طلبات غالبًا ما تفوقت على صفحات المنتجات التقليدية.5 وفي السياق ذاته، تعكس أسواق جنوب شرق آسيا المسار نفسه، إذ قفزت قيمة المبيعات عبر متجر "تيك توك" في المنطقة إلى ما يقارب أربعة أضعاف خلال عام واحد، من 4.4 مليارات دولار في 2022 إلى نحو 16.3 مليار دولار في 2023، ما يعكس تسارع تبني هذا النموذج.6 وبصورة أكثر وضوحًا، يعتمد مقدمو البث المباشر على التفاعل اللحظي واستخدام اللهجات المحلية وتضمين السياق الثقافي، إلى جانب الإجابة الفورية عن استفسارات الجمهور واستعراض المنتجات بخبرة، وهو ما يخلق تجربة أكثر قربًا وإنسانية. الأمر الذي يحوّل عملية الشراء من مجرد إعلان إلى مساحة تفاعلية أقرب إلى دعم مجتمعي، تتعزز فيها الثقة وتزداد قابلية اتخاذ قرار الشراء.
وفي هذه الأسواق، يمكن لنجوم البث المباشر تحقيق عوائد استثنائية تفوق التوقعات. فعلى سبيل المثال، خلال اليوم الأول من مهرجان التسوق "يوم العُزّاب" لعام 2023—وهو مناسبة سنوية تُقام في نوفمبر في الصين —تمكن المؤثر الصيني "لي جياكي" من تحقيق مبيعات تُقدّر بنحو 9.5 مليارات يوان "ما يعادل 1.3 مليار دولار" في يوم واحد فقط7 ومن اللافت أن هذا الرقم يتجاوز أكثر من 13 بالمئة من إجمالي مبيعات "الجمعة السوداء" عبر الإنترنت في الولايات المتحدة خلال العام نفسه، وهو ما يعكس القوة التأثيرية غير المسبوقة لهذا النموذج في دفع الطلب وتحفيز الاستهلاك.8
بالنسبة للقادة العالميين، لا تتمثل الفكرة في استنساخ صناع المحتوى في آسيا، بل في تبنّي البنية التي تقوم عليها الثقة ذاتها. فمن هنا، يمكن إعادة بناء هذه المنظومة عبر عناصر واضحة مثل الشفافية في عرض المنتجات والتفاعل المباشر من خلال جلسات الأسئلة والأجوبة وتوظيف السياق الثقافي المحلي، إلى جانب وضوح عمليات التسليم وتعزيز المصداقية. وعليه، يمكن أيضًا استلهام بعض الآليات العملية من النموذج الآسيوي، مثل إعادة توجيه الميزانيات من حملات بناء الوعي العامة إلى مبادرات مرتبطة مباشرة بالتحويل، إضافة إلى اعتماد هوامش الربحية على مستوى المنتج "بعد المرتجعات" كأساس لتحديد عمولات مقدمي البث وجدولة الفعاليات، ما يعزز كفاءة الإنفاق ويربطه بالأداء الفعلي.
الشرائح الدقيقة والمنتجون الصغار: تخصيص واسع النطاق
في هذا النموذج، تقوم فكرة "الإنتاج الدقيق" على مواءمة العرض مع الطلب بسرعة فائقة، بما يختصر الفجوة التقليدية بين ما يُنتج وما يحتاجه السوق. تماشيًا مع ذلك، تتمكن الشركات في مختلف أنحاء آسيا من تقديم منتجات مخصصة أو تُنتج على دفعات صغيرة، ولكن بتكلفة للوحدة كانت في السابق حكرًا على الإنتاج الضخم، وهو ما يعيد تعريف معادلة الكفاءة ويمنح التخصيص بُعدًا اقتصاديًا قابلًا للتوسع.
