ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
في هذه الحلقة من سلسلة بودكاست "داخل غرفة الاستراتيجية"، تحاورت الشريكة الفخرية في ماكنزي سيليا هوبر مع كريستيانا سميث شي، العضوة في مجلسي إدارة شركتي "كولومبيا سبورتسوير" و "يو بي إس"، ورئيسة مجلس إدارة مؤسسة "هابيتات فور هيومانيتي" الدولية الخيرية. وتكشف سميث شي في هذا الحوار أبواب غرفة مجلس الإدارة المغلقة، موضحة الفوارق الجوهرية بين مجالس المؤسسات غير الربحية ونظيرتها في الشركات، وما يرسم ملامح مجلس الإدارة الناجح. وتستعرض أيضاً بحكم خبرتها الطويلة الكيفية التي يمكن أن يستثمر بها القادة التنفيذيون فرص التطوير التي تتيحها عضوية مجالس الإدارة. ويأتي هذا التصاعد في أهمية الأدوار الرقابية في ظل بيئة اقتصادية بالغة التعقيد، ومخاطر تجارية متجددة الأشكال، تفرض على أعضاء مجالس الإدارة تكريس وقت أطول من أي وقت مضى لأداء مهامهم.
هذا نص محرر لأبرز محطات هذا الحوار، ولمزيد من النقاشات حول أبرز القضايا الاستراتيجية، يمكنكم متابعة السلسلة عبر منصة البودكاست التي تفضلونها.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
سيليا هوبر: "كريستيانا"، لقد خضتِ مسيرة مهنية ناجحة جمعت بين العمل كمستشارة إدارية وموقع تنفيذي في نايكي، كما عملتِ عضوة في عدة مجالس إدارة، من بينها "ويليامز سونوما" و"ويست مارين"، وتشغلين حالياً عضوية مجلسي إدارة "كولومبيا سبورتسوير" و"يو بي إس"، إضافة إلى مؤسسة "هابيتات فور هيومانيتي". ما الذي جذبكِ في البداية نحو عضوية مجالس الإدارة؟
كريستيانا سميث شي: انضممت إلى أول مجلس إدارة لي جزئياً لأكتشف كيف يبدو الجلوس على الطرف الآخر من الطاولة. فحين تكون تنفيذياً أو مستشاراً يتعامل مع العملاء، تكون مهمتك أن تعرض وتقدم النصح، وأردت أن أختبر شعور الجلوس في المقعد المقابل. ومن خلال عملي في ماكنزي، لمست بنفسي الأثر الكبير الذي يمكن أن تتركه عضوية مجالس الإدارة في تطوير القادة التنفيذيين. وحين كنت أشغل منصب مديرة العمليات لقطاع البيع المباشر للمستهلك في نايكي، وكنت في الطريق نحو تولي منصب الرئيسة، وهو ما تحقق لاحقاً بالفعل، رأيت أن الجلوس في غرفة مجلس الإدارة قد يمنحني منظوراً أوسع لفهم المؤسسة ككل.
سيليا هوبر: حدثيني عن تلك المرحلة الانتقالية الأولى، حين كنتِ تنتقلين خلال اليوم الواحد من موقع التنفيذية صاحبة القرار إلى موقع عضوة مجلس الإدارة صاحبة الرأي الاستشاري. هل كان هذا التحول صعباً عليكِ؟
كريستيانا سميث شي: من واقع خبرتي، أعتقد أن من عمل مستشاراً أول لسنوات طويلة، يجد الانتقال من الدور التنفيذي إلى عضوية مجلس الإدارة أمراً أيسر مما يتصوره كثيرون. فحتى في موقع الشريك الأول بماكنزي، تعتاد ألا تكون صاحب الكلمة الأخيرة، وتبذل قصارى جهدك في تكييف النصيحة مع طبيعة العميل وظروف الموقف، غير أن القرار النهائي يظل دائماً بيد صاحب الشأن. وينطبق المنطق ذاته تماماً حين تجلس في غرفة مجلس الإدارة. وهنا تكمن العقبة الأصعب أمام كثير من القادة التنفيذيين، حين ينتقلون من موقع إدارة مؤسستهم بأنفسهم إلى موقع العضو الذي يقدم الرأي دون أن يملك سلطة التنفيذ. صحيح أن مجلس الإدارة يمتلك صلاحية اتخاذ بعض القرارات، لكن نطاقها يبقى محدوداً، ذلك أن معظم القرارات الجوهرية تبقى بيد الرئيس التنفيذي وفريقه القيادي. فهم يرحبون برأيك وخبرتك ويصغون إليها باهتمام، لكنهم في نهاية المطاف من يمسك بزمام إدارة الأعمال اليومية، لا أنت. ولهذا كان علي أن أذكّر نفسي بهذه الحقيقة مراراً وتكراراً، خصوصاً حين عملت في مجالس إدارة قريبة جداً من مجال تخصصي وخبرتي المهنية. ففي تلك اللحظات، يجد المرء نفسه يقول في سره: "أنا أعرف تماماً ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانهم"، لكن الحقيقة البسيطة التي لا مفر منها أن المكان ليس مكانك، والقرار ليس قرارك.
