روبرت لايتهايزر: ملامح المرحلة المقبلة في التجارة العالمية

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

وفي امتدادٍ لهذا الجدل المتصاعد، يذهب روبرت لايتهايزر، المحامي الذي شغل منصب الممثل التجاري للولايات المتحدة خلال الإدارة الأولى للرئيس دونالد ترامب، إلى أن منظومة التجارة الدولية التي تشكّلت عقب الحرب العالمية الثانية لم تعد تعمل كما أُريد لها. فبدلًا من تحقيق التوازن بين الدول، أفرزت واقعًا تتراكم فيه فوائض تجارية دائمة لدى بعض الاقتصادات، في مقابل عجز مزمن لدى أخرى، وهو مسار يناقض الأسس التي انطلق منها واضعو هذا النظام. وانطلاقًا من هذه القراءة النقدية، يقدّم لايتهايزر، في حوار مع شريك ماكنزي زياد حيدر، رؤيته لإصلاحات محتملة في قواعد التجارة العالمية، متوقفًا عند التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، والمخاطر التي تتهدد القاعدة الصناعية الغربية، إلى جانب طرحه مقاربات عملية تمكّن الشركات من تعزيز صلابة سلاسل التوريد ورفع قدرتها على الصمود في بيئة دولية متقلّبة.

هدنة بين الصين والولايات المتحدة

زياد حيدر: لنبدأ من العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، بوصفها إحدى أكثر الملفات تأثيرًا في المشهد التجاري العالمي. فقد شهدت الفترة الأخيرة لقاءً مهمًا جمع الرئيسين "دونالد ترامب" و "شي جين بينغ" على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ "أبيك". هذا اللقاء أعاد إلى الواجهة ما وصفه البعض بـ"هدنة مؤقتة غير مستقرة" في نزاع تجاري طال أمده بين الجانبين. كيف تقيّمون الاتفاق الذي خرج به هذا الاجتماع؟ وما المؤشرات الأساسية التي ينبغي لقادة الأعمال متابعتها في المرحلة التي تلت ذلك اللقاء؟

روبرت لايتهايزر: من وجهة نظري، يسعى كلٌّ من الصين والولايات المتحدة إلى الهدف ذاته، وإن اختلفت المسارات. فالصين تنظر إلى نفسها بوصفها القوة الأولى عالميًا، وتعدّ ذلك موقعًا طبيعيًا تستحقه، فيما ترى الولايات المتحدة الأمر ذاته بالنسبة إلى دورها، ليس فقط على صعيدها الوطني، بل في إطار المنظومة الغربية ككل. ومن هنا، تتخذ العلاقة بين البلدين طابعًا تصادميًا لا يخلو من التنافس الحاد. وفي هذا السياق، أعتقد أننا دخلنا بالفعل مرحلة ما يمكن وصفه بـ"حرب باردة ثانية"، تتجاوز الخلافات التجارية لتطال موازين النفوذ والنظام الدولي برمّته. غير أن التحدي الأهم، في تقديري، لا يكمن في منع هذا التنافس، بل في احتوائه، والإبقاء عليه ضمن حدود الحرب الباردة، من دون الانزلاق إلى مسارات أكثر خطورة.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

وفي هذا السياق، لا يبدو أن أي اتفاق قادر على تجاوز الخلافات الجوهرية بين الطرفين. فالمسألة لا تتعلّق بملفات تفاوضية يمكن حسمها، بل باختلاف عميق بين نموذجين متباينين في رؤيتهما للعالم. أحدهما يقوم على نظام شمولي ذي مرجعية ماركسية–لينينية يسعى إلى توسيع نفوذه على المستوى الدولي، فيما يستند الآخر إلى منظومة غربية تقوم على الديمقراطية الليبرالية واقتصاد منفتح إلى حدّ كبير. وبناءً على ذلك، تبقى أقصى نتائج التفاهمات الممكنة محصورة في تهدئة مؤقتة للتوتر، من دون أن تغيّر طبيعة الصراع القائم. وهو ما يجعل ما جرى مؤخرًا أقرب إلى "هدنة" خفّفت حدّة الاحتقان، أكثر من كونه اتفاقًا يعالج جذور الخلاف بين الجانبين.