ويجسّد نموذج "شي إن" هذا التوجه بوضوح، إذ سجلت الشركة نموًا سنويًا في الإيرادات بنحو 29 بالمئة بين عامي 2022 إلى 2024، مرتفعة من نحو 23 مليار دولار إلى 38 مليار دولار، مع الحفاظ على الربحية، وهو ما يعكس كفاءة هذا النموذج وقدرته على التوسع.9 ويأتي ذلك في سياق نموذج إنتاج مرن يتيح اختبار التصاميم الجديدة عبر دفعات صغيرة تتراوح بين 100 إلى 200 قطعة، مقارنةً بما بين 300 إلى 500 قطعة لدى علامات الأزياء السريعة التقليدية مثل "زارا"، ما يقلّص المخاطر ويرفع سرعة الاستجابة.10 في امتداد لهذا التوجّه، تستطيع الشركة إعادة طلب المنتجات التي تحقق أداءً جيدًا بسرعة، بل ونقل التصميم من الفكرة إلى الإنتاج خلال فترة قد لا تتجاوز خمسة أيام، وهو ما يعزز قدرتها على مواكبة الطلب المتغير.11 وبصورة أكثر اتساعًا، تطرح الشركة يوميًا ما بين 2,000 إلى 10,000 منتج جديد، بما يصل إلى نحو 1.3 مليون تصميم سنويًا، مع تقليل الفائض غير المباع إلى الحد الأدنى، مقارنةً بشركات مثل " H&M" و "زارا"، التي تقدم ما بين 20,000 إلى 25,000 تصميم سنويًا، ما يبرز الفارق الجذري في منطق التشغيل والإنتاج.12
وفي السياق ذاته، يبرز نموذج الشبكة المفتوحة للتجارة الرقمية في الهند بوصفه مثالًا واضحًا على كيف يمكن للبنية التحتية الرقمية أن تمكّن المنتجين الصغار من التوسع على نطاق وطني. فخلال عام واحد فقط من إطلاقه، ارتفع عدد المعاملات الشهرية عبر الشبكة ثلاثة أضعاف، من نحو 5 ملايين في 2022 إلى 15 مليونًا في 2023، ما يعكس تسارع تبني هذا النموذج.13 وعند النظر من زاوية أخرى، يتيح هذا الإطار—الذي يضم أكثر من 700 ألف بائع—للحرفيين المحليين وأصحاب المشاريع المنزلية وتجار التجزئة الصغار الوصول إلى الطلب على مستوى البلاد، مستفيدين من منظومة مشتركة تشمل الهوية الرقمية والمدفوعات والخدمات اللوجستية، وهو ما يعيد توزيع فرص النمو بشكل أكثر شمولًا. 14
بالنسبة للشركات خارج آسيا، يتمثل الدرس في تبنّي هذا النهج عبر تحديث سلاسل التوريد لتدعم التجريب على نطاق دفعات صغيرة، بدلًا من الاعتماد على الإنتاج الكمي التقليدي. وعليه، تبرز أهمية التركيز على الأسواق المتخصصة التي يمكن أن يخلق فيها التخصيص طلبًا إضافيًا وهوامش ربح أعلى، ما يتيح تحقيق نمو نوعي قائم على فهم أدق لاحتياجات العملاء.
اقتصاد المعرفة: توظيف التعليم لبناء الثقة وخفض تكاليف اكتساب العملاء
وفي قلب هذا التحول، تتعامل بعض الشركات في آسيا مع التعليم لا بوصفه مسؤولية اجتماعية أو أداة تسويقية، بل كميزة تنافسية حقيقية تعزز قنوات الوصول إلى منتجاتها الأساسية. لذا، تعتمد هذه الشركات على تقديم محتوى معرفي مجاني وعالي الجودة لبناء الثقة مع الجمهور وخفض تكاليف استقطاب العملاء وتعميق مستوى التفاعل، ما يحوّل المعرفة إلى أداة استراتيجية تدعم النمو.
ويجسّد نموذج زيرودا هذا التوجه بوضوح، إذ أصبحت الشركة أكبر وسيط تداول في الهند بحلول عام 2019، بعد نحو عشر سنوات فقط من انطلاقها، ما يعكس سرعة بناء قاعدة سوقية قوية.15 وقد نجحت الشركة في استقطاب أكثر من 16 مليون عميل حتى اليوم,16 بينهم نحو 7 ملايين مستخدم نشط، وهو ما يعزز مكانتها في سوق شديد التنافسية.17 ويأتي ذلك نتيجة اعتمادها على منصة "فارستي"، وهي منصة تعليمية شاملة ومجانية وخالية من الإعلانات، تقدم محتوى متخصصًا في الأسواق والاستثمار، ما يضع المعرفة في صلب تجربة المستخدم. بناءً على ذلك، استطاعت الشركة الاستفادة من تنامي توجه التعلم الذاتي، عبر ربط هذا المحتوى التعليمي بشكل طبيعي بمنصة التداول الخاصة بها، الأمر الذي مكّنها من جذب شريحة عالية القيمة من المستخدمين المهتمين بالفعل بالاستثمار وإدارة الأموال، وتحويلهم إلى عملاء فعليين.
