من جيلٍ إلى جيل .. كيف تحمي الشركات العائلية إرثها وتعظّم قيمتها؟

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

يُعدّ انتقال القيادة إلى رئيسٍ تنفيذيٍ جديد لحظةً مفصلية في مسار الشركات العائلية؛ إذ يُعيد رسم ملامح القيادة، ويترك بصمةً مباشرة على الأداء والاستقرار على المدى الطويل. وتُجسّد هذه المقالة الفكرة عبر مثالٍ لتكتّلٍ عائليٍ أوروبي بمليارات الدولارات نجح على مدى 150 عامًا، في عبور خمس دوراتٍ متتالية من تعاقب الرؤساء التنفيذيين. ومن واقع هذه التجربة الممتدة، يؤكد الرئيس التنفيذي من الجيل السادس أن اختيار الخلفاء وإعدادهم يظلّ القرار الأكثر حساسيةً في مستقبل الشركة؛ لأن نجاحه يترجم إلى مكاسب كبيرة، بينما قد يقود التعثّر فيه إلى نتائج سلبية بالقدر نفسه.

وعندما تُدار هذه المرحلة على نحوٍ غيرِ سليم، تتسع تبعاتها وتغدو آثارها بعيدة المدى، خاصةً أن الشركات العائلية تُسهم بأكثر من 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتوظّف ما يقرب من 60 في المائة من القوى العاملة عالميًا.1 ولا تقتصر المخاطر على تراجع قيمة المساهمين، بل تمتد لتضع سمعة العائلة وإرثها على المحكّ.

وفي المقابل، عندما تُدار مرحلة انتقال القيادة بحنكة، تتحول إلى وسيلةٍ لحماية رؤية العائلة، ومحركٍ لتجدد المؤسسة في آنٍ واحد. وتشير أبحاث ماكنزي إلى أن الشركات المملوكة للعائلات تواصل التفوق على نظيراتها غير العائلية؛ إذ سجّلت عوائد المساهمين فيها مستوياتٍ تعادل ضعفَي ما حققته الشركات غير العائلية خلال الفترة من 2012 إلى 2022.2 ويرتبط هذا التفوق، إلى جانب عوامل أخرى، بقدرة الشركات العائلية على تنفيذ رؤيةٍ طويلة الأجل بصورةٍ ثابتة ومتسقة. غير أن الحفاظ على هذا المنظور عبر انتقالاتٍ قياديةٍ متتالية يظلّ تحديًا أساسيًا ومعقّدًا.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

ومع ذلك، لا تخضع خلافة الرئيس التنفيذي في الشركات العائلية لقالبٍ واحد يصلح للجميع؛ إذ إن لكل عائلةٍ سياقها الخاص الذي تشكّله طبيعة الجيل، وعدد أفراد العائلة، وطبيعة العلاقات فيما بينهم، فضلًا عن حجم أعمال الشركة. وتتفاعل هذه العوامل معًا لترسم مسارًا مميزًا لانتقال القيادة. لذلك، ينبغي وضع خطةٍ مناسبة لخلافة الرئيس التنفيذي تتسق مع الواقع الفعلي لكل شركة؛ إذ تُحدِّد ميول الجيل القادم وطموحاته شكل الخيارات المطروحة، سواء اتجهت إلى اختيار قائدٍ من داخل العائلة، أو الاستعانة بقيادةٍ تنفيذيةٍ من خارجها، أو الجمع بين الخيارين.

وبوجهٍ عام، يمكن تصنيف انتقال القيادة إلى رئيسٍ تنفيذيٍ جديد ضمن أربعة أنماطٍ رئيسية: انتقالٌ من رئيسٍ تنفيذيٍ عائليٍّ إلى آخر عائليّ، ومن عائليٍّ إلى غير عائليّ، ومن غير عائليٍّ إلى غير عائليّ، ومن غير عائليٍّ إلى عائليّ (كما هو موضحٌ في الجدول).

ولفهم أفضل السبل التي تمكّن الشركات العائلية من التعامل مع تعقيدات انتقال القيادة ومخاطرها الخاصة، حللنا بيانات 200 شركةٍ عائلية مُدرَجةٍ في الأسواق المالية، وأجرينا استطلاعًا شمل 170 شركةً عائليةً أخرى حول العالم، كانت غالبيتها من الشركات الخاصة. كما استكملنا ذلك برؤى جمعناها عبر مناقشاتٍ مع 15 من صُنّاع القرار والمتابعين المباشرين والمشاركين في عمليات انتقال القيادة التنفيذية داخل شركاتٍ عائليةٍ على مستوى العالم. (يُرجى الاطّلاع على العمود الجانبيّ بعنوان: "منهجيتنا").

وقد كشفت نتائجنا عن 11 ممارسةً محورية تساعد الشركات العائلية على تحقيق النمو وتعزيز قدرتها على الصمود خلال مرحلة انتقال الرئيس التنفيذي. تنقسم هذه الممارسات إلى خمس ركائز تأسيسية تمهّد لتغيير القيادة، وستّ ممارساتٍ إضافية تتبناها الشركات الأعلى أداءً لضمان انتقالٍ أكثر كفاءةً ونجاحًا. وتشمل الركائز الخمس: توسيع قاعدة المرشحين للقيادة، وتمكينهم من بناء قدراتٍ متوازنة وشاملة، وإدارة الانتقال بوصفه مشروعًا محدد الأهداف بمؤشرات متابعةٍ واضحة، إلى جانب وضع خطةٍ واضحة لرحيل الرئيس التنفيذي الحالي والالتزام بها، وبناء آليات حوكمة موثوقة ومحايدة لكل من العائلة والشركة، مع مراجعتها بشكلٍ منتظم لضمان استدامتها.

