ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
أي مقعد تفضّل على متن الطائرة؟ مقعد النافذة للاستمتاع بالإطلالة، أم مقعد الممر الذي يتيح لك مغادرة مكانك بسهولة؟ اعتاد المسافر أن يفاضل بين هذين الخيارين، لكن شركات الطيران غيّرت تصميم مقصورات درجة رجال الأعمال، وأصبحت ترتب المقاعد بطريقة تتيح لكل مسافر الوصول إلى الممر مباشرة، حتى وإن كان مقعده بمحاذاة النافذة. وهكذا بات بإمكانه الاستمتاع بالإطلالة والتحرك من مقعده من دون أن يطلب من المسافر المجاور النهوض. وقد يبدو هذا التغيير تفصيلاً صغيراً في تصميم المقصورة، لكنه يكشف عن تحول أكبر في نظرة شركات الطيران إلى المسافرين الذين يشترون تذاكر الدرجات المتميزة. فبعدما كانت هذه المقاعد تعتمد بصورة رئيسية على موظفي الشركات الذين يكثر سفرهم في مهمات العمل، أصبحت تستقطب شريحة متنامية من الأشخاص الذين يسافرون لقضاء عطلاتهم، ويختارون دفع المزيد من أموالهم الخاصة مقابل رحلة تمنحهم راحة أكبر وخدمة أفضل وخصوصية أعلى. وفي هذه الحلقة من "بودكاست ماكنزي"، تستضيف "لوسيا راهيلي"، المسؤولة عن الإشراف على المحتوى التحريري العالمي في الشركة، ستيف ساكسون، أحد شركاء ماكنزي وخبرائها في شؤون قطاع السفر والطيران، للحديث عن أسباب نمو هذه الشريحة، وكيف أصبح إنفاقها يغيّر معادلة الإيرادات والأرباح لدى شركات الطيران.
يتولى تقديم "بودكاست ماكنزي" كل من لوسيا راهيلي وروبرتا فوسارو.
خضعت نسخة الحوار التالية للتحرير بهدف تعزيز وضوح المحتوى واختصار بعض أجزائه.
قوة الطلب تصطدم بضعف الأرباح
لوسيا راهيلي: سأبدأ بسؤال يبدو بسيطاً، لكنه يثير جدلاً مستمراً في المنزل بين أبنائي. وبحكم خبرتك التي تمتد لأكثر من عقدين في تقديم الاستشارات لقطاع السفر في ماكنزي، لا بد أن يكون لديك جواب حاسم يا "ستيف": عندما تسافر بالطائرة، أيهما تفضل، المقعد بجوار النافذة أم المقعد بجوار الممر؟
ستيف ساكسون: بالتأكيد، أفضل المقعد بجوار النافذة.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
لوسيا راهيلي: حقاً، أنت من محبي المقعد بجوار النافذة؟
ستيف ساكسون: بالتأكيد، لا شيء يضاهي النظر من نافذة الطائرة ومشاهدة العالم من أعلى! لكن المسافر في الدرجات المتميزة لم يعد اليوم مضطراً إلى الاختيار بين إطلالة النافذة وسهولة الحركة التي يوفرها مقعد الممر؛ فتصميم المقصورة يتيح لكل مسافر مغادرة مقعده والوصول إلى الممر مباشرة، من دون أن يطلب من الجالس بجواره النهوض
لوسيا راهيلي: تنشر أنت وزملاؤك منذ ما يقارب عقدين مراجعة سنوية لأداء قطاع الطيران، فما أبرز الاتجاهات التي تكشف عنها أحدث أبحاثكم؟ وهل ترصدون تحولات جديدة بدأت تبرز في القطاع؟
ستيف ساكسون: يشهد قطاع الطيران حالياً أوضاعاً اقتصادية جيدة نسبياً، إذ تحقق شركات طيران عديدة أرباحاً قوية. ورغم تحسن الأداء، لا يزال القطاع عاجزاً عن تحقيق عائد يوازي تكلفة رأس المال، أي المستوى الذي يعكس العائد المتوقع على الأموال المستثمرة في هذه الصناعة. والمفارقة أن هذه الفجوة تظل قائمة حتى خلال أفضل فترات أداء القطاع، إذ تبقى عوائد شركات الطيران أدنى من المستوى الذي يتوقعه المساهمون والمستثمرون مقابل رأس المال المستثمر.
لوسيا راهيلي: نسجل هذا الحوار في أوج موسم السفر الصيفي، حين تبلغ رحلات العطلات أعلى مستوياتها وتمتلئ الطائرات بالمسافرين. ورغم أن الجميع يعرف المبلغ الذي يدفعه مقابل التذكرة، فإن قلة تدرك ما تحصل عليه شركة الطيران فعلياً من هذا المبلغ بعد تغطية تكاليف الرحلة. فكيف تشرح لنا هذه المعادلة ببساطة؟ وما أكثر ما يسيء المسافرون فهمه بشأنها؟
ستيف ساكسون: أكثر ما لا يدركه المسافرون هو أن الجزء الذي يتحول فعلياً إلى ربح من سعر التذكرة محدود جداً. فقد يدفع المسافر مئات الدولارات، وربما آلافاً إذا اختار درجة رجال الأعمال أو الدرجة الأولى، لكن هذا المبلغ لا يدخل كله إلى خزينة شركة الطيران كربح؛ إذ يذهب معظمه إلى تغطية تكاليف الوقود والطائرات والصيانة وأجور الأطقم. وبعد سداد هذه النفقات، لا يزيد متوسط صافي ما تربحه الشركة من نقل مسافر واحد إلا قليلاً على ثمن فنجان قهوة واحد.