وفي تطور لافت، تمكنت شركة "جرو" في عام 2024 من تجاوز "زيرودا" لتتصدر سوق العملاء الأفراد النشطين، مع قاعدة تتجاوز 12 مليون مستخدم، بما يعادل نحو 27 بالمئة من السوق.18 ويأتي ذلك في سياق اعتمادها، على غرار "زيرودا"، على التعليم والأدوات الشفافة كركيزة أساسية للنمو، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 80 بالمئة من العملاء يصلون إلى المنصة بشكل عضوي، دون الاعتماد المكثف على الإعلانات19 وتنعكس هذه الاستراتيجية على كفاءة الإنفاق، إذ لا تتجاوز تكلفة استقطاب العملاء ما بين 12 إلى 13 بالمئة من الإيرادات، مقارنةً بما يتراوح بين 20 إلى 23 بالمئة لدى منافسين مثل أنجل وان، وهو ما يعزز قدرة الشركة على تحقيق نمو مستدام بهوامش أفضل.20
وفي كوريا الجنوبية، تتبنى منصة "توس" نهجًا مشابهًا، حيث تعتمد على تقديم أدوات مالية مجانية—مثل متابعة الجدارة الائتمانية وإدارة الميزانية والتعليم الاستثماري—لبناء الثقة مع المستخدمين أولًا. نتيجةً لذلك، تتحول هذه الثقة إلى قاعدة انطلاق لتحقيق الإيرادات لاحقًا عبر المنتجات والخدمات المالية، وهو ما يعكس فاعلية هذا النموذج في الربط بين القيمة المقدمة للمستخدم والنمو التجاري.
ولا يقتصر هذا التوجه على الشركات المالية فحسب، بل يمتد إلى قطاعات تقليدية مثل الزراعة. ففي الهند، تقدم مجموعة مركز التجارة الدولية المحدودة نموذجًا لافتًا من خلال مبادرة "إي-تشوبال"، التي تمكّنها من التواصل المباشر مع المزارعين، متجاوزة القنوات التقليدية مثل الوسطاء. وعلى مدار أكثر من 20 عامًا، وفّرت المبادرة أسعارًا يومية للمحاصيل الزراعية لتعزيز الشفافية، إلى جانب تقديم إرشادات زراعية وممارسات حديثة عبر الإنترنت، ما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج. لذلك، توسعت الشبكة لتشمل أكثر من 35 ألف قرية، وتخدم حاليًا نحو 4 ملايين مزارع، في نموذج يجمع بين المعرفة والوصول إلى السوق.21 كما أطلقت الشركة برنامجًا تطبيقيًا ميدانيًا بعنوان "شوبال برادارشان خيت"، يهدف إلى عرض أحدث التقنيات الزراعية ومساعدة المزارعين على تحسين إنتاجيتهم. وبناءً على ذلك، تمكن نحو 34 ألف مزارع ممن تبنّوا هذه الممارسات من مضاعفة دخولهم، وهو ما يعكس الأثر المباشر لهذا النموذج على الواقع الاقتصادي.22 وفي المحصلة، تُعد مبادرة إي-تشوبال أحد العوامل الرئيسية في نجاح مركز التجارة الدولية المحدودة، التي تصنّف ضمن أكبر 20 شركة في الهند من حيث القيمة السوقية,23 كما تمثل نموذجًا مرجعيًا لكيفية توظيف المعرفة وإتاحة الوصول إلى الأسواق لتحسين نتائج المزارعين وتعزيز كفاءة سلاسل التوريد.
في ضوء ما سبق، يتضح أن التعليم لم يعد مجرد أداة داعمة، بل بدأ يبرز كقناة استقطاب مميزة في الأسواق العالمية، خاصة في القطاعات التي تقوم على الثقة مثل الخدمات المالية والمرافق والرعاية الصحية والتأمين. في هذا الإطار، يمكن للشركات التعامل مع التعليم بوصفه أصلًا استراتيجيًا للنمو، لا بهدف تحقيق عائد مباشر من المحتوى ذاته، بل عبر توظيفه لبناء علاقات طويلة الأمد، ومن ثم تحقيق الإيرادات من الخدمات والمنتجات المرتبطة به.
