عصر جديد لتجارة السلع الزراعية تقوده المرونة التشغيلية والذكاء الاصطناعي

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

لم تعُد العوامل المؤثرة في أسواق السلع الزراعية تتحرك بوتيرتها التقليدية المعتادة، وإنما أصبحت أكثر تداخلًا وتعقيدًا من أي وقتٍ مضى. ففي عام 2025، واجه كبار التجار صعوبةً كبيرةً في توقع اتجاهات العرض والطلب وحركة التجارة العالمية؛ بسبب تزايد التقلبات المناخية، واضطراب السياسات التجارية، وقواعد الوقود الحيوي الجديدة، إلى جانب تذبذب الأسعار، وأزمات النقل والإمداد. وقد أدى ذلك إلى تراجع أرباح تجارة السلع الزراعية بنسبة 15 في المائة على أساسٍ سنوي، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2022، وذلك وفقًا لتقديرات ماكنزي.1

ومن المرجح أن يستمر هذا الوضع في المستقبل، خاصةً مع تزايد الأحداث التي يصعب التنبؤ بها. فعلى مستوى الإنتاج، قد تصبح المحاصيل الزراعية أكثر عرضةً للتقلبات بسبب تغيّر درجات الحرارة ومعدلات هطول الأمطار، وتدهور صحة التربة، وانتشار الآفات والأمراض، إلى جانب عوامل أخرى.2 وفي المقابل، لم تعُد الأسواق التجارية أقل اضطرابًا، إذ تتأثر هي الأخرى بتغير مسارات التجارة العالمية وزيادة التوترات الجيوسياسية، مثلما ظهر في اضطراب حركة التجارة عبر مضيق هرمز مطلع عام 2026.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

وفي هذه المقالة، نستعرض أبرز الاتجاهات التي قد تؤثر في تجارة السلع الزراعية، وما تحتاجه الشركات من قدراتٍ للتعامل بكفاءةٍ مع تقلبات الأسواق. فقد أصبح نجاح التجار والمصنّعين مرتبطًا بقدرتهم على تحليل بيانات السوق، وفهم حركة العرض والطلب، واتخاذ قراراتٍ سريعةٍ لحماية تجارتهم، فضلًا عن تأمين عمليات الشحن، وتجنب الخسائر المالية في الوقت المناسب. أما الشركات التي لا تطوّر قدراتها، فقد تجد نفسها في موقفٍ أضعف أمام منافسين جدد يستخدمون التكنولوجيا والبيانات بصورةٍ أكثر تقدمًا. ومن هنا، تتجه الشركات الرائدة إلى إعادة تصميم هذه العمليات بما يتناسب مع تطورات الذكاء الاصطناعي الوكيل، كي تتمكن من حماية أصولها ومواجهة الأزمات المفاجئة بفعاليةٍ أكبر.

تفاوت الأسعار يزيد من الضغوط على المزارعين

تسيطر اليوم حالةٌ من عدم التوازن على أسواق السلع الزراعية؛ إذ تختلف حركة الأسعار من سلعةٍ إلى أخرى بحسب حجم المعروض منها. وقد ظهر ذلك بوضوحٍ خلال الفترة ما بين 2024 وحتى 2025؛ فقد صعدت أسعار بعض السلع التي تحتاج إلى وقتٍ طويل لزيادة إنتاجها، مثل الكاكاو والقهوة، في حين تراجعت أسعار محاصيل رئيسية، مثل الذرة وفول الصويا، بعدما مرّت بمواسم حصادٍ وفيرة. ونتيجةً لذلك، ازدادت الضغوط على المزارعين والتجار والمصنّعين على حدٍ سواء. اطّلع على "الشكل 1" الموضح أدناه.

How agility and AI could rewire agriculture trading

ويتمثّل الجانب الأول من هذا الخلل في نقص المعروض من بعض السلع. فعلى مستوى بعض المنتجات، واجهت سلعٌ مثل البرتقال والكاكاو والقهوة واللحوم نقصًا في المعروض، نتيجة عوامل متعددة، من بينها سوء الأحوال الجوية، وانتشار الأمراض والآفات، وانخفاض أعداد الماشية المخصّصة للتكاثر، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكلٍ ملحوظ.3 الأمر الذي دفع بعض مُزارعي الكاكاو والقهوة ومربي الماشية إلى ضخ استثماراتٍ إضافية لزيادة أعداد القطعان، وزراعة شتلاتٍ جديدة، وتحسين نظم الري. غير أن أثر هذه الاستثمارات لا يظهر في زيادة الإنتاج إلا بعد فترةٍ تتراوح بين عامين وأربعة أعوام. بل إن بعض هذه القرارات، مثل إعادة الزراعة أو الاحتفاظ بصغار إناث الماشية لاستخدامها في التكاثر بدلًا من بيعها في السوق4 قد يقلل من الكميات المتاحة في الأسواق على المدى القريب.

أما الجانب الآخر من هذا الخلل، فيتمثل في زيادة المعروض من بعض المحاصيل، مثل الذرة وفول الصويا والقمح؛ إذ أدى ارتفاع إنتاجيتها، إلى جانب اتساع المساحات التي تم حصادها، إلى وفرةٍ عالميةٍ كبيرة تسببت في تراجع أسعار تلك السلع إلى أدنى مستوياتها منذ عدة سنوات.5 ورغم أن زيادة الإنتاج قد تبدو في ظاهرها أمرًا إيجابيًا، فإنها لم تكن في صالح المزارعين؛ إذ تزامن انخفاض أسعار البيع مع بقاء تكاليف الزراعة، مثل الأسمدة والبذور والوقود والتمويل، عند مستوياتٍ مرتفعة.6 ويؤكد تحليل ماكنزي في أبريل 2026 هذا التحدي؛ فمنذ مطلع عام 2026، لم تكن الزيادات المحدودة في أسعار الذرة والقمح كافيةً لتعويض الارتفاع الكبير في تكلفة مستلزمات الإنتاج. ونتيجةً لذلك، أصبح كثيرٌ من مُزارعي الذرة والقمح وفول الصويا ينفقون على الزراعة أكثر مما يحصلون عليه من بيع المحصول، إذا ما استبعدنا الدعم الحكومي.