أما الانتقالات التي تُدار بكفاءةٍ عالية، فتستند إلى ست ممارساتٍ رئيسية. وترتبط ثلاثٌ منها بأنماط انتقالٍ محددة؛ إذ يتطلب الانتقال من رئيسٍ تنفيذيٍ عائلي إلى آخر عائلي مواءمة أدوار الخلفاء من العائلة مع قدراتهم وطموحاتهم. بينما يحتاج الانتقال من رئيسٍ تنفيذيٍ عائلي إلى رئيسٍ تنفيذيٍ غير عائلي إلى ترسيخ ارتباط الرئيس التنفيذي غير العائلي بإرث العائلة وقيمها ورؤيتها، فضلًا عن تمكين القيادات غير العائلية القادمة من التفكير والتصرف بعقلية المالك. وتظل ثلاث ممارساتٍ أخرى مشتركة في الانتقالات من رؤساء تنفيذيين من العائلة إلى خليفةٍ من داخلها أو من خارجها، وتشمل: تحديد الأدوار والمسؤوليات ومسارات القرار بوضوح، وبناء فريقٍ قياديٍّ متكامل يدعم الرئيس التنفيذي الجديد، وترتيب الهيكل الداخلي لرفع جاهزية الشركة قبل انتقال الرئيس التنفيذي الجديد.

وفي هذه المقالة، نستعرض نتائج البحث ونقدّم إرشاداتٍ عملية للشركات العائلية التي تمر حاليًا بمرحلة الانتقال، أو تستعد لهذا التحول الجوهري على المدى الطويل.

انتقال الرئيس التنفيذي في الشركات العائلية غالبًا ما يفرض ضغوطًا على قيمة المساهمين

تشير أبحاث مجلة "هارفارد بيزنس ريفيو" إلى أن سوء إدارة هذا الملف قد يكلّف الشركات ما يصل إلى تريليون دولار من القيمة السوقية سنويًا.3 وتؤكد أبحاث "ماكنزي" أن الشركات العائلية ليست استثناءً من هذه المخاطر؛ إذ تميل نتائجها إلى التراجع بعد تولّي رئيسٍ تنفيذيٍّ جديدٍ زمام القيادة. فقد رصدنا، في المتوسط، انخفاض العائد الإجمالي للمساهمين بمقدار 5.7 نقطةٍ مئوية خلال السنوات الخمس التالية للانتقال مقارنةً بالسنوات الخمس السابقة مباشرةً. وبالمثل، تراجع نمو الإيرادات، كما انخفض نمو هامش الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك في أعقاب تغيّر الرئيس التنفيذي "الشكل 1".

ولا يقتصر هذا الأثر على نمطٍ بعينه؛ فجميع أنماط الانتقال معرّضةٌ للمخاطر نفسها، سواء انتقلت القيادة إلى رئيسٍ تنفيذيٍ من العائلة أو إلى قيادةٍ من خارجها، كما هو موضح في "الشكل 2". فقد أظهر التحليل المالي أن انخفاض قيمة المساهمين قد يحدث عبر مختلف مسارات الانتقال. ولم يُظهر الانتقال إلى رئيسٍ تنفيذيٍ من العائلة أثرًا معاكسًا لهذا التراجع؛ إذ استمرت القيمة في الانخفاض بعد الانتقال بصرف النظر عن الجيل الذي تسلّم القيادة.

بعض الشركات العائلية تُحسن إدارة انتقال القيادة

على الرغم من الاتجاه العام الذي يشير إلى تراجع الأداء بعد انتقال القيادة إلى رئيسٍ تنفيذيٍ جديد، تُظهر البيانات أن أكثر بقليل من ثلث الشركات العائلية التي شملتها عينة الاستطلاع نجحت في كسر هذا المسار وتمكنت من تحسين أدائها التشغيلي بعد الانتقال. وقد حققت هذه الشركات متوسطًا أعلى من العائد الإجمالي للمساهمين، إلى جانب تحسنٍ في نمو الإيرادات وهامش الأرباح قبل احتساب الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك. اطلع على "الشكل 3".

كما تُظهر النتائج أن الانتقال إلى رئيسٍ تنفيذيٍ من خارج العائلة تزداد فرص نجاحه بمعدلٍ أعلى، لكنه لا يحقق دائمًا أعلى قيمة ممكنة. فالرؤساء التنفيذيون غير العائليين يقدمون نتائج أكثر اتساقًا؛ إذ كشف الاستطلاع أن 39 في المائة من حالات الانتقال إلى قياداتٍ غير عائلية كانت انتقالاتٍ صانعةٍ للقيمة. وفي المقابل، بلغت النسبة 29 في المائة عند الانتقال إلى قياداتٍ من العائلة، كما هو موضح في "الشكل 4". وتعكس هذه الفجوة ارتفاعًا نسبيًا في احتمال تراجع القيمة عندما يتولى المنصب رئيسٌ تنفيذي من العائلة.

ومع ذلك، فإن نجاح الانتقال داخل العائلة يحمل مكاسب أكبر عندما يتحقق بالشكل الصحيح. فقد أظهر الاستطلاع أن الانتقالات الناجحة من رئيسٍ تنفيذيٍ عائلي إلى آخر عائلي رفعت متوسط العائد الإجمالي للمساهمين بنحو 23 نقطةً مئوية، مقارنةً بـ 14 نقطةً مئوية في الانتقالات الناجحة إلى رؤساء تنفيذيين غير عائليين، كما هو موضح "الشكل 5". وتؤكد هذه النتيجة أن تعيين رئيسٍ تنفيذيٍ من العائلة قد يكون قرارًا عالي المخاطر، لكنه إذا أُدير بكفاءةٍ يمكن أن يحقق قيمةً أكبر للمساهمين.

كيف تنجح الشركات العائلية الأفضل أداءً في وضع خطة فعّالة لخلافة منصب الرئيس التنفيذي؟

اعتمد تحليلنا على استطلاعٍ شمل 170 شركةً عائلية شهدت انتقال منصب الرئيس التنفيذي من أحد أفراد العائلة إلى آخر من داخلها أو من خارجها. ومن بين هذه الشركات، برزت 43 شركةً هي الأفضل أداءً، إذ جاءت ضمن الربع الأعلى وفقًا لمستوى الأداء وتقييم تجربة الانتقال. وخلال السنوات الخمس التالية لانتقال القيادة، حققت هذه الشركات تحسنًا يقارب أربع نقاطٍ مئوية في كلٍّ من الإيرادات وهامش الأرباح قبل احتساب الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك، متقدمةً على نظيراتها وعلى متوسط القطاع. لذلك وصف المشاركون في الاستطلاع هذه الانتقالات بأنها ناجحةٌ وفعّالةٌ بدرجةٍ كبيرة.