التكتلات 3.0: منظومات مترابطة ببنية رقمية مشتركة
وضمن هذا المشهد المتغير، تمثل التكتلات من الجيل الجديد نماذج قائمة على بناء منظومات متكاملة، تتجاوز المفهوم التقليدي القائم على تجميع رأس المال أو توحيد العلامات التجارية والخبرات الإدارية. انطلاقًا من ذلك، تعتمد تكتلات "3.0" على دمج قطاعات متعددة عبر أصول رقمية مشتركة، مثل الهوية والمدفوعات والبيانات وبرامج الولاء، بما يخلق تجربة مترابطة للمستخدم. وعليه، لا يقتصر دور هذا التكامل على تحسين الكفاءة، بل يشكّل حافزًا حقيقيًا يدفع العملاء لاختيار هذه المنظومات على حساب عروض تقليدية أو مجزأة، ما يعزز قدرتها على المنافسة وإعادة تعريف القيمة المقدمة.
ويجسّد نموذج "بينغ آن" هذا التوجه بوضوح، إذ جعلت الشركة من البيع المتقاطع جزءًا بنيويًا في طريقة عملها، من خلال تتبع وإدارة عقود العملاء داخل منظومتها المتكاملة، التي تمتد عبر الخدمات المالية والرعاية الصحية وخدمات السيارات وحلول المدن الذكية، وكلها مترابطة عبر منصة موحّدة للهوية والبيانات. وفي هذا الإطار، يحمل نحو ربع العملاء الأفراد أربعة عقود أو أكثر داخل هذه المنظومة، ما يعكس عمق التكامل وقوة الترابط بين الخدمات. ومن جهة أخرى، أولت الشركة اهتمامًا متزايدًا بالابتكار التقني، حيث بلغ العدد التراكمي لطلبات براءات الاختراع نحو 55 ألفًا بحلول عام 2024، مع نمو سنوي يقارب 10 بالمئة خلال العامين الماضيين24، وهو ما يعكس استثمارًا مستمرًا في القدرات الرقمية، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي. وضمن هذا المسار، أسهمت هذه القدرات في بناء منظومة سلسة تتيح للعملاء التنقل بين الخدمات بسهولة، بحيث تعزز كل تفاعلاتهم قاعدة البيانات التي تدعم التوصيات المخصصة وتقييم المخاطر وأتمتة الخدمات. وعليه، انعكس هذا النموذج على مؤشرات الأداء، مع ارتفاع عدد العملاء إلى نحو 242 مليونًا بنهاية 2024، بزيادة 11 بالمئة منذ 2020، 25 إلى جانب مستويات احتفاظ قوية، حيث يبقى نحو 72 بالمئة من العملاء لأكثر من خمس سنوات، فيما يبلغ معدل الاحتفاظ السنوي قرابة 95 بالمئة26، ما يعكس قوة هذا النهج في تحقيق نمو مستدام قائم على التكامل.
ويبرز مثال آخر في الهند من خلال مجموعة "رليانس"، التي نجحت في بناء منظومة متعددة الأبعاد تمتد عبر الاتصالات والمحتوى والتجارة والمدفوعات والتجزئة التقليدية. على هذا الأساس، تمكّنها أصولها الرقمية من ربط هذه القطاعات عبر عروض متكاملة وبرامج ولاء مخصصة، ما يعزز القيمة المقدمة للمستخدم ويزيد من فرص الاحتفاظ به. وقد انعكس ذلك على أدائها المالي، إذ ضاعفت إيراداتها السنوية تقريبًا خلال السنوات الثماني الماضية لتتجاوز 100 مليار دولار، لتصبح واحدة من أكبر الشركات عالميًا.27 وفي السياق ذاته، تعتمد مجموعة "شاروين بوكفاند" في تايلاند على بنية مشتركة تشمل الخدمات اللوجستية والبيانات وبرامج الولاء، ما يمكّنها من توسيع نطاق خدماتها عبر قطاعات الأغذية الزراعية والتجزئة وغيرها من المجالات المرتبطة، وهو ما يعكس قوة هذا النموذج القائم على التكامل.
بالنسبة للقادة خارج آسيا، يتمثل الدرس في إدراك أن القيمة لم تعد تقتصر على الأصول المادية المشتركة، بل تمتد إلى الأصول الرقمية التي تنشأ من قاعدة عملاء موحّدة عبر مختلف أنشطة الشركة، مثل البيانات والانتباه وإمكانية الوصول. تماشيًا مع ذلك، يمكن توظيف هذه الأصول لتعزيز تجربة العملاء بشكل مستمر، وفي الوقت ذاته فتح المجال أمام فرص البيع المتقاطع بين وحدات الأعمال المختلفة، ما يخلق دائرة نمو متكاملة قائمة على التكامل الرقمي لا التشغيلي فقط.