لوسيا راهيلي: إذا كانت شركات الطيران تحقق مستويات أعلى من الربحية، فلماذا لا يزال القطاع يواجه صعوبة في تحقيق عائد يوازي تكلفة رأس المال بصورة مستدامة؟
ستيف ساكسون: تمكنت بعض شركات الطيران من تعزيز ربحيتها بصورة مستدامة. فقد نجحت شركات الطيران الكبرى في الولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الشركات الرائدة في أوروبا، في تحقيق هوامش ربح جيدة، وهو أمر لم يكن معتاداً في تاريخ القطاع. لكن على المستوى العالمي، تظل الصورة أقل إيجابية، إذ تسحب خسائر شركات الطيران في مناطق أخرى متوسط أداء القطاع إلى أسفل. وفي الواقع، خلال الفترة الأخيرة، لم تتمكن شركات طيران آسيوية عديدة من تحقيق عائد يوازي تكلفة رأس المال.
تظل هوامش الربح الفعلية لشركات الطيران محدودة للغاية، إذ لا يتجاوز متوسط الربح الذي تحققه الشركة من كل مسافر قيمة فنجان قهوة بقليل.
ومن ناحية أخرى، تواجه شركات الطيران تحديات استثنائية تميزها عن كثير من القطاعات الأخرى. فعلى سبيل المثال، يصعب على شركات الطيران رفع أسعار التذاكر لتحسين أرباحها، لأن المسافر يستطيع خلال دقائق مقارنة عروض شركات عدة عبر مواقع حجز الرحلات. وإذا وجد الرحلة لدى شركة أخرى بسعر أقل، ولو ببضعة دولارات، فغالباً ما يختار العرض الأرخص. ولهذا تواجه الشركات منافسة شديدة تجبرها على إبقاء أسعارها قريبة من أسعار منافسيها.
ولا تتوقف الضغوط عند اضطرار شركات الطيران إلى إبقاء أسعار تذاكرها قريبة من أسعار المنافسين. ففي الوقت الذي يصعب عليها رفع الأسعار، تواجه من الجهة الأخرى تكاليف مرتفعة لشراء الطائرات وتشغيل الرحلات. ويعود ذلك جزئياً إلى أن الطائرات التجارية لا تصنعها في الأساس سوى شركتين رئيسيتين، ما يقلل الخيارات المتاحة أمام شركات الطيران ويمنح المصنعين قدرة أكبر على تحديد الأسعار وشروط التعاقد. كما تتمتع العمالة والنقابات في شركات كثيرة بنفوذ قوي عند التفاوض على الأجور والمزايا. وعندما تتحسن أرباح شركات الطيران، يطالب المصنعون والموردون بأسعار أعلى، ويطالب العاملون بأجور ومزايا أفضل، فلا يبقى للشركات سوى جزء محدود من الأرباح التي حققتها.
ولا تنتهي صعوبة القطاع عند ارتفاع تكاليف الطائرات والعمالة؛ فمن السهل نسبياً دخول شركات جديدة إلى سوق الطيران، إذ يمكن تأسيس شركة باستثمار أولي لا يتجاوز بضعة ملايين من الدولارات. لكن الشركات التي تتعثر لا تخرج من السوق بالسهولة ذاتها، لأن حكومات كثيرة تتدخل لدعم الناقلات الوطنية عندما تواجه أزمات مالية، ما يبقيها في المنافسة رغم خسائرها. وهكذا تجد شركات الطيران نفسها في سوق يزداد فيه عدد المنافسين، وترتفع فيه مطالب المصنعين والموردين والعاملين، بينما يستطيع المسافر ترك شركة واختيار أخرى لمجرد أن تذكرتها أرخص ببضعة دولارات. ومع صعوبة رفع الأسعار واستمرار ارتفاع التكاليف، تظل الأرباح التي تحققها شركات الطيران محدودة مقارنة بحجم الأموال المستثمرة فيها.
لوسيا راهيلي: يتغير إقبال الناس على السفر من موسم إلى آخر؛ فتزدحم الرحلات في فترات معينة، ثم ينخفض الطلب في فترات أخرى. كيف يؤثر هذا التفاوت في إيرادات شركات الطيران وأرباحها؟ وكيف تراعيه الشركات عندما تحدد عدد رحلاتها والطائرات والمقاعد التي توفرها على مدار العام؟
ستيف ساكسون: تحقق شركات الطيران جانباً كبيراً من أرباح العام خلال الصيف، بينما لا تكفي إيرادات الشتاء لدى شركات كثيرة لتغطية تكاليفها. أما الموظفون الذين يسافرون لإنجاز مهام عمل، فتستمر رحلاتهم بوتيرة شبه ثابتة طوال العام، وهو ما يحافظ على حركة السفر حتى خارج مواسم العطلات. لكن أعداد المسافرين لقضاء العطلات تنمو بوتيرة أسرع، وتتركز رحلاتهم غالباً خلال الصيف. ومع زيادة حصتهم من إجمالي المسافرين، أصبحت شركات طيران أكثر تعتمد على أشهر الصيف لتحقيق أرباح العام.
لوسيا راهيلي: هل أثرت التحولات في المشهد الجيوسياسي في حركة السفر؟ فعلى سبيل المثال، هل طرأ تغير على مستويات الطلب؟
ستيف ساكسون: لم تتراجع رغبة الناس في السفر وقضاء العطلات، لكن التحولات الجيوسياسية غيرت خريطة الرحلات التي يختارونها؛ فبعضهم اتجه إلى وجهات مختلفة، وبعضهم أعاد النظر في المسار الذي يسلكه للوصول إليها. ولهذا نشهد زيادة في أعداد المسافرين الذين لا يتوجهون إلى وجهتهم النهائية في رحلة مباشرة، وإنما يختارون التوقف في مدينة أخرى قبل استكمال رحلتهم. ويظهر هذا الاتجاه بوضوح أكبر بين المسافرين الذين يختارون فئات السفر الأغلى، مثل درجة رجال الأعمال.