سيليا هوبر: كشف استطلاعنا السنوي الخاص بمجالس الإدارة أن الوقت الذي يحتاجه عضو مجلس الإدارة للاستعداد لاجتماعات المجلس بات يتجاوز 30 يوماً في العام الواحد، وهذا الرقم في ازدياد مستمر. فهل تتفق هذه الأرقام مع ما عايشتِه بنفسكِ خلال مسيرتكِ في مجالس الإدارة؟
كريستيانا سميث شي: أعمل في مجالس الإدارة منذ أربعة عشر عاماً، والوقت المطلوب لهذا الدور تزايد بشكل ملحوظ خلال هذه المدة. جزء من هذا التصاعد يعود إلى تحديات اقتصادية كلية معينة تمر بها الأسواق، لكن الجزء الآخر مرتبط بإدراك أوسع لحجم المخاطر المحيطة ببيئة الأعمال بشكل عام. ولهذا أصبحت أنصح كل من يفكر في الانضمام إلى مجلس إدارة أن يضع في حسبانه أن هذا الدور سيستهلك نحو 15 بالمئة من وقته الإجمالي. فبالإضافة إلى اجتماعات اللجان واجتماعات المجلس نفسه، هناك دائماً تقريباً أعمال إضافية بين هذه الاجتماعات، من مكالمات طارئة مع اللجان إلى اتصالات مباشرة مع الرئيس التنفيذي. وإذا كنتَ ترأس إحدى اللجان، فعليك التحضير الإضافي الخاص برئاستها. ثم تأتي المواد التحضيرية التي يجب مطالعتها قبل كل اجتماع.
سيليا هوبر: إذن، وإذا انتقلنا للحديث عن فعالية مجلس الإدارة، ما الذي تعتقدين أنه يميز عضو مجلس الإدارة المتميز، أو عضو اللجنة الذي يُحدث فرقاً حقيقياً؟
كريستيانا سميث شي: الأمر الأول الذي يميز عضو مجلس الإدارة المتفوق، كما أشرت قبل قليل، هو إدراكه العميق أنه ليس هناك بصفة تنفيذية تدير العمليات اليومية للشركة. أما الأمر الثاني، ولا يقل أهمية عن سابقه، فهو بناء الثقة. وإذا كان هذا المبدأ صحيحاً في أي فريق عمل بشكل عام، فإنه يصبح أكثر حساسية حين يتعلق الأمر بالعلاقة مع الرئيس التنفيذي تحديداً. ولكي نفهم حساسية هذه العلاقة، لا بد أن نتوقف عند مفارقة طريفة تستحق التأمل، فالرئيس التنفيذي هو من يشارك أصلاً في اختيار أعضاء مجلس الإدارة، لكن هؤلاء الأعضاء أنفسهم يتحولون من الناحية العملية إلى ما يشبه رؤساءه المباشرين. وقلما تُتاح لأحدنا في مسيرته المهنية فرصة اختيار من سيكون رئيسه في العمل. فأنت تخضع بداية لمقابلة مع الرئيس التنفيذي كما لو كنت مرشحاً لوظيفة، ثم ما إن تحضر أول اجتماع لمجلس الإدارة حتى تجد نفسك مطالباً بإجراء تحول جذري في طريقة تفكيرك، بحيث تقول لنفسك: "أنا هنا لأمثل مصالح جميع الأطراف المعنية بالشركة، لا لأكون صوتاً للرئيس التنفيذي وحده، بل لأدعمه في تحقيق القيمة التي نعلم جميعاً أن هذه المؤسسة قادرة على تحقيقها". ومن هذا المنطلق، أرى أن العضو الذي يتبنى هذه العقلية بصدق، ويدرك في الوقت ذاته أن مهمته قد تفرض عليه أحياناً إبلاغ الرئيس التنفيذي بأمور لا يرغب في سماعها إطلاقاً، هو من يستحق فعلاً لقب عضو مجلس الإدارة الجيد.