ويعرض تحليلنا 11 ممارسةً محورية ساهمت في تحقيق هذه النتائج، منها خمس ركائز تأسيسية تضع الأساس للتغيير، وست ممارساتٍ إضافية ترفع جودة الانتقال إلى مستوى أعلى. اطلع على "الشكل 6".

الممارسات التأسيسية الرئيسية

يُظهر الاستطلاع أن الشركات العائلية تتفق بشكلٍ واضح على خمس ممارساتٍ تأسيسية تُعدّ الأكثر فاعليةً في دعم انتقالٍ ناجحٍ لمنصب الرئيس التنفيذي. وتمثل هذه الممارسات أساس رحلة الانتقال، سواء آلَ المنصب إلى رئيسٍ تنفيذيٍ من العائلة أو من خارجها.

تقييم أكثر من مرشح: تُدرك غالبية الشركات العائلية أهمية بناء قائمةٍ واسعة من المرشحين المؤهلين لمنصب الرئيس التنفيذي؛ ولذلك تُوسّع نطاق البحث، فلا تقتصر على أفراد العائلة وحدهم، بل تضع ضمن الخيارات أيضًا كفاءاتٍ تعمل بالشركة من خارج العائلة، إلى جانب قياداتٍ تنفيذيةٍ من خارج الشركة. ويعكس هذا النهج أهمية التحلي بالمرونة والانفتاحٍ عند تحديد الشخص الأنسب للمنصب.

وعلى سبيل المثال، تُظهر إحدى الشركات العائلية في قطاع الرعاية الصحية بأمريكا الشمالية كيف يمكن تعزيز الشفافية في هذه المرحلة؛ إذ وضعت العائلة، قبل خمس سنواتٍ من موعد انتقال القيادة، خطةً مكتوبةً تحدد معايير الاختيار بوضوح، مثل امتلاك خبرةٍ عملية في توظيف التقنيات الرقمية داخل قطاع الرعاية الصحية، وفهم اللوائح التنظيمية المعمول بها في المنطقة. ثم جرى توزيع هذه الخطة على عددٍ من المرشحين المحتملين، لضمان توافر قاعدةٍ أوسع من الكفاءات الجاهزة عند اتخاذ القرار.

وترى الشركات التي يضطلع فيها أفرادٌ من العائلة بأدوارٍ تشغيلية أن توسيع قاعدة المرشحين يحقق فائدةً إضافية، لأنه يساعد على إسناد الأدوار إلى الجيل القادم بما يتناسب مع قدراته الفعلية. كما تبعث هذه الخطوة برسالةٍ مهمة إلى الجيل الجديد مفادها أن قيادة الشركة العائلية مسؤوليةٌ تُنال بالاستحقاق، وليست حقًا مضمونًا.

تمكين المرشحين للقيادة من بناء قدراتٍ متوازنةٍ وشاملة: تحرص معظم الشركات العائلية على إعداد المرشحين للقيادة عبر منحهم خبراتٍ متنوعة داخل الشركة؛ ولذلك يتنقّلون بين الإدارات ووحدات الأعمال والمناطق المختلفة من خلال التدوير الوظيفي، والتجربة الميدانية، والعمل على مشاريع حقيقية يتولّون تنفيذها بأنفسهم. وتمنح هذه المرحلة المرشحين من العائلة خبرةً أعمق تساعدهم على تطوير أسلوبهم القيادي وتحديد المجالات التي يبرعون فيها، بينما تُمكّن المرشحين من خارج العائلة من تكوين صورةٍ أشمل عن الشركة وكيفية إدارتها. كما تُسهم متابعة اجتماعات مجلس الإدارة وتلقّي توجيهات أعضائه في تعزيز فهمهم للرؤية العامة وصقل تفكيرهم الاستراتيجي.

ومع تقدّم المرشحين في مسارهم، تتجه الشركات إلى خطوةٍ أكثر تأثيرًا تتمثل في تكليفهم بمشاريع محددةٍ ذات أهدافٍ طموحة. وقد ترتبط هذه المشاريع بالاستراتيجية، أو بتحسين العمليات، أو بإطلاق مبادراتٍ وأعمالٍ جديدة؛ لكنها في جميع الأحوال تنمّي لديهم مهارات اتخاذ القرار، وقيادة الفِرق، وتحمُّل المسؤولية. ويؤكد أحد أعضاء مجلس الإدارة في إحدى شركات الاتصالات بالشرق الأوسط أن الشركة لم تكتفِ بتدريب المرشحين أو إشراكهم للملاحظة والمتابعة، بل منحت كل مرشحٍ مسؤولياتٍ فعلية بدأت بمشاريع صغيرة ثم اتّسعت تدريجيًا مع تطور أدائه.

ومن أبرز الموضوعات التي تختارها كثيرٌ من العائلات ليعمل عليها المرشحون قضايا ترتبط بالمستقبل، مثل التحول الرقمي، والتحديث، وتطوير منتجاتٍ جديدة، أو التوسع في أسواقٍ جديدة. فهذه البيئة العملية تسهم في بناء أدواتٍ قياديةٍ بوتيرةٍ أسرع؛ إذ يواجه فيها المرشحون مواقف واقعية ويتلقّون الملاحظات باستمرار. كما يُسهم تنوّع التجارب في بناء علاقاتٍ قويةٍ مع مختلف الأطراف داخل الشركة وخارجها، عبر الإدارات والمناطق المختلفة.

مرّت القائدة المنتظَرة بتجربة تدويرٍ بين إدارات العمليات والمالية وخدمة العملاء، وشاركت في اجتماعات مجلس الإدارة بوصفها مراقِبةً قبل انضمامها رسميًا إلى فريق الإدارة العليا. وعندما تولّت القيادة لاحقًا، كانت قد رسّخت مكانتها لدى العاملين ونالت ثقتهم، فتمّ الانتقال بسلاسةٍ ملحوظة. فالقائد القادم لا يولد في القمة؛ بل يُصنع في الميدان، ويكسب احترام الناس قبل أن يكسب المنصب.

عضو مجلس إدارة في شركة مرافق بجنوب أفريقيا

إدارة الانتقال بوصفه مشروعًا متكاملًا: ترى الشركات العائلية التي خاضت تجربة انتقال الرئيس التنفيذي أن نجاح العملية لا يتحقق عبر قراراتٍ عامة، بل من خلال التعامل معها بصورةٍ منظّمة بوصفها مشروعًا ذا إطارٍ واضح. ولذلك تُشرك الأطراف المعنية من العائلة ومن داخل الشركة، وتضع أهدافًا واضحة قابلةً للقياس، ثم تتابع التنفيذ خطوةً بخطوة لضمان أن الانتقال يسير وفق ما تمّ التخطيط له.