لوسيا راهيلي: لم تكن السنوات الأخيرة عادية بالنسبة إلى كثير من القطاعات؛ فقد شهدت صدمات وتغيرات واسعة أثرت في طريقة عملها. كيف انعكس ذلك على شركات الطيران؟ وهل تغيرت طريقة عمل هذه الشركات وتحقيقها للإيرادات والأرباح خلال العقد الماضي، أم أن الأسس التي يقوم عليها القطاع لا تزال كما كانت؟
ستيف ساكسون: لم تكن الصدمات أمراً جديداً على قطاع الطيران، لكن القليل من القطاعات يتعرض لهذا العدد المتنوع من الأزمات. فقد تعطلت حركة السفر في أوقات مختلفة بسبب الأوبئة والهجمات الإرهابية وثوران البراكين وتقلبات الطقس. ومع أن هذه الأزمات رافقت القطاع منذ زمن، فقد شهدت طريقة عمله بعض التحولات المهمة، من أبرزها تزايد الاعتماد على المسافرين المستعدين لدفع أسعار أعلى مقابل مقاعد أوسع وخدمات أفضل، بعدما أصبحت هذه الفئة أكثر تأثيراً في إيرادات شركات الطيران وأرباحها.
درجات السفر الممتازة تعيد تشكيل أرباح شركات الطيران
لوسيا راهيلي: تكشف دراساتكم المتواصلة حول أرباح شركات الطيران عن تحول لافت أشرت إليه قبل قليل، وهو ازدياد أهمية المقصورات التي تضم الدرجة الاقتصادية الممتازة ودرجة رجال الأعمال والدرجة الأولى. فما الذي أدى إلى ارتفاع الإقبال على هذه الدرجات؟ وكيف أصبحت تذاكرها تحقق حصة كبيرة من إجمالي إيرادات الرحلة وأرباحها؟
ستيف ساكسون: تجني بعض شركات الطيران اليوم أكثر من نصف إيرادات الطائرة من تذاكر الدرجات المتميزة، رغم أن مقاعدها لا تشكل سوى نسبة محدودة من إجمالي المقاعد. ولم تكن مساهمتها في الإيرادات بهذا الحجم في السابق، لكن شركات الطيران بدأت تخصص لها مساحة أكبر داخل الطائرة وتضيف مزيداً من المقاعد، بالتزامن مع ارتفاع أسعار تذاكرها. ومع اتساع المساحة المخصصة لها وزيادة العائد من مقاعدها، أصبحت هذه الدرجات تحقق لعدد من الشركات إيرادات تفوق ما تحققه الدرجة الاقتصادية.
لوسيا راهيلي: من هم المسافرون الذين يختارون هذه المقصورات؟ فمن المنطقي أن تُسمى درجة رجال الأعمال بهذا الاسم، إذ كان المسافرون يستخدمونها تاريخياً عند السفر لأغراض العمل. فهل بدأ هذا النمط في التغير؟
ستيف ساكسون: نعم، فقد تغير مصدر الطلب على هذه الدرجات خلال الــ20 عاماً الماضية. فبعدما كانت تعتمد بصورة رئيسية على موظفي الشركات الذين تسدد جهات عملهم تكاليف السفر، استقرت رحلات العمل ولم تعد المحرك الأساسي لنموها. ومع ذلك، استمر الإقبال على هذه المقاعد في الارتفاع بفضل شريحة أخرى آخذة في الاتساع، تضم أشخاصاً يسافرون لقضاء عطلاتهم ويرون أن الراحة والخدمة على متن الطائرة جزء من تجربة العطلة نفسها. ولهذا أصبحوا يخصصون من ميزانياتهم الشخصية مبالغ أكبر لاختيار درجة سفر أفضل، وهو ما شجع شركات الطيران على زيادة المقاعد والمساحات المخصصة لهذه الفئات.
ستيف ساكسون: أصبح المسافرون أكثر استعداداً لإنفاق مبالغ إضافية للاستمتاع بعطلات تتسم بالرفاهية. وهم يتحملون تكلفة السفر بأنفسهم عند اختيار درجة رجال الأعمال أو الدرجة الأولى، أو يختارون الدرجة الاقتصادية الممتازة، وهي فئة تقع بين الدرجة الاقتصادية ودرجة رجال الأعمال، وقد أضافتها شركات طيران كثيرة استجابةً لهذا الطلب المتزايد.
يشهد سلوك الناس منذ سنوات تحولاً واضحاً، إذ أصبحوا يخصصون جانباً أكبر من إنفاقهم للتجارب التي يستمتعون بها، مثل السفر والأنشطة المختلفة، مقارنة بما ينفقونه على شراء السلع والمقتنيات.