ومن الحقائق اللافتة التي كثيراً ما تصدم من يخوض تجربة عضوية مجالس الإدارة للمرة الأولى، أن معظم العمل الجاد لا يُنجز داخل قاعة اجتماعات المجلس الرسمية، وإنما يتم في الغرف الجانبية، أي داخل اللجان المتفرعة عن المجلس. فحين يجتمع المجلس بكامل أعضائه، يُخصص جانب كبير من وقته لعرض ما أنجزته كل لجنة، ورفع توصياتها إلى المجلس ليصادق عليها. أما داخل اللجنة نفسها، فتُتخذ قرارات معينة تنص اللوائح صراحة على أنها من اختصاص اللجنة حصراً، دون الحاجة لعرضها على المجلس بكامل هيئته. ولهذا، فإن ما يميز عضو اللجنة الناجح هو إدراكه الحقيقي لقيمة هذا العمل التحضيري، وعدم الاستهانة به مهما بدا روتينياً. وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً حين يوجد بين أعضاء اللجنة من لا يكلف نفسه عناء قراءة المواد المرسلة إليه مسبقاً. وهنا لا بد من الاعتراف بأن استلام ملف اجتماع يمتد على 450 صفحة، أو ملف لجنة من 85 صفحة مع ملحق كامل، قد يثير شعوراً بالإرهاق لدى أي شخص، غير أن قراءة هذه الملفات بتمعن هي بالضبط السبب الذي من أجله وُجد العضو في اللجنة أساساً. فبدون قراءة متأنية، لن يكون لدى العضو رأي واضح يطرحه على زملائه، بينما يستطيع العضو الجيد، بفضل استعداده المسبق، أن يحرك النقاش ويثريه، وعندها فقط تتمكن اللجنة من تجاوز أي خلافات أو وجهات نظر متباينة قد تطرأ أثناء النقاش.
وأخيراً، وهذا برأيي الأمر الثالث الذي لا غنى عنه، فلا بد لعضو اللجنة أن يتعمق فعلياً في مجال عمله، لا أن يكتفي بدور المراقب من بعيد. فإذا كنتَ عضواً في لجنة المخاطر كما هو الحال معي في شركة "يو بي إس"، فعليك أن تفهم بعمق وتتفاعل بجدية مع مختلف أنواع المخاطر التي تواجه الشركة، بدءاً من المخاطر السيبرانية، مروراً بمخاطر الأمن المادي ومخاطر المواقع الجغرافية، وصولاً إلى مخاطر قطاع الفضاء والطيران، وغيرها من طيف واسع من المخاطر المتشعبة. وفي تقديري الشخصي، هذا الجانب تحديداً هو ما يمنح تجربة عضوية مجلس الإدارة متعتها الخاصة، فمقدار ما يتعلمه المرء داخل اللجان، وقدرته على مواكبة المستجدات كقائد تنفيذي حتى وإن لم يعد يشغل موقعاً تشغيلياً مباشراً، يُعد من أبرز مكاسب هذه التجربة.
سيليا هوبر: وعلى الصعيد الشخصي، كيف تحرصين على مواكبة مواضيع مثل الذكاء الاصطناعي أو إدارة المخاطر، وكيف تبقين على اطلاع دائم بأحدث توجهات القطاع؟
كريستيانا سميث شي: أعتمد في هذا الشأن على نهج يقوم على ثلاثة محاور أساسية. المحور الأول يتمثل في التعليم المؤسسي داخل مجلس الإدارة نفسه، فأي مجلس إدارة يُدار بكفاءة عالية، لا بد أن يخصص جزءاً من برامجه لتثقيف أعضائه. ففي مؤسسة "هابيتات" على سبيل المثال، نُخصص جزءاً من جدول أعمال أحد الاجتماعات السنوية لهذا الغرض تحديداً. أما المحور الثاني، فيتعلق بالاستفادة من المؤسسات المتخصصة في دعم أعضاء مجالس الإدارة، مثل الرابطة الوطنية لمديري الشركات، ومنظمة "50/50 نساء في مجالس الإدارة"، وهما جهتان تقدمان برامج تدريبية متخصصة، بل وشهادات معتمدة لأعضاء المجالس. وبالرغم من أنني لا أعتقد أن أياً منا يملك الوقت الكافي لحضور كل المؤتمرات المتاحة على مدار العام، إلا أنني أحرص دائماً على اختيار مؤتمر أو اثنين كل عام لحضورهما شخصياً. وأما المحور الثالث والأخير، فيرتبط بالموضوعات الخاصة بطبيعة عمل الشركة والقطاع الذي يعمل فيه المجلس الذي أنتمي إليه. وبالنسبة لي، يعني هذا أن أبقى مطلعة باستمرار على أحدث المستجدات في ذلك القطاع تحديداً. فالجمع بين هذه المحاور الثلاثة معاً هو ما يضمن للعضو أن يبقى محدّثاً وقادراً على مواكبة التطورات في كل الاتجاهات.