منصات استهلاكية مولودة بالذكاء الاصطناعي: خدمات بلا قيود بشرية
على امتداد قطاعات التعليم والترفيه والتجارة وخدمة العملاء، تتصدر آسيا المشهد في التحول نحو المنصات الاستهلاكية الأصيلة بالذكاء الاصطناعي، تلك الخدمات التي يُقدّمها الذكاء الاصطناعي بصورة رئيسية أو كلية، بديلاً عن العمل البشري التقليدي. اطلع على العمود الجانبي بعنوان:"الذكاء الاصطناعي مُعجِّلاً وممكِّناً".
وعلى صعيد متصل، أصبحت أدوات التعليم المدعومة بالذكاء الاصطناعي واقعًا يوميًا في أسواق مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية، حيث تقدم منصات مثل "تينسنت" للتعليم و "يوانفوداو" و "زويويبانغ" ملايين جلسات التعلم المخصصة يوميًا. وتشير البيانات إلى أن منصة "زويويبانغ" وحدها تضم أكثر من 170 مليون مستخدم نشط شهريًا.28 ما يعكس حجم الانتشار والتبني. كما تواصل "يوانفوداو" —التي تجاوز تقييمها 15 مليار دولار في عام 2020 29— توسيع نطاقها، مع نمو مبيعات أجهزتها بنسبة 120 بالمئة على أساس سنوي في المدن من الدرجة الثالثة.30 لذا، تعتمد هذه الأنظمة على تحليل سلوك المتعلمين لتكييف مستوى الصعوبة وأسلوب الشرح والمحتوى المقدم لكل مستخدم، بما يقرّب تجربة التعلم من نموذج التعليم الفردي، ولكن بتكلفة هامشية تكاد تكون معدومة، وهو ما يعيد تعريف اقتصاديات التعليم وإمكانياته.
ومن جهة أخرى، برز شكل جديد من الخدمات القائمة على الذكاء الاصطناعي يحقق انتشارًا متزايدًا، يتمثل فيما يُعرف بالبشر الافتراضيين، وهم شخصيات رقمية مُولّدة بالذكاء الاصطناعي تحاكي المشاهير في الشكل والسلوك. ففي الصين، تحقق فرق مثل "A-SOUL"، وفي كوريا الجنوبية، مجموعة "ميف"، ملايين المتابعين، مع إنتاج محتوى كثيف يمكن تحقيق الدخل منه عبر المنتجات والحفلات والشراكات.31 وبصورة أكثر اتساعًا، تسهم هذه الظاهرة في إعادة تشكيل منظومة التسويق الرقمي، حيث يقود المؤثرون المدعومون بالذكاء الاصطناعي على منصات مثل "دويين" و "شياو هونغ شو" مبيعات ملموسة عبر الفيديوهات القصيرة. كما تقدم حلول مثل الإنسان الرقمي التابع لشركة "علي بابا كلاود" مقدمي محتوى افتراضيين قادرين على الحفاظ على هوية ثابتة وتكييف الرسائل وفق تفاعل الجمهور. ضمن هذا التحول، تمتد التطبيقات لتشمل خدمات أكثر تفاعلية، مثل المساعدين الافتراضيين داخل البث المباشر، الذين يجيبون فورًا عن استفسارات المنتجات ويقترحون خيارات مناسبة ويقدمون توصيات مخصصة، بينما تعمل الخوارزميات على ترتيب عرض المنتجات وفق تفاعل الجمهور لحظيًا، مع متابعة مخصصة تعكس أسلوب كل مستخدم. وعليه، يتيح هذا النموذج للعلامات التجارية تحكمًا دقيقًا في الرسائل، وقدرة إنتاج غير محدودة، مع تقليل المخاطر المرتبطة بالسلوك البشري. ومع ذلك، لا يخلو الأمر من تحديات، إذ قد يؤدي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى خلق فجوة عاطفية مع الجمهور، ما يستدعي تحقيق توازن دقيق بين التفاعل البشري والرقمي لضمان استدامة التأثير.