وفي بعض الحالات، تُنشئ الشركة فريق عملٍ مخصصًا يقود العملية من نقطةٍ مركزيةٍ واحدة. ويتولى هذا الفريق متابعة تفاصيل الانتقال، وجمع ملاحظات الموظفين، ورصد التحديات والمخاطر التي قد تظهر، ثم يُحيلها إلى جهات حوكمة العائلة لمعالجة المشكلات وإزالة العوائق.

كانت نقطة التحول الحقيقية في إنشاء "مجلس للانتقال" يضم ممثلين من العائلة ومن القيادات غير العائلية؛ فقد ساعد هذا الإطار على تحويل انتقال القيادة من ملفٍ تحكمه الانفعالات إلى عمليةٍ مؤسسيةٍ واضحة.

مدير في شركة اتصالاتٍ أوروبية

ولتعزيز الشفافية وضمان تسليم المنصب بهدوءٍ ووضوح، تحرص بعض العائلات على إطلاع الأطراف المعنية الرئيسية على تحديثاتٍ شهرية توضّح ما تم إنجازه وما تبقى من خطوات، إلى جانب المواعيد والمحطات الأساسية في خطة الانتقال. بينما تلجأ شركاتٌ أخرى إلى استخدام لوحات متابعةٍ مركزية تجمع المؤشرات في مكانٍ واحد، بحيث يمكن قياس مدى جاهزية الشركة لانتقال القيادة ومراقبة مؤشرات الأداء بصورةٍ مستمرة. وفي بعض الحالات، تُحدِّد الشركة أهدافًا ومؤشرات أداءٍ مشتركة للرئيس التنفيذي المغادر والرئيس التنفيذي القادم خلال فترة التسليم والتسلّم، للحفاظ على اتساق القرارات وتقليل الارتباك إلى أن تكتمل عملية الانتقال.

وضع خطة خروجٍ واضحة والالتزام بها: تتفق الشركات العائلية على أن نجاح انتقال القيادة لا يتوقف على تجهيز الرئيس التنفيذي الجديد فحسب، بل يبدأ أيضًا بتنظيم خروج الرئيس التنفيذي الحالي بالطريقة الصحيحة. فواحدةٌ من أصعب لحظات الانتقال هي تردد القائد المغادر في التخلي عن زمام القيادة. ولهذا تعتمد الشركات التي شملها استطلاعنا على خطة خروجٍ محكمة تضمن مغادرةً سلسةً تحفظ مكانة القائد السابق، وتتيح الاستفادة من خبرته عبر دورٍ استشاريٍ غير تدخلي. وترتكز هذه الخطة على ثلاثة محاور رئيسية: ترسيخ ثقافة عملٍ تُقلِّل الاعتماد على شخصٍ واحد، ونقل الأدوار والمسؤوليات إلى الرئيس الجديد على مراحل، ووضع تصورٍ واضح للفصل التالي في مسار الرئيس التنفيذي المغادر.

وغالبًا ما يبدأ الرؤساء التنفيذيون من العائلة في التفكير مبكرًا في الخطوة التالية داخل المؤسسة أو خارجها. فبعضهم يواصل دعم الشركة من مقاعد مجلس الإدارة، وآخرون يختارون أدوارًا استشاريةً محددة، بينما يتجه البعض إلى تمثيل الشركة بوصفهم سفراء لها أو قادة رأي في الفعاليات والمنتديات المتخصصة. ومن يقرر الاستمرار بدورٍ مختلف يحرص على تعريف حدوده بدقةٍ لتجنّب تداخل الصلاحيات. وقد يختار بعضهم نقل مكتبه إلى موقعٍ آخر كإشارةٍ عملية تؤكد انتقال السلطة إلى الرئيس التنفيذي الجديد.

ويضرب أحد مؤسسي شركةٍ آسيويةٍ للسلع الاستهلاكية مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ سلّم منصب الرئيس التنفيذي إلى قيادةٍ تنفيذيةٍ من خارج العائلة، ثم بقي رئيسًا لمجلس الإدارة ليتابع الصورة العامة دون التدخل في التفاصيل. وعلّل موقفه قائلًا: "إن ما يساعد القائد على الانسحاب بسلاسةٍ هو أن يجد معنى أوسع يتجاوز الشركة؛ فقد اكتشفت شغفي بالعمل مع رواد الأعمال، لذلك خصصت وقتًا شهريًا لتقديم التوجيه والإرشاد لهم دون مقابل".

وضع آليات حوكمة محايدة وتطبيقها بصرامة: تؤكد التجارب أن الانتقال الناجح للرئيس التنفيذي يعتمد على حوكمةٍ قوية للعائلة وللشركة خلال جميع مراحل الانتقال. فقد وجدنا أن أطر حوكمة العائلة، مثل دستور العائلة أو مجلسها أو جمعيتها، توفر قناةً منتظمةً للتواصل بين أفرادها، وتحوّل القرارات الكبرى إلى قراراتٍ مؤسسيةٍ واضحة، وتُبقي العائلة منسجمةً مع رؤيتها وبوصلتها التي توجّه مسارها. وفي الوقت نفسه، تسهم حوكمة الشركة عبر مجلس إدارةٍ مستقل ولجنة انتقالٍ مخصصة في ضمان الاستقرار واستمرارية الأعمال خلال مرحلة التسليم والتسلّم.

علّمتنا التجربة أنه لا استدامة بلا تواصلٍ واضح بين العائلة والمُلّاك والإدارة. لذلك وضعنا دستورًا عائليًا تتم مراجعته كل عامين ليحافظ على تماسك العائلة، ويمنح المديرين المحترفين مساحةً كافيةً للعمل باستقلاليةٍ.

