ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
غيّرت الشركة السويدية "إيكيا"، منذ عقود، القواعد التي كان يشتري بموجبها المستهلكون في مختلف أنحاء العالم أثاث منازلهم، فحولت تجربة التسوق من فعل روتيني بسيط إلى نمط حياة له فلسفته الخاصة. واليوم، تخطو الشركة خطوة أبعد من ذلك، إذ تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي الوكيل لإعادة تشكيل طبيعة العلاقة التي تربطها بعملائها، منتقلة بها من مجرد تعاملات بيع وشراء عابرة، إلى روابط أعمق وأكثر غنى وتفاعلاً. وفي حوار أجراه كل من "هاي لي نغوين" و "هولغر هارايس" من مؤسسة ماكنزي، يكشف "باراج باريخ"، كبير المسؤولين الرقميين في مجموعة "إنجكا"، أكبر الجهات المرخصة لتشغيل متاجر "إيكيا" حول العالم، عن كواليس هذه المسيرة الرقمية، ويوضح لماذا يرى أن ترتيب أولويات مشاريع الذكاء الاصطناعي لا يقل أهمية عن الأفكار الابتكارية نفسها التي تقف خلفها.
كيف يعيد الذكاء الاصطناعي اليوم رسم استراتيجية إيكيا وميزتها التنافسية؟
باراج باريخ: ننظر إلى تأثير الذكاء الاصطناعي من خلال ثلاثة محاور رئيسية، ينفرد كل منها بطبيعته وأولوياته. المحور الأول يتعلق بتجربة العميل، حيث تُحدث تقنيتا الذكاء الاصطناعي التوليدي والتجارة القائمة على الوكلاء الرقميين تحولاً جذرياً في طريقة تفاعل عملائنا معنا، فتنتقل بهم من علاقات تقوم على مجرد إتمام الصفقات، إلى علاقات أكثر عمقاً تنغمس في تقديم حلول متكاملة تلبي احتياجاتهم الفعلية. أما المحور الثاني فيرتبط بسلسلة الإمداد والخدمات اللوجستية، إذ نسخّر أدوات الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف التشغيلية، مع الحرص في الوقت ذاته على الحفاظ على جودة تجربة العميل، في ظل تصاعد التوجهات العالمية نحو التوطين المحلي، والتقسيم الإقليمي للأسواق، إلى جانب متطلبات الاستدامة البيئية. ثم يأتي المحور الثالث ليتناول إنتاجية العمليات المكتبية الداخلية، حيث نهدف إلى تحرير موظفينا من الأعباء الروتينية المتكررة، بما يتيح لهم توجيه جهدهم ووقتهم نحو ما يخدم العميل مباشرة ويعزز من جودة التواصل معه.
كيف ترتبون أولوياتكم بين حالات استخدام الذكاء الاصطناعي المختلفة، في ظل حجم الفرصة المتاحة؟
باراج باريخ: لدينا طريقة نتبعها لترتيب أولويات مشاريعنا في الذكاء الاصطناعي، تقوم على سؤالين بسيطين نطرحهما على كل فكرة: هل تخدم هذه الفكرة عملاءنا مباشرة أم تخدم موظفينا؟ وهل الهدف منها تحقيق نمو ومبيعات أكبر، أم تقليل التكاليف والنفقات؟ فمثلاً، حين نطوّر أنظمة تقترح على العميل منتجات تناسب ذوقه، أو نحدد له أسعاراً مناسبة، أو نمنحه تجربة تسوق ذكية تتفاعل معه مباشرة، فإن هذه المشاريع تصب كلها في خانة خدمة العميل وتحقيق النمو. أما حين نعمل على تحسين طريقة نقل البضائع وتوصيلها إلى المنازل بكفاءة أكبر، فهذا النوع من المشاريع يصب في خانة تقليل التكاليف وتحسين الكفاءة الداخلية. وبعد أن نضع كل فكرة في مكانها الصحيح، نقيّم كل واحدة منها بناء على ما ستحققه فعلياً من فائدة للأعمال وللعميل، ثم نرتبها بحسب الأولوية بشكل واضح ومدروس. والحقيقة أن الانضباط في هذا الترتيب لا يقل أهمية عن الأفكار نفسها. فالخطر الحقيقي في هذه المرحلة أن ننشغل بعشرات المشاريع في وقت واحد دون أن ننجز شيئاً ملموساً منها. لهذا نحرص كل الحرص على أن نركّز جهودنا على المحاور التي اخترناها بعناية، بدلاً من أن نترك الأفكار تتكاثر وتتفرع دون رقابة أو توجيه.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