وفي ظل هذا الواقع القائم على تنافس طويل الأمد لا تُحسم فيه الخلافات باتفاقات سريعة، انتقل الصراع إلى ميدان أكثر عملية يتمثل في سلاسل التوريد. هنا، وجدت الإدارة الأميركية نفسها أمام حجم غير متوقّع من نقاط السيطرة التي بنتها الصين تدريجيًا على مدى سنوات داخل قطاعات حسّاسة. وتجلّى ذلك بوضوح عندما فرضت بكين نظامًا جديدًا يشترط موافقتها على تصدير المنتجات التي تحتوي على معادن أرضية نادرة صينية بين دول أخرى، وهي خطوة عُدّت تجاوزًا في استخدام النفوذ. ونتيجة لذلك، باتت الدول الغربية مطالبة اليوم بالعمل على تقليص هذه الاعتماديات وإزالة أكبر قدر ممكن من نقاط الضغط داخل سلاسل الإمداد. وفي المقابل، لا تتحرك الصين بمعزل عن هذا الاتجاه؛ فمنذ عام 2006 على الأقل، تسعى الحكومة الصينية بشكل منهجي إلى خفض اعتمادها على التكنولوجيا الغربية، وبناء بدائل محلية تعزّز استقلالها الاقتصادي.

إشارات حمراء وصفراء وخضراء في التعامل مع الصين

زياد حيدر: سبق أن تحدّثتم عن مفهوم "الفصل الاستراتيجي" بين الولايات المتحدة والصين. وإذا استخدمنا تشبيه إشارات المرور، فأين ترون الإشارات الحمراء بالنسبة إلى الشركات التي لا تزال تعمل في الصين، أي المجالات التي لم يعد الانخراط فيها ممكنًا؟ وما هي المساحات التي تندرج ضمن "الإشارة الصفراء"، حيث يمكن التقدّم بحذر؟ وبما أنكم لا تدعون إلى فصلٍ كامل بين الطرفين، هل ما زالت هناك مجالات يمكن تصنيفها ضمن "الإشارة الخضراء"؟

روبرت لايتهايزر: ينبغي أن يكون لدينا تجارة، ولكن يجب أن تكون متوازنة. فلا ينبغي لنا نقل الثروات إلى الصين. وأعتقد أيضاً أن الأمر لا يقتصر على التجارة وحدها، بل يشمل الاستثمارات أيضًا، إذ يتعين على الحكومة الأميركية تنظيمها وتوجيهها بما يخدم مصالح الولايات المتحدة والغرب، بدل تركها تتحرك من دون اعتبارات استراتيجية.

وبالنسبة إلى "الإشارات الحمراء"، أرى أنها تشمل كل ما يتعلق بالأمن القومي. وأضيف إليها التكنولوجيا، لأن نسبة كبيرة جدًا منها تُستخدم لأغراض مدنية وعسكرية في الوقت نفسه، أو قد تصبح كذلك لاحقًا، ولهذا لا يمكن دائمًا التنبؤ أيّ التطورات التقنية ستكون لها استخدامات عسكرية مستقبلًا. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، حين لم يُنظر إلى تقنية الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى على أنها تقنية تستحق الحماية، بينما نعرف اليوم أنها عنصر أساسي في إنتاج الرقائق الإلكترونية المتقدمة. وبالمنطق نفسه، أضع البيانات ضمن الفئة نفسها، لما لها من دور حاسم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتطويرها.

وعند الانتقال إلى ما يمكن تصنيفه ضمن "الإشارات الصفراء"، أرى أن التصنيع عالي المستوى يندرج في هذه المنطقة الوسطى التي تتطلب حذرًا مضاعفًا. فهذه القطاعات لا يمكن التعامل معها بالمنع المطلق، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بانخراط غير محسوب. أما "الإشارات الخضراء"، فأضع ضمنها مجالات مثل الزراعة والصناعات منخفضة التقنية، حيث تبدو المخاطر أقل بطبيعتها. فالصين، في نهاية المطاف، تحتاج إلى المواد الخام والمنتجات الزراعية، كما أن السماح لها بتزويد الغرب بمواد منخفضة التقنية يمكن أن يكون خيارًا منطقيًا من الناحية الاقتصادية. غير أن هذا الانفتاح، مهما بدا عمليًا، لا ينبغي أن يتم بمعزل عن قراءة أوسع تأخذ في الاعتبار تداعياته على الأمن القومي، إلى جانب آثاره الاقتصادية بعيدة المدى.