أحد مُلّاك شركة خدماتٍ مالية في أمريكا اللاتينية

وتحرص الشركات العائلية التي تمر بمرحلة انتقال القيادة على مراجعة هذه الآليات دوريًا للتأكد من أنها ما تزال ملائمةً للغرض الذي وُضِعت من أجله؛ من حيث اختيار الأعضاء الأنسب، واعتماد هيكلٍ واضحٍ للعمل، وتحديد الحقوق وصلاحيات اتخاذ القرار بما يخدم المصلحة المشتركة. والأهم أن الالتزام بهذه الحوكمة ليس خيارًا قابلًا للتجاوز؛ فجميع أفراد العائلة مُلزَمون باتباع الإجراءات المعتمدة واحترام مسار اتخاذ القرار.

ممارسات التميُّز لدى الشركات الأعلى أداءً

أظهرت التجارب أن ما يميّز الشركات العائلية المتميّزة عن غيرها هو تبنّي ستّ ممارسات جوهرية، اعتبرتها هذه الشركات ركائز أساسية لضمان انتقالٍ سلسٍ ومنظمٍ لمنصب الرئيس التنفيذي. ورغم أن بعض هذه الممارسات أثبتت فاعليتها في مختلف أنماط التغيير، فإن بعضها الآخر صُمم خصيصًا ليخدم طبيعة انتقالٍ بعينها.

مواءمة أدوار خلفاء الرئيس التنفيذي المحتملين مع قدراتهم الفعلية وطموحاتهم: في حالات انتقال السلطة من جيل إلى آخر داخل العائلة، ووجود أكثر من مرشح لمنصب الرئيس التنفيذي، تتبع الشركات المتميزة نهجًا ينطلق من القاعدة إلى القمة لتحديد الأدوار القيادية.

فبدلًا من فرض المناصب، تعمد هذه الشركات إلى بناء قاعدة بيانات شاملة ودقيقة ترصد اهتمامات وطموحات الكوادر الشابة وقدراتهم الفعلية، وذلك عبر قنوات تواصلٍ مباشرة تتنوع بين الحوارات الفردية، والنقاشات العائلية الموسّعة، والتقييمات المهنية المتخصصة. وبناءً على هذه المعطيات، تتم مراجعة الأولويات الاستراتيجية للشركة، الحالية والناشئة، على المدى القريب والبعيد، ومن ثم تُصاغ الأدوار والمسؤوليات التي يمكن للجيل القادم تولّيها، وتصمَّم مسارات تطويرهم وفقًا لها. هذا النهج التشاركي لا يضع الشخص المناسب في المكان المناسب فحسب، بل يفتح آفاقًا مهنية لأولئك الذين لم يقع عليهم الاختيار لمنصب الرئيس التنفيذي؛ ليواصلوا الإسهام بفعاليةٍ كمديرين تشغيليين، أو أمناء على إرث العائلة، أو مُلّاك مسؤولين، مما يجعل منهم نظامًا داعمًا للقائد الجديد وضمانةً لاستقرار المؤسسة.

وتقدّم تجربة إحدى المجموعات العملاقة العاملة في قطاع الكيماويات بآسيا نموذجًا واقعيًا لفاعلية هذا النهج؛ إذ يتولى عددٌ من أفراد العائلة مهامًا تشغيليةً مختلفة، وتتبلور أدوارهم ومسؤولياتهم انطلاقًا من اهتمامات وميول كل فردٍ منهم. ففي الوقت الذي اختار فيه بعضهم صقل خبراته في مجال صنع القرار المالي والاستراتيجي، انصرف آخرون إلى بناء القدرات، وإدارة الجودة، وتطوير الثقافة المؤسسية وتنمية الكوادر البشرية. وقد جعل هذا التناغم في توزيع الأدوار من الاحترام المتبادل والإيمان بالقيادة الجماعية المتناغمة مفتاحًا لنجاح التجربة؛ إذ أثبتت أن العمل بروح الفريق الواحد يحقق ما لا يحققه أي جهدٍ فردي.

لا مكان هنا لكلمة "أنا"، بل "نحن".. ولا وجود لكلمة "لي"، بل "لنا". تخلَّص من ضمير "المفرد" في كل جملة من قاموسك، واستبدلها بضمير الجماعة.

رئيسٌ تنفيذي من الجيل الثالث في مجموعةٍ آسيويةٍ عملاقةٍ تعمل في قطاع الكيماويات

تؤكد الشركات العائلية المتميزة أن اتخاذ القرار بشأن توزيع الأدوار والمسؤوليات القيادية يجب أن يخدم المؤسسة، التي يشار إليها في أغلب العائلات بـ "الابن البكر"، والذي تتقدم مصلحته واستدامته على كل اعتبارٍ آخر.

ترسيخ إرث العائلة وقيمها ورؤيتها لدى القادة القادمين من الخارج: تؤمن الشركات العائلية المتميّزة بضرورة أن يتكوّن لدى الرئيس التنفيذي غير العائلي شعورٌ عميق بالارتباط بماضي الشركة وحاضرها، إلى جانب الالتزام الكامل بمستقبلها. وبينما ستعلّم الخلفاء من أبناء العائلة هذه القيم تلقائيًا منذ الصغر، يحرص أصحاب هذه الشركات، عند الانتقال إلى قيادةٍ خارجية، على إدخال القائد الجديد في مسار الإعداد ذاته، ليضمنوا أن يتبنّى هوية العائلة ويستوعبها بالكامل.

وللحفاظ على هذه القيم الجوهرية، تعتمد الشركات العائلية خطوتين رئيسيتين: "التوثيق" ثم "النقل"؛ إذ تصوغ رؤيتها ومبادئها في وثائق رسمية، ثم تدمجها في سياسات العمل والخطاب المؤسسي ومؤشرات الأداء. وفي هذا السياق، يقول أحد مديري الشركات العائلية: "لم نكتفِ بحفظ قيمنا في الأدراج، بل جعلناها جزءًا حيًا من سياساتنا، وأسلوبًا ثابتًا في تواصل قياداتنا، ومعيارًا دقيقًا لتقييم النجاح. وبهذه الطريقة نضمن أنه، مهما تعددت القيادات وتنوعت الأفكار الجديدة، ستظل القرارات متسقةً مع فلسفتنا التي نؤمن بها على مر الأجيال".

أما القادة القادمون من خارج العائلة، فتذهب الشركات المتميّزة معهم إلى أبعد من مجرد الإعداد المهني التقليدي؛ إذ تحرص على دمج التنفيذيين الجدد بعمقٍ في تاريخ العائلة، ليتمكّنوا من فهم ديناميكياتها وإرثها، وذلك من خلال تنظيم ورش عملٍ متخصصة، وجلساتٍ مغلقة، واجتماعاتٍ وديةٍ غير رسمية مع أفراد العائلة.