لوسيا راهيلي: في رأيك، ما العوامل التي تقف وراء هذا التحول؟ تبدو هذه الظاهرة لافتة، لأن أبحاثنا حول توجهات المستهلكين تظهر أن كثيراً منهم أصبحوا يراقبون نفقاتهم بدقة أكبر في ظل الأوضاع الاقتصادية غير المستقرة. فكيف نفسر هذا التناقض بين الحذر المتزايد في الإنفاق، وارتفاع عدد مسافري العطلات الذين يختارون دفع مبالغ أكبر للسفر في درجات أعلى سعراً؟
ستيف ساكسون: لا يواجه جميع الناس الظروف المالية ذاتها. فبينما اضطرت فئات كثيرة إلى تقليص نفقاتها والتفكير ملياً قبل كل عملية شراء، حافظت فئات أخرى على قدرة مالية تسمح لها بمواصلة الإنفاق. وفي الوقت نفسه، تغيرت أولويات كثير من المستهلكين؛ إذ أصبحوا يفضلون توجيه أموالهم إلى تجارب يعيشونها، وفي مقدمتها السفر، على شراء مزيد من السلع. وقد برز هذا السلوك بعد رفع قيود جائحة كوفيد-19، وظننا في البداية أنه اندفاع مؤقت لتعويض الرحلات التي حُرم منها الناس، لكنه استمر حتى بعد انتهاء تلك المرحلة.
واستمرار هذا التوجه بعد الجائحة يوضح الصورة التي نراها اليوم؛ فالحذر في الإنفاق لا يشمل الجميع. إذ لا تزال الفئات التي تتمتع بقدرة مالية جيدة مستعدة لتخصيص مزيد من أموالها لراحتها واستمتاعها، ولا سيما على السفر وغيره من التجارب التي تعيشها، في الوقت الذي يضطر فيه آخرون إلى تقليص نفقاتهم. وهذا ما يفسر تزايد استعدادها لدفع المزيد مقابل رحلات توفر لها مستوى أفضل من الراحة والخدمة.
لوسيا راهيلي: عندما يدفع المسافرون مقابل السفر في درجة متميزة، فما الذي يبحثون عنه في المقام الأول؟ هل يتعلق الأمر بمقعد أفضل، أم بتجربة مريحة، بدءاً من الوصول إلى المطار وحتى بلوغ الوجهة؟
ستيف ساكسون: الأمر يشمل كل تفاصيل الرحلة. وتبدأ التجربة بإجراءات تسجيل سفر مخصصة للمسافرين في الدرجات المتميزة، ثم المرور عبر نقاط التفتيش الأمنية من دون الانتظار في طوابير طويلة. وعندما يدفع المسافر تكلفة تذكرته من أمواله الخاصة، فإنه يريد الاستمتاع بكل ما تقدمه هذه الدرجة، من دخول صالة المسافرين والاسترخاء فيها إلى تناول بعض الطعام واحتساء المشروبات قبل الصعود إلى الطائرة.
إنهم يدفعون مقابل تجربة سفر أكثر راحة وتميزاً. وهم على استعداد لدفع المزيد مقابل مزايا تمنحهم قدراً أكبر من الخصوصية، مثل وجود مساحة شخصية من دون مقعد مجاور، والوصول المباشر إلى الممر، ومقعد يمكن تمديده ليصبح مستوياً بالكامل. كما تشمل هذه التجربة وصولاً أسرع عبر منافذ الهجرة، ومستوى أعلى من الخدمة والمعاملة على متن الطائرة. وما نرصده اليوم هو استعداد العملاء لدفع المزيد مقابل هذه المزايا مجتمعة.
لوسيا راهيلي: وإذا انتقلنا إلى ما يحصل عليه المسافر على متن الطائرة، فما أبرز ما تطوره شركات الطيران في مقصورات الدرجات الممتازة من مقاعد وتجهيزات وخدمات، حتى يشعر المسافر بأن التجربة تستحق دفع مبلغ إضافي؟
ستيف ساكسون: تستقطب هذه الدرجات أعداداً متزايدة من مسافري العطلات، ما شجع شركات الطيران على تطوير ما تقدمه داخل الطائرة لتلبية توقعاتهم. ففي الدرجة الأولى، بدأت شركات عديدة توفير أجنحة خاصة يمكن فيها تحويل المقاعد المتجاورة إلى سرير واحد يتسع لشخصين، بما يمنح المسافرين مساحة أكبر وخصوصية أعلى. وفي درجة رجال الأعمال، أصبح تصميم المقصورة يتيح الوصول إلى الممر مباشرة من كل مقعد. وشمل التطوير خدمات الطعام أيضاً؛ إذ تسمح بعض الشركات للمسافر باختيار الوجبة التي يريدها والوقت المناسب لتقديمها، بينما استعانت شركات أخرى بطاهٍ على متن الطائرة لإعداد الطعام أثناء الرحلة.
كما شهدت صالات المسافرين تطوراً لافتاً، وأصبحت تقدم مستويات أعلى من الراحة والخدمات، بما في ذلك مرافق سبا وعلاجات متنوعة. كما ظهرت ابتكارات أخرى، مثل صالات سفر خاصة أو توفير سيارة خاصة تنقل المسافر مباشرة إلى الطائرة. ومع استعداد المسافرين للإنفاق من أموالهم الخاصة على هذه الخدمات، نرى إقبالاً متزايداً على هذا النوع من التجارب.
مع تزايد إقبال مسافري العطلات على درجات السفر الممتازة، توسعت شركات الطيران في ابتكار خدمات وتجارب جديدة تلائم تطلعاتهم.