سيليا هوبر: دعينا ننتقل للحديث عن آلية اتخاذ القرار داخل غرفة مجلس الإدارة. فبعض الرؤساء التنفيذيين يشتكون من اضطرارهم لتكرار الطرح على المجلس مراراً، حيث يبدأون بعرض الفكرة، ثم يتوسعون في شرحها، ليصلوا ربما في الاجتماع الثالث فقط إلى اتخاذ القرار النهائي. فما الذي يسهّل، برأيك، الوصول إلى القرار بشكل أسرع؟
كريستيانا سميث شي: في الواقع، فكرة المرور بثلاث مراحل قبل الوصول إلى القرار ليست بالأمر السيئ على الإطلاق، بل ولا تستلزم بالضرورة وقتاً طويلاً. فحين نتحدث مثلاً عن عمليات الاندماج والاستحواذ، قد نمرّ بهذه المراحل الثلاث خلال فترة لا تتجاوز أسبوعين أو ثلاثة أسابيع فقط. وأرى أن من الضروري منح مجلس الإدارة أكثر من فرصة لمناقشة الفكرة قبل البت فيها نهائياً، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقرار مصيري، سواء كان عملية استحواذ كبرى أو تعديلاً جوهرياً في سياسة المكافآت. فحرمان المجلس من الوقت الكافي لطرح كل تساؤلاته يُعد تقصيراً واضحاً في حقه، إذ إن هذا بالضبط هو الدور الذي وُجد المجلس من أجله، أليس كذلك؟ غير أن هذا لا يعني أن اتخاذ القرار يستلزم دائماً هذا المسار الطويل، فبالإمكان الإسراع في الحسم حين يفرض الموقف ذلك. ومن واقع تجربتي، ينجح هذا النهج السريع حين يبادر الرئيس التنفيذي من تلقاء نفسه إلى عقد مكالمات مباشرة مع أعضاء المجلس، وإبقائهم على اطلاع مسبق بمجريات الأمور أولاً بأول. وأتذكر هنا مثالاً واقعياً على ذلك، حين يقول الرئيس التنفيذي للمجلس ما مضمونه: "لدينا مجموعة صغيرة من الشركات نتفاوض معها حالياً بمستويات مختلفة من الجدية، وسأحيطكم علماً بمستجدات هذه المفاوضات في كل اجتماع دوري لنا. أما إذا تسارعت وتيرة إحدى هذه المفاوضات بشكل مفاجئ، فسنعقد حينها مكالمة عاجلة، وقد أحتاج لإرسال بعض المعلومات الإضافية إليكم في الفترة الفاصلة بين الاجتماعات." وحين يسلك الرئيس التنفيذي هذا النهج الاستباقي في التواصل، لا يجد المجلس نفسه أمام قرار مفاجئ يُطلب منه البت فيه من دون سابق إنذار.
سيليا هوبر: أريد أن أنتقل بك إلى نقطة أخرى تتعلق بطبيعة النقاش داخل غرفة مجلس الإدارة، فهل يغلب عليها روح التوافق السريع بين الأعضاء، أم أنها تشهد نقاشاً حقيقياً وتبايناً في وجهات النظر؟ وهل يحمل الإفراط في التوافق خطورة قد لا تخطر على بال البعض؟
كريستيانا سميث شي: أفضّل شخصياً أن أنتمي إلى مجلس إدارة تدور فيه نقاشات جادة وعميقة قبل اتخاذ أي قرار، على أن أكون ضمن مجلس يمرر كل ما يُعرض عليه من دون تمحيص حقيقي. ولم يحدث معي أن عملت ضمن مجلس بهذا الشكل السلبي، غير أنني لاحظت في المقابل كيف يمكن أن يتسلل إلى بعض المجالس ذلك النمط من الانسياق الجماعي، حيث يتبنى الأعضاء رأياً سائداً واحداً ويحجمون عن طرح وجهات نظر مخالفة حرصاً على الانسجام الظاهري، حتى لو كان ذلك على حساب جودة القرار نفسه. وتزداد خطورة هذا النمط في المجالس التي ظلت تركيبتها ثابتة لفترة طويلة دون تجديد، ولهذا السبب تحديداً أنا من أشد المؤيدين لفكرة تحديد مدد زمنية لعضوية المجلس، وتجديد تركيبته بشكل دوري ومستمر. كما أؤمن بأهمية التخطيط الجيد للتعاقب الوظيفي، من خلال مراجعة مصفوفة المهارات المتوفرة داخل المجلس، والتأكد من أن تركيبته تواكب المستجدات وتبقى ذات صلة بمتطلبات المرحلة مع مرور الوقت. وحين تجتمع كل هذه العوامل معاً، فإنها تشكل خط دفاع يحمي المجلس من الوقوع في فخ التوافق الزائد الذي يُفقد النقاش قيمته الحقيقية.