لقد خضع الرئيس التنفيذي الجديد لبرامج تدريب قيادية وورش عمل ركزت بشكلٍ مكثف على تراث الشركة وطبيعة العلاقات العائلية فيها؛ وهو ما جعل عملية انتقال السلطة تتم بسلاسةٍ فائقة، مع الاحترام الكامل لتقاليد الشركة الراسخة.

رئيسٌ تنفيذيٌ عائليٌ سابق لإحدى شركات التجزئة الكبرى في أمريكا الشمالية

تهيئة القيادات الجديدة من خارج العائلة للتفكير والتصرف بعقلية المالك المسؤول: ولتحقيق ذلك، تتخذ الشركات العائلية الناجحة ثلاث خطواتٍ جوهرية: أولاً، منح القادة صلاحياتٍ حقيقيةٍ وحاسمة في اتخاذ القرارات. ثانيًا، تقديم الدعم الكامل للرئيس التنفيذي الجديد من خلال التأكيد على التناغم الكامل بين العائلة والرئيس التنفيذي. وأخيرًا، دمج هؤلاء القادة في النسيج العائلي عبر لقاءاتٍ رسميةٍ وغير رسمية، بما يبني الثقة ويعمّق فهمهم لقيم العائلة وطريقة تفكيرها.

وفي هذا السياق، يصف عضو مجلس إدارة إحدى الشركات العائلية العاملة في قطاع التجزئة بمنطقة الصين الكبرى، الجهود المبذولة لغرس عقلية المالك لدى القادة التنفيذيين من خارج العائلة قائلًا: "خلال مرحلة انتقال القيادة، نظمنا منتدى داخليًا جمع بين العائلة المؤسِّسة والرئيسين التنفيذيين السابق والجديد، لفتح نقاشاتٍ صريحةٍ حول قضايا حيوية مثل التغيير، والقدرة على التكيف، ومفهوم الإدارة الرشيدة طويلة المدى".

وقد تم توثيق هذه الجلسة وحفظها لتكون جزءًا أساسيًا من برنامج تطوير القيادات ومرجعًا للقادة الوافدين من خارج العائلة. ومن خلال تسليط الضوء على العلاقة بين العائلة والقيادات التنفيذية غير العائلية، نجح هذا النهج في تعزيز الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه الحفاظ على إرث الشركة بين المُلّاك والمديرين على حدٍّ سواء.

ومع ذلك، فإن غرس عقلية المالك ليس كافيًا؛ إذ يجب أن يقتنع جميع العاملين بأن القائد الجديد يتمتع بسلطةٍ توازي سلطة أفراد العائلة أنفسهم. ولهذا، تحرص الشركات العائلية الأعلى أداءً على تبديد أي شكوكٍ قد تُثار حول صلاحيات الرئيس التنفيذي الجديد، وذلك من خلال تقديم الدعم العلنيّ والمستمر له، بما يرسّخ ثقة الجميع في كفاءته ويمنحه الشرعية الكاملة على مختلف المستويات.

ولا يقتصر دعم العائلة للقائد الجديد على الكلمات فحسب، بل يتخذ أيضًا أشكالًا رمزيةً تمنحه الشرعية أمام الجميع. وقد ظهر ذلك بوضوحٍ في مشهد انتقال القيادة إلى مديرٍ من خارج العائلة لإحدى شركات الاتصالات بأمريكا اللاتينية، حيث يقول أحد المُلّاك: "خلال اجتماع القيادات السنوي، قام الرئيس التنفيذي المغادر بتسليم خليفته نسخة من أول ترخيص حكومي حصلت عليه الشركة لتشغيل شبكة الاتصالات عند تأسيسها، وكانت هذه النسخة موضوعة داخل إطار مثل اللوحات التذكارية التي تُعلّق على الجدران. ولم تكن هذه مجرد لفتة بروتوكولية تقليدية، بل إشارة واضحة إلى انتقال المسؤولية، ورسالة طمأنة للموظفين والجهات التنظيمية بأن القيادة الجديدة تحظى بالدعم والثقة".

تحديد الأدوار والمسؤوليات ونطاق العمل: تحرص الشركات العائلية ذات الأداء العالي على تحديد الأدوار والمسؤوليات بوضوح، لتفادي أي غموض قد يعطّل العمل، إلى جانب وضع قواعد تضمن التزام جميع الأطراف بما تم الاتفاق عليه. وقد لاحظنا أنها تعتمد آليةً وقائيةً تحمي الشركة أثناء عملية الانتقال وما بعدها عبر بُعدين رئيسيين:

  • حدودٌ داخل العائلة: بعض الشركات العائلية تضع حدودًا بين أفراد العائلة أنفسهم لتقليل احتمالات الصراع أو الخلاف الداخلي الذي قد يزعزع استقرار الشركة وعملياتها التشغيلية.
  • حدود بين أفراد العائلة والقيادات التنفيذية من خارجها: فيما ترسم بعض الشركات العائلية حدودًا فاصلة تضمن وضوح صلاحيات اتخاذ القرار، وتُرسّخ الفصل بين السلطات، بما يمنع أي تداخل في الصلاحيات.

ويتم تحديد هذه الأدوار عبر آلياتٍ صارمةٍ للحوكمة، مثل دستور العائلة ومواثيق انتقال السلطة، وغالبًا ما يتم ذلك تحت إشراف مستشارين خارجيين لضمان الحياد. وفي هذا الصدد، يقول أحد مُلّاك شركة رعايةٍ صحيةٍ في أمريكا الشمالية: "قبل عملية تسليم القيادة، قام مجلس العائلة بتحديث ميثاق الحوكمة لتحديد سلطات اتخاذ القرار، وأدوار الملّاك، وآليات حل النزاعات بشكلٍ قاطع. وقد اسْتَعَنّا في ذلك بمستشارين قانونيين ومستقلين لمنع أي تداخلٍ بين مصالح العائلة وقرارات الشركة، مما منح الشركة استقرارًا كبيرًا ووفّر الحماية والاستقلالية للرئيس التنفيذي الجديد".