لوسيا راهيلي: كيف تحدد شركات الطيران حجم رأس المال الذي ينبغي تخصيصه لتمويل هذه الابتكارات؟
ستيف ساكسون: لا تعتمد شركات الطيران كل فكرة جديدة مباشرة، بل تختبرها أولاً على نطاق محدود، لأن الخيارات كثيرة وتنفيذها مكلف. فإذا وجدت أن المسافرين يقبلون على خدمة معينة ومستعدون لدفع ثمنها، توسعت فيها وخصصت لها استثمارات أكبر. أما إذا لم تلقَ الإقبال المتوقع، فتوقفها بهدوء؛ فقد تختبر شركة، مثلاً، تقديم جلسات تدليك على متن الطائرة، ثم تلغيها إذا لم يهتم بها المسافرون. وفي المقابل، تتجه استثمارات كبيرة حالياً إلى تحسين الطعام المقدم في الدرجات الممتازة، بعدما أظهر مسافرو العطلات استعداداً لدفع المزيد مقابل هذه الخدمة.
وسيا راهيلي: من الطبيعي أن تختلف تفضيلات المسافرين لأغراض العمل عن تفضيلات المسافرين بغرض الترفيه، حتى عندما يسافرون في المقصورة نفسها. فكيف ينعكس هذا الاختلاف على طريقة تصميم شركات الطيران لخدماتها وتحديد ما تقدمه للمسافرين؟
ستيف ساكسون: إنه تحدٍ كبير. تخيل أن بعض المسافرين يريدون استغلال الرحلة لإنجاز بعض أعمالهم والحصول على قسط من الراحة، في حين يبحث آخرون عن تجربة مميزة والاستمتاع بمستوى أعلى من الرفاهية، وكل ذلك داخل المقصورة نفسها. وقد يصطحب بعضهم أطفالهم أيضاً، إذ أصبح عدد الأطفال المسافرين في درجتي رجال الأعمال والدرجات المتميزة أكبر من أي وقت مضى.
وماذا ينبغي لأفراد طاقم الضيافة أن يفعلوا إذا كان أحد المسافرين نائماً في موعد تقديم وجبة الإفطار؟ هل يوقظونه حتى لا يفوّت وجبة الإفطار؟ أم يتركونه يواصل نومه ليستفيد من وقت الرحلة في الراحة؟ هنا تحديداً يظهر أحد أبرز تحديات تقديم الخدمة، إذ يتعين على أفراد الطاقم فهم طبيعة المسافرين أمامهم، والإلمام بما يتوقعونه من تجربة السفر.
لوسيا راهيلي: أتذكر الآن رحلاتي مع أطفالي عندما كانوا رُضَّعاً، فقد كانوا يحتاجون إلى الكثير من العناية أثناء السفر بالطائرة. ماذا يفعل طاقم الضيافة إذا كان هناك رضيع كثير البكاء في الدرجة الأولى أو درجة رجال الأعمال؟
ستيف ساكسون: عليهم أن يبذلوا ما في وسعهم للتعامل مع الموقف. وللأسف، قد يتسبب وجود الرضّع في إزعاج بعض المسافرين في درجة رجال الأعمال، ولا سيما مع وجود عدد من الرضّع في هذه المقصورة أكبر من أي وقت مضى. وأتذكر في هذا الصدد رحلة سافرت فيها مع عائلتي من ملبورن إلى شنغهاي. فقد أصبت أنا وزوجتي بتسمم غذائي شديد أثناء الرحلة، وكان أفراد طاقم الضيافة هم من تولوا رعاية أطفالنا والاهتمام بهم.
لوسيا راهيلي: يا لها من تجربة مؤسفة! يؤسفني جداً سماع ذلك. لا بد أن البقاء عالقاً على متن طائرة أثناء الإصابة بوعكة صحية كان أمراً بالغ الصعوبة.
ستيف ساكسون: نادراً ما أبعث إلى طاقم الضيافة في الطائرة برسالة شكر بعد الرحلة، لكن عنايتهم بأسرتي في ذلك اليوم دفعتني إلى مراسلتهم وشكرهم.
قيمة المقعد أهم من عدد المقاعد
لوسيا راهيلي: تحدثنا عن تزايد أعداد الأشخاص الذين يسافرون لقضاء عطلاتهم ويختارون دفع المزيد للحصول على مستوى أفضل من الخدمة، وعن اختلاف ما يتوقعونه من الرحلة مقارنة بمسافري الأعمال. فكيف يؤثر هذا التحول عملياً في شركات الطيران؟ وهل دفعها إلى إعادة النظر في طريقة تصميم خدماتها وتحديد أسعارها، بعدما كانت تبني كثيراً من قراراتها على احتياجات المسافرين في مهمات العمل؟
ستيف ساكسون: يرتبط جانب من هذا التحول بما تحدثنا عنه سابقاً، أي الابتكار في المنتجات والخدمات المقدمة للمسافرين. فقد بدأت شركات الطيران تعيد التركيز على الخدمة، إلى جانب جودة الطعام والمشروبات المقدمة على متن الطائرة، وهي عناصر يزداد إقبال المسافرين لأغراض الترفيه عليها، كما أنهم أكثر استعداداً لدفع المزيد مقابلها مقارنةً بهم. وبالتوازي، نشهد استثمارات في تطوير صالات المسافرين، نظراً إلى أن المسافر لأغراض الترفيه يصل إلى المطار في وقت أبكر. ولا يقتصر التغيير على الخدمات التي يراها المسافر، بل يمتد إلى طريقة إدارة الحجوزات داخل الشركة. فكلما ارتفعت نسبة المسافرين الذين يختارون الدرجات الممتازة، ازدادت الحاجة إلى تحديد السعر المناسب لكل مقعد، وتقرير عدد المقاعد التي تُعرض في كل فئة سعرية، ثم تعديل الأسعار وفق حجم الطلب.