ولم تتوقف آثار هذا الخلل عند المزارعين وحدهم، بل امتدت إلى مختلف مراحل إنتاج السلع الزراعية. فقد واجه التجار والمصنّعون صعوبةً بالغة في الحفاظ على مستويات الربحية، خاصةً مع وفرة الحبوب والبذور الزيتية، ووجود طاقاتٍ تشغيليةٍ في المطاحن ومصانع تحويل الحبوب تفوق حاجة الأسواق الرئيسية مثل أمريكا الشمالية. وزاد من هذه الضغوط ارتفاع تكلفة تمويل عمليات الشراء والتخزين والنقل، وصعوبة التنبؤ باتفاقيات التجارة والرسوم الجمركية، وهي عواملٌ أثّرت بشكلٍ مباشر في طريقة تحديد الأسعار.7 كما أضافت تحديات النقل والإمداد ضغطًا أكبر على هوامش الربح، وجعلت العمليات التشغيلية أكثر تعقيدًا.

وتُعد سوق البذور الزيتية مثالًا واضحًا على هذا التحول؛ إذ أظهرت تطوراتها خلال السنوات الماضية كيف تغيّرت العوامل المؤثرة في الأسعار. فمنذ 2018 وحتى 2024، شجعت السياسات الداعمة للديزل المتجدد في الولايات المتحدة وإندونيسيا مصانع عصر البذور الزيتية وشركات الطاقة الحيوية على زيادة طاقتها الإنتاجية.8 وهو ما ظهر أثره بوضوحٍ في 2022، عندما ارتفع الطلب في أمريكا الشمالية على زيت فول الصويا باعتباره أحد المواد المستخدمة في إنتاج الوقود المتجدد؛ فارتفعت أسعاره إلى أعلى مستوياتها منذ 2008، وحققت شركات عصر البذور الزيتية هوامش أرباحٍ غير مسبوقة.9 مما دفعها إلى توسيع طاقتها الإنتاجية داخل الولايات المتحدة. ومع بدء تشغيل المصانع الجديدة، واصلت كميات فول الصويا المعصور الارتفاع، وسجلت مستوياتٍ قياسيةٍ لأربعة أعوامٍ متتالية حتى عام 2024.10 غير أن زيادة الطاقة الإنتاجية لم تضمن استمرار الأرباح المرتفعة؛ إذ تراجعت هوامش أرباح عصر فول الصويا بنسبةٍ وصلت إلى 80 في المائة خلال الفترة من 2023 إلى 2024.11 وتكشف هذه التطورات الارتباط الوثيق بين السياسات الحكومية وأسعار الطاقة والسلع الزراعية. فعندما ترتفع أسعار الوقود، يزداد عادةً الطلب على الوقود الحيوي والمواد الزراعية المستخدمة في إنتاجه، مما قد ينعكس على أرباح المنتجين وحركة الأسعار في الأسواق الزراعية.

واستكمالًا لهذا المشهد، لم تقتصر التقلبات على سوق البذور الزيتية وحدها، بل ظهرت بصورٍ مشابهةٍ في محاصيل زراعية أخرى حول العالم، حيث واجهت الشركات الأقل مرونةً صعوباتً كبيرة في التكيف معها. في المقابل، كانت الشركات التي تمتلك أصولًا وعملياتٍ في مناطق جغرافية مختلفة، وتتمتع بمرونةٍ في نقل السلع وتوجيهها إلى أسواق متعددة، أكثر قدرةً على حماية هوامش أرباحها عند حدوث اضطرابات. وهو ما دفع بعض الشركات إلى الابتعاد تدريجيًا عن الأنشطة شديدة التذبذب في تجارة الحبوب وتصنيعها، والاتجاه إلى منتجاتٍ أكثر تخصصًا واستقرارًا من حيث الطلب، مثل الزيوت المخصصة لاستخداماتٍ غذائيةٍ أو صناعيةٍ بعينها، والبروتينات البديلة التي تُستخدم كبدائل للحوم، إلى جانب منتجاتٍ غذائيةٍ ترتبط بالصحة والتغذية، في محاولةٍ للحد من تقلبات الأرباح.12

ومع استمرار ارتفاع معدلات التضخم وصعوبة الحصول على الأسمدة والوقود بالكميات المطلوبة، برزت تحدياتٌ جديدةٌ أمام المزارعين وشركات تجارة السلع الزراعية والمصنّعين. فقد أدت تقلبات السوق وتغير أسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة تمويل العمليات اليومية، خاصةً شراء السلع والاحتفاظ بالمخزون. كما ارتفعت الضمانات المالية المطلوبة للوفاء بالتزامات التداول في بورصات السلع الكبرى، مثل "بورصة شيكاغو التجارية" و"إنتركونتيننتال إكستشينج".

ثلاثة تحولاتٍ تقود أسواق السلع الزراعية إلى مرحلةٍ جديدة

في ظل هذا المشهد المليء بالتقلبات وعدم اليقين، قد تتغير ملامح أسواق السلع الزراعية في السنوات المقبلة بصورةٍ كبيرة. والسؤال هنا: كيف سيحدث هذا التغيير؟ الإجابة تكمن في عدة عوامل رئيسية مرشحةٌ لإحداث تحولاتٍ عميقةٍ في مستقبل تجارة السلع الزراعية وحركة الأسواق.

اضطراب إنتاج المحاصيل وسلاسل الإمداد

من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تقلباتٍ حادة في حجم إنتاج المحاصيل الزراعية، واضطراباتٍ أعمق في سلاسل الإمداد، نتيجة عوامل متعددة.