ويمكن تلمّس هذا المنطق بوضوح في المثال الذي يطرحه حول صناعة السيارات الأوروبية، التي باتت اليوم تحت ضغط متزايد من الصين. فشركات السيارات الصينية بدأت تفرض حضورها بقوة داخل السوق الأوروبية، في تطور لم يكن يُنظر إليه قبل سنوات قليلة على أنه احتمال واقعي. فهي صناعة لا تُعدّ عالية التقنية، لكنها من القطاعات التي يعتمد عليها الاقتصاد الأوروبي اعتمادًا مباشرًا. ومن هنا، فإن فقدان هذه الصناعة، سواء في أوروبا أو حتى في الولايات المتحدة، لا يُعد خسارة قطاع بعينه، بل ضربة قاسية للاقتصاد ككل. والأكثر دلالة أن كثيرًا من خبراء الصناعة كانوا، حتى قبل نحو خمس سنوات فقط، يستبعدون تراجع واردات السيارات الأوروبية لصالح الشركات الصينية، غير أن الواقع اليوم يُظهر أن هذه شركات السيارات الصينية باتت تفرض هيمنتها أولًا داخل السوق الصينية نفسها، بعدما كانت الشركات الأجنبية تهيمن عليها، قبل أن تبدأ بالتمدّد إلى الأسواق الأوروبية لمنافستها. وفي ظل هذا التحول، لا يعود الحديث مقتصرًا على حماية الأمن الاقتصادي فحسب، بل يتداخل معه بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في اعتبارات الأمن القومي وما يترتب عليها من تبعات طويلة المدى.

إصلاح نظام التجارة العالمي

زياد حيدر: أنطلق في هذا السؤال من واقع عملي في سنغافورة، الواقعة في قلب منطقة لعبت تاريخيًا دور حلقة الوصل بين الولايات المتحدة والصين. ومن هنا تبرز مسألة إقليمية أساسية تتعلق بتوقعات إدارة الرئيس "ترامب" بشأن تقليص الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية. فعلى سبيل المثال، تضمّن الاتفاق التجاري الذي جرى التوصل إليه أثناء زيارة الرئيس الأميركي إلى ماليزيا بنودًا تتصل بالأمن الاقتصادي في ما يخص الصين. فكيف تنظرون إلى هذه الجهود، وما مدى واقعيتها في سياق إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي؟

روبرت لايتهايزر: أنظر إلى هذه الجهود من زاويتين أساسيتين. الأولى تتعلق بسلاسل التوريد نفسها، وكيفية تقليل الاعتماد المفرط عليها في مسار واحد. أما الزاوية الثانية، فمرتبطة بما يُعرف بإعادة توجيه السلع، أي تمرير البضائع عبر دول ثالثة بهدف الالتفاف على الرسوم الجمركية المرتفعة.

فعند النظر إلى دول مثل فيتنام وتايلاند، وإلى حدٍّ ما المكسيك، يتضح أن بعض الواردات الصينية تدخل إلى الولايات المتحدة عبر هذه الدول بعيدًا عن الأنظار، في محاولة لتجنّب الرسوم الجمركية المرتفعة. ولهذا، تضمّن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في ماليزيا بندًا واضحًا يقضي بفرض رسوم مرتفعة على أي محتوى صيني يُعاد توجيهه بهذه الطريقة، وهو بند يتوقّع أن يتحوّل إلى قاعدة عامة في المرحلة المقبلة. وفي المقابل، يقرّ بأن تحديد المنشأ الحقيقي للسلع بدقة يتطلب تطوير أدوات وتقنيات أكثر تقدمًا مستقبلًا، غير أن الحاجة إلى وضع حدّ لإعادة توجيه السلع تبقى، في نظره، أمرًا لا لبس فيه. وتزداد أهمية هذا التوجّه في هذا التوقيت تحديدًا، إذ إنه في الوقت الذي تتراجع فيه الصادرات الصينية المباشرة إلى الولايات المتحدة، تشهد صادراتها إلى الدول التي تُصدّر بدورها إلى السوق الأميركية ارتفاعًا ملحوظًا، ما يعكس تحوّلًا في المسار لا في الجوهر.