غير أن جانباً كبيراً من هذا الأمر يعود في واقع الأمر إلى طبيعة العلاقة التي تربط الرئيس التنفيذي بمجلس إدارته، وإلى الدور الذي يتصوره لهذا المجلس منذ البداية. ويمكن هنا الحديث عن طيف واسع من المواقف التي يقف عليها الرؤساء التنفيذيون تجاه مجالسهم، فبعضهم ينظر إلى المجلس باعتباره عبئاً لا مفر من تحمله، بينما يراه آخرون شريكاً حقيقياً يصنع الفارق. فعند الطرف الأول من هذا الطيف، نجد الرئيس التنفيذي الذي يتعامل مع مجلس الإدارة وكأنه ضريبة مزعجة لا بد من دفعها، فيقول في قرارة نفسه: "لا خيار أمامي سوى وجود هؤلاء الأشخاص، وهم يكلفونني الكثير من الوقت والمال والصداع كل ثلاثة أو أربعة أشهر، لكنني سأحرص على إبقائهم بمعزل عن جوهر العمل، وسأمضي في إدارة الشركة بالطريقة التي أراها مناسبة". وهذا النمط من التفكير يمثل أدنى درجات النضج في التعامل مع الحوكمة المؤسسية. وعلى النقيض تماماً، يقف في الطرف الآخر من هذا الطيف رئيس تنفيذي يرى في مجلس إدارته مصدراً حقيقياً للتفوق التنافسي، حتى إنه يفخر بالقول: "مجلسي هو سر تميزي عن منافسيّ، وستتمنى لو كان بمقدورك أن تحظى بمجلس بمثل كفاءته".
سيليا هوبر: لقد عملتِ ضمن مجموعة متنوعة وفريدة من مجالس الإدارة، بدءاً من الشركات المساهمة العامة الكبرى، مروراً بالشركات المساهمة العامة ذات الملكية العائلية، وصولاً إلى الشركات الصغيرة. وأنتِ اليوم عضوة في مجلس إدارة مؤسسة عالمية كبرى غير ربحية. فما أبرز الفروقات التي لمستِها بين هذه الأنماط المختلفة من المؤسسات من حيث طبيعة العمل داخل غرفة مجلس الإدارة؟
كريستيانا سميث شي: أعتقد أن الشركات بشكل عام تمر بمراحل متفاوتة من النضج المؤسسي، وكل مرحلة تفرض طبيعة مختلفة لعمل مجلس إدارتها. فإذا كنتَ تعمل مع شركة خاصة، أو شركة ناشئة، أو شركة صغيرة طرحت أسهمها للاكتتاب العام مؤخراً، فمن المألوف جداً أن يكون مجلس الإدارة أكثر انخراطاً في القرارات التشغيلية اليومية، بل وقد يلعب دوراً استشارياً أقرب إلى المرافق للرئيس التنفيذي وفريقه، بدلاً من الاكتفاء بدور الرقابة من بعيد. ويعود جانب من هذا الانخراط إلى طبيعة تركيبة المجلس نفسه في هذه المرحلة، حيث يجد الرئيس التنفيذي نفسه أمام مزيج من الأعضاء الذين اختارهم بنفسه، وآخرين فرضهم عليه المستثمرون كشرط لضخ التمويل. ولهذا السبب تحديداً، قد تلاحظ أحياناً أن ديناميكية العمل داخل غرفة مجلس الإدارة تبدو مختلفة بعض الشيء عما هو معتاد، وربما يستغرق الأمر بعض الوقت حتى يألف الأعضاء بعضهم بعضاً ويبدأوا العمل الجماعي بانسجام حقيقي، وذلك ببساطة لأنهم لا يأتون جميعاً من الخلفية أو المنظور نفسه.