لوسيا راهيلي: وإذا استمر هذا الإقبال، فكيف سيغير الطريقة التي تصمم بها شركات الطيران طائراتها، وتوزع مقاعدها بين الدرجات المختلفة، وتحقق إيراداتها في المستقبل؟
ستيف ساكسون: تراقب شركات الطيران ما يختاره المسافرون، ثم تعيد توزيع المساحة داخل الطائرة على هذا الأساس. ومع استمرار الإقبال على الدرجات الممتازة، خصصت شركات كثيرة لها مساحة أكبر وزادت عدد مقاعدها. كما أعادت بعض الشركات الدرجة الأولى إلى طائراتها بعدما كان القطاع يتوقع اختفاءها، إذ تبين أن هناك مسافرين مستعدين لدفع فارق كبير في السعر مقابل مستوى من الخصوصية والخدمة لا توفره الدرجات الأخرى.
ونرى أن مقصورات درجة رجال الأعمال تستحوذ على مساحة أكبر من الطائرة، ما يعني تخصيص حصة متزايدة من المساحة الإجمالية للطائرة للمقاعد المتميزة. كما تتجه شركات الطيران إلى طرح الدرجة الاقتصادية المتميزة أيضاً، لتتيح خياراً وسطاً أمام المسافرين الذين قد لا تسمح لهم ميزانيتهم بالسفر في درجة رجال الأعمال، لكنهم مستعدون لدفع مبلغ يزيد قليلاً على تكلفة المقعد الاقتصادي العادي.
لوسيا راهيلي: إذا كان المقعد الواحد في درجات السفر الممتازة يدرّ على شركة الطيران إيرادات تعادل ما تحققه عدة مقاعد في الدرجة الاقتصادية، فهل يعني ذلك أن زيادة عدد المقاعد لم تعد وحدها الطريق إلى تحقيق أرباح أكبر، وأن الأهم أصبح تخصيص العدد المناسب من المقاعد لكل درجة وفقاً للإيرادات التي تحققها؟
ستيف ساكسون: نعم، وهذا تحديداً ما تحسبه شركات الطيران عند توزيع المقاعد داخل الطائرة. فالمساحة اللازمة لمقعد واحد في درجة رجال الأعمال تكفي عادةً لوضع ثلاثة أو أربعة مقاعد في الدرجة الاقتصادية. ولهذا لا تكون زيادة مقاعد رجال الأعمال مجدية إلا إذا حقق كل مقعد منها إيراداً يعادل ثلاثة أو أربعة أضعاف إيراد المقعد الاقتصادي. وعندما يتحقق ذلك، يصبح تخصيص مساحة أكبر لدرجة رجال الأعمال أكثر ربحية من استغلال المساحة نفسها لزيادة عدد المقاعد الاقتصادية.
لوسيا راهيلي: مع تخصيص عدد أكبر من المقاعد لدرجات السفر الممتازة، ماذا يعني ذلك للمسافرين في الدرجة الاقتصادية؟ وهل تساعد الإيرادات المرتفعة التي تحققها هذه المقاعد على تغطية جانب أكبر من تكاليف الرحلة، بما يتيح لشركات الطيران تقديم المقاعد الاقتصادية بأسعار أقل؟
ستيف ساكسون: نعم، فالإيرادات المرتفعة التي تحققها مقاعد درجة رجال الأعمال والدرجة الأولى تساعد شركة الطيران على تغطية جانب أكبر من تكاليف الرحلة. وكلما ارتفعت هذه الإيرادات، قلّ المبلغ الذي تحتاج الشركة إلى تحصيله من ركاب الدرجة الاقتصادية، ما قد يتيح لها طرح تذاكر اقتصادية بأسعار أقل. ويظهر ذلك بوضوح على خطوط الطيران التي تشهد إقبالاً كبيراً على درجات السفر الممتازة؛ فعندما تمتلئ مقاعدها باستمرار ويكون هذا الإقبال هو السبب الأساسي لتسيير الرحلة، قد يجد مسافرو الدرجة الاقتصادية تذاكر بأسعار منخفضة جداً على الرحلة ذاتها.
لوسيا راهيلي: إذا كان عدد محدود من مقاعد درجة رجال الأعمال والدرجة الأولى قادراً على تحقيق جزء كبير من أرباح الرحلة، فكيف تقرر شركات الطيران عدد المقاعد والمساحة التي تخصصها لهذه الدرجات مقارنة بالدرجة الاقتصادية؟
ستيف ساكسون: تبدأ المسألة من حقيقة بسيطة، وهي أن مساحة الطائرة محدودة. فمقعد واحد في درجة رجال الأعمال قد يشغل مساحة تكفي لثلاثة أو أربعة مقاعد اقتصادية، ولهذا تقارن الشركة الإيراد المتوقع من هذا المقعد بما يمكن أن تحققه من المقاعد الاقتصادية التي سيحل محلها. لكن القرار لا يُبنى على رحلة واحدة، لأن الطائرة نفسها تُستخدم على خطوط متعددة تختلف فيها مستويات الطلب. وعند اختيار توزيع المقاعد داخل الطائرة، تعتمد الشركة على متوسط احتياجات شبكة رحلاتها، ما قد يجعل مقاعد رجال الأعمال أقل من المطلوب على بعض الخطوط، وأكثر من حاجة المسافرين على خطوط أخرى.
لوسيا راهيلي: كيف تتعامل شركات الطيران مع هذه المعضلة؟
ستيف ساكسون: تتعامل شركات الطيران مع هذه المعضلة من خلال التسعير، وهو ما يفسر إمكانية العثور أحياناً على أسعار مغرية للغاية للسفر في درجة رجال الأعمال والدرجات الممتازة.