تتميز اقتصاديات هذا النموذج بقوة لافتة، إذ تتيح للشركات تحقيق قابلية توسع شبه غير محدودة بتكلفة هامشية تكاد تكون معدومة، إلى جانب القدرة على تخصيص التجربة لكل مستخدم على حدة. نتيجة لذلك، قد تتحول الخدمات الأمامية القائمة على الذكاء الاصطناعي—سواء كانت مدرسين أو مستشارين أو خبراء مظهر أو ممثلين لخدمة العملاء أو حتى مؤثرين—إلى ضرورة تنافسية للشركات العالمية، لا مجرد خيار إضافي. وعليه، تسعى الشركات الآسيوية إلى تأمين البنية التحتية اللازمة لدعم هذا التحول، من خلال التقدم في بناء مراكز البيانات والتخطيط لها وتمويلها، بما يضمن امتلاك القدرة الحاسوبية المطلوبة لمواكبة هذا التوسع المتسارع في استخدامات الذكاء الاصطناعي.
دروس للشركات حول العالم… ما الذي يمكن تعلّمه من التجربة الآسيوية؟
في ضوء ما تحقق من نجاحات، لا تبدو هذه النماذج حكرًا على آسيا، بل تشير تجاربها المتعددة إلى قابليتها للتطبيق في أسواق مختلفة. ومن هنا، يمكن للقادة في بقية أنحاء العالم استخلاص خمسة دروس رئيسية من هذه التجربة، بما يتيح لهم إعادة توظيف هذه النماذج بما يتناسب مع خصوصية أسواقهم، وتحويلها إلى محركات نمو فعّالة.
العميل أولًا: بناء الثقة عبر صناع المحتوى والمجتمع والمعرفة
في ظلّ تغير سلوك المستهلك، يتجه العملاء إلى التفاعل مع الأصوات الأصيلة، حيث تصبح القدرة على فهم السياق الثقافي وتقديم رسائل شفافة داخل قنوات البيع عاملًا حاسمًا في تحقيق التوسع، بما يتفوق على الأساليب التقليدية القائمة على الوصول الجماهيري. ومن جهة أخرى، في القطاعات التي يعاني فيها العملاء من فجوة معرفية مقارنة بالمزودين—مثل الخدمات المالية والرعاية الصحية والطاقة—يبرز المحتوى التعليمي المجاني وعالي الجودة كأداة أكثر فاعلية في جذب العملاء وتعزيز ولائهم، مقارنة بالإعلانات التقليدية. وعليه، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز هذا المسار، لكنه لا يحقق أثره الكامل إلا عند موازنته بإشارات إنسانية حقيقية من العلامة التجارية، وهو ما يحافظ على عنصر الثقة ويمنع تحول التجربة إلى تفاعل بارد أو منفصل.
المنتج: ابتكار منتجات تجمع بين الحجم الكبير والتأثير العاطفي
تُظهر التجارب الآسيوية أن بناء ارتباط عاطفي مع المستخدم لم يعد يتعارض مع الكفاءة التشغيلية، بل يمكن تصميمه بشكل منهجي دون التضحية بقدرة التوسع. وتمزج الشركات الرائدة بين السرديات المرتكزة على الشخصيات والتصميمات المنسجمة مع السياق الثقافي، لتقديم منتجات تبدو شخصية وقريبة من المستخدم، مدعومة بنماذج الإنتاج المرن. وعليه، أصبح هذا المستوى من التخصيص—الذي كان حكرًا في السابق على المنتجات الفاخرة أو الإنتاج محدود النطاق—قابلًا للتطبيق على نطاق واسع، بفضل تطور سلاسل التوريد الرقمية وقدرات استشعار الطلب، ما يعيد تعريف معادلة القيمة بين الكلفة والتجربة.
القنوات: التحول نحو توزيع قائم على الشبكات
وسط هذا الزخم، تحوّل التسويق في آسيا بشكل حاسم بعيدًا عن الرسائل التقليدية أحادية الاتجاه، نحو نماذج توزيع قائمة على الشبكات، ما أتاح صياغة تجربة مختلفة تمامًا لتفاعل العملاء مع الشراء. على هذا الأساس، لم يعد صناع المحتوى وقادة المجتمعات الرقمية مجرد أدوات ترويج، بل أصبحوا مستشارين موثوقين، في حين تسهم التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي—مثل المقدمين الافتراضيين والمساعدين الشخصيين ومحركات التوصية الذكية—في التفاعل مع المستهلكين لحظيًا. وعليه، تحقق هذه القنوات معدلات تحويل مرتفعة لأنها تقدم تجربة تبدو شخصية وذات صلة، حتى عند الوصول إلى ملايين المستخدمين في الوقت ذاته. وبصورة أوسع، تعمل الشركات الرائدة على تصميم بيئات تفاعلية تذوب فيها الحدود بين التسوق والمجتمع والترفيه، ما يعيد تعريف تجربة الشراء بوصفها نشاطًا اجتماعيًا متكاملًا، لا مجرد معاملة تجارية.