أين تلمسون أكبر عائد ملموس على الاستثمار من الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن؟
باراج باريخ: أقوى النتائج التي نحققها حتى الآن ما زالت تأتي من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التقليدية التي أمضينا في تطويرها سنوات عديدة حتى نضجت واستقرت. وأوضح مثال على ذلك ما نسميه توزيع الطلبات بحسب الهدف المحدد لها: فنحن نملك أكثر من أربعمئة نقطة لتجهيز الطلبات وشحنها حول العالم، ونستعين بالذكاء الاصطناعي لاختيار أفضل مسار ممكن لتنفيذ كل طلب على حدة، آخذين بعين الاعتبار عوامل متعددة تحدد الخيار الأمثل. وقد ساهم هذا الأسلوب في خفض تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية بشكل ملموس. ومن المجالات الأخرى التي تحقق عائداً قوياً ومتنامياً باستمرار، عملية اقتراح منتجات إضافية أو أعلى قيمة على العميل أثناء تسوقه، إذ نستخدم الذكاء الاصطناعي لتقديم توصيات تناسب اهتماماته وتتماشى مع رحلته الشرائية بأكملها. أما على صعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي، فتبرز خدمة العملاء بوصفها الميدان الواعد المقبل، خصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع لغات متعددة وكسر حاجز اللغة بين الشركة وعملائها حول العالم، إضافة إلى أتمتة التفاعلات الروتينية المتكررة. غير أننا لم نصل بعد إلى مرحلة التوسع الكبير والملموس في هذا المجال.
كيف ستبدو تجربة العميل المستقبلية في إيكيا، وما الدور الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي في تحقيقها؟
باراج باريخ: ما نلاحظه اليوم هو تحول جذري في طبيعة رغبة العميل ونيته من الأساس. ففي السابق، كان العميل يزور موقعنا وهو يعرف تماماً ما يريد، أريكة معينة أو طاولة طعام محددة. أما اليوم، فقد بدأت هذه الرغبة تتغير بشكل ملحوظ، إذ بات العميل يقول لنا: ساعدوني في تصميم غرفة الجلوس الخاصة بي، بل ساعدوني في تشكيل نمط حياتي داخل منزلي بأكمله. وهنا بالتحديد يحدث التحول الكبير، حين يجتمع الذكاء الاصطناعي مع تقنيات مسح الغرف بالليزر، وهي تقنية استشعار عن بُعد تعتمد على أشعة الليزر لالتقاط أبعاد المكان الحقيقي وتحويلها إلى نموذج ثلاثي الأبعاد دقيق. هذا الدمج بين التقنيتين يخلق نوعاً مختلفاً تماماً من التفاعل مع العميل. فنحن نطرح على العميل بضعة أسئلة بسيطة حول الطراز الذي يفضله، والألوان التي تناسبه، والميزانية المتاحة له، ثم نعتمد على المسح الثلاثي الأبعاد لغرفته لنقدم له أربعة أو خمسة تصاميم مقترحة تكون بمثابة نقطة انطلاق ملهمة له. بعدها يختار العميل ما يعجبه، ويعدّل فيه، ويخبرنا بما لا يروق له، فنستمر معاً في تطوير الفكرة خطوة بخطوة حتى تصل إلى الصورة التي يرضى عنها تماماً. وهكذا، وبشكل مفاجئ تقريباً، ننتقل من علاقة تقوم على مجرد إتمام صفقة بيع وشراء، إلى علاقة نساعد فيها العميل فعلياً على حل مشكلة تخصه وتلامس حياته اليومية. وهذا التوجه سيتوسع أكثر فأكثر ليشمل صيغاً تعتمد على الصوت والمحادثة التفاعلية مع وكلاء رقميين. وهذا بالضبط هو المعنى الحقيقي لكيف سيغيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة تجربة العميل في قطاعنا تغييراً جذرياً وشاملاً.