أما سلاسل التوريد فالوضع معها مختلف. ما هو أساسي وحسّاس يجب أن يكون داخل الدولة أو لدى حلفاء مقرّبين. هذا الاتجاه، في رأيي، سيزداد وضوحًا في الفترة المقبلة. أما الإمدادات الأقل أهمية، وغالبًا تكون بسيطة ومنخفضة التقنية، فيمكن الحصول عليها من أكثر من مكان، إذ يمكن الحصول عليها من عدة دول، كما يمكن تغيير مصدرها بسرعة إذا ظهرت مشكلة، ولذلك لا تمثّل الخطر نفسه، وهو ما يجعلها أقل إشكالية مقارنة بالسلاسل الحيوية.

زياد حيدر: في شهر أغسطس، وقّعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اتفاقًا يقوم على تجارة متبادلة وعادلة ومتوازنة. ومع ذلك، ما تزال هناك تحديات قائمة تتعلق بالرسوم الجمركية، والحواجز غير الجمركية، والخدمات الرقمية. فكيف تقيّمون اليوم وضع العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؟

روبرت لايتهايزر: من وجهة النظر الأميركية، أصبح نظام التجارة العالمي مختلًا بشكل واضح. فهناك دول تحقق فوائض تجارية ضخمة، في حين تعاني دول أخرى، من بينها الولايات المتحدة، من عجز تجاري كبير. بعض الدول تسجّل فوائض بشكل دائم، وأخرى تعاني عجزًا دائمًا، وهذا لم يكن الهدف الذي أُنشئ النظام التجاري من أجله. وفي حديثي عن أوروبا، أعتقد أن رئيسة المفوضية الأوروبية "أورسولا فون دير لاين" تعاملت مع هذا الواقع بذكاء. فبدل الرد بإجراءات انتقامية، اعترفت بوجود هذه الاختلالات. وبالنسبة لي، ستبقى هناك دائمًا ملفات عالقة، لكن جزءًا منها يمكن معالجته ضمن الإطار المتفق عليه.

والمشكلة بالنسبة لنا في الولايات المتحدة لا تتعلق باتفاق أو خلاف عابر، بل بمسار مستمر يتمثل في اتساع العجز التجاري مع أوروبا عامًا بعد عام. فمنذ عقود لم نحقق فائضًا تجاريًا معها، بل على العكس، استمر العجز في التراكم. وفي عام 2024 وحده، وصل عجزنا في تجارة السلع مع الاتحاد الأوروبي إلى نحو 235 مليار دولار. وعند التعمق في هذه الأرقام، يتضح أن هذا العجز لا يأتي من أوروبا ككل، بل يتركز بشكل شبه كامل في ثلاث دول هي ألمانيا وإيرلندا وإيطاليا. وهنا تتضح الصورة أكثر، لأن أسباب الاختلال تختلف من دولة إلى أخرى. ففي حالة ألمانيا، يرتبط الأمر بعوامل تتعلق بالعملة، بينما يعود في حالة إيرلندا إلى طبيعة نظامها الضريبي. أما إيطاليا، فتبقى حالة أقل وضوحًا، إذ يصعب تحديد السبب الرئيسي وراء حجم العجز معها بدقة.

زياد حيدر: في ظل الحديث عن اختلالات التجارة وإعادة ترتيب سلاسل التوريد، بدأت ممرات تجارية جديدة بالظهور. ما تقييمك لهذه الممرات؟ وهل هناك مسارات معيّنة تتابعها باهتمام خاص؟

روبرت لايتهايزر: أولًا، أعتقد أن الشركات لن تغيّر طريقة عملها فجأة، بل ستحاول التأقلم ضمن الطرق التجارية التي تستخدمها أصلًا. وبالنسبة للولايات المتحدة، يعني ذلك التركيز على الدول القريبة منها جغرافيًا. صحيح أن المكسيك تُذكر أحيانًا لأن بعض السلع تصل إلى الولايات المتحدة عبرها بدل أن تأتي مباشرة من بلدها الأصلي، لكن الحكومة المكسيكية واعية لهذه المسألة. أما المشكلة الحقيقية، فهي في التجارة التي تؤدي إلى خلل كبير في الميزان التجاري. وهذا ينطبق خصوصًا على التجارة مع الصين، وكذلك مع بعض دول آسيا الأخرى، حيث تتكرر الفوائض الكبيرة من جهة، والعجوزات الكبيرة من جهة أخرى، وهو وضع يصعب استمراره على المدى الطويل.