لقد أثّرت الرسوم الجمركية وحالة عدم اليقين الجيوسياسي، طوال السنوات الماضية، في استراتيجيات الشركات وقراراتها الخاصة بتجارة السلع الزراعية ونقلها. ومع استمرار هذه الأوضاع، يُرجّح أن تتكرر الاضطرابات التي تُربك حركة التجارة على المدى القصير والمتوسط، وهو ما قد ينعكس على مختلف مراحل إنتاج السلع الزراعية وتداولها، بدءًا من المزارعين وصولًا إلى الأسواق النهائية. وللمزيد من التفاصيل بهذا الصدد، يُرجى الاطلاع على العمود الجانبي بعنوان "اضطرابات سلاسل الإمداد في الشرق الأوسط". ونتيجةً لذلك، لم تعُد حالات نقص المعروض في بعض المناطق، أو تغير مسارات الشحن والتجارة، أو التعديلات المتكررة على الرسوم والقواعد التجارية، أحداثًا استثنائية، بل أصبحت أقرب إلى قاعدةٍ عامةٍ في الأسواق الزراعية.

علاوةً على ذلك، لم يعُد قطاع الإنتاج الزراعي بمنأى عن التهديدات البيئية والمناخية، التي لا تقل خطورةً عن اضطرابات الطاقة والأسمدة؛ فمن المتوقع في السنوات المقبلة أن تؤدي موجات الطقس القاسية، وتدهور التنوع البيولوجي الداعم للنظام الزراعي، فضلًا عن إنهاك التربة ومحدودية الأراضي الصالحة للزراعة، إلى تفاوتٍ كبيرٍ في حجم المحاصيل من موسمٍ إلى آخر، بل قد يصل الأمر في بعض الحالات إلى تلفها أو فشل مواسم الحصاد بالكامل. وتظهر هذه التداعيات في المناطق المدارية القريبة من خط الاستواء؛ حيث قد تتراجع إنتاجية الذرة بنسبةٍ تصل إلى 30 في المائة بحلول 2050 إذا ظلت انبعاثات الاحتباس الحراري مرتفعة.13 ولا تتوقف الأزمة عند حدود المناخ، بل تمتد إلى التربة نفسها؛ إذ تشير التقديرات إلى أن ثلث الطبقة السطحية المغذية للمحاصيل قد تدهور بالفعل، ومن المحتمل أن تطال هذه المخاطر 90 في المائة من التربة بحلول العام نفسه.14

ويمتد أثر التهديدات المناخية أيضًا إلى بعض ظواهر الطقس المتكررة، ومن أبرزها ظاهرة "إل-نينيو"، التي تنشأ نتيجة تغيّر درجات حرارة سطح المياه في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ، بما يؤثر في أنماط الطقس في مناطق مختلفة من العالم. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الظاهرة أكثر تكرارًا.15 كما يُتوقع أن تزداد آثارها حدةً بسبب التغير المناخي,16 وهو ما يجعل تأثيرها في المحاصيل أكثر صعوبةً في التوقع من منطقةٍ إلى أخرى. ففي 2023، تضرر إنتاج فول الصويا في البرازيل بشدة نتيجة الجفاف، خاصةً في مناطق زراعية رئيسية مثل "ماتو غروسو". وفي أستراليا، أدت أمطار "لا-نينيا" خلال موسم 2022-2023 إلى تراجع جودة القمح، الأمر الذي منح أفضليةً للشركات التي تمتلك مصادر متنوعة للإمداد.17

ويزداد هذا الخطر مع اعتماد الأسواق على عددٍ محدودٍ من مناطق الإنتاج الرئيسية؛ فعندما تتعرض إحدى هذه المناطق لاضطراباتٍ في الزراعة أو الشحن، ينعكس أثر ذلك سريعًا على الإمدادات والأسعار. وتُعد القهوة والكاكاو من أبرز الأمثلة على هذه الهشاشة، إذ بدأت الأراضي الملائمة لزراعتهما تتراجع في دول رئيسية منتجة، مثل البرازيل وكولومبيا وإندونيسيا في حالة القهوة، وغانا وكوت ديفوار في حالة الكاكاو.18 ومع ضيق هذه القاعدة الإنتاجية، تصبح الشركات التي تشتري هذه السلع أكثر عرضة لمخاطر نقص الإمدادات "الشكل 2".

How agility and AI could rewire agriculture trading

فئاتٌ جديدة تغيّر طبيعة التداول في تجارة السلع الزراعية

تجذب أسواق السلع الزراعية اليوم فئاتٍ جديدة من المستثمرين والشركات، في ظل موجاتٍ متلاحقة من تقلبات الأسعار وما تُتيحه من فرص لتحقيق الأرباح. غير أن هذه الفرص لا تأتي بلا ثمن؛ فكلما ازدادت حركة السوق سرعةً وحدّةً، ارتفعت معها الحاجة إلى إدارةٍ أكثر دقةً للمخاطر والسيولة. ومن أبرز هذه الفئات:

  • صناديق التحوط: وهي صناديقٌ استثمارية تبحث عن فرص للربح من تغيّر الأسعار في الأسواق، سواء عند ارتفاعها أو انخفاضها. وتنجذب هذه الصناديق إلى السلع التي تشهد زياداتٍ كبيرة في الأسعار بسبب نقص المعروض، لأنها ترى فيها فرصةً لتحقيق الأرباح. وتعتمد في قراراتها على تحليل حركة العرض والطلب، إلى جانب مؤشراتٍ رقميةٍ تساعدها على معرفة اتجاهات الأسعار. لكن هذه الفرص تحمل مخاطر واضحة؛ فكلما زادت تقلبات الأسعار، احتاجت هذه الصناديق إلى سيولةٍ أكبر لتغطية التزامات التداول.19 كما أن خروج المضاربين من السوق أو تقليل مراكزهم قد يزيد من حدة التقلبات.
  • شركات الطاقة: في المقابل، تتحرك شركات النفط والغاز بدافعٍ مختلف، إذ ترى في تجارة السلع الزراعية امتدادًا طبيعيًا لنشاطها المرتبط بالوقود المتجدد. لذلك تتجه هذه الشركات إلى الاستثمار في تداول المواد الأولية والمنتجات الثانوية المستخدمة في هذا القطاع، إلى جانب الأصول والبنية التحتية اللازمة لإنتاج الديزل المتجدد ووقود الطيران المستدام.20 وقد ساعدها التوسع الأخير في قدرات سحق البذور الزيتية وتكرير الوقود المتجدد في أمريكا الشمالية على استخدام التحليلات لفهم الروابط المتغيرة بين أسواق الغذاء والطاقة، مثل العلاقة بين أسعار الديزل ومنتجات فول الصويا.
  • شركات السلع الاستهلاكية وخدمات الأغذية: تدخل هذه الشركات سوق السلع الزراعية من زاوية إدارة التكاليف وحماية هوامش الربح، إذ تنظر إلى التحوط باعتباره وسيلةً لتحقيق قيمةٍ أفضل، وليس مجرد أداةٍ لتثبيت الأسعار. لذلك تتجه إلى استخدام أدواتٍ أكثر مرونة، مثل عقود الخيارات، التي تمنحها حق الشراء أو البيع بسعرٍ محدد خلال فترةٍ معينة، من دون التزامٍ كاملٍ بتنفيذ الصفقة. كما تفضّل بعض الشركات إسناد جزءٍ من مخاطر الأسعار إلى جهاتٍ متخصصةٍ تتولى التداول نيابةً عنها.

ومع اتساع حضور هذه الفئات داخل الأسواق الزراعية، قد تظهر مصادر جديدة للسيولة وفرص إضافية أمام الشركات القائمة. لكن في المقابل، سيصبح المشهد أكثر ازدحامًا وتنافسية، خاصةً إذا نجحت المؤسسات الأكثر تطورًا في إدارة البيانات والتحليلات في الاستحواذ على نصيبٍ أكبر من أحجام التداول والعقود المفتوحة.

كيف تُعيد الخوارزميات قراءة الأسعار وتغيّر قواعد المنافسة؟

أصبحت حركة التداول في الأسواق الزراعية أسرع من أي وقتٍ مضى؛ فلم تعُد قرارات البيع والشراء تعتمد على خبرة المتداولين وحدها، بل باتت الخوارزميات والنماذج الرقمية تؤدي دورًا متزايدًا في تحليل المعلومات وقراءة حركة الأسعار ورصد العرض والطلب لحظةً بلحظة. فعندما تظهر معلومةٌ جديدة قد تؤثر في تدفق السلع أو حركة الأسعار، مثل نقص محصولٍ معين، أو تغيرٌ في الطقس، أو تطورٌ سياسيٌ مفاجئ، تنعكس هذه المعلومة سريعًا على قرارات البيع والشراء، مما يقلّص الوقت المتاح أمام المتداولين للتفكير والتحليل واتخاذ القرار.

وتعني هذه السرعة أن أي تغيرٍ في العرض أو الطلب ينعكس على الأسعار خلال وقتٍ أقصر. ففي الماضي، كان بإمكان المتداولين متابعة تغيرات المخزون على مدى أشهرٍ قبل أن يبدأوا في بناء توقعاتهم، أما اليوم، فتحتاج الأسواق إلى قراراتٍ أسرع تستند إلى البيانات والتحليلات. وهو ما دفع كبار المتداولين لاستخدام أدواتٍ، مثل صور الأقمار الصناعية، وبيانات الطقس، ونماذج التعلم الآلي، للتنبؤ بأي نقصٍ محتمل في المعروض أو رصد أي اضطرابٍ في سلاسل الإمداد قبل تفاقمه. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الأدوات تساعدهم على تنظيم عمليات الشحن وإدارة الخدمات اللوجستية بسرعةٍ أكبر، وبصورةٍ أقرب إلى المتابعة الفورية. وفي الوقت نفسه، تتجه شركاتٌ عدة إلى الاستعانة بجهاتٍ خارجيةٍ متخصصة في تحليل البيانات، بجانب الاستثمار في أبحاث "التحليل الكمي الأساسي"، والتي تجمع بين التحليل الرقمي وفهم أساسيات السوق. كما تساعد نماذج اللغة الكبيرة وسطاء السلع على متابعة الأخبار العاجلة وفهم تأثيراتها في وقتٍ أقل، وهو ما يُضعف الميزة التي كانت تتمتع بها الشركات الكبرى سابقًا بفضل امتلاكها معلوماتٍ أكثر من غيرها، وهو ما زاد من حدة المنافسة؛ إذ بدأ مشترو السلع الزراعية في استخدام الخوارزميات لاقتحام مجالاتٍ كانت في السابق أقرب إلى المستثمرين الأسرع في تنفيذ الصفقات.

ومع تزايد الاعتماد على النماذج الرقمية، تزداد الحاجة إلى البيانات التي تغذي هذه النماذج وتساعدها على رصد فرص التداول. لذلك بدأت بعض الشركات في تحويل بياناتها الداخلية، مثل أسعار التداول الفعلية وإشارات السوق، إلى مصدرٍ للدخل من خلال إتاحتها لأطرافٍ خارجية، مثل صناديق التحوط. غير أن هذا المسار ينطوي على جانبين متعارضين؛ فقد يحقق إيراداتٍ إضافية، لكنه قد يُضعف في الوقت نفسه المزايا التنافسية التي بنتها هذه الشركات على مدى سنوات طويلة.