لوسيا راهيلي: وهذا يشبه ما حدث معي في رحلة قبل نحو أسبوعين. فقد حاولت ترقية حجزي إلى درجة رجال الأعمال، لكن جميع مقاعدها كانت محجوزة، فانتقلت إلى الدرجة الاقتصادية الممتازة. ويبدو أن الإقبال عليها كان أقل، لأن الترقية لم تكلفني مبلغاً كبيراً.
ستيف ساكسون: عند مقارنة أرباح كل درجة بالمساحة التي تشغلها مقاعدها داخل الطائرة، تتصدر الدرجة الاقتصادية الممتازة عادةً بقية الدرجات. فالمقعد فيها قد يشغل مساحة تعادل نحو مرة ونصف مساحة المقعد الاقتصادي العادي، لكن سعر تذكرته غالباً ما يكون ضعف سعر التذكرة الاقتصادية على الأقل. وبمعنى أبسط، تمنح الشركة هذا المقعد مساحة إضافية محدودة، لكنها تحصل منه على إيراد أكبر بكثير، ما يجعله من أكثر المقاعد ربحية قياساً إلى المساحة التي يشغلها داخل الطائرة.
لوسيا راهيلي: هذا تحول لافت، لأن شركات الطيران كانت تتجه قبل سنوات إلى وضع أكبر عدد ممكن من المقاعد داخل الطائرة، حتى لو تطلب ذلك تقليل المسافات بينها. أما اليوم، فيبدو أنها أصبحت أكثر استعداداً لمنح بعض الدرجات مساحة أكبر عندما تحقق هذه المساحة إيرادات أعلى.
ستيف ساكسون: لا تزال شركات الطيران تحاول زيادة عدد المقاعد في الدرجة الاقتصادية، فبعض المسافرين يختارون الرحلة الأرخص بصرف النظر عن مستوى الخدمات المقدمة. وقد دفع هذا التوجه شركات الطيران إلى طرح فئات مختلفة من التذاكر ضمن الدرجة الاقتصادية، من بينها تذكرة منخفضة السعر تقتصر على الخدمات الأساسية. ففي هذه الفئة، قد لا يشمل سعر التذكرة اختيار المقعد أو نقل الأمتعة، وقد لا تُقدم وجبة في بعض الرحلات. وبذلك يستطيع الباحث عن أقل سعر الاختيار بين التذكرة الاقتصادية محدودة الخدمات والتذكرة الاقتصادية العادية، بينما تتاح الدرجة الاقتصادية الممتازة لمن يرغب في مزيد من الراحة مقابل دفع مبلغ إضافي، ثم تأتي درجة رجال الأعمال والدرجة الأولى لمن يبحث عن تجربة سفر أكثر رفاهية. وهكذا توزع شركات الطيران خياراتها بين درجات وفئات سعرية متعددة، لتناسب اختلاف ميزانيات المسافرين والخدمات التي يرغبون فيها.
يكمن التحدي أمام شركات الطيران في الحفاظ على الإيرادات المرتفعة التي يحققها مسافرو درجة رجال الأعمال، مع مواصلة جذب المسافرين لأغراض الترفيه في الوقت نفسه.
لوسيا راهيلي: اعتمدت شركات الطيران طويلاً على أنظمة تتوقع حجم الطلب وتحدد أسعار التذاكر وعدد المقاعد المعروضة في كل درجة، استناداً إلى فئات معروفة من المسافرين وأنماط حجز يمكن توقعها بدرجة كبيرة. لكن المسافر الذي يحجز اليوم مقعداً في درجة رجال الأعمال أو الدرجة الأولى لم يعد بالضرورة موظفاً كثير التنقل في رحلات العمل، فقد يكون شخصاً متجهاً لقضاء عطلة ويدفع تكلفة الرحلة من ماله الخاص. فكيف يتعين على شركات الطيران تعديل توقعاتها للطلب بعد هذا التغير في طبيعة المسافرين وطريقة حجزهم؟
ستيف ساكسون: هنا تكمن صعوبة توقع الطلب. فمسافر الأعمال يحجز تذكرته عادةً قبل موعد الرحلة بفترة قصيرة، وقد لا يكون السعر عاملاً حاسماً في قراره، لأن جهة العمل تتحمل التكلفة في كثير من الحالات. ولهذا قد يدفع ما بين 6 آلاف و7 آلاف دولار مقابل رحلة باتجاه واحد عابرة للمحيط الأطلسي. أما المسافر الذي يختار الدرجة نفسها لقضاء عطلته، فيدفع ثمن التذكرة من ماله الخاص، ما يجعله أكثر حرصاً على مقارنة الأسعار واختيار ما يناسب ميزانيته.
ويتمثل التحدي أمام شركات الطيران في مواصلة تحصيل أسعار مرتفعة من عملاء الشركات، مع تقديم أسعار تجذب أيضاً من يرغبون في السفر بدرجات ممتازة لقضاء عطلاتهم ويدفعون ثمن التذاكر من أموالهم الخاصة. ولتحقيق ذلك، تربط الشركات سعر التذكرة بشروط الحجز؛ فقد ينخفض السعر عند الحجز المبكر، أو عندما يحجز شخصان معاً، كما قد تكون الرحلة التي تتضمن محطة توقف أرخص من الرحلة المباشرة. وتستخدم شركات الطيران هذه العوامل لوضع شروط مختلفة للأسعار، بحيث تحدد المبلغ الذي يدفعه المسافر وفق توقيت الحجز وعدد المسافرين وما إذا كانت الرحلة مباشرة أو تتضمن محطة توقف. وبهذا تستطيع الشركة تحصيل سعر أعلى من مسافر الأعمال الذي يحجز متأخراً، وفي الوقت نفسه تقديم سعر منافس لمسافر العطلات الذي يحجز مبكراً ويختار إحدى درجات السفر الممتازة.