نموذج التشغيل: مشاركة القدرات والأصول عبر المؤسسة بأكملها
في هذا السياق، لا تحقق الشركات الآسيوية الرائدة نجاحها عبر مجرد التوسع في عدد الأنشطة، بل من خلال دمج القدرات وتكاملها عبر مختلف وحدات الأعمال. وتُظهر تجارب شركات مثل "بينغ آن" و "رليانس" أن القيمة الحقيقية تنبع من بناء منظومات تشغيلية تستخدم الأصول المشتركة بكفاءة، بحيث يعزز كل نشاط جديد أداء الأنشطة الأخرى. لذا، يستبدل هذا النموذج منطق التحسين المنفصل داخل كل وحدة بمنهج اقتصادي قائم على تكامل رحلة العميل بالكامل، ما يفرض إعادة تصميم العمليات لتكون أكثر سرعة ومرونة وقائمة على التجريب المستمر والتطوير المتواصل.
التكنولوجيا: توظيف الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية عبر كل الأبعاد
أثبتت الشركات الآسيوية التي وظّفت التقدم التكنولوجي لابتكار أساليب جديدة في التفاعل مع العملاء، مستفيدة من الخدمات المبنية أساسًا على الذكاء الاصطناعي لإعادة تعريف تجربة المستخدم، وهو ما مكّنها من خلق قيمة ملموسة عبر مختلف النماذج الرائدة. كما يمكن توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي إما لتسريع العمليات القائمة أو لإعادة تصميم العروض بالكامل، وفي كلتا الحالتين تمثل هذه الأدوات رافعة مهمة يمكن للقادة العالميين الاستفادة منها لتكييف هذه النماذج مع أسواقهم. ومع ذلك، لا يمكن لهذه التقنيات أن تحل محل الثقة المتبادلة بين صناع المحتوى والمجتمعات، وهو ما يفرض على الشركات تحقيق توازن دقيق بين الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والحفاظ على حضور بشري موثوق. وعليه، يبقى الحفاظ على الثقة في صدارة الأولويات، باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه استدامة هذا النموذج وفاعليته على المدى الطويل.
في ضوء ما سبق، تكشف نماذج الأعمال الناشئة من آسيا عن أبعاد جديدة للنمو العالمي، تقوم على الارتباط العاطفي وبناء الثقة والتخصيص والتعليم والاستجابة اللحظية والتكامل مع الذكاء الاصطناعي. ومن هنا، يتضح أن تحقيق نمو استثنائي لم يعد قائمًا على المزايا الهيكلية وحدها، بل يتطلب إعادة تصميم التجارب وإعادة تنظيم سلاسل التوريد ومواءمة الحوافز عبر الشبكات المختلفة، بما يعزز تكامل المنظومة ككل. وعليه، يبرز الذكاء الاصطناعي كعامل تسريع محوري يعزز جميع أبعاد هذه النماذج، من تقليص دورات الإبداع وتعزيز الثقة وتمكين الإنتاج المرن وتخصيص التعليم، إلى تنسيق عمل المنظومات وتحسين الخدمات اللوجستية، وصولًا إلى ابتكار فئات جديدة بالكامل من الخدمات القائمة على الذكاء الاصطناعي.
استكمالًا لهذا الطرح، تقدّم آسيا لمحة استباقية عمّا قد تبدو عليه ملامح التجارة في العقد المقبل، حيث تتشكل نماذج جديدة تعيد تعريف قواعد المنافسة. ولذلك، لم يعد السؤال الاستراتيجي المطروح أمام القادة العالميين يدور حول ما إذا كانت هذه النماذج ستنتشر، بل حول مدى سرعة قدرتهم على تبنّيها وتكييفها، بما يتيح إطلاق موجة جديدة من النمو غير المتكافئ والمستدام.