ومن المتوقع أن تزداد سرعة هذا التحول مع انتشار الوكلاء الرقميين المدعومين بالذكاء الاصطناعي؛ فهذه الأدوات لا تكتفي بتحليل البيانات، بل يمكنها أيضًا اقتراح القرارات وتنفيذ بعضها بدرجةٍ عاليةٍ من الاستقلالية. فعلى سبيل المثال، يستطيع بعض هؤلاء الوكلاء متابعة البيانات الفنية والاقتصادية، فضلًا عن تحديد أساسيات السوق ومؤشراته وتوجهاته العامة، مما يساعد المتداولين على تكوين رؤيةٍ أوضح تُتيح لهم التحرك بسرعةٍ أكبر. كما تستطيع أنظمة إدارة المخاطر رصد المشكلات المحتملة في وقت مبكر، سواء كانت مرتبطة بالخسائر المتوقعة أو الضغوط المالية أو توافر السيولة، واقتراح التدخلات المناسبة للحد من تأثيرها. غير أن هذه الأدوات تحتاج إلى تصميمٍ دقيق وضوابط واضحة؛ لأن استخدامها بطريقةٍ غير مناسبة يمكن أن يزيد من اضطراب الأسواق. وقد يظهر ذلك، على سبيل المثال، عندما تبدأ أوامر البيع التلقائية لتقليل الخسائر لدى كبار المستثمرين في العمل خلال فتراتٍ متقاربة، مما يؤدي إلى موجاتٍ متتابعةٍ من البيع تضغط على الأسعار، وتزيد من ارتباك الأسواق.

ومع ظهور هذه التحولات، أصبحت أسواق السلع الزراعية أكثر حساسيةً وتأثرًا بأي معلومةٍ جديدة، سواء كانت مرتبطةً بتأخر الشحن، أو نقص المعروض، أو دخول منافسين جدد، أو حتى تغيّر الأسعار بفعل الخوارزميات. فلم تعُد هذه العوامل تعمل بمعزلٍ عن بعضها البعض؛ إذ قد يؤدي اضطراب سلاسل الإمداد إلى تغير الأسعار، فتتفاعل معه الخوارزميات بشكلٍ لحظي. لذلك، سيحتاج التجار والمصنّعون إلى العمل باستراتيجياتٍ أكثر مرونة، وبياناتٍ أكثر دقةً، وقدرةٍ أسرع على التحرك قبل أن تتغير ظروف الأسواق ومعطياتها.

ما الذي تحتاجه شركات السلع الزراعية لتحقيق النجاح؟

تحتاج شركات تجارة وتصنيع السلع الزراعية إلى العمل بطريقةٍ أكثر مرونة، تساعدها على الاستجابة السريعة للمتغيرات. فالشركات الأقدر على المنافسة هي التي تُعيد تنظيم عملياتها، وتستثمر في قدراتٍ تمكّنها من إدارة أصولها المنتشرة في أسواق ومناطق جغرافية مختلفة بكفاءةٍ أكبر. وهو ما يبدأ من داخل الشركة نفسها؛ عبر إعادة النظر في الهياكل التنظيمية، وتشجيع ثقافة التعاون بين فِرق العمل، ووضع حوافز واضحة تربط القرارات اليومية بالربحية العامة للمؤسسة، لا بمصلحة وحدةٍ أو سوقٍ بعينها. ويساعد هذا التنظيم التجار على اتخاذ قراراتٍ أسرع وأكثر اتساقًا مع متغيرات السوق.

ولكي تصبح هذه الشركات أكثر جاهزيةً للمستقبل، يمكنها التركيز على أربعة مساراتٍ رئيسية: إدارة مراحل إنتاج السلع وتداولها من منظورٍ عالمي، وتصميم نموذجٍ تشغيليٍ مرن يسمح بالتحرك السريع، وتسهيل التعاون بين فِرق العمل من خلال بياناتٍ أكثر وضوحًا وشفافية، وبناء قدراتٍ تحليليةٍ قابلة للتوسع والربط ضمن منظومةٍ موحدة.

التحوّل من الإدارة الإقليمية إلى رؤيةٍ عالمية أكثر تكاملًا لإدارة السلع

لا تزال كثيرٌ من شركات السلع الزراعية تتخذ قراراتها بصورةٍ منفصلة داخل كل وحدة أعمال أو منطقةٍ جغرافية، وهو ما يؤدي أحيانًا إلى تباين الأولويات واختلافها بين الإدارات المختلفة. فقد ترى كل وحدةٍ أنها تعمل بما يخدم مصلحتها، بينما لا تنعكس هذه القرارات على مصلحة الشركة ككل. ويزداد هذا التحدي في الشركات الكبرى التي تمتد عملياتها عبر أسواقٍ ومناطق متعددة، لا سيما في ظل غياب آلياتٍ موحدة وواضحة لاتخاذ القرار. ولهذا، تتجه بعض الشركات إلى إعادة تنظيم عملياتها بطريقةٍ تحدّ من التعقيدات، وتجعل انتقال المهام والمعلومات بين الفِرق أكثر وضوحًا وسلاسة.

ويتطلب هذا التحول إعادة تصميم أنظمة الحوافز وتوزيع المسؤوليات، حتى ترتبط أهداف الأداء بمصلحة الشركة العامة، لا بمصلحة إدارةٍ أو نشاطٍ واحدٍ فقط. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ربط فِرق التوريد والنقل والشحن والتصنيع بأهدافٍ مشتركة، تساعدها على العمل بدرجةٍ أكبر من التنسيق. كما يحتاج نجاح هذه الجهود إلى إشراك مختلف المستويات الإدارية داخل الشركة، للحد من تضارب الرؤى الذي غالبًا ما يظهر مع اتساع حجم الشركة وتعدد أنشطتها وأسواقها.

ومع التوسع في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل في إدارة العمليات، تزداد الحاجة إلى تنظيم العلاقة بينها وبين العاملين داخل المؤسسات، ووضع آلياتٍ واضحةٍ للمراجعة والمتابعة، فضلًا عن ضرورة تحديد المسؤوليات عند انتقال المهام بين الأنظمة الرقمية والبشر، أو بين الأنظمة نفسها.21 ولهذا بدأت بعض الشركات في إنشاء لجانٍ متخصصةٍ لمراجعة تحديثات هذه الأنظمة، وآليات استخدامها، وخطط التعامل مع الأخطاء المحتملة، لضمان استمرار العمل بصورةٍ مستقرةٍ وآمنة. ومع تطبيق هذه التغييرات على نحوٍ سليم، تصبح الشركات أكثر قدرةً على التحرك بمرونة، واتخاذ قراراتٍ متناغمة ومتّسقة بين مختلف الإدارات.