والمشكلة التي أراها في منظمة التجارة العالمية هي أنها لا تتعامل، وربما لا تستطيع أن تتعامل، مع ما يُعرف بالحواجز غير الجمركية. والمقصود هنا أمور مثل قوانين العمل، وسياسات العملة، والأنظمة المصرفية، والقوانين البيئية، أو حتى غياب هذه القوانين. هذه ليست تفاصيل فنية بسيطة، بل تعكس الطريقة التي تنظّم بها كل دولة مجتمعها واقتصادها. وبسبب هذا الاختلاف في طريقة التنظيم، نجد أن دولًا مثل الصين، ودولًا أخرى أيضًا، مُهيّأة بطبيعتها لتحقيق فوائض تجارية دائمة. هذا ليس أمرًا طارئًا، بل نتيجة مباشرة لنموذجها الاقتصادي. وفي جولات سابقة من مفاوضات منظمة التجارة العالمية، مثل جولات طوكيو وأوروغواي، حاولنا الانتقال من مناقشة الرسوم الجمركية إلى معالجة هذه الحواجز غير الجمركية. لكنني أعتقد اليوم أن هذا كان خطأ. فهذه الحواجز لا يمكن التفاوض عليها كما لو كانت رسومًا جمركية، لأن الدول تستطيع ببساطة أن تبتكر حواجز جديدة فور حل الحواجز القديمة، ما يجعل المشكلة مستمرة ولا تُحسم فعليًا.

وانطلاقًا من هذه التجربة، أعتقد أننا لا نستطيع الاستمرار بنظام يعالج الخلل حالةً بحالة أو دولةً بدولة. ما نحتاجه هو نظام يقوم على تحقيق توازن على مستوى التجارة العالمية ككل، لا على توازن ثنائي بين دولتين، لأن هذا النهج ببساطة لا ينجح ولا يعالج جذور المشكلة. ومن وجهة نظري، هذا هو الاتجاه الأقرب الذي ستسير فيه التجارة العالمية مستقبلًا، بدل الاكتفاء بمعالجة قضايا صغيرة تترك الخلل الأساسي على حاله.

أبرز ملفات التجارة العالمية في 2026

زياد حيدر: في الفترة المقبلة، هناك قرار منتظر من المحكمة العليا الأميركية حول صلاحيات الرئيس في فرض الرسوم الجمركية، كما ستخضع اتفاقية "الولايات المتحدة–المكسيك–كندا" للمراجعة والتعديل. إلى جانب ذلك، ما القضايا الأخرى في ملف التجارة التي ترى أنه يجب متابعتها خلال العام القادم؟

روبرت لايتهايزر: هذان الملفان مهمّان بالفعل، لكنهما ليسا الوحيدين. هناك أيضًا ما تقوم به الولايات المتحدة حاليًا لإعادة بناء قاعدتها الصناعية، وزيادة الإيرادات، وتصحيح الخلل في الميزان التجاري. وأعتقد أننا سنشهد خطوات مشابهة في أوروبا، لأن القارة ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع عجز تجاري كبير، تمامًا كما هو الحال بالنسبة لنا في الولايات المتحدة.

وفي سياق هذه الجهود الرامية إلى إعادة التصنيع وتصحيح الميزان التجاري، يصبح من الضروري متابعة ما إذا كانت الاتفاقيات التجارية التي تفاوضت عليها الولايات المتحدة مؤخرًا تؤدي الغرض المطلوب. وأول ما أراقبه هنا هو ما إذا كانت هذه الاتفاقيات تسهم فعليًا في تحقيق قدر من التوازن. فإذا اتضح أنها تخلق اختلالات جديدة بدل معالجتها، فسيكون لا بد من إدخال تعديلات عليها. وأعتقد أن هذا الملف سيبقى في حالة حركة مستمرة خلال المرحلة المقبلة. وبالانتقال إلى جانب الاستثمار في هذه الاتفاقيات، أتوقع ألا يصل حجم الاستثمار الفعلي إلى المستوى الذي توحي به الأرقام المعلنة، لكنه سيظل مع ذلك ملموسًا وله أثر واضح.