أما حين ننتقل إلى الطرف الآخر تماماً، أي إلى عالم الشركات الكبرى الراسخة والهادفة للربح، فسنجد أنفسنا أمام مشهد مختلف كلياً. فأول ما يلفت الانتباه هنا هو ذلك الانسجام الواضح داخل غرفة مجلس الإدارة، وهو انسجام لا يأتي من فراغ، بل ينبع من كون معظم الأعضاء قد راكموا خبرة عميقة على مدى سنوات طويلة، ما جعلهم يدركون تماماً حدود دورهم وما هو متوقع منهم. وقد يكون بعض هؤلاء الأعضاء لا يزال يشغل منصباً تنفيذياً حتى الآن، بينما اعتزل آخرون العمل التنفيذي تماماً، لكن هذا التفاوت لا يُحدث أي إرباك، إذ يبقى الجميع على دراية تامة بآليات العمل داخل المجلس ومسار اتخاذ القرارات فيه. ومن هذا الانسجام تحديداً، تتولد نتيجة طبيعية أخرى، وهي أن مجلس الإدارة في مثل هذه الشركات لا يشتت جهده بين قضايا كثيرة متفرقة، بل يركز على عدد محدود من الملفات الجوهرية التي تستحق فعلاً وقته واهتمامه، كرسم التوجه الاستراتيجي العام للشركة، وتحديد مستويات الاستثمار المناسبة، وتوزيع رأس المال بحكمة، وصولاً إلى مهمة لا تقل أهمية عن سابقاتها، وهي اختيار الرئيس التنفيذي وتطوير قدراته وتقييم أدائه بشكل دوري ومستمر.
سيليا هوبر: وكيف يختلف الأمر في مؤسسة "هابيتات فور هيومانيتي"؟
كريستيانا سميث شي: حين تجلس ضمن مجلس إدارة مؤسسة كبرى غير ربحية، ستلاحظ أن كل نقاش تقريباً ينطلق من نقطة واحدة ثابتة، وهي الرسالة التي تأسست المؤسسة من أجلها. فالسؤال الذي يتصدر أي جلسة يكون دائماً: كيف نخدم هذه الرسالة؟ وكيف يرتبط هذا القرار بالذات بقدرتنا على تحقيق هذه الرسالة على أرض الواقع؟ وإلى جانب هذا البعد المرتبط بالرسالة، يواجه عضو المجلس نظاماً مالياً مختلفاً تماماً عما اعتاد عليه في الشركات، بل يمكن تشبيهه بمتاهة صغيرة يحتاج المرء إلى وقت لفهمها. فالأموال هنا نوعان: نوع أول يمكن للمؤسسة أن تستخدمه بحرية في أي مجال تريده، ونوع ثانٍ مخصص سلفاً لغرض واحد فقط، ولا يجوز إنفاقه في غير هذا الغرض. وهناك أيضاً تعقيد آخر يتعلق تحديداً بالمنح والتبرعات، فبعض هذه الأموال يكون قد وصل فعلاً إلى حسابات المؤسسة، بينما لا يزال جزء آخر مجرد وعد من جهة مانحة لم يتحول بعد إلى مبلغ حقيقي في الحساب. ولهذا السبب، يختلف أسلوب المحاسبة هنا بشكل كامل عما هو معروف في عالم الشركات التقليدية.
وحين ننتقل من هذا الإطار العام إلى تجربتي الشخصية داخل هذه المؤسسة، فقد عملت ضمن لجنة التدقيق والمالية في مؤسسة "هابيتات فور هيومانيتي"، واستغرقت أول ثلاث سنوات كاملة فقط لأتعلم كيف أكون عضواً كفؤاً في هذه اللجنة داخل بيئة عمل مختلفة تماماً عما اعتدت عليه. وبالانتقال من الجانب المالي إلى جانب آخر لا يقل أهمية، وهو طبيعة فريق العمل القائم على تنفيذ مهام المؤسسة، نجد اختلافاً كبيراً هو الآخر عما هو معتاد في الشركات. فغالباً ما يحصل موظفو المؤسسات غير الربحية على رواتب أقل بكثير مما هو سائد في عالم الشركات، رغم أنهم يتمتعون بكفاءة عالية وشغف حقيقي بعملهم، حتى وإن لم تكن لديهم الخبرة التجارية نفسها التي يمتلكها العاملون في القطاع الخاص. وعلى سبيل التوضيح، تعمل مؤسسة "هابيتات" على توسيع فرص الحصول على سكن ميسور التكلفة للجميع، ولهذا يضم فريق العمل خبرات متنوعة تماماً، من العاملين في مجال البناء والتشييد، إلى المتخصصين في تنمية الموارد، وصولاً إلى القائمين على إدارة المنح. وأما مجلس الإدارة نفسه، فيأتي أعضاؤه عادة من خلفيتين مختلفتين، إما من كبار المتبرعين للمؤسسة، أو من ذوي الخبرة السابقة في عالم الشركات. ونظراً لهذا التباين الواضح بين خلفية الفريق التنفيذي وخلفية مجلس الإدارة، فإن الأمر يستغرق وقتاً ليس بالقصير حتى يتمكن هذا المزيج المتنوع من التآلف والانسجام الحقيقي فيما بينه.