ولتسهيل حل الخلافات، يمكن لشركات السلع الزراعية الاستفادة من تجارب قطاعاتٍ أخرى، خاصةً قطاع الطاقة. فقد أنشأت إحدى شركات الطاقة العالمية فريقًا مركزيًا لتحسين إدارة المحافظ وتنسيق القرارات بين أنشطة الإنتاج والتداول وخدمة العملاء، بهدف تقليل التعارض بين الإدارات، ومساعدة الموظفين على تجاوز التعقيدات الداخلية واتخاذ قراراتٍ تخدم مصلحة الشركة بوجهٍ عام. وعلى أرض الواقع، تستخدم شركات النفط والغاز الكبرى نماذج قريبة من ذلك للتنسيق بين المتداولين ومديري المصافي، بما يضمن تحقيق أعلى عائدٍ ممكن من شراء النفط الخام وبيع المنتجات المكررة، مثل البنزين والديزل، بدلًا من أن تتركز المكاسب في إدارةٍ أو مصفاةٍ بعينها.

تصميم نموذج عمل مرن للتحرك السريع

قد تجد شركات تجارة السلع صعوبةً في التحرك بسرعة، خاصةً الشركات العالمية التي تعمل في أسواق ومناطق متعددة. لذلك تحتاج هذه الشركات إلى طريقة عملٍ أكثر مرونة، تعتمد على خططٍ أقصر وأكثر انتظامًا، حتى تستطيع متابعة تغيرات السوق والتعامل معها في الوقت المناسب.

ويمكن للشركات أيضًا إعداد سيناريوهاتٍ مسبقة لما قد يحدث في السوق، مثل التوترات الجيوسياسية، أو التغيرات الاقتصادية، أو القرارات الحكومية. ومن المهم أن تراعي هذه السيناريوهات الحلول والخيارات العملية المتاحة أمام الشركة، مثل تغيير مسارات الشحن، أو تنويع مصادر التوريد، أو إعادة توجيه السلع إلى أسواق أخرى. فوجود خططٍ جاهزةٍ يساعد الشركات على سرعة التعامل مع الأحداث المفاجئة، بدلًا من البدء في التفكير بعد وقوع الأزمة. ويساعد هذا النوع من التخطيط الشركات على فهم المخاطر المحتملة بصورةٍ أوضح، من خلال اختباراتٍ تحاكي صدمات السوق، مثل اضطرابٍ سياسيٍ مفاجئ أو نقصٍ حادٍ في المعروض. وبذلك تستطيع الإدارة معرفة ما إذا كان مستوى المخاطر يتوافق مع الحدود التي تقبلها الشركة، ومن ثمّ اتخاذ قراراتٍ أكثر وضوحًا عند حدوث الأزمات.

وإلى جانب ذلك، يمكن للشركات مراجعة ما فاتها من الفرص في السابق، لمعرفة أسباب عدم التحرك في الوقت المناسب، وكيف يمكن الاستفادة من هذه الدروس في القرارات المقبلة. وهو ما يتطلب تعاونًا بين المتداولين وفِرق التحليلات، حتى تنتقل البيانات والرؤى بسرعةٍ أكبر بين الطرفين، وتصبح القرارات أكثر اتساقًا. وتزداد أهمية هذا التعاون بين المتداولين وفِرق التحليلات في الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي الوكيل؛ إذ تشير ماكنزي إلى أن النتائج المالية الأفضل تتحقق عندما تُعيد الشركات تنظيم طريقة عملها حول هذه الأنظمة، بدلًا من إضافتها إلى العمليات القائمة دون تغيير حقيقي.22 وقد أظهرت بعض التجارب الناجحة فائدة إشراك الوكلاء الرقميين في إعداد السيناريوهات المحتملة، إلى جانب اعتماد دورات عملٍ متكررةٍ تقوم على "التخطيط، ثم التشغيل، ثم التعلم"، حتى تتمكن الفِرق من تعديل قواعد العمل والحدود المسموح بها مع تغير الأسواق وتطور النماذج الرقمية.

ويظهر أثر هذا النهج في تجربة إحدى الشركات العالمية لتجارة السلع، والتي طبقت إطارًا مرنًا لإدارة المخاطر، مكّنها من تعديل استراتيجيات التحوط فور تغير ظروف السوق. كما اعتمدت تقييماتٍ متجددةٍ للمخاطر بدلًا من النماذج الثابتة، واستخدمت تحليل السيناريوهات للاستعداد للاحتمالات الواردة، مثل العقوبات أو اختناقات سلاسل الإمداد، مما ساعد الشركة على الحد من المخاطر، والاستفادة من فرص التداول بين الأسواق، وجعل قرارات التداول أكثر ارتباطًا بالأهداف العامة للشركة.

جودة البيانات الركيزة الأساسية للتعاون الفعّال

لا تزال تعاني كثيرٌ من شركات التداول من مشكلةٍ أساسيةٍ تتمثل في ضعف جودة البيانات أو تشتتها بين الأنظمة وفِرق العمل، وهو ما يبطئ من عملية اتخاذ القرار ويزيد من صعوبة التعاون بين الفِرق. اطّلع على "الشكل 3". ورغم أن إصلاح منظومة البيانات بالكامل قد يستغرق سنوات، إلا أن الشركات يمكن أن تبدأ في رؤية أثرٍ واضحٍ خلال أشهر إذا ركزت على المجالات الأكثر ارتباطًا بالقرار التجاري.