ما أصعب التحديات التي واجهتموها في توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي داخل مؤسسة يعمل بها 160 ألف موظف؟
باراج باريخ: مع أي تقنية جديدة، تبقى إدارة التغيير من أكبر التحديات على الإطلاق. فقيمة أي قدرة تقنية لا تُقاس بمدى تطورها، بل بمدى نجاحنا في تطبيقها فعلياً وضمان تبني موظفينا لها، وهذا بالضبط ما نقيسه في كل منتج رقمي نطلقه، من أول خطوة فيه حتى آخر خطوة. فبعض الموظفين ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه فرصة واعدة، بينما يراه آخرون تهديداً محتملاً لدورهم الوظيفي. لذا، فإن هدفنا الأساسي هو مساعدة زملائنا على فهم هذه التقنية بشكل أعمق، وإدراك ما يمكن أن تقدمه لهم فعلياً، مع تزويدهم بالأدوات اللازمة التي تمكنهم من أداء عملهم بكفاءة أكبر. وقد بدأنا بتنظيم ورش عمل تعريفية لكبار القيادات في الشركة، كما أتممنا حتى الآن برامج تدريبية لرفع مستوى الوعي بالذكاء الاصطناعي شملت أربعين ألف موظف، إضافة إلى إطلاق مشاريع تجريبية في ثلاث دول نعمل خلالها مع سفراء ميدانيين داخل المتاجر، مهمتهم رصد التطبيقات الأكثر تأثيراً وتسليط الضوء عليها أمام بقية الفريق.
ما التحول الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في طبيعة المهارات والأدوار المطلوبة داخل القوى العاملة لديكم؟
باراج باريخ: حين أراقب حجم التغيير الذي يحدث في مؤسستنا، أجد أن أوضح صورة له تظهر داخل فريقي الرقمي أنا شخصياً، فهو أشبه بمرآة تعكس ما ينتظر بقية أقسام الشركة لاحقاً، إذ تظهر فيها ملامح التغيير بشكل جلي أكثر من أي قسم آخر. فمنذ سنوات طويلة، كان بناء أي منتج تقني يمر برحلة طويلة ومرهقة: نبدأ بجمع المتطلبات ودراستها، ثم ننتقل إلى مرحلة التصميم والبناء، فالاختبار، وأخيراً الإطلاق، وكل مرحلة تستغرق وقتها الخاص قبل الانتقال إلى التي تليها. أما اليوم، فقد جاء الذكاء الاصطناعي ليطوي هذه المراحل كلها ويضغطها في زمن أقصر بكثير، إذ أصبح بإمكاننا تجربة الأفكار وبناء نماذج أولية سريعة، ثم تعديلها وتطويرها بشكل شبه فوري، بدلاً من الانتظار أسابيع أو أشهراً لرؤية النتيجة. وهذا الإيقاع الجديد في العمل لم يقتصر أثره على سرعة الإنجاز فحسب، بل امتد ليعيد تعريف الوظائف نفسها من جذورها. فمدير المنتج الذي نعرفه اليوم، والمصمم صاحب الخبرة الطويلة، والمهندس المتمرس، لن يكونوا في السنوات القادمة كما نعرفهم الآن. أدوارهم ستتبدل، ومهاراتهم ستتطور، لتتماشى مع هذا العالم الجديد الذي تحكمه السرعة والتجريب المستمر بدلاً من الخطوات التقليدية البطيئة.
نحن نعمل على هذا الملف ضمن مبادرة نطلق عليها اسم "الرقمنة القادمة"، وهي تطرح سؤالاً محورياً: كيف يجب أن يبدو قسمنا الرقمي في عام 2028؟ وكيف نبدأ من اليوم بالتحضير لذلك المستقبل؟ لكن هذا السؤال لا يخص فريقي وحده، بل يجب أن يطرحه كل قسم في الشركة على نفسه. فإذا كنت تعمل في الموارد البشرية، أو المالية، أو التسويق، أو المبيعات، فعليك أن تسأل نفسك: أي من العمليات التي أقوم بها اليوم سيُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيلها من الأساس؟ وما هي الفرص الجديدة التي ستظهر أمامي، بعد أن كانت في السابق مكلفة جداً أو حتى مستحيلة التحقيق؟ وأنا شخصياً أؤمن بأن الأدوار الوظيفية ستتطور لا محالة، وأؤمن أيضاً أن هذا التطور سيصب في مصلحة الجميع في نهاية المطاف.