سيليا هوبر: ولننتقل الآن إلى تجربة مختلفة خضتِها، وهي عضويتك في مجلس إدارة شركة كولومبيا سبورتسوير، حيث تحتفظ العائلة المؤسسة بنفوذ واضح داخل المجلس. فكيف تنظرين إلى الفارق بين هذا النوع من المجالس وما سبق أن تحدثنا عنه؟
كريستيانا سميث شي: حين أستعيد بالذاكرة المجالس التي عملت ضمنها عبر مسيرتي، أجد أن غالبيتها كانت لشركات يقودها المؤسس نفسه أو تهيمن عليها عائلته. والفارق الجوهري هنا يكمن في مرحلة النضج التي تمر بها هذه الشركات وطبيعة قيادتها، إذ تختلف اختلافاً كبيراً عن شركة عريقة عمرها 75 عاماً وتصنف ضمن قائمة فورتشن 100 لكبرى الشركات. وإذا ظل المؤسس حاضراً وفاعلاً في إدارة شركته، يجد المرء نفسه أمام وجهين متلازمين لهذا الوضع، أحدهما إيجابي والآخر أكثر تعقيداً. أما الجانب الإيجابي، فيتمثل في أن المؤسس أو رب العائلة الذي يقود الشركة يدرك تماماً الغاية التي أُنشئت الشركة من أجلها، فهو يعرف كل تفاصيل تاريخها، ويفهم هوية العلامة التجارية وإرثها فهماً عميقاً. وينعكس هذا الارتباط العميق بالشركة على علاقته بموظفيه، الذين يكنّون له تقديراً واحتراماً صادقاً يتجاوز حدود الإدارة العليا ليصل إلى أبسط العاملين في الخطوط الأمامية، فتجد الموظف العادي يشعر بسعادة حقيقية لمجرد لقائه العابر بالمؤسس في ممرات الشركة. أما الجانب الأكثر تعقيداً، فيتمثل في صعوبة إيجاد التوازن الدقيق بين تقديم نصيحة تنسجم مع هوية العلامة التجارية وإرثها التاريخي من جهة، ومواكبة متطلبات العصر الحديث من جهة أخرى. فجزء أساسي من مهمة مجلس الإدارة يكمن في استشراف المستقبل واستقطاب أفكار جديدة من خارج الشركة، وهي مهمة قد تصطدم أحياناً بحساسية خاصة في بيئة يقودها المؤسس بنفسه.
وبصرف النظر عما إذا كانت الشركة يقودها المؤسس نفسه أو تهيمن عليها عائلته، يبقى هناك تحدٍ آخر يواجه معظم مجالس الإدارة في هذا السياق، وهو التخطيط لخلافة الرئيس التنفيذي. فحين تحتفظ العائلة بحصة مهيمنة في الشركة، حتى وإن كانت مدرجة كشركة مساهمة عامة، كثيراً ما يكون هناك وريث متوقع لقيادة الشركة مستقبلاً. غير أن هذا المسار لا يخلو هو الآخر من تعقيداته، إذ تصبح المسألة أكثر حساسية حين لا يرغب الجيل الجديد من العائلة أصلاً في تولي إدارة الشركة. وهذا التحدي لا يقتصر على الشركات العائلية وحدها، بل يظهر أيضاً في بيئة الشركات التقليدية، حين يعمل رئيس تنفيذي على إعداد أحد كوادره التنفيذية على مدى سنوات، وهو مقتنع تماماً بأنه الأنسب لخلافته في المستقبل.