وإلى جانب ذلك، هناك ملف آخر أراه جديرًا بالمتابعة، وهو علاقة أوروبا مع الصين. هذه العلاقة وصلت، في تقديري، إلى نقطة تحوّل واضحة. فبعد أن كانت تصبّ بشكل كبير في مصلحة أوروبا، بدأت تتجه نحو مسار أقل فائدة لها، بل وربما مُضرّ. ولا أعتقد أن أوروبا قادرة على تحمّل هذا الوضع لفترة طويلة دون أن تعيد النظر في شكل هذه العلاقة.

ومن المهم أيضًا التذكير بأن معظم هذه الاختلالات لا تعود إلى عوامل اقتصادية طبيعية، بل إلى سياسات صناعية اتبعتها بعض الدول. وهذا فارق جوهري. فلو كانت المشكلة ناتجة عن الاقتصاد وحده، لكان التعامل معها مختلفًا. لكن عندما تكون السياسات الصناعية هي السبب، يصبح من الضروري اللجوء إلى إجراءات حكومية تعادل الميزة غير العادلة التي خلقتها دول أخرى لصالحها.

زياد حيدر: أنت اليوم تقدّم المشورة لمجالس الإدارة وفرق الإدارة التنفيذية. ما الخطوات التي تنصح باتخاذها من دون تردّد، والتي لا تحمل مخاطر ندم، لمساعدتهم على التعامل مع التقلبات الجيو-اقتصادية الحالية؟

روبرت لايتهايزر: سأجيب بالطريقة التي كان سيجيب بها الرئيس ترامب. إذا كنت تريد تجنّب تأثير القيود والأنظمة التجارية على عملك، فعليك أن تُنتج أقرب ما يكون إلى المستهلك الذي تبيع له. الفكرة بسيطة. ولهذا، أتوقع أن نرى مزيدًا من التصنيع قريبًا من أسواق الاستهلاك، مع سلاسل توريد أقصر وأقل تعقيدًا. وإلى جانب ذلك، أعتقد أن الشركات ستتجه إلى تنويع مواقع التصنيع. فبدل الاعتماد على موقع واحد لتصنيع المنتجات للعالم كله، ستوزّع إنتاجها على أكثر من مكان، بما يقلّل المخاطر ويمنحها مرونة أكبر في مواجهة التغيّرات.

زياد حيدر: أصبح فهم قضايا التجارة جزءًا أساسيًا من عمل معظم قادة الأعمال اليوم. ومع تسارع التطورات في هذا المجال، كيف تحاول مواكبة ما يجري؟ ما الذي تقرؤه أو تستمع إليه لتكوين صورة واضحة عمّا يحدث؟

روبرت لايتهايزر: لمتابعة تطورات التجارة، أحرص أولًا على قراءة الصحف الاقتصادية الكبرى التي تشرح ما يجري في العالم بلغة واضحة، مثل الصحف المتخصصة في الشأن الاقتصادي الدولي. كما أتابع نشرات متخصصة تركز على السياسة التجارية الأميركية، لأنها تضع التفاصيل في سياقها الصحيح. وعلى المنصات الرقمية، أتابع عددًا من الخبراء الذين يشرحون قضايا التجارة والاقتصاد العالمي بأسلوب مبسّط، خصوصًا من يركزون على العلاقة مع الصين. بعضهم يقدّم تحليلات منتظمة تساعد على فهم ما يحدث خلف العناوين، وليس الاكتفاء بالأخبار السريعة. كما أستفيد من تقارير مراكز بحثية تقدّم قراءات معمّقة للأرقام والاتجاهات. وبصراحة، لا يوجد حتى الآن مصدر واحد يجمع كل هذه الجوانب في مكان واحد. لذلك، لا يزال فهم التجارة العالمية يتطلب متابعة أكثر من جهة، والربط بينها للحصول على صورة متكاملة.

Explore a career with us