الذكاء الاصطناعي يغيّر طريقة البحث عن الرحلات وحجزها
لوسيا راهيلي: لننتقل إلى سؤال حول الذكاء الاصطناعي، الذي يحظى باهتمام كبير لدى كثير من القادة في الوقت الراهن. هل يؤثر الذكاء الاصطناعي بصورة ملموسة في عملية اتخاذ القرارات لدى شركات الطيران؟ وهل أتاح إمكانات كان من الصعب، وربما من المتعذر، تحقيقها قبل بضع سنوات فقط؟
ستيف ساكسون: أولاً، لن يغيّر الذكاء الاصطناعي رغبة الناس في السفر، لكنه بدأ يغيّر الطريقة التي يبحثون بها عن الرحلات ويحجزونها. فالمسافر قد لا يحتاج مستقبلاً إلى دخول موقع شركة الطيران والبحث بنفسه بين خيارات الرحلات، بل يمكنه الاستعانة بمساعد رقمي يعمل بالذكاء الاصطناعي للبحث عن الوجهات ومقارنة البدائل واقتراح الرحلة المناسبة. ويمكنه أيضاً استخدام منصات المحادثة الذكية، التي تتلقى أسئلته وطلباته بلغة طبيعية وتساعده على استكشاف الوجهات والتخطيط لرحلته. ولا تستطيع هذه الأدوات حالياً إتمام الحجز نيابةً عن المسافر، لكن قدرتها على ذلك تبدو مسألة وقت. وهنا يكمن قلق شركات الطيران: فقد تصبح أداة الذكاء الاصطناعي هي التي تتعامل مباشرةً مع المسافر طوال عملية البحث والحجز، من دون أن يزور موقع شركة الطيران أو يتعامل معها مباشرةً..
أما التغيير الثاني، فيتعلق بالعمليات الداخلية لشركات الطيران. إذ لا تزال هناك فرص واسعة لرفع كفاءة هذه العمليات، سواء عبر روبوتات محادثة متطورة تعزز مستوى خدمة العملاء أو وكلاء ذكاء اصطناعي يدمجون مصادر إضافية للبيانات لتحسين إدارة الإيرادات أو نماذج متقدمة تساعد على التنبؤ بصورة أدق بمسارات الطائرات وجدولة عودتها إلى الخدمة. كما تتوسع شركات الطيران في توظيف التحليلات المتقدمة لتحسين كفاءة عملياتها وتعزيز أدائها.
لوسيا راهيلي: بالعودة إلى النقطة الأولى، هل بدأت شركات الطيران العمل على ضمان ظهور رحلاتها وعروضها ضمن النتائج التي تقدمها منصات المحادثة الذكية؟ وكيف تتعامل الشركات مع توجه أعداد متزايدة من المسافرين إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، عوضاً عن البحث مباشرةً في مواقع شركات الطيران أو عبر وكالات السفر الإلكترونية المعتادة؟
ستيف ساكسون: نعم، تعمل شركات الطيران بالفعل على ربط خدماتها بمنصات المحادثة الذكية. والهدف هو أن تقود هذه المنصات المسافر إلى شركة الطيران مباشرةً؛ فعندما يطلب المستخدم حجز رحلة، يمكن للمنصة أن تقترح عليه الانتقال إلى الموقع الرسمي للشركة، أو تساعده على إتمام الحجز من خلال الموقع نفسه. وهذا هو الربط الذي تعمل شركات الطيران على تطويره، حتى تظل جزءاً مباشراً من عملية الحجز ولا تفقد صلتها بالمسافر.
ولكي تتمكن منصات المحادثة الذكية من مساعدة المسافر على اختيار الرحلة وحجزها، بدأت بعض شركات الطيران تتيح لها الوصول بسهولة إلى أسعار الرحلات وبيانات المقاعد المتاحة. فإذا بحث المستخدم عن رحلة أو موعد سفر محدد، تستطيع المنصة أن تعرض له السعر وتوضح ما إذا كانت المقاعد متوافرة مباشرةً ضمن المحادثة.
لوسيا راهيلي: "ستيف"، ما أبرز نتيجة فاجأتك في أحدث أبحاثكم حول المقاعد المخصصة لدرجات السفر الممتازة، والدور الذي تؤديه في أرباح شركات الطيران؟
ستيف ساكسون: أبرز ما كشفته الدراسة هو أن شركات الطيران تحتاج إلى تغيير طريقة إدارتها لهذا الجانب من أعمالها، لأن معظم النمو في الطلب على درجات السفر الممتازة يأتي اليوم من المسافرين لقضاء العطلات، لا من موظفي الشركات في رحلات العمل. وتغيّر نوع المسافر ينعكس مباشرةً على تصميم درجات السفر والخدمات المقدمة فيها، وعلى طريقة تحديد أسعارها والقنوات المستخدمة لبيع تذاكرها. ولهذا تعيد شركات الطيران تنظيم عملياتها وقراراتها لتلائم احتياجات المسافرين الذين يدفعون من أموالهم الخاصة مقابل تجربة سفر أفضل خلال عطلاتهم.
لوسيا راهيلي: قبل أن نختم، ما النصيحة العملية التي تحرص دائماً على اتباعها عند ترتيب حقيبة السفر أو خلال الرحلة؟
ستيف ساكسون: مهما كان عدد الأيام التي ستقضيها في عطلتك، تكفيك حقيبة سفر صغيرة واحدة تحملها معك في الطائرة.