How agility and AI could rewire agriculture trading

إذ لا يكفي تحسين جودة البيانات وحدها؛ فالشركات تحتاج أيضًا إلى رؤيةٍ واضحةٍ للأرباح والخسائر عبر مختلف مراحل إنتاج السلع وتداولها. فعندما يرى المتداولون كيف تؤثر قراراتهم في أرباح الشركة وخسائرها على مختلف مراحل إنتاج السلع وتداولها، يصبح من الأسهل تقليل الخلافات بين الفِرق، وتوجيه الصفقات نحو ما يحقق أفضل نتيجة للشركة، لا لمكتب تداولٍ أو وحدة أعمالٍ واحدةٍ فقط. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ثلاث خطواتٍ رئيسية:

  • أولًا، إنشاء مصدرٍ موحدٍ وموثوق لبيانات السوق والعمليات وطريقة احتساب مؤشرات الأداء، حتى تعمل جميع الفِرق باتساقٍ كامل.
  • ثانيًا، توثيق الخيارات المتاحة في الأصول والعقود، مثل البنود التي تمنح الشركة مرونةً في التوريد أو الشحن أو التنفيذ، حتى تفهم الفِرق المختلفة المساحة المتاحة من الحلول.
  • وثالثًا، مشاركة نتائج النماذج التحليلية بين الفِرق وبعضها، حتى يدرك كل فريقٍ كيف يمكن أن تؤثر قراراته في الأرباح والخسائر لدى الفِرق الأخرى ضمن مختلف مراحل إنتاج السلع وتداولها.

وبمجرد توافر هذه الرؤية المشتركة لفهم تحركات الأرباح والخسائر، يستطيع المتداولون العمل بسرعةٍ أكبر، بدلًا من اتخاذ قراراتٍ منفصلة قد تخدم جزءًا من المؤسسة على حساب جزءٍ آخر.

وتوضح إحدى التجارب العملية كيف يمكن لهذا النهج أن يُترجَم إلى نتائج ملموسة. فقد ركزت شركةٌ عالميةٌ أخرى لتجارة السلع الزراعية على مرحلةٍ واحدةٍ من مراحل العمل على سلعةٍ محددة، واستخدمت بياناتها المخزنة في أنظمة"SAP" ، وهي أنظمةٌ برمجيةٌ تستخدمها الشركات لإدارة عملياتها وبياناتها التجارية والمالية، بهدف بناء بنيةٍ تحليليةٍ مخصصة تساعدها على فهم أثر كميات المخزون وقيمته، إلى جانب العقود وهوامش التصنيع والتحوطات، في نتائج الأعمال. وقد أتاح لها ذلك فهمًا أدق للسوق، وتقديرًا أوضح لتأثير قراراتها في الأرباح. ومن خلال هذه الرؤية، تمكنت الشركة من تحديد مجموعةٍ من الفرص أتاحت لها زيادة الأرباح بأكثر من 150 مليون دولار، إلى جانب بناء قائمةٍ تضم أكثر من 70 استخدامًا إضافيًا للذكاء الاصطناعي يمكن للشركة توظيفها لاحقًا لتطوير أسلوبها في إدارة أعمالها وتحقيق الأرباح.

بناء تحليلاتٍ مرنة قابلة للتوسع

أصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ضرورةً أساسيةً لشركات السلع الزراعية، وليس مجرد خيارٍ إضافي؛ إذ تخطط أكثر من 60 في المائة من هذه الشركات لإطلاق مبادراتٍ واسعة النطاق في الذكاء الاصطناعي، أو بدأت بالفعل اختبارها وتجربتها على أرض الواقع "الشكل 4". ومع ذلك، لا يزال كثيرٌ من قادة القطاع الزراعي أكثر تحفظًا تجاه قدرات الذكاء الاصطناعي مقارنةً بقادة قطاعاتٍ أخرى، مثل الطاقة والمعادن.23 وبالرغم من إقبال نحو ثلث تجار السلع الزراعية على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، إلا أن معظمهم لا يزال يواجه صعوبةً في تحقيق عوائد واضحةٍ منها. ويرجع ذلك إلى أن الاستخدامات السهلة والسريعة غالبًا ما تحقق نتائج محدودة، بينما تحتاج الاستخدامات ذات العائد الأكبر إلى استثماراتٍ أعلى، وتنفيذٍ أكثر تعقيدًا، وقدرٍ أكبر من المخاطر. أما الشركات التي نجحت في إدارة هذا التوازن، فقد حققت نتائج لافتة؛ إذ سجلت واحدةٌ من كل عشر شركات زيادةً في الأرباح بنسبة 10 في المائة أو أكثر، وذلك قبل خصم الفوائد والضرائب.24

How agility and AI could rewire agriculture trading

ومن هنا، لا يكفي أن تستثمر الشركات في الذكاء الاصطناعي لمجرد مواكبة السوق؛ فالأهم أن تختار أدوات التحليل التي تستحق الاستثمار وتناسب احتياجاتها الفعلية. أما بالنسبة إلى المتداولين، فيكتسب هذا القرار أهميةً خاصة، لأنه ينعكس مباشرةً على النتائج المالية. فالاختيار بين أدواتٍ سهلة التنفيذ وأخرى أكثر تعقيدًا لكنها قادرة على تحقيق عائدٍ أكبر، قد يكون عاملًا حاسمًا في تجاوز توقعات الأرباح أو الإخفاق في تحقيقها. لذلك، ينبغي إدارة الاستثمار في التحليلات عبر مراحل واضحة، تبدأ بدراسة البيانات وفهمها، ثم اختبار الفكرة، وتطوير نموذجٍ أوليٍ قابل للتطبيق، وصولًا إلى استخدام نماذج التعلم الآلي ودمجها بشكلٍ فعلي في العمليات اليومية.

ولهذا، تحتاج شركات السلع الزراعية إلى بناء مجموعةٍ متنوعةٍ من أدوات التحليل المرنة، بحيث يمكن ربطها وتطويرها مع مرور الوقت. ومن الأفضل أن تبدأ الشركات بتوقعاتٍ واقعية تناسب جودة بياناتها وقدراتها التقنية الحالية، مع وضع أهدافٍ طويلة المدى تتيح لها الاستفادة من الفرص المستقبلية عندما تصبح البيانات والأنظمة أكثر نضجًا.

