ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
على مدى سنوات، تعامل قادة الأعمال ومجالس الإدارات مع الحوسبة الكمية بوصفها تهديدًا محتملًا للأمن الرقمي، ولم يكن هذا القلق بعيدًا عن الواقع. فهذه الأنظمة تمتلك، من الناحية النظرية، قدرات حسابية فائقة قد تتيح لها اختراق أكثر أنظمة التشفير تطورًا المستخدمة حاليًا لحماية البيانات والمعاملات الحساسة. وتُعرف هذه المرحلة بما يُسمى "اليوم العالمي للكم"، وهي اللحظة التي تصبح فيها الحواسيب الكمية قادرة على تحليل أعداد رياضية بالغة التعقيد بسرعة تفوق بكثير إمكانات الحواسيب التقليدية. وعند هذه النقطة، قد تتعرض الأسس الرياضية التي تقوم عليها أنظمة التشفير بالمفاتيح العامة إلى اهتزاز جوهري، رغم أنها تعتبر اليوم الركيزة الأساسية لأمن الاتصالات والخدمات الرقمية في مختلف أنحاء العالم.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
ورغم أن "اليوم العالمي للكم" لا يزال يشغل مساحة واسعة في حسابات قادة الأعمال، فإن النظرة إلى هذا المجال بدأت تتغير تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة. فبدل الاكتفاء بالتعامل معها باعتبارها مصدر تهديد محتمل، باتت شركات عديدة تنظر إليها بوصفها فرصة استراتيجية قد تعيد تشكيل قواعد المنافسة في قطاعات متنوعة. وفي ضوء هذا التحول، بدأت مؤسسات كثيرة تدفع فرقها إلى اختبار تطبيقات الحوسبة الكمية منذ وقت مبكر، بهدف بناء الخبرة العملية والاستعداد لمرحلة الاستخدام الأوسع قبل أن تصبح التقنية واقعًا تجاريًا متاحًا على نطاق واسع. ويستند هذا التوجه إلى توقعات متزايدة تشير إلى أن الحواسيب الكمية قد تدخل مرحلة الاستخدام التجاري الواسع خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو ما يدفع الشركات إلى التحرك مبكرًا حتى لا تجد نفسها خارج مسار التحول القادم.
وتشير التقديرات إلى أن هذا التحول قد يفتح آفاقًا اقتصادية تُقدّر بمليارات الدولارات خلال العقد المقبل، حتى عند احتساب القطاعات الأكثر قابلية للاستفادة منها فقط، كما يوضح الشكل 1. وعلى صعيد متصل، يشهد القطاع زخمًا متناميًا على المستوى التقني، إذ تعمل الشركات المطورة للحوسبة الكمية على تسريع خططها الهندسية وتحقيق تقدم متواصل في تصميم الخوارزميات، وهي النماذج البرمجية التي تُمكّن الحواسيب من تحليل البيانات وتنفيذ المهام المعقدة بكفاءة أعلى. وتعزز هذه المؤشرات الاعتقاد بأن التطبيقات القابلة للانتشار التجاري واسع النطاق قد تصبح واقعًا خلال سنوات قليلة، بعدما كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره مسارًا قد يستغرق عقودًا.
وعلى خلاف الحواسيب التقليدية التي تعالج المعلومات بصورة خطية ومتتابعة، تعتمد الحواسيب الكمية على مبادئ ميكانيكا الكم لاستكشاف نطاق واسع من الاحتمالات في آنٍ واحد، بدلًا من اختبار كل احتمال على حدة. وبذلك، فهي لا تسير وفق المسار الحسابي التقليدي المعروف، بل تعتمد آلية معالجة تتيح التعامل مع حلول متعددة بالتوازي، وهو ما يمنحها تفوق استثنائي عند التعامل مع المسائل المعقدة. ورغم التعقيد العلمي الذي تقوم عليه هذه القدرات، فإن الفارق الجوهري بينها وبين الحوسبة التقليدية يبدأ من وحدة بناء المعلومات ذاتها. فالحوسبة الكلاسيكية تعتمد على ما يُعرف بــ"البتات الرقمية"، وهي وحدات لا تحتمل سوى حالتين: الصفر أو الواحد. أما الحواسيب الكمية فتعتمد على "الكيوبتات" أو "البتات الكمية"، وهي وحدات تستطيع تمثيل الصفر والواحد بصورة متزامنة، إلى جانب حالات وسيطة بينهما. ويتيح هذا الأسلوب غير التقليدي في المعالجة الحواسيب الكمية قدرات حسابية فائقة على حل مشكلات معقدة بسرعة تتجاوز بكثير إمكانات أقوى الحواسيب فائقة الأداء المتاحة اليوم، خصوصًا في المسائل التي تتطلب تحليل كم هائل من الاحتمالات والسيناريوهات في وقت واحد.
وتكمن إحدى أبرز نقاط قوة الحوسبة الكمية في قدرتها على التعامل مع مشكلات تتجاوز حدود الحوسبة التقليدية، خصوصًا في مجالات المحاكاة المتقدمة والنمذجة الاحتمالية المعقدة. فهذه العمليات تتطلب قدرات حسابية هائلة يصعب على الأنظمة التقليدية تنفيذها بالكفاءة والسرعة اللازمتين. ومن هذا المنطلق، بدأت الحوسبة الكمية تستقطب اهتمامًا متزايدًا في قطاعات حيوية تشمل اكتشاف الأدوية ومحاكاة المواد الجديدة وتحسين سلاسل الإمداد، فضلًا عن النمذجة المالية وتحليل السيناريوهات المعقدة. وتشهد هذه المجالات بالفعل توسعًا تدريجيًا في اختبار التطبيقات الكمية والاستفادة من إمكاناتها المتنامية. وعلى نحو متزامن، تؤكد بعض المؤسسات أن الحوسبة الكمية نجحت فعليًا في التفوق على الحوسبة التقليدية بفارق كبير في مهام محددة، وهي المرحلة التي يُشار إليها بمصطلح "التفوق الكمي". ويعبر هذا المفهوم عن امكانات الحاسوب الكمي على تنفيذ عمليات يصعب على الحواسيب التقليدية إنجازها عمليًا خلال فترة زمنية عملية. كما ترى بعض الشركات أن التقنية بلغت مستوى من النضج يسمح بتحقيق تحسينات تشغيلية متراكمة وقيمة عملية ملموسة، رغم أن التطبيقات التجارية لا تزال حتى الآن في مراحلها المبكرة.