سيليا هوبر: بالنسبة للقادة التنفيذيين الذين يفكرون في عضوية مجالس الإدارة كجزء من مسار تطويرهم المهني، هل تعتقدين أن المؤسسات غير الربحية تشكل أرضية تدريبية جيدة لهذه الغاية؟ وما الذي يمكنهم فعله لتعزيز فرصهم في الحصول على عضوية مجالس إدارة الشركات لاحقاً؟
كريستيانا سميث شي: أقول دائماً إن العمل ضمن مجالس المؤسسات غير الربحية يمكن أن يشكل نقطة انطلاق ممتازة نحو عضوية مجالس إدارة الشركات، سواء كانت مساهمة عامة أو خاصة. غير أن هذا الطريق يفرض عليك سقفاً عالياً من المعايير لا ينبغي التهاون فيه. فإذا كان دافعك الأساسي للانضمام إلى مجلس مؤسسة غير ربحية هو الشغف الشخصي والرغبة في خدمة مجتمعك ومساعدة الآخرين، فهذا أمر جميل بحد ذاته ولا قيود عليه. أما إذا كان هدفك اكتساب المهارات التي تؤهلك لتكون مرشحاً أقوى لعضوية مجالس إدارة الشركات مستقبلاً، فعليك عندها أن تكون انتقائياً منذ البداية، وأن تختار مؤسسة غير ربحية ذات مستوى احترافي عالٍ حقاً. وهنا تحديداً تكمن أهمية بعض المعايير الجوهرية، فلا بد أن تتمتع هذه المؤسسة بنظام مالي منظم وشفاف، وأن تعتمد هيكلاً واضحاً من اللجان، بحيث تتعلم من خلال هذا الهيكل حقيقة أساسية، وهي أن معظم العمل الفعلي يُنجز داخل اللجان لا في قاعة اجتماعات المجلس. كذلك، ينبغي أن يكون لديها فريق قيادي تنفيذي يعمل بتناغم وثيق مع مجلس الإدارة، مع نظام حوكمة واضح المعالم ومحكم التطبيق. وباختصار، إذا كانت غايتك من هذه التجربة أن تكون أرضية تدريبية حقيقية، فعليك أن تنظر إليها بالعين النقدية ذاتها التي ستستخدمها لاحقاً عند تقييم أي مجلس إدارة لشركة تجارية. وإذا أحسنت اختيار المؤسسة وتطبيق هذا المعيار، فستكتسب خبرة ثرية تجعلك مرشحاً أكثر جاذبية وتنافسية حين تسعى لعضوية مجالس إدارة الشركات مستقبلاً.
سيليا هوبر: "كريستيانا"، ما النصيحة الأخيرة التي تودين تقديمها لمن يفكرون في خوض تجربة عضوية مجالس الإدارة؟
كريستيانا سميث شي: امنح نفسك وقتاً كافياً قبل أن تقرر الانضمام إلى أي مجلس إدارة، ولا تتسرع في هذا القرار مهما بدا مغرياً. احرص على إجراء فحص دقيق وشامل قبل الموافقة، فبمجرد أن توقّع على عضويتك في مجلس ما، فأنت تدخل في شراكة حقيقية مع مجموعة من الأشخاص ستستمر معهم لفترة ليست بالقصيرة. ورغم أن بإمكانك الانسحاب في أي وقت لاحق إذا لزم الأمر، إلا أن هذا القرار نادراً ما يكون مريحاً، وقد تترتب عليه تبعات لا يستهان بها. ولهذا السبب تحديداً، ادخل هذه التجربة وأنت تحمل عقلية واحدة واضحة: "سننجح معاً كفريق واحد."
وبالإضافة إلى هذه العقلية الإيجابية التي ينبغي أن تدخل بها هذه التجربة، هناك خطوة عملية لا تقل أهمية، وهي أن تحرص على تكوين فهم حقيقي لثقافة الشركة الداخلية قبل اتخاذ قرارك النهائي. ويكون ذلك من خلال لقاء بقية أعضاء مجلس الإدارة الحاليين، وطرح سؤال جوهري على نفسك: "هل أستطيع فعلاً أن أقضي ساعات طويلة بانتظام مع هؤلاء الأشخاص وأشعر أن صوتي مسموع بينهم؟ وهل أملك القدرة على الإصغاء إليهم وفهم وجهات نظرهم بصدق؟". ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يستحسن أيضاً الالتقاء ببعض أعضاء الفريق التنفيذي، لتطرح على نفسك أسئلة لا تقل أهمية عما سبق. هل يملك الرئيس التنفيذي فريقاً كفؤاً حقاً يعمل معه؟ وهل يكن هذا الفريق للرئيس التنفيذي احتراماً صادقاً؟ وهل يبادله الرئيس التنفيذي بدوره الاحترام والتقدير؟ وبعد أن تكون قد استوفيت هذه الجوانب كلها، تبقى هناك نقطة أخيرة بالغة الأهمية، وهي أن تتوقف عند كيفية نظرة الرئيس التنفيذي أصلاً إلى مجلس الإدارة، وما الذي يسعى فعلياً لتحقيقه من هذه العلاقة. ومن الضروري أن تُجري هذا التمحيص الدقيق منذ البداية، فالأمر أشبه تماماً بشراء منزل جديد، فبمجرد أن تشتريه، يصبح ذلك الحي جزءاً من حياتك، ولن يكون بمقدورك بعدها أن تنقل المنزل إلى مكان آخر.