ولبناء أدوات تحليلٍ مرنة وقابلةٍ للتطوير، تحتاج الشركات إلى اتباع مجموعةٍ من المبادئ التي تساعدها على تحديد مسارٍ واضح، وهي:

  • مراقبة الجداول الزمنية: تحتاج الشركات إلى وضع توقعاتٍ واقعية للوقت اللازم قبل ظهور نتائج أدوات التحليل، لأن هذه الأدوات لا تحقق نتائج سريعة دائمًا. فبعضها يحتاج إلى الوقت لبناء النموذج وتجربته وربطه بالعمليات اليومية، خاصةً الأدوات التي تجمع بين التحليل الرقمي وفهم أساسيات السوق، أو تلك التي تُستخدم قبل تنفيذ الصفقات. فهذه الأدوات قد تكون مكلفةً ومحفوفةً بالمخاطر وغير منتظمة العوائد. ورغم ذلك، استطاعت بعض الشركات خفض رأس المال المطلوب لتشغيل أعمالها خلال أشهرٍ قليلة، من خلال إدارة المخزون بصورةٍ أفضل وترتيب أولويات التعامل مع الوسطاء. غير أن معظم أدوات التحليل المصممة خصيصًا تحتاج إلى شهرين على الأقل لبناء نموذجٍ أوليٍ قابل للتجربة، قبل دمجها واستخدامها فعليًا في العمليات اليومية.
  • البدء من نطاقٍ محدود ثم التوسع تدريجيًا: على الشركات أن تبدأ بخطواتٍ صغيرةٍ ومحددة، ثم تبني عليها بعد أن تُثبت قيمتها. لذلك، يمكن البدء بتطبيقاتٍ تحليليةٍ واضحة، لأنها غالبًا ما تكون أقدر على تحقيق العوائد بشكلٍ أسرع. كما يجب أن تضع الشركات خطةً لربط هذه التطبيقات مستقبلًا ببقية أدوات التحليل والبيانات في كافة مراحل إنتاج السلع وتداولها وعبر مختلف وظائف الشركة، حتى تتحول الاستثمارات الصغيرة إلى نظامٍ تحليليٍ متكامل، وتصبح الشركة أكثر استعدادًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي الوكيل.25
  • استغلال نقاط القوة: لا تحتاج الشركات إلى بناء كل قدراتها التحليلية من البداية، بل يمكنها أن تبدأ مما تمتلكه بالفعل. فمن الأفضل أن تستفيد من أدواتها الحالية، ونقاط قوتها، والتجارب الناجحة التي أثبتت فعاليتها. وعند تحديد مجالات الاستثمار المناسبة، ينبغي للشركات دراسة الأثر المتوقع على الأرباح والعوائد، ومدى سهولة التنفيذ، وإمكانية استخدام الحل نفسه لاحقًا في مجالاتٍ أخرى.
  • إعادة النظر في طريقة العمل: لا يكفي إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العمليات الحالية كما هي، بل تحتاج الشركات إلى مراجعة طريقة العمل ذاتها. فأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي ونماذج اللغة الكبيرة لن تحل محل فِرق الدعم والعمليات بشكلٍ كامل، لكنها ستغيّر طريقة العمل بدرجةٍ كبيرةٍ خلال السنوات المقبلة. وقد أشار استطلاعٌ حديثٌ لـ "ماكنزي" إلى أن أكثر من نصف التنفيذيين في قطاع السلع الزراعية يتوقعون أن يرفع الذكاء الاصطناعي أرباح القطاع بأكثر من 5 في المائة خلال العِقد المقبل.26 لذلك، تحتاج الشركات الطموحة إلى دراسة كيفية تطوير طرق العمل التقليدية، حتى تواكب هذا التحول السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وبالرغم من أن الأسواق لا تمنح الشركات قدرةً كاملةً على التنبؤ أو اتخاذ القرار الأمثل في كل مرة، فإن التجربة أثبتت أن أدوات التحليل المرنة قادرةٌ على صنع فارقٍ واضح في الأداء. فقد استطاع كبار تجار السلع، ممن استثمروا في التحليلات التنبؤية وإدارة مراحل إنتاج السلع وتداولها بكفاءةٍ أعلى، زيادة ربحيتهم بما يتراوح من 200 إلى 500 نقطة أساس. كما تشير تحليلات ماكنزي إلى أن توظيف الذكاء الاصطناعي الوكيل في العمليات اللاحقة لتنفيذ الصفقات، مثل تسجيلها ومراجعتها وتسويتها، يمكن أن يرفع الإنتاجية بنسبةٍ تتراوح من 30 إلى 60 في المائة خلال فترةٍ تمتد من عامين إلى أربعة أعوام.


ومن هنا تتضح ملامح المرحلة المقبلة؛ إذ لن تصنع البيانات وحدها الفارق، ولن تكون كثرة التقارير كافيةً لتحقيق الأفضلية. فالرهان الحقيقي سيكون على الشركات القادرة على تحويل البيانات إلى قرارات أسرع، وأكثر دقةً واتساقًا مع تقلبات السوق. غير أن بلوغ هذه الأفضلية يتطلب تصورًا جديدًا لطريقة العمل نفسها، وربط القرارات بوكلاء رقميين قادرين على التعامل مع نماذج التنبؤ والتحليل، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الرقابة البشرية والحوكمة الواضحة لضمان سلامة القرارات، وتعزيز الثقة بها، والالتزام بقواعد الرقابة الداخلية للشركات؛ إذ يمكن لهذه الأدوات، إذا ما وُظِّفت داخل إطارٍ آمنٍ ومنظم، أن تختصر زمن اتخاذ القرار من عدة أيامٍ إلى بضع ساعات.27 ومع تطور التكنولوجيا وتبدّل ملامح القطاع الزراعي العالمي، ستحتاج الشركات إلى أساسٍ تشغيليٍ مرن، وبياناتٍ موثوقة، وأدوات تحليلٍ مترابطة، تمكّنها من توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين نتائج التداول، وتمنحها قدرةً أكبر على التعامل مع التحولات المستقبلية بثقةٍ ووضوح.

Explore a career with us