كيف تقيّمون تأثير الذكاء الاصطناعي على الموظفين، وأين تجدون التوازن بين الفرص الجديدة والتحديات المرافقة لها؟
باراج باريخ: على صعيد الخدمات التي تلامس العميل مباشرة، فتح الذكاء الاصطناعي أمامنا آفاقاً لم تكن ممكنة من قبل ضمن هيكل الأسعار الذي تقدمه "إيكيا". فقديماً، كانت مساعدة عميل واحد على تصميم غرفته تستغرق من موظفنا نحو ست ساعات كاملة في المتوسط، وكانت تكلف العميل نفسه حوالي 70 يورو مقابل الجلسة الواحدة. أما اليوم، فبفضل الأتمتة، انخفض هذا الوقت من ست ساعات إلى ما يقارب نصف الساعة فقط لكل غرفة، وهو تحول هائل في الكفاءة يصعب تخيله لو قارناه بالوضع السابق. أما على الجانب الداخلي من العمل، فالضغوط المالية التي عشناها في السنوات الأخيرة دفعتنا بالفعل إلى تقليص بعض العمليات وترشيدها، وهو ما أثر بدوره سلباً على جودة الخدمة في بعض الأقسام. لكن حين أنجح في رفع الإنتاجية عبر الذكاء الاصطناعي، فإنني في الحقيقة أمنح موظفي أو قائد الفريق وقتاً أثمن، يستطيع من خلاله الجلوس معي والتركيز على القضايا التي تحمل قيمة حقيقية، بدلاً من أن يستنزف وقته وجهده في مهام روتينية متكررة لا تضيف الكثير. وهذا بالضبط ما يتيح لنا تقديم خدمات أكثر جودة وعمقاً لعملائنا. وهو أمر يستحق منا مراقبة دقيقة ومستمرة، لأنه سيبقى في تطور مستمر خلال المرحلة المقبلة.
ما رأيكم في التجارة القائمة على الوكلاء الرقميين، وكيف ينبغي لإيكيا أن تتعامل معها؟
باراج باريخ: هذه الظاهرة في الحقيقة ليست وليدة اللحظة، وإنما هي امتداد لتحول أعمق بدأ يتشكل منذ خمسة عشر إلى عشرين عاماً. ففي الماضي كانت العلامات التجارية هي من تفرض الطريقة التي تلتقي بها بعملائها، لكن الأمر انقلب رأساً على عقب منذ فترة، وبات العميل هو من يقرر أين ومتى يريد أن يلتقي بالعلامة التي يثق بها، بينما أصبحت الشركات أمام خيار واحد: إما أن تحضر في المكان الذي يختاره العميل، أو تغيب عنه تماماً. وما لاحظناه خلال العامين أو الثلاثة أعوام الماضية هو تحول كبير في طريقة بحث الناس عن حاجاتهم، إذ تراجعت نسبة استخدام محركات البحث التقليدية بشكل لافت لصالح البحث القائم على الوكلاء الرقميين، وهو ما يعكس بوضوح أن العملاء باتوا يتقبلون هذا النمط الجديد من التجربة ويثقون به. وهذا يعني، من منظور العلامات التجارية، أن الحضور داخل هذه التجارب الرقمية الجديدة لن يكون خياراً ثانوياً، بل ضرورة لا مفر منها مستقبلاً. غير أن هناك سؤالاً لا يزال معلقاً بلا إجابة حاسمة، وهو سؤال يذكرني كثيراً بالتوتر التاريخي القديم بين محركات البحث التقليدية والأصول الرقمية الخاصة بكل علامة تجارية: هل ستبتلع منصات الوكلاء الرقميين عملية البيع والشراء بأكملها لتصبح هي المسيطرة عليها، أم أن العملية في النهاية ستعود لتصب في صالح العلامة التجارية نفسها؟ هذا هو السؤال الذي ستتكشف إجابته تدريجياً خلال السنتين إلى الخمس سنوات المقبلة. وأعترف أنه سيكون من السذاجة أن أدّعي معرفة يقينية بالوجهة التي ستؤول إليها الأمور، لكنني أميل إلى الاعتقاد بأن الطرفين، العلامات التجارية ومنصات الوكلاء الرقميين، لديهما مصلحة حقيقية في مواصلة التعاون بينهما، بدلاً من الانجرار نحو استقطاب حاد يفصل بينهما تماماً.