ورغم الاهتمام المتزايد بالحوسبة الكمية، فإنها لم تتحول بعد إلى تقنية واسعة الانتشار، نتيجة وجود تحديين رئيسيين لا يزالان يحدان من توسعها العملي. ويجسد التحدي الأول في أن "الكيوبتات"، وهي الوحدات الأساسية في الحوسبة الكمية، شديدة الحساسية وسريعة التأثر بالعوامل المحيطة، ما يجعلها عرضة للأخطاء وفقدان الاستقرار أثناء العمليات الحسابية. أما التحدي الثاني، فيرتبط بالتكلفة المرتفعة لتطوير وتشغيل البنية التحتية اللازمة لهذه الحواسيب، والتي تتطلب تجهيزات وتقنيات بالغة التعقيد. وفي ظل هذه التحديات، تبدو الحوسبة الكمية اليوم أكثر ملاءمة لعدد محدود من الاستخدامات مرتفعة العائد داخل الشركات، بدلًا من أن تمثل بديلًا شاملًا للحوسبة التقليدية. ولهذا، تتجه المؤسسات حاليًا إلى توظيفها في المهام التي يمكن أن تحقق فيها أثرًا واضحًا وعائدًا عمليًا ملموسًا. ومع اتساع هذا التوجه، تشهد البرمجيات المرتبطة بالحوسبة الكمية تطورًا متسارعًا يسهم تدريجيًا في الحد تدريجيًا من هذه العقبات. فهناك خوارزميات متقدمة يجري تطويرها للحد من الأخطاء وتصحيحها، وهو ما قد يتيح حتى للحواسيب الكمية التي لا تزال في مراحل تقنية غير مكتملة تقديم نتائج ذات قيمة وتأثير كبيرين. والأهم من ذلك أن هذا التقدم في الخوارزميات قد يعيد تشكيل موازين التطور داخل القطاع بأكمله، إذ ربما تصبح كفاءة البرمجيات وقدرتها على تحسين الأداء أكثر أهمية من إمكانات الحواسيب نفسها. وقد يؤدي ذلك إلى تسريع تبني الحوسبة الكمية على نطاق أوسع بوتيرة تتجاوز التوقعات التي كانت تستند سابقًا إلى تطور الأجهزة وحدها.
ولا يُشترط أن يمتلك الرؤساء التنفيذيون فهمًا تفصيليًا لجميع التعقيدات التقنية المرتبطة بالحوسبة الكمية حتى يتمكنوا من الاستفادة منها عمليًا. إلا أن المرحلة المقبلة تفرض عليهم الإحاطة بالصورة الأوسع لهذه الأنظمة وفهم الاتجاهات التي تتحرك نحوها، إلى جانب إدراك التأثير المحتمل الذي قد تتركه في الأداء المالي والقدرة التنافسية لشركاتهم. وفي ظل هذه المعطيات، تبرز أهمية أن يحدد قادة الشركات بصورة واضحة المجالات التي يمكن للحوسبة الكمية أن تضيف فيها قيمة فعلية لأعمالهم، سواء على مستوى العمليات التشغيلية أو تحسين آليات اتخاذ القرار أو تطوير المنتجات والخدمات. كما يصبح التعاون الوثيق مع الفرق التقنية عاملًا حاسمًا لتحويل هذه الإمكانات إلى نتائج عملية قابلة للقياس، مثل خفض النفقات وتعزيز الكفاءة التشغيلية وتعزيز الإنتاجية.
وخلال السنوات العشر المقبلة، من المتوقع أن تمر الحوسبة الكمية بمرحلتين رئيسيتين من التطور. ففي المرحلة الأولى، ستظهر تطبيقات محدودة تعتمد على نموذج هجين يجمع بين الحوسبة الكمية والحوسبة التقليدية، بحيث تعمل التقنيتان ضمن نموذج تكاملي للاستفادة من نقاط القوة لدى كل منهما. أما المرحلة الثانية، فمن المرجح أن تشهد ظهور ما يُعرف بـ"الحواسيب الكمية" المحصنة ضد الأخطاء الحسابية، وهي أنظمة أكثر تطورًا واستقرارًا قد تفتح المجال أمام تطبيقات واسعة النطاق وقابلة للتطبيق، مع قدرة أكبر على تحقيق قيمة اقتصادية وتشغيلية عبر قطاعات متعددة. وفي ضوء ذلك، يستعرض المقال المسار المتوقع لتطور الحوسبة الكمية خلال العقد المقبل، إلى جانب أبرز الخطوات التي يمكن لقادة الأعمال اتخاذها للاستفادة من الفرص التي تتيحها هذه التقنية وتحويلها إلى قيمة عملية ملموسة.
يدرك المتبنون الأوائل للحوسبة الكمية أن تحقيق الفائدة العملية من هذه الأنظمة سيأتي على الأرجح قبل الوصول إلى مرحلة النضج التقني الكامل. ولهذا، تسارع شركات ومؤسسات رائدة في قطاعات الخدمات المالية والاتصالات والسيارات والأدوية والكيماويات وغيرها، إلى إطلاق تجارب ومشروعات تجريبية منذ الآن بهدف استكشاف إمكانات هذه التقنية وبناء خبرات مبكرة في التعامل معها. وعلى النقيض من ذلك، قد تجد الشركات التي تفضل انتظار ظهور حاسوب كمي مثالي وقادر بالكامل على تحمل الأخطاء نفسها متأخرة عن المنافسة عند وصول هذه الأنظمة إلى مرحلة الاستخدام الفعلي. فالمؤسسات الأسرع في التحرك ستكون قد نجحت بالفعل في تطوير خبرات تراكمية وحقوق ملكية فكرية بالاعتماد على الجيل الحالي من الحوسبة الكمية، وغالبًا ضمن نماذج تشغيل هجينة تجمع بين الحوسبة الكمية والحوسبة التقليدية. ومن شأن هذا التقدم المبكر أن يعطي تلك المؤسسات تفوق تنافسي واضح في التعامل مع بعض أعقد التحديات الحاسوبية التي قد تواجه الشركات مستقبلًا، كما يضعها في موقع متقدم يصعب على المنافسين اللحاق به لاحقًا. "اطلع على العمود الجانبي الذي يوضح أربع مشكلات يمكن للحوسبة الكمية أن تغيّر طريقة معالجتها".
مستقبل الحوسبة الكمية خلال العقد المقبل
من المتوقع أن يشهد العقد المقبل موجة متسارعة من التطورات التقنية التي ستنقل الحوسبة الكمية إلى مرحلة جديدة من الكفاءة والقدرات العملية، بما يعزز حضورها التدريجي في قطاعات الأعمال والصناعات المتقدمة. ومع تسارع هذا التحول، لن يقتصر التحدي على متابعة التطور التقني وحده، بل سيمتد إلى القدرة على قراءة اتجاهاته واستيعاب الفرص التي يفتحها أمام الشركات في الوقت المناسب. وفي ظل هذا المشهد المتغير، سيكون قادة الأعمال الذين يمتلكون فهمًا أوضح لمسار الحوسبة الكمية أكثر كفاءة على مواءمة أهداف شركاتهم الاستراتيجية مع التحولات التي تقودها هذه الصناعة الناشئة. وقد يمنحهم ذلك أفضلية مبكرة في اقتناص الفرص وبناء موقع تنافسي متقدم داخل سوق تتغير قواعدها بوتيرة متسارعة.
أفق العامين إلى خمسة أعوام، الأنظمة الهجينة تمهد الطريق لأول مكاسب الحوسبة الكمية
على المدى القريب، تستطيع المؤسسات تحقيق قيمة عملية من الحوسبة الكمية عبر تبني أنظمة هجينة تجمع بين الحوسبة الكمية والحوسبة التقليدية عالية الأداء، إلى جانب تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويُنظر إلى هذا النموذج باعتباره المسار الأكثر واقعية في المرحلة الحالية، لأنه يتيح الاستفادة من نقاط القوة التي تمتلكها كل تقنية ضمن بيئة تشغيل متكاملة وأكثر كفاءة. وتأتي تطبيقات محاكاة الجزيئات والمواد المعقدة في صدارة هذه الاستخدامات، التي بدأت تكتسب زخمًا متصاعدًا في قطاعي الأدوية والكيماويات، إلى جانب تحسين المحافظ الاستثمارية ونمذجة سلاسل الإمداد المعقدة أو أحمال شبكات الطاقة. وفي مثل هذه المجالات، قد تؤدي حتى التحسينات المحدودة إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية كبيرة. وفي معظم هذه التطبيقات، تعمل الحواسيب الكمية بالتكامل مع الحواسيب التقليدية، حيث تتولى الأنظمة التقليدية معالجة العمليات الحسابية الضخمة والمتكررة، بينما تُسند إلى الحواسيب الكمية المهام الأكثر تعقيدًا وتشابكًا. ويوفر هذا التكامل للمؤسسات قدرة أكبر على تسريع المعالجة وتحسين الكفاءة، وهو ما قد يترجم، وفق تقديرات متزايدة، إلى مليارات الدولارات من القيمة المحتملة لدى الشركات الكبرى.1 ومع استمرار هذا التقدم، ورغم تأكيد شركات الحوسبة الكمية قدرتها على التفوق على الحواسيب التقليدية في بعض المهام، فإن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد يتمثل في إثبات التفوق التقني وحده، بل في إثبات أمكانات هذا التفوق على التحول إلى قيمة تجارية حقيقية يمكن قياس أثرها داخل بيئات الأعمال الفعلية.
في غضون خمسة إلى عشرة أعوام: كيف يمكن للحوسبة الكمية أن تنتقل من التجارب إلى إحداث تحول شامل؟
تشير خرائط تطوير المنتجات الحديثة إلى أن موجة جديدة من التقدم التقني قد تفتح الباب أمام الوصول إلى الحوسبة الكمية القادرة على تحمل الأخطاء بحلول عام 2030، وهي المرحلة التي ينظر إليها باعتبارها نقطة تحول مفصلية في مسار هذه التقنية. فمع الاعتماد على أنظمة أكثر تطورًا لتصحيح الأخطاء و"كيوبتات" تتمتع بدرجة أعلى من الاستقرار والموثوقية، قد تتمكن الحوسبة الكمية من تجاوز أحد أكبر العوائق التي حدّت من توسعها العملي خلال السنوات الماضية. ومع تطور الخوارزميات بالتوازي مع هذه القدرات، ستصبح الحواسيب الكمية أكثر قدرة على تشغيل تطبيقات واسعة النطاق تشمل محاكاة الأنظمة البيولوجية المعقدة، ونمذجة المناخ والمواد المتقدمة، فضلًا عن دمجها بصورة أعمق داخل أنظمة التحسين وإدارة المخاطر التي تعتمد عليها المؤسسات في العمليات الحيوية واتخاذ القرارات الحساسة. ومن جهة أخرى، يُتوقع أن يؤدي التكامل المتزايد بين الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في تسريع هذا التحول. فقد بدأت تطبيقات التعلم الآلي الكمي بالفعل في تسريع بعض العمليات الحسابية المعقدة وخطوات التحسين التي تجعل تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية كثيف الاستهلاك للموارد. كما قد تتيح الدوائر الكمية تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أصغر حجمًا وأقل تكلفة، لكنها أكثر كفاءة في الأداء والمعالجة. وتعكس هذه التطورات ملامح تقارب متسارع بين الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، وهو ما قد يشكل نقطة الانطلاق الحقيقية نحو تحقيق القيمة طويلة الأمد التي تسعى الشركات وقادة الأعمال إلى الاستفادة منها خلال السنوات المقبلة.
الأطراف الرئيسية التي سترسم ملامح المرحلة المقبلة للحوسبة الكمية
تشير تحليلاتنا إلى بروز ثلاث مجموعات رئيسية من أصحاب المصلحة يُتوقع أن تتولى الدور المحوري في نقل الحوسبة الكمية من مرحلة الوعود التقنية إلى موقع أكثر رسوخًا داخل الجيل المقبل من تقنيات الحوسبة. وتشمل هذه المجموعات المستخدمين والمستثمرين ومقدمي خدمات التكنولوجيا، حيث يلعب كل طرف منها دورًا مؤثرًا في تسريع وتيرة التطور ودفع التقنية نحو الانتقال من نطاق التجارب المحدودة إلى تطبيقات عملية واسعة التأثير.
الشركات والمؤسسات المستخدمة للحوسبة الكمية
تُظهر أبحاثنا أن مئات المؤسسات حول العالم بدأت بالفعل في اختبار الحوسبة الكمية واستكشاف إمكاناتها العملية، غير أن وتيرة التبني لا تزال متفاوتة بصورة لافتة بين القطاعات المختلفة. ففي حين تتحرك بعض الصناعات بخطى متسارعة نحو الاستثمار في هذه التقنية، تواصل قطاعات أخرى التعامل معها بحذر أكبر وانتظار مزيد من النضج التقني. وانطلاقًا من ذلك، تبرز ما يمكن تسميته بـمفارقة الاستعجال في تبني الحوسبة الكمية. فعلى الرغم من أن قطاعات مثل الأدوية والكيماويات تمتلك بعض أكثر التطبيقات ملاءمة لقدرات الحوسبة الكمية، فإن صناعات أخرى، مثل الدفاع والخدمات المالية والاتصالات، تبدو أكثر سرعة في التحرك وبناء استثمارات مبكرة في هذا المجال كما يوضح "الشكل2". ويعود ذلك إلى أن هذه القطاعات تنظر إلى الحوسبة الكمية من زاوية المخاطر الاستراتيجية، حيث ترى أن تكلفة التأخر عن المنافسين قد تتجاوز مخاطر الاستثمار في تقنية لا تزال قيد التطور. ومع هذا التوجه، قد تقدم الجهود المبكرة التي تُبذل اليوم قادة الأعمال الذين بدأوا حديثًا في استكشاف الحوسبة الكمية فرصة لفهم الإمكانات الواقعية التي قد تصبح متاحة خلال المديين القريب والمتوسط، والاستفادة من الدروس التي تفرزها التجارب الحالية في السوق.
وفي الوقت الراهن، يتركز الاهتمام العملي بالحوسبة الكمية داخل القطاعات التي تواجه مشكلات معقدة ومرتفعة القيمة، وفي مقدمتها قطاع الأدوية. ولهذا، تتجه الشركات العاملة في هذه المجالات إلى بناء شراكات مع شركات الحوسبة الكمية لإطلاق مشروعات تجريبية تستهدف تطبيقات محددة يمكن أن تحقق نتائج عملية ملموسة وتفتح المجال أمام تطوير أدوات بحثية أكثر كفاءة. ويتضح ذلك من خلال تعاون شركة "أمجين" مع شركة "كوانتينيوم" لدراسة آليات ارتباط "الببتيدات"، وهي سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية تؤدي دورًا أساسيًا في تطوير العلاجات الدوائية. كما عملت شركة "بيوجين" مع شركة "ون كيو بت" على تسريع عمليات مقارنة الجزيئات المرتبطة بالأمراض العصبية، مثل الزهايمر وباركنسون، في خطوة تستهدف دعم الأبحاث وتطوير العلاجات بكفاءة وسرعة أكبر.2
كما بدأت المؤسسات المالية تتجه بوتيرة متسارعة نحو الحوسبة الكمية بحثًا عن أدوات أكثر تطورًا لتحسين إدارة المحافظ الاستثمارية ورفع دقة تقييم المخاطر، وهي من أكثر المجالات اعتمادًا على التحليلات المعقدة والمعالجة السريعة للبيانات. وفي الاتجاه نفسه، دخلت مؤسسات مالية بارزة، من بينها "BBVA" و"كريدت أجريكول سي آي بي"، في شراكات مع شركة "مالتيفيرس كومبيوتينغ" لتطوير أساليب أكثر كفاءة في توزيع رأس المال وإدارة السيناريوهات الاستثمارية المعقدة. ويعتمد هذا التوجه على الدمج بين الشبكات الموترية، وهي أدوات رياضية متقدمة تُستخدم للتعامل مع الأنظمة متعددة المتغيرات وعالية التعقيد، وبين قدرات الحوسبة الكمية التي تتيح تحليل كم هائل من الاحتمالات بسرعة ومرونة تتجاوز الأساليب التقليدية.3 وفي خطوة تعكس تنامي اهتمام القطاع المالي بالحوسبة الكمية، تعاون بنك "HSBC" مع شركة "IBM" لتطوير أول منصة تداول خوارزمية مدعومة بالحوسبة الكمية، ضمن تجربة تستهدف استكشاف الدور الذي يمكن أن تؤديه القدرات الكمية في تسريع التحليل وتعزيز كفاءة اتخاذ القرار داخل الأسواق المالية المعقدة.4
وبالتوازي مع هذه التطورات، بدأت شركات الكيماويات في توظيف الحوسبة الكمية لإجراء محاكاة جزيئية عالية الدقة، بما يتيح فهمًا أعمق للتفاعلات الكيميائية المعقدة وتسريع تطوير مواد جديدة ومحفزات أكثر كفاءة. وتُعد هذه التطبيقات من بين أكثر المجالات الواعدة للحوسبة الكمية، نظرًا لاعتمادها على عمليات حسابية شديدة التعقيد يصعب على الحواسيب التقليدية معالجتها بالكفاءة والسرعة المطلوبتين. فعلى سبيل المثال، تعمل شركة "بي بي" بالتعاون مع شركة "أوركا كومبيوتينغ" على تطوير نماذج تعلم آلي هجينة تجمع بين الحوسبة الكمية والتقليدية، بهدف بناء نماذج توليدية للبنى الجزيئية المختلفة. وقد يسهم هذا التوجه في تسريع اكتشاف التركيبات الكيميائية وتحسين خصائص المواد بدرجة أعلى من الدقة والفاعلية.5
وبالنسبة لبعض القطاعات، مثل التصنيع والخدمات العامة والتأمين، قد تبدو الحوسبة الكمية حتى الآن بعيدة نسبيًا عن احتياجاتها التشغيلية المباشرة. غير أن تجاهل هذه التقنية في المرحلة الحالية قد ينطوي على مخاطر مستقبلية لا تقل أهمية عن الفرص التي قد تخلقها لاحقًا. فحتى إن لم تعتمد الشركات على الحوسبة الكمية بصورة مباشرة، فمن المرجح أن تمتد تأثيراتها إليها، خصوصًا في مجال الأمن السيبراني. إذ يتصاعد القلق داخل الأوساط التقنية من اقتراب ما يُعرف باسم اليوم العالمي للكم، وهي اللحظة التي قد تتمكن فيها الحواسيب الكمية من اختراق أنظمة التشفير المستخدمة حاليًا لحماية البيانات والاتصالات الرقمية. وعند الوصول إلى هذه المرحلة، ستصبح الشركات مطالبة بالانتقال السريع نحو نماذج جديدة للتشفير والحماية قادرة على مواجهة القدرات المتقدمة للحوسبة الكمية. ولهذا، لم يعد الاستعداد المبكر يُنظر إليه باعتباره خيارًا تقنيًا مؤجلًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات المقبلة في مشهد الأمن الرقمي.
المستثمرون ودورهم في تسريع الحوسبة الكمية
تُعد الحوسبة الكمية من أكثر القطاعات تطلبًا لرؤوس الأموال، إذ تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات حتى تتمكن من الانتقال من نطاق التطوير المحدود إلى مرحلة الاستخدام واسع النطاق. فبناء هذه الصناعة لا يعتمد على البرمجيات وحدها، بل يستند إلى بنية تحتية بالغة التعقيد تشمل غرفًا فائقة النقاء وتقنيات تصنيع متقدمة وأنظمة برمجية شديدة التخصص. ولهذا، تتوزع الاستثمارات في هذا القطاع بين شركات رأس المال الجريء، وصناديق الاستثمار المباشر، والشركات الكبرى، إلى جانب الحكومات، حيث يؤدي كل طرف دورًا محوريًا في تسريع وتيرة التطور ودفع حدود الابتكار إلى مستويات جديدة. ومع احتدام المنافسة العالمية في هذا المجال، تزداد الحاجة إلى تسريع الاستثمارات العامة والخاصة إذا ما أريد للحوسبة الكمية أن تتحول من تقنية واعدة إلى ركيزة أساسية في المشهد التقني والاقتصادي العالمي خلال السنوات المقبلة.
ولا تتوزع الاستثمارات العالمية في الحوسبة الكمية بصورة متكافئة بين الدول والمناطق المختلفة. ففي الوقت الذي تتصدر فيه أوروبا وبعض دول آسيا مشهد التمويل الحكومي والدعم المؤسسي، تستحوذ الولايات المتحدة، وإلى جانبها بشكل متزايد كل من الصين والمملكة المتحدة، على النصيب الأكبر من الاستثمارات الخاصة الموجهة لتمويل مراحل التوسع المتقدمة للشركات العاملة في هذا القطاع. وتشير تحليلاتنا إلى أن شركات الحوسبة الكمية في الولايات المتحدة استقطبت، حتى عام 2024، نحو 57 في المئة من إجمالي الاستثمارات الخاصة عالميًا في هذا المجال، مقارنة بـعشرة في المئة فقط لشركات الاتحاد الأوروبي. ويكشف هذا التفاوت عن مفارقة لافتة، إذ يحدث رغم ما تمتلكه أوروبا من دعم حكومي قوي وقاعدة واسعة من العلماء والباحثين المتخصصين في علوم الكم. ويعكس ذلك وجود فجوة واضحة بين التفوق العلمي والبحثي من جهة، والقدرة على جذب رؤوس الأموال الخاصة وتحويل الابتكار إلى نشاط تجاري واسع من جهة أخرى.
ويحتاج قادة الأعمال إلى مراقبة اتجاهات الاستثمار في الحوسبة الكمية بصورة مستمرة، حتى يتمكنوا من بناء شراكات أكثر فاعلية وصياغة استراتيجيات توسع تتماشى مع التحولات المتسارعة في هذا القطاع. ففهم خريطة التمويل العالمية لم يعد يقتصر على كونه قضية استثمارية، بل أصبح عاملًا أساسيًا في تحديد مواقع الفرص ومراكز النفوذ داخل منظومة الحوسبة الكمية العالمية. ومن هذا المنطلق، يتطلب بناء استراتيجية فعالة في هذا المجال تبني رؤية تتجاوز حدود السوق المحلية. فعلى سبيل المثال، قد تستفيد الشركات من البيئة الأميركية لتطوير شراكات تجارية وتقنية متقدمة، في حين تمثل مراكز الابتكار الأوروبية نقطة جذب مهمة للكفاءات النادرة والخبرات العلمية المتخصصة في تقنيات الكم.
الشركات المطورة لتقنيات الحوسبة الكمية
تتولى شركات التكنولوجيا تطوير المكونات الأساسية والعتاد والبرمجيات التي ترتكز عليها الحوسبة الكمية، ضمن منظومة تضم طيفًا واسعًا من الجهات الفاعلة، يبدأ من الشركات الناشئة الخارجة من رحم مراكز الأبحاث والجامعات، وصولًا إلى عمالقة التكنولوجيا الذين يقودون سباق الابتكار العالمي في هذا المجال. وتشمل هذه المنظومة شركات خاصة صاعدة حققت تقييمات سوقية ضخمة، مثل "بي اس اي كوانتم"، إلى جانب شركات تقنية كبرى مثل جوجل و "IBM" والتي تضخ استثمارات كبيرة في تطوير الحواسيب الكمية والبنية التحتية المرتبطة بها، في إطار منافسة عالمية متسارعة للتموضع في قلب الجيل المقبل من تقنيات الحوسبة.
ويتركز نشاط مقدمي خدمات في الحوسبة الكمية حاليًا ضمن مسارين رئيسيين. يتمثل الأول في تطوير وبيع الحواسيب الكمية المحلية، التي تُستخدم غالبًا داخل الجهات الحكومية والمؤسسات البحثية الكبرى. أما المسار الثاني، فيقوم على منصات الحوسبة الكمية كخدمة، التي تتيح للعملاء الوصول إلى القدرات الكمية عبر الاشتراكات السحابية أو وفق نموذج الدفع مقابل الاستخدام. وتوفر هذه المنصات الشركات والمؤسسات فرصة الاستفادة من قدرات الحوسبة الكمية دون الحاجة إلى تحمل كلفة البنية التحتية المعقدة أو إدارتها مباشرة. على الجانب الآخر، قد تصل تكلفة الحاسوب الكمي المحلي الواحد إلى ملايين، وربما عشرات الملايين، من الدولارات، ما يجعل استخدامه مقتصرًا حتى الآن على الجهات التي تمتلك قدرات مالية وتقنية متقدمة. ومن أبرز الشركات التي توفر الحواسيب الكمية المحلية "IBM" و "آيون كيو" و "آي كيو إم كوانتم كومبيوترز"و"كوانتينيوم". أما على صعيد الحوسبة الكمية السحابية، فتبرز منصات مثل "أمازون براكيت" و"IBM كوانتم" و"مايكروسوفت أزور كوانتم"، والتي تتيح للمستخدمين الوصول إلى القدرات الكمية عبر السحابة دون الحاجة إلى امتلاك الأجهزة بشكل مباشر. وتعتمد هذه المنصات جزئيًا على إعادة بيع القدرات التشغيلية التي توفرها شركات متخصصة مثل "آيون كيو" و"كوانتينيوم" و"ريغيتي كومبيوتينغ"، والتي تقدم خدماتها كذلك مباشرة لبعض المؤسسات والعملاء.
وإلى جانب منصات الحوسبة الكمية كخدمة، تتجه شركات البرمجيات إلى تطوير تطبيقات متخصصة تستهدف قطاعات محددة، عبر الدمج بين الخبرات الصناعية والخوارزميات الكمية. وتشمل هذه التطبيقات مجالات مثل النمذجة الجزيئية المستخدمة في اكتشاف الأدوية، وتحليل المخاطر في قطاع الخدمات المالية، إلى جانب استخدامات أخرى تتطلب معالجة كميات ضخمة من البيانات المعقدة بكفاءة عالية. ومن المتوقع أن يتحول بعض هذه التطبيقات مستقبلًا إلى نماذج أعمال قائمة على النتائج المحققة، بحيث لا يدفع العملاء مقابل الوصول إلى التقنية ذاتها، بل مقابل القيمة العملية التي تولدها الحوسبة الكمية. وقد يبرز هذا النموذج بصورة أوضح في قطاع الأدوية، حيث اعتادت الشركات بالفعل على الدفع مقابل كل مركب دوائي واعد يجري اكتشافه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وفي هذه الأثناء، يُنتظر أن تتوسع الحلول المتكاملة التي تجمع بين بيع العتاد الكمي، وترخيص البرمجيات، وتقديم الخدمات الاستشارية ضمن منظومة واحدة. ويعتمد هذا النموذج على تعاون وثيق بين مقدمي خدمات تقنيات الحوسبة الكمية والعملاء لتطوير حلول مصممة خصيصًا وفق احتياجات كل مؤسسة وطبيعة التحديات التي تواجهها.
وبدلًا من الرهان على بروز شركة واحدة تفرض هيمنتها على سوق الحوسبة الكمية مستقبلًا، يمكن للمديرين التنفيذيين تبني نهج أكثر مرونة يعتمد على تنويع الشراكات مع مقدمي خدمات التكنولوجيا، بحيث يُختار كل طرف وفق طبيعة الاستخدام أو نوع التحدي المطلوب معالجته. ويتيح هذا التوجه للشركات قدرة أكبر على الاستفادة من نقاط القوة المختلفة بين مقدمي خدمات الحوسبة الكمية، كما يساعد على الحد من مخاطر الاعتماد الكامل على تقنية أو منصة واحدة داخل سوق لا تزال ملامحه تتغير بوتيرة سريعة.
ثلاث ركائز لبناء استراتيجية ناجحة في الحوسبة الكمية
تسعى كثير من الشركات اليوم إلى الاستعداد مبكرًا لمرحلة نضوج الحوسبة الكمية، في ظل ما تحمله هذه التقنية من فرص واعدة لخلق القيمة وتعزيز القدرة التنافسية. وبالنسبة للمؤسسات التي تنظر إلى المستقبل برؤية طويلة الأمد، فإن التحضير لهذه المرحلة لا ينبغي أن ينتظر اكتمال التقنية بصورة كاملة، بل يمكن أن يبدأ من الآن عبر خطوات مدروسة تسهم في بناء الخبرات وتطوير الجاهزية التدريجية للتعامل مع التحولات المقبلة. وتشير أبحاثنا إلى أن بناء استراتيجية فعالة في الحوسبة الكمية يتطلب موازنة دقيقة بين الحذر في اتخاذ القرار والاستعداد لتحمل قدر محسوب من المخاطرة. ويقوم هذا النهج على ثلاث خطوات أساسية تمثل إطارًا عمليًا يساعد الشركات على استكشاف الفرص وبناء فهم أعمق للإمكانات التي قد تتيحها التطورات المقبلة في هذا المجال.
الخطوة الأولى: البداية من فهم التعرض للمخاطر والفرص المحتملة
يتطلب التعامل الذكي مع الحوسبة الكمية تحقيق توازن بين مسارين أساسيين، يتمثل الأول في حماية الأعمال من المخاطر المحتملة، بينما يركز الثاني على الاستعداد للفرص الجديدة التي قد تفتحها هذه التقنية. ولهذا، يحتاج قادة الأعمال إلى بناء رؤية دفاعية واضحة تبدأ بتقييم مدى تعرض البيانات الحساسة والبنية التحتية الحيوية داخل شركاتهم للمخاطر المرتبطة بالحوسبة الكمية، خصوصًا مع اقتراب ما يُعرف باسم "اليوم العالمي للكم"، حين تصبح أنظمة التشفير الحالية قابلة للاختراق بواسطة الحواسيب الكمية. وتبدأ هذه المرحلة بحصر البيانات والمنتجات التي تتطلب مستويات حماية طويلة الأمد، ثم وضع خطة تدريجية لنقلها إلى أنظمة تشفير مقاومة للحوسبة الكمية، إلى جانب تبني نماذج حماية هجينة تجمع بين التشفير التقليدي والحلول المصممة لمواجهة التهديدات الكمية المستقبلية. تزامنًا مع ذلك، ينبغي على الشركات دمج المخاطر المرتبطة بالحوسبة الكمية ضمن استراتيجيات إدارة الموردين والشركاء، عبر تحديث معايير الشراء والتوريد، والتأكد من جاهزية الجهات المتعاونة معها لاعتماد معايير التشفير الجديدة الخاصة بعصر ما بعد الحوسبة الكمية فور إقرارها رسميًا.
إلا أن الصورة لا تبدو بهذه البساطة، إذ يستطيع قادة الأعمال تبني استراتيجية هجومية تستهدف تحويل الفرص التي تتيحها الحوسبة الكمية إلى قيمة عملية ملموسة، وذلك عبر ربط التحديات الفعلية داخل شركاتهم بالحلول الكمية المحتملة. ويمكن أن تبدأ هذه الخطوة بتحديد عدد محدود من الاستخدامات عالية القيمة التي وصلت فيها الحوسبة التقليدية إلى حدود تعيق التطور أو تحد من فرص الابتكار. وتأتي تطبيقات تطوير البحث والتطوير في صدارة المجالات المرشحة للاستفادة من الحوسبة الكمية وتنفيذ عمليات التحسين المعقدة المرتبطة بالجدولة وتخطيط المسارات وتوزيع الأصول، وهي مجالات قد يكون حتى التفوق الكمي المحدود فيها كافيًا لإحداث فارق تنافسي واضح. وبعد تحديد هذه الاستخدامات، تستطيع الشركات التوسع بصورة تدريجية عبر بناء شراكات مع شركات الحوسبة الكمية وإطلاق مشروعات تجريبية والاستثمار في تطوير الكفاءات البشرية القادرة على التعامل مع هذه التقنيات واستيعاب تطبيقاتها العملية. وبناءً على ذلك، يمكن للمؤسسات تقييم ما إذا كانت الحلول البرمجية التي تقدمها شركات مثل "كلاسيك" و"هورايزن كوانتم كومبيوتينغ" و"كيبو كوانتم" و"كيو كنترول" و"سترانجووركس" قادرة على تلبية احتياجاتها، أو ما إذا كانت تفضل تبني مسار أعمق يقوم على تطوير برمجيات الحوسبة الكمية داخليًا وبناء قدراتها التقنية الخاصة.
وإلى جانب المسارين الدفاعي والهجومي، يستطيع قادة الأعمال تقييم مدى جاهزية شركاتهم للحوسبة الكمية من خلال مقارنة تحركاتهم الحالية بما يتبناه المنافسون داخل القطاع، خصوصًا أن كثيرًا من المؤسسات بدأت بالفعل في بناء شراكات مبكرة مع مقدمي خدمات التكنولوجيا المتخصصين في هذا المجال. ويخلق هذا النوع من التقييم للشركات رؤية أوضح لحجم المخاطر التي قد تفرضها الحوسبة الكمية على أعمالها، وفي ظل ذلك يساعدها على تحديد الفرص القادرة على التحول إلى قيمة اقتصادية وتشغيلية ملموسة إذا جرى استثمار التقنية بصورة صحيحة وفي التوقيت المناسب.
الخطوة الثانية: تأمين الخيارات التقنية وبناء الكفاءات
الشركات التي ستنجح في تحقيق أكبر استفادة من الحوسبة الكمية مستقبلًا هي تلك التي بدأت منذ الآن في بناء الأسس التقنية اللازمة لهذا التحول. ولهذا، يستطيع الرؤساء التنفيذيون وفرق التكنولوجيا العمل على تطوير علاقات استراتيجية مع مقدمي خدمات الحوسبة الكمية، سواء في مجال العتاد أو الخدمات السحابية، مع الحفاظ على تنويع الخيارات بين الحلول المحلية والسحابية والهجينة. وفي امتداد لهذا التوجه، يمكن للشركات الشروع تدريجيًا في تهيئة بنيتها التقنية الداخلية لاستيعاب القدرات الكمية مستقبلًا. ويشمل ذلك تحديث مسارات البيانات وإعادة تنظيم بيئات المعالجة بقدر أكبر من المرونة، والتأكد من قدرة أنظمة الحوسبة عالية الأداء ومنصات الذكاء الاصطناعي على التكامل مع بيئات التشغيل الكمية الناشئة. على الرغم من ذلك، لا يعني هذا التوجه الحاجة إلى إجراء تغييرات جذرية وسريعة على البنية التقنية الحالية، خاصة أن سوق الحوسبة الكمية لا يزال في مرحلة مبكرة، كما أن اتجاهاته المستقبلية لم تتضح بصورة كاملة بعد. ولهذا، تبدو المقاربة الأكثر حكمة في بناء أساس تقني مرن وقابل للتوسع، يسمح بدمج القدرات الكمية تدريجيًا مع نضوج التقنية وتبلور مسارها خلال السنوات المقبلة.
وبالتوازي مع بناء البنية التقنية، بدأ عدد من الرؤساء التنفيذيين الذين يتبنون رؤية مستقبلية في التحرك مبكرًا لتأمين الكفاءات التي ستحتاجها شركاتهم لتبني الحوسبة الكمية خلال الأعوام الثلاثة إلى الخمسة المقبلة. فالمنافسة على المواهب المتخصصة في هذا المجال تتسارع بوتيرة لافتة، في وقت لا يزال فيه عدد الخبراء محدودًا عالميًا، ما يجعل التحرك المبكر عنصرًا حاسمًا في بناء القدرات المستقبلية. ومن بين المسارات الأكثر فاعلية، تتجه الشركات إلى استقطاب الكفاءات من المختبرات البحثية والجامعات المتخصصة في علوم الكم. ورغم ذلك، يستطيع الرؤساء التنفيذيون تأسيس فرق داخلية صغيرة تُعرف بفرق الترجمة، تضم عادة ما بين شخصين وخمسة أشخاص، تتولى الربط بين الجوانب التقنية واحتياجات الأعمال داخل المؤسسة. ويفترض أن تعمل هذه الفرق بصورة وثيقة مع وحدات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بحيث تضطلع بتقييم فرص استخدام الحوسبة الكمية والإشراف على المشروعات التجريبية وبناء قناة تواصل فعالة تربط بين فرق الأعمال وخبراء البيانات والمتخصصين في التقنيات الكمية.
الخطوة الثالثة: تنفيذ تجارب مدروسة خلال مرحلة الاستعداد
إتقان أي تقنية جديدة يتطلب قدرًا من التجربة والممارسة، والحوسبة الكمية ليست استثناءً من ذلك. ولهذا، يستطيع قادة الأعمال والتكنولوجيا البدء من الآن في تطوير عدد محدود من المشروعات التجريبية عالية القيمة ضمن مجالات مثل المحاكاة الجزيئية ورفع كفاءة المحافظ الاستثمارية، والخدمات اللوجستية، بالاعتماد على أحدث حلول الحوسبة الكمية أو المنصات الهجينة التي تجمع بين الحوسبة الكمية والتقليدية. ولا تقتصر أهمية هذه التجارب على اختبار القدرات التقنية فحسب، بل تمتد إلى بناء خبرة عملية مبكرة داخل الشركات، بما يساعدها على فهم آليات العمل الكمي وتطوير نماذج استخدام أكثر نضجًا وفاعلية مع مرور الوقت. كما أن تطوير خوارزميات كمية مبكرة باستخدام الحواسيب الصغيرة المتاحة حاليًا قد يمنح الشركات أفضلية استراتيجية مهمة مستقبلًا، إذ يتيح لها امتلاك حقوق الملكية الفكرية الخاصة ببرمجياتها وخوارزمياتها قبل وصول الأجيال الأكثر تطورًا وقوة من الحواسيب الكمية إلى السوق.
وفي خضم هذه التحولات، تستطيع الشركات البدء من الآن في تهيئة بياناتها لعصر الحوسبة الكمية، حيث تتعامل الخوارزميات الكمية مع البيانات بأساليب تختلف عن نماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية. ولهذا، أصبح تنظيم البيانات وتنقيتها وإعادة هيكلة بنيتها الداخلية خطوة أساسية للاستفادة من القدرات الكمية مستقبلًا. ومن هذا المنطلق، قد يمنح الاستثمار المبكر في تعزيز جودة البيانات وتطوير بنيتها المؤسسات أفضلية مهمة مع انتقال الحوسبة الكمية إلى مراحل أكثر نضجًا وتسارعًا خلال السنوات المقبلة. كذلك، يمكن للفرق التقنية دمج الحوسبة الكمية ضمن استراتيجياتها الأوسع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، بما يضمن بناء بنية تقنية أكثر مرونة وجاهزية للتكيف مع التطورات المقبلة والاستفادة منها بصورة متكاملة.
وأيًا كانت طبيعة المشروعات التجريبية التي تختار الشركات إطلاقها، فمن المهم ألا يقتصر تقييمها على العائد المالي المباشر وحده، بل أن يمتد أيضًا إلى قياس حجم المعرفة والخبرة التي جرى بناؤها خلال هذه التجارب، إلى جانب ما تم تطويره من حقوق ملكية فكرية وعلاقات استراتيجية داخل منظومة الحوسبة الكمية. فهذه العناصر مجتمعة قد تكتسب على المدى الطويل قيمة تتجاوز النتائج المالية الأولية نفسها، لأنها تساعد الشركات على ترسيخ موطئ قدم مبكر داخل هذا القطاع سريع التطور، كما تعطيها قدرة أكبر على التعلم والتكيف مع التحولات المقبلة، بما يعزز فرص تحقيق قيمة مستدامة مع نضوج الحوسبة الكمية واتساع نطاق استخدامها.
تنتقل الحوسبة الكمية اليوم تدريجيًا من إطار النظريات العلمية إلى واقع استراتيجي تتضح ملامحه بصورة متزايدة داخل عالم الأعمال والتكنولوجيا. ورغم أن الطريق لا يزال مليئًا بتحديات تقنية معقدة، فإن التقدم المتسارع في تطوير العتاد الكمي، إلى جانب الطفرات المتلاحقة في الخوارزميات البرمجية وتسارع وتيرة الاستثمارات، كلها مؤشرات تعكس اقتراب الحوسبة الكمية من مرحلة الاستخدام الواسع بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا قبل سنوات قليلة. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد ممكنًا لمعظم قادة الأعمال التعامل مع الحوسبة الكمية باعتبارها مجرد فكرة مستقبلية بعيدة أو تقنية تجريبية محدودة التأثير، بل أصبحت واحدة من التقنيات القادرة على إعادة رسم موازين المنافسة والابتكار خلال السنوات المقبلة.
أما القادة الذين يبدأون من الآن في فهم نقاط التقاطع بين الحوسبة الكمية والتحديات الجوهرية داخل شركاتهم، ويعملون مبكرًا على تأمين الكفاءات والتقنيات المناسبة، إلى جانب إطلاق تجارب عملية مدروسة، فسيملكون أفضلية استراتيجية قد يصعب على المنافسين تعويضها لاحقًا. فهؤلاء لن يكونوا أكثر استعدادًا للتعامل مع التحولات الأمنية المرتبطة بعصر ما بعد التشفير التقليدي فحسب، بل سيكونون أيضًا في موقع يسمح لهم باستثمار الفرص التي تتيحها الحوسبة الكمية بقدر أكبر من السرعة والفاعلية والثقة. ومع تسارع تطور هذه التقنية خلال العقد المقبل، قد تنجح الشركات التي تتحرك مبكرًا في الاستحواذ على جزء كبير من القيمة الاقتصادية التي يُتوقع أن تخلقها الحوسبة الكمية عبر مختلف القطاعات والأسواق، بما يعزز قدرتها على بناء موقع تنافسي يصعب اللحاق به مستقبلًا.