أما في حالات انتقال السلطة إلى أفرادٍ من العائلة، ولا سيما عند وجود إخوةٍ متعددين، فإن اعتماد استراتيجية المسارات المنفصلة يعزّز مبدأ المساءلة؛ وذلك بمنح كل فردٍ مسؤوليةً كاملةً ومنفردةً عن قطاع عملٍ معيّن أو منطقةٍ جغرافيةٍ محددة. وفي تجربةٍ لإحدى الشركات العائلية في قطاع الكيماويات بآسيا، اعتُمِد هذا النهج عمليًا بين الإخوة، حتى إنّ أحد أفراد العائلة وصف هذه التجربة بلحظة "فقدان الأمان"، إذ وجد نفسه أمام مسؤوليةٍ كاملةٍ دون مظلّةٍ تحميه من تبعات القرار، معتبرًا إياها نقطة تحوّلٍ جوهرية سرّعت وتيرة تطوره القيادي.

بناء فريقٍ قياديٍ متكامل: عادةً ما تتعامل الشركات العائلية الناجحة مع عملية انتقال السلطة باعتبارها تحولًا استراتيجيًا يتجاوز فكرة استبدال فردٍ بآخر، ليصل إلى بناء فريقٍ تنفيذيٍ متكامل يدعم القائد الجديد. لذلك تولي هذه الشركات اهتمامًا بالغًا بتطوير الكفاءات الداخلية من خارج العائلة لبناء صفٍّ ثانٍ من القيادات القادرة على تحمّل المسؤولية. لا يضمن هذا النهج جاهزية الشركة إذا وقع الاختيار على رئيسٍ تنفيذي من خارج العائلة فحسب، بل يوفّر أيضًا نائبًا كفؤًا وفريقًا قياديًا مساندًا يدعم الرئيس التنفيذي القادم من العائلة عند انتقال المنصب بين أفرادها.

أدركنا منذ البداية أن مسألة تعاقب القيادة لا تتعلق فقط بالشخص الذي سيحمل اللقب؛ لذا توقفنا عن التعامل مع انتقال السلطة على أنها مجرد عملية تسليمٍ وتسلمٍ لفردٍ واحد، وإنما كشراكةٍ تعاونيةٍ متكاملة.

أحد أعضاء مجلس إدارة شركة خدماتٍ مالية بأمريكا الشمالية

فيما تتجه كثيرٌ من الشركات العائلية الناجحة إلى تبنّي نهجٍ مؤسسيٍ في إعداد قادة المستقبل؛ فتضع خططًا واضحة للمرشحين أصحاب الإمكانات العالية، تحدد فيها أدوارهم والجداول الزمنية للتنفيذ وأساليب قياس الأداء. وفي هذا الإطار، يوضح أحد أعضاء مجلس إدارة شركةٍ عائليةٍ تعمل بقطاع الخدمات المالية في أمريكا الشمالية نهج شركته قائلًا: "اتبع مجلس الإدارة أسلوبًا شخصيًا ومباشرًا في تطوير القيادات، حددنا من خلاله مجموعةً من القادة الواعدين من داخل العائلة وخارجها، ومنحناهم مسؤولياتٍ كاملةً وحقيقيةً عن مشاريع متنوعة". ولتضمن الشركات قياس النتائج بموضوعيةٍ وحياد، غالبًا ما تستعين بمستشارين خارجيين.

ولا تتوقف هذه العملية عند تعيين القائد الجديد، بل تمتد لتشمل مراجعة مهارات الرئيس التنفيذي وقدراته، إلى جانب جاهزية فريق القيادة العُليا المساند له، لضمان تحقيق التكامل المطلوب. وفي حال رصد أي نقصٍ أو ظهور أي فجوةٍ في الكفاءات، تبادر الشركة على الفور إلى معالجتها، سواء عبر برامج تطويرٍ داخليةٍ مكثفة، أو من خلال استقطاب كفاءاتٍ خارجية متخصصة لتعزيز الفريق.

تهيئة البنية المؤسسية لعملية انتقالٍ سلسٍ للسلطة: تدرك الشركات العائلية الأعلى أداءً أن الرئيس التنفيذي الحالي غالبًا ما يكون الأقدر على اتخاذ القرارات الصعبة والضرورية قبل تسليم الراية والرحيل، بحكم رصيده من الخبرة والثقة والنفوذ الذي اكتسبه عبر سنوات قيادته. لذلك تستثمر الشركات هذه الأفضلية، فيتولى القائد المغادر معالجة مَواطن القصور والمشكلات العالقة قبل الانتقال، وبذلك يتسلّم القائد الجديد شركةً أكثر تنظيمًا تتيح له التركيز على تنفيذ رؤيته وأهدافه المستقبلية، بدلًا من الغرق في إرثٍ من المشكلات المتراكمة.

وتتجسّد هذه التهيئة في تبسيط الهيكل التنظيمي، وإعادة ضبط مسار التقارير والتسلسل الإداري، وتوسيع نطاق اللامركزية في اتخاذ القرار؛ بما يمنع التداخل ويمنح الرئيس التنفيذي الجديد مساحةً أكبر لقيادة التوجهات الاستراتيجية بدلًا من الانشغال بتفاصيل التشغيل اليومية. وهو ما يؤكده عضو مجلس إدارة إحدى الشركات الفرنسية الرائدة في مجال السلع الاستهلاكية قائلًا: "أعدنا توزيع مسؤوليات اتخاذ القرار بين رؤساء الأقسام ومديري التسويق؛ الأمر الذي أتاح للرئيس التنفيذي الجديد وقتًا أكبر للتركيز على الأولويات الاستراتيجية، بعيدًا عن مشكلات ومعوقات التشغيل."

أما في حالات الانتقال داخل العائلة، ولا سيما عندما يتنافس عددٌ من أفراد الجيل القادم على أدوارٍ قيادية، فإن الرئيس التنفيذي الحالي غالبًا ما يبادر بإعادة هيكلة العمل بصورةٍ استباقية؛ بهدف رسم حدودٍ واضحة تمنع تداخل الصلاحيات وتحدّ من فرص نشوب صراعاتٍ مستقبلية.

وتشير تجارب العديد من الشركات التي شملها الاستطلاع إلى أن الرؤساء التنفيذيين الحاليين ركّزوا بشكلٍ أساسيٍ على تحديث طرق العمل القديمة والتخلّص من الإجراءات العقيمة الموروثة، التي كانت تعيق الأداء وتحدّ من الابتكار. وفي حالاتٍ متعددة، لم تقتصر هذه الإصلاحات على تحسيناتٍ طفيفة، بل شملت تطوير المنظومة بالكامل بدءًا من البنية التحتية وصولًا إلى العمليات الميدانية؛ وهي خطوةٌ بادر بها الرئيس التنفيذي الحالي قبل عملية الانتقال أو أثناءها. وبهذا تصبح المؤسسة أكثر جاهزيةً لمتطلبات المستقبل، وأقدر على استقبال قائدٍ جديد من الجيل التالي.

عند الحديث عن خلافة منصب الرئيس التنفيذي، تركز الشركات العائلية الأعلى أداءً على ستة مجالاتٍ رئيسية.

لا شك أن خلافة منصب الرئيس التنفيذي هي جزءٌ من مسارٍ ممتدٍ من العمل القيادي، يتداخل فيه أكثر من عنصر. "يُرجى الاطّلاع على العمود الجانبيّ بعنوان: الاستعداد لتعاقب القيادة… في جميع مراحلها". وكما أشرنا سابقًا، لا يوجد نهجٌ واحدٌ يناسب الجميع؛ إذ يتعين على كل مؤسسةٍ تصميم خطة انتقالٍ تتوافق مع ظروفها وطبيعة عملها. ومع ذلك، تُظهر نتائج أبحاثنا أن الشركات الأكثر نجاحًا تُركّز عادةً على ستة مجالاتٍ رئيسية لضمان انتقالٍ سلسٍ وفعّال للرؤساء التنفيذيين:

  1. تحديد الأدوار والطموحات بدقة: يتطلب النجاح فهمًا واضحًا لتوقعات أفراد العائلة المختلفين أو الطامحين لمنصب الرئيس التنفيذي. ويشمل ذلك توضيح الأدوار الأخرى داخل المؤسسة مثل: مديري التشغيل اليومي للأعمال، وأمناء الإرث، والمُلّاك، وتحديد مسؤوليات كل دورٍ بدقة، إلى جانب رسم مسارٍ واضحٍ لكيفية الانتقال من دورٍ إلى آخر بسلاسة.
  2. تطوير قدرات قادة الجيل القادم: إعداد المرشحين للقيادة عبر الإرشاد المباشر وبرامج تطويرٍ قياديٍ مركّزة، بما يدعم صعودهم إلى أعلى المناصب بثقةٍ وجاهزية.
  3. وضع قواعد حوكمة للعائلة: إنشاء هياكل تنظيمية رسمية مثل: مجلس العائلة أو ميثاق العائلة، وذلك من أجل تسهيل اتخاذ القرار بشفافية، وتعزيز التواصل، والمساعدة في حل أي خلافاتٍ قد تنشأ، بما يضمن انسجام قيم العائلة مع أهداف العمل الاستراتيجية.
  4. وضع خطةٍ للانتقال: إعداد خارطة طريقٍ واضحة لخروج الرئيس التنفيذي الحالي وتسلُّم القائد الجديد مهام عمله، مع تحديد الأدوار، وآليات الحوكمة، والجداول الزمنية، وما ينبغي إنجازه في كل مرحلة لكلٍّ منهما.
  5. مواءمة الفريق القيادي والكفاءات الرئيسية وثقافة المؤسسة مع رؤيتها طويلة المدى: تحافظ الشركات الناجحة على القيادات والمواهب الأساسية لديها، بل وتعمل على تمكينها دعمًا لمسيرة القائد الجديد. كما تحرص أيضًا على أن تكون ثقافة المؤسسة متوائمةً مع الرؤية طويلة المدى لضمان استمرارية الأعمال.
  6. إشراك مجلس الإدارة باستمرار: تفعيل دور مجلس الإدارة لتقديم التوجيه الاستراتيجي والدعم اللازم خلال عملية الانتقال، مع ضرورة أن يعمل القادة الحاليون والجدد مبكرًا على بناء علاقةٍ فعّالةٍ ومنسجمة مع المجلس.

ولتحديد الفجوات المهمة في عملية انتقال القيادة ومعالجتها مبكرًا، يمكن للشركات العائلية استخدام "مؤشر جاهزية الانتقال". وهو أداةٌ تحلّل إجابات مجموعةٍ من الأسئلة المرتبطة بالممارسات الأساسية التي تميّز الشركات الأعلى أداءً في انتقال القيادة، إلى جانب عوامل مساندة أخرى رصدناها في أبحاثنا، ثم تحوّل هذه الإجابات إلى درجاتٍ تُظهر مدى جاهزية الشركة لعملية انتقال منصب الرئيس التنفيذي. ويشمل ذلك تقييم وضعها الحالي، ومقارنته بالشركات الأعلى أداءً وبنظيراتها، وفقًا لنمط الانتقال وخصائص الشركة والمدة المتوقعة لإتمام عملية الانتقال.


وتؤكد التجارب أن تعاقب القيادة ليس قرارًا يُتخذ في لحظة، بل مسارٌ استراتيجي طويل يمتد ما بين 8 إلى 15 عامًا؛ يبدأ بتوسيع دائرة المرشحين وحصرهم ثم إعدادهم وتجهيزهم، وهي مرحلةٌ تستغرق غالبًا بين 5 إلى 10 سنوات، تليها مرحلةٌ أخرى تمتد بين 3 إلى 5 أعوام لتأهيل الرئيس التنفيذي المختار لتسلُّم زمام الأمور بثقة. وكلما انطلقت هذه الرحلة مبكرًا، ازدادت قدرة الشركات العائلية على سد الفجوات وتقليل المخاطر وبناء انتقالٍ آمن يضمن استقرار الإرث واستمرارية العمل.

وبقدر ما تبدو هذه الرحلة شاقةً، فإنها تظل أهم استثمارٍ تقوم به العائلة؛ لأنها لا ترسم فقط ملامح السنوات المقبلة، بل تحسم أيضًا مصير القيمة التي بُنيت عبر عقود؛ فإما أن تتواصل وتتنامى، أو تتراجع. لذلك، فإن التعامل مع لحظة الانتقال يستدعي قدرًا عاليًا من الواقعية والتخطيط المتأني والصرامة نفسها التي تُدار بها أضخم الاستثمارات الرأسمالية وأكثرها حساسية.

